جماعات الضغط على البساط الأحمر

بولانسكي المغيّب... وتوم كروز المحتفى به بحرارة

«3000 سنة من الشوق»: ألبا وسونتن
«3000 سنة من الشوق»: ألبا وسونتن
TT

جماعات الضغط على البساط الأحمر

«3000 سنة من الشوق»: ألبا وسونتن
«3000 سنة من الشوق»: ألبا وسونتن

إذا ما سُلّمت الأمور لجماعات الضغط المدنية والاجتماعية، فالنتيجة قد تكون وبالاً على مدعي السينما والأسواق التجارية والمهرجانات على حد سواء.
قائمة الممنوعات ترتفع: هنا توجد نغمة معادية للتاريخ، هنا تشخيص رأي يناهض المثلية. هناك عدد غير كافٍ من الأفلام النسائية، وماذا عن التموضع السياسي؟ هل نسمح للمهرجان بعرض كل فيلم جيد بمنأى عن مصدره ورسالته لأنه خير وسيلة لتبادل الأفكار والتعريف بأساليب التعبير؟ أم نقيم حواجز ونمارس الرقابة من حيث نرفضها عند سوانا؟ رومان بولانسكي يجد نفسه في صورة سلبية بسبب سلوكه الجنسي والقضايا العالقة حالياً في بعض المحاكم الفرنسية. جماعات الضغط نجحت في إقصائه عن الفوز بجائزة سيزار الفرنسية، التي تمنحها «أكاديمية الفنون الرفيعة». في العام الماضي عندما تقدّم بفيلمه «ضابط وجاسوس» للمنافسة في سباق جوائزها (تعادل الأوسكار فرنسياً). والخوف من الإخفاق التجاري حرم الجمهور خارج فرنسا وبلجيكا وبضع أسواق أوروبية أخرى، من التمتع بفيلم ذكي وجيد التنفيذ حول قضية درايفوس الشهيرة.
في أي زمن آخر، كان يمكن لهذا الفيلم أن ينجز عشرة أضعاف ما أنجزه تجارياً (10 ملايين - 11 مليون دولار فقط في فرنسا)، لكن كيف والفيلم لم يتمتّع بما تمتّعت به أفلام أخرى لبولانسكي، بل ولم يُعرض في أي سوق ناطقة بالإنجليزية (بريطانيا، والولايات المتحدة، ونيوزيلاندا، وأستراليا... إلخ).

لقطة من فيلم «ولد من الجنة»

- مظاهرات
مهرجان «كان» في ورطة الرغبة على استحواذ كل جديد لمخرج كبير، وعدم قدرته على قبول ما قرر الفرنسيون مقاطعته. لذلك، وحسب المنتج الفرنسي لوكا بارباريشي، لم يتم اختيار فيلم بولانسكي الجديد «القصر»، في عداد الأفلام المشتركة رسمياً لا داخل المسابقة ولا خارجها.
ما سيحدث تبعاً لذلك، هو أن هذا الإنتاج التي وصلت تكلفته إلى نحو 18 مليون دولار، قد يواجه ما واجهه الفيلم السابق من عزلة وصد. يقول بارباريشي لـ«الشرق الأوسط»: «إنه أمر محزن ألا يُفرق بين الإبداع والسلوك الشخصي. لا أنفي أن لبولانسكي مشاكل سابقة ولم أسمعه ينفي ذلك بنفسه، لكن أن يحمل البعض كل تلك النيّة المبيّتة لمنعه من العمل، هذا أكثر مما يمكن تحمّله. لا يجوز».
يرفض بارباريشي التأكيد على أن فيلم «القصر» سيتوجه إلى مهرجان «فينيسيا»، كما حدث سابقاً مع «ضابط وجنتلمان» قبل عامين.
هناك قامت مظاهرة ضد الفيلم مطالبة بسحبه، لكن مدير المهرجان الإيطالي لم يذعن، وعرض الفيلم رغم الاحتجاجات. هذه المرة يجد البعض أن بولانسكي سيتوجه بفيلمه إلى «فينيسيا» مرة أخرى، ولو أن منتجه لا يود نفي أو تأكيد ذلك.
والحال في «كان» لا يتوقف عند حد. السجادة الحمراء التي يهوى كل صناع السينما السير فوقها (بعضهم كان يأخذ الصور ويدّعي أن فيلمه شهد عرضاً رسمياً إلى أن تدخلت الإدارة ووضعت حداً لذلك)، باتت منصّة سياسية. قبل يومين دهنت فتاة أوكرانية جسدها العاري بالعلم الأوكراني لتعلن موقفها من الحرب الدائرة.

الممثل والمخرج رومان بولانسكي

يوم أول من أمس، عرضت مجموعة من النساء بياناً طويلاً مطبوعاً بلفافة طولها نحو 30 متراً، تنتقد ما سمته «انتحار أنثوي» وموقع، حسب ما أتت عليه الصحافة الفرنسية، من 129 امرأة وجدن أن المناسبة قد تعزز فيلماً سيعرض في الليلة نفسها بعنوان Riposte، الذي يعرض نضال الناشطات الفرنسيات في مجال انتزاع حقوقهن.
كلا الحادثتين، الفتاة المحتجة ضد «اغتصاب الروس للأوكرانيات» حسب وصفها، وهذه المظاهرة التي لم تستمر طويلاً لكنها، كسابقتها جمعت حولها عشرات الكاميرات الجائعة لتصوير أي حدث على تلك السجادة الحمراء، تستوحيان من حقيقة أن «كان» حدث عالمي لإيصال رسالتهما، وهي تنجح في هذه الغاية، لكن لفترة قصيرة تلغيها فترة أخرى لأن الأحداث لا تتوقف عن حالة معيّنة إلا لتستبدل بها أخرى.
- بلا أقنعة
والأكثر وقعاً بالتأكيد، هو الاستقبال الكبير الذي حظي به الممثل والمنتج توم كروز. لم يسجل التاريخ قيام الحكومة الفرنسية بتخصيص ثماني طائرات لتطير فوق المدينة، تحية لممثل بألوان العلمين الفرنسي والأميركي. وعلى السجادة نفسها، وقف المندوب العام للمهرجان تييري فريمو على بعد خطوتين أو ثلاث من توم كروز وكلاهما، ومن معهما، ينظران إلى السماء حيث مرّت تلك التحية العسكرية تاركة الدهشة على الوجوه وابتسامة عريضة على وجه كروز.
بعده أم توم كروز «ماستر كلاس»، حيث عُرضت مشاهد من أفلامه المختلفة (بما فيها فيلمه الوحيد مع ستانلي كوبريك Eyes Wide Shut)؛ ومن ثَمّ عرض مشهد واحد من فيلمه الجديد «Top Gun‪:‬ Maverick»، تمهيداً للعرض في السادس والعشرين من الشهر الحالي.‬
خلال مواجهته جمهور الصالة تحدّث عن كيف أن فيلمه الجديد هذا، تأخر عن الوصول بسبب «كورونا» وقال ملاحظاً: «هنا ليس من أقنعة. أريد رؤية كل الوجوه. أشكركم. لقد صنعتم حياتي».
لكن «كان» ليس فقط ما يقع في الشارع والردهات وعلى السجادة الحمراء. أهم ما فيه ما يقع على الشاشات. وإذ تتوالى الأفلام، يتبلور حرص المهرجان الفرنسي على أن يكون قائداً في كل ما يهدف إليه وهو كثير. من السوق العاجقة إلى الإعلام الذي يجول في أنحائها، ومن الصفقات المعقودة إلى الأفلام نفسها، وهي تنتشر في كل صالة ممكنة.
- صراع مؤسسات
كثيرة هي الأفلام التي شهدت عروضها بنجاح واهتمام إلى الآن، ومنذ أن انطلقت الدورة الـ75 قبل ثمانية أيام؛ من «زمن القيامة» لجميس غراي، إلى الدراما المدروسة من المخرجة ميا هانن - لوف «صباح يوم ممتاز»، ومن «الليلة الثالثة عشرة» للفرنسي دومينيك مول، إلى فيلم «3000 سنة من الشوق» للأسترالي جورج ميلر، تتبدّل الصور وتبقى الحكايات. وكل حكاية تعكس عملاً مهمّاً أو خلاّقاً.
وسط ما شوهد من أفلام، يبرز عمل رُصد من عدد كبير من الحضور. مخرجه مصري وإنتاجه سويدي - دنماركي - ألماني وموضوعه الإسلام والدولة. صُور في تركيا (باستثناء لقطات مسجلة ومستخدمة في حدود) لأن تصويره في أماكنه الطبيعية بالقاهرة أمر مستحيل.
المخرج هو طارق صالح الذي كان لفت الانتباه قبل أربعة أعوام، عندما أخرج «The Nile Hilton». الفيلم الجديد هو «ولد من الجنة»، «Boy From Heaven»، وهو فيلم شائك على صعيد الموضوع، تماماً كما كان حال الفيلم السابق، بل أكثر.
يبحر المخرج هذه المرّة في موضوع كتبه بنفسه عن العلاقة ما بين الأمن الوطني وبالتالي الدولة المصرية، وبين الأزهر ويدفع باتجاه تصوير، أن الأول هو من يقرر من سيقود الأزهر الشريف مؤسسة دينية. بل يقترح أنها مستعدة للتضحية بالإمام قتلاً لأجل تعيين إمام تثق به، إلى جانب ارتكاب حالات قتل بالتعاون مع شراذم مسلّحة للغاية.

الممثل توم كروز

الطريق التي يختارها المخرج لطرح حبكته متعرّجة. هناك الصراع حول الخلافة بين الحكومة والإخوان المسلمين داخل الأزهر. ومن ثَمّ هناك جريمة قتل تقع داخل الأزهر نفسه، حيث يُصفّى جاسوس أول، عيّنته الحكومة، وتوكيل شاب آخر بأن يكون الجاسوس الذي يعيل الأمن، لكي ينقل أخبار الأزهر وما يموج فيه.
لا يكيل الفيلم ضد الحكومة فقط، بل ضد الأزهر كذلك، متحدثاً عن فساد مستشرٍ. يكفي أنه مصوّر على أنه مقر مؤامرات وجرائم وتنافس قوى شرسة. نتيجة كل ذلك أن الفيلم لديه حنكة الفيلم التشويقي منفّذة بدرجة لا بأس بها، لكنه قائم على تبسيط قضايا هي بالقدر ذاته صعوبة الطرح. ما يحاول المخرج طرحه هو إعلان موقف من الحكومة المصرية ومن الأزهر في الوقت نفسه، كوجهين لعملة واحدة. لكن الفيلم يفلت من يدي صاحبه ليتحوّل إلى عمل يأمل في جذب الانتباه كفيلم تشويقي. هذا يذكر بفيلمي رون هوارد «ذا دافينشي كود» (2006)، و«ملائكة وشياطين» (2009). ما وراء هذا الفشل عاملان: كثرة المتعرّجات والمسائل المطروحة من جهة، وعدم دخول المخرج صلب القضايا بل توقفه عند ظواهرها ما يجعل الفيلم سرداً حكائياً مصنوعاً باعتدال لا أكثر.


مقالات ذات صلة

«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين - 7... الوحدة تجمع عالمَيْن في فيلمَيْن أفريقي وألماني

يوميات الشرق «الرجل الأكثر وحدة في المدينة»... الموسيقى آخر شكل من أشكال الرفقة (مهرجان برلين)

«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين - 7... الوحدة تجمع عالمَيْن في فيلمَيْن أفريقي وألماني

هناك الفيلم المبني على الشخصية الفردية وتلك الجماعية، والأفلام التي تتحدَّث عن الحاضر وتلك التي تنتقل إلى الماضي...

محمد رُضا (برلين)
سينما «لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف.

محمد رُضا (برلين)
سينما دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً.

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)

أكثر من 80 ممثلاً ومخرجاً ينددون بـ«صمت» مهرجان برلين السينمائي حيال غزة

ندّد أكثر من 80 مخرجاً وممثلاً، بينهم الإسباني خافيير بارديم، والبريطانية تيلدا سوينتون، بـ«صمت» مهرجان برلين السينمائي حيال غزة.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق ليلى بوزيد تتوسط ماريون باربو وهيام عباس وسلمى بكار وفريال الشماري وآية بوترعة (إ.ب.أ)

ثيمة «العودة» تهيمن على أفلام «برلين»... حكايات مواجهة الذات والمجتمع

ثيمة العودة تتكرر كثيراً في أفلام المهرجانات والعروض التجارية كل عام.

محمد رُضا (برلين)

ترمب يلتقي زعيم فيتنامي ويتعهد بإزالة هانوي من قوائم الحظر

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

ترمب يلتقي زعيم فيتنامي ويتعهد بإزالة هانوي من قوائم الحظر

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

التقى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الجمعة، ​بالأمين العام للحزب الشيوعي الفيتنامي الحاكم تو لام، وقال إنه سيعمل على إزالة هانوي من ‌قوائم الدول المحظور ‌حصولها على التكنولوجيا ​الأميركية ‌المتقدمة، وذلك بحسب ​ملخص للمحادثات ⁠نُشر على الموقع الإخباري للحكومة الفيتنامية.

وعقد أول لقاء رسمي بينهما في البيت الأبيض بعد ⁠أن حضر لام الاجتماع ‌الافتتاحي ‌لمجلس السلام في ​واشنطن.

وجاء ‌الاجتماع عقب الإعلان ‌عن صفقات بقيمة تزيد على 30 مليار دولار، ستشتري بموجبها شركات الطيران ‌الفيتنامية 90 طائرة من شركة بوينغ الأميركية ⁠لصناعة ⁠الطائرات.

وأعلن ترمب أمس الجمعة فرض رسوم جمركية جديدة بنسبة 10 بالمئة على معظم الواردات من جميع البلدان، بعد أن ألغت المحكمة العليا بعض الرسوم الجمركية ​الشاملة التي فرضها ​في وقت سابق.


مقتل 3 أشخاص في قصف أميركي لسفينة في شرق المحيط الهادي

لقطة لقارب استهدفته غارة أميركية في الكاريبي (أرشيفية - رويترز)
لقطة لقارب استهدفته غارة أميركية في الكاريبي (أرشيفية - رويترز)
TT

مقتل 3 أشخاص في قصف أميركي لسفينة في شرق المحيط الهادي

لقطة لقارب استهدفته غارة أميركية في الكاريبي (أرشيفية - رويترز)
لقطة لقارب استهدفته غارة أميركية في الكاريبي (أرشيفية - رويترز)

قال الجيش ​الأميركي إنه قصف سفينة في شرق المحيط الهادي، مما أسفر ‌عن مقتل ‌ثلاثة ​رجال، ‌في ⁠أحدث واقعة ​من هذا ⁠النوع خلال الأشهر القليلة الماضية.

وتشيد إدارة ⁠الرئيس دونالد ‌ترمب ‌بنجاحها ​في ‌تدمير سفن ‌يشتبه في تهريبها للمخدرات في المنطقة.

وقال الجيش الأميركي في ‌منشور على منصة إكس إن السفينة ⁠كانت «⁠تشارك في عمليات تهريب مخدرات».


«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».