«مستقبل الاستثمار» ترسم خريطة طريق عالمية للاستدامة

عقدت بلندن قمة للحوكمة في الأسواق الناشئة

ريتشارد أتياس المدير التنفيذي لمؤسسة «مبادرة مستقبل الاستثمار» (واس)
ريتشارد أتياس المدير التنفيذي لمؤسسة «مبادرة مستقبل الاستثمار» (واس)
TT

«مستقبل الاستثمار» ترسم خريطة طريق عالمية للاستدامة

ريتشارد أتياس المدير التنفيذي لمؤسسة «مبادرة مستقبل الاستثمار» (واس)
ريتشارد أتياس المدير التنفيذي لمؤسسة «مبادرة مستقبل الاستثمار» (واس)

بوسط العاصمة البريطانية لندن، عاصمة المال والأعمال الأهم على مستوى العالم، وفي فندق «روزوود» شديد الفخامة، على بعد دقائق سيراً عن مركز المال (ذا سيتي)، عقدت مؤسسة «مبادرة مستقبل الاستثمار» السعودية قمتها العالمية أمس (الجمعة)، تحت عنوان «الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات في الأسواق الناشئة»، وذلك بمشاركة أكثر من 40 من القادة والخبراء الدوليين، ومستثمرين، وقادة فكر، وصانعي سياسات، ومديرين تنفيذيين عالميين.
وفي كلمته الافتتاحية للقمة التي حضرتها افتراضياً «الشرق الأوسط»، قال ريتشارد أتياس المدير التنفيذي لمؤسسة «مبادرة مستقبل الاستثمار»، إن كوكب الأرض يعاني من مشاكل كبيرة مع المناخ بسبب تدمير الطبيعة والسلام والأمن، مؤكداً أن الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات من الأدوات المهمة لتوجيه رأس المال لمواجهة مختلف المشاكل والتحديات.
وأضاف أتياس أن التقديرات تشير إلى أن الجهود المبذولة للتصدي لتغير المناخ وتحقيق أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة بحلول عام 2030 تعاني نقصاً في التمويل بقيمة من 5 إلى 7 تريليونات دولار سنوياً، وأنه نظراً لهذه الفجوة التمويلية، فمن غير المرجح أن تتصدى الحكومات وحدها للأولويات الملحة لكوكب الأرض التي تمثلها أهداف التنمية المستدامة، ما يعني أن الاستفادة من قوة رأس المال ستكون أمراً لا غنى عنه.
وتابع أن التقديرات تشير أيضاً إلى أن طلب المستثمرين في معايير الاستدامة البيئية والاجتماعية والمؤسسية سيواصل نموه السريع من إجمالي الأصول البالغة حالياً 41 تريليون دولار إلى 53 تريليون دولار بحلول عام 2025 (أي نحو ثلث الأصول المدارة العالمية بحلول ذلك الوقت)... محذراً من أنه «وبينما يعد استخدام معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات لاتخاذ قرارات الاستثمار في ازدهار عالمي، فإن عدم وجود إطار للتنفيذ الفعال للحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات في الاقتصادات الناشئة يمثل حجر عثرة للمستثمرين. ومن خلال إطار قياس الملكية الخاص بمعهد مبادرة مستقبل الاستثمار، الذي تم تطويره بالتعاون مع المستثمرين والشركات العالمية والشركاء الاستراتيجيين، ستكون لدينا أخيراً الأداة المطلوبة لتطوير استراتيجيات الاستثمار المستدام في هذه الأسواق».
وخلال الفعاليات، كشفت مؤسسة «مبادرة مستقبل الاستثمار» عن إطار عمل شامل جديد للحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات (ESG) ومنهجية للتسجيل، والذي تم تطويره لتسريع استثمارات الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات في الاقتصادات الناشئة.
ويتماشى هذا الحدث، الذي يحقق ركيزة للمؤسسة، مع مجال تركيزه المتمثل في الاستدامة، حيث تعمل المؤسسة للتأثير على الإنسانية عبر أربعة مجالات تركيز: الذكاء الصناعي وعلوم الروبوت، والتعليم، والرعاية الصحية، والاستدامة. وهذا الحدث هو جزء من سلسلة من الأحداث التي تستضيفها المؤسسة، والتي ستتوج في النسخة السادسة من منتدى مستقبل الاستثمار السنوي في الرياض بالمملكة العربية السعودية، في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.
وكان من أبرز المشاركين في القمة، ياسر الرميان محافظ صندوق الاستثمارات العامة السعودي، رئيس مجلس إدارة مؤسسة «مبادرة مستقبل الاستثمار»، ورئيس مجلس إدارة شركة «أرامكو السعودية». كما شاركت رانيا نشار، رئيس الإدارة العامة للالتزام والحوكمة في صندوق الاستثمارات العامة، وكذلك كل من الدكتورة ياسمين فؤاد وزيرة البيئة في مصر، ولاري فينك الرئيس التنفيذي لشركة «بلاك روك»، ورئيس وزراء إيطاليا السابق ماتيو رينزي، ونويل كوين الرئيس التنفيذي العالمي لمجموعة «إتش إس بي سي»، وعمدة مدينة لندن اللورد فنسنت كيفيني.
وتضمنت جلسات القمة المتعددة على مدار اليوم، جلسة حول «المال والطاقة: السباق إلى صافي انبعاثات صفرية بحلول عام 2050»، حيث بحث المشاركون في الجلسة التعهدات التي أعلنها الأطراف في مؤتمر الأمم المتحدة المعني بتغير المناخ في غلاسكو والمتعلقة بتسريع إزالة الكربون، مؤكدين أهمية اتخاذ إجراءات لإبطاء ظاهرة الاحتباس الحراري، والعمل على بلوغ هدف اتفاق باريس المتمثل في الحد من ارتفاع درجة الحرارة أكثر من 1.5 درجة مئوية فوق مستوى ما قبل الثورة الصناعية.
كما بحثت القمة أهمية التمويل ودور القطاع المالي الخاص في التحفيز للانتقال إلى عالم أكثر اخضراراً، مع أهمية توسيع نطاق التعاون بين الحكومات والهيئات متعددة الأطراف وأسواق رأس المال بهدف تقييم المشاريع وتمويلها بناء على تأثيراتها ومخاطرها البيئية.
وخلال الجلسات، قال ديفيد شويمر الرئيس التنفيذي لمجموعة بورصة لندن، إن التحول إلى الاقتصاد الخالي من الكربون يتطلب تمويلاً ضخماً، وإن «هناك حاجة كبيرة لتريليونات من الأموال لتأمين التحول من الاقتصاد الكربوني إلى الاقتصاد الخالي من انبعاثات الكربون، وهنا يبرز دورنا في قيادة هذا التحول، فنحن نلعب دور الوسطاء... لذلك نمضي كثيراً من الوقت مع مصدري السندات الذين يتوجب عليهم التكيف مع المتغيرات». وتابع: «نحن نعمل على مساعدتهم ليدركوا أن تطلعاتهم لتحقيق الاستدامة لديها أثر كبير على تكلفة التمويل».
من جانبه، أشار نويل كوين، الرئيس التنفيذي لبنك «إتش إس بي سي»، إلى أن البنك يهدف لأن يكون في الريادة فيما يخص تمويل تطوير القاعدة الصناعية لتصبح منخفضة الكربون وأكثر استدامة بيئياً. وقال: «نقوم اليوم بتمويل القاعدة الصناعية، قمنا بتوفير التمويل لقاعدة التصنيع في آسيا، كما قمنا بتمويل قطاع النفط والغاز في منطقة الشرق الأوسط، ونهدف اليوم لمساعدة قاعدة التصنيع للانتقال إلى الثورة المقبلة»، مضيفاً: «نود أن نكون في الريادة فيما يخص تمويل تطوير القاعدة الصناعية لتصبح منخفضة الكربون وأكثر استدامة بيئياً». وتسعى مؤسسة «مبادرة مستقبل الاستثمار» - التابعة لصندوق الاستثمارات العامة السعودي والتي تم تأسيسها عام 2019 - إلى وضع منهجية جديدة أساسها تقييم الحوكمة البيئية والاجتماعية وبناء إطار عمل عادل وشامل يكون أساساً للمبادرة.
وتجمع المبادرة قادة دول وشركات وصانعي سياسات ومستثمرين ومبتكرين من جميع أنحاء العالم في منتدى عالمي لاستكشاف حلول رائدة تتصدى لتحديات المجتمع، والعمل على تحقيق تلك الحلول.


مقالات ذات صلة

مقتل 22 شخصاً على الأقل جراء أمطار غزيرة في البرازيل

العالم طرق مغطاة بالطين في جنوب شرقي البرازيل بعد هطول أمطار غزيرة (د.ب.أ)

مقتل 22 شخصاً على الأقل جراء أمطار غزيرة في البرازيل

كشفت السلطات المحلية اليوم الثلاثاء أن ما لا يقل عن 22 شخصاً لقوا حتفهم بعد هطول أمطار غزيرة على ولاية ميناس جيرايس جنوب شرقي البرازيل.

«الشرق الأوسط» (برازيليا)
يوميات الشرق الشتاء في فنلندا يستمر ما بين مائة ومائتي يوم (رويترز)

حيث لا يذوب الجليد: ما أكثر دول العالم برودة؟

تشهد ولايات عدة في شمال شرقي الولايات المتحدة حالياً عاصفة ثلجية قوية، دفعت السلطات إلى إصدار تحذيرات لأكثر من 40 مليون نسمة، بسبب سوء الأحوال الجوية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الولايات المتحدة​ باراك أوباما مع ترمب خلال جنازة الرئيس جيمي كارتر (أ.ف.ب)

ترمب ينقض قرارات أوباما المناخية بعدّها «عملية احتيال»

نقض الرئيس الأميركي دونالد ترمب قرارات اتخذها سلفه باراك أوباما عام 2009 كأساس لجهود الولايات المتحدة في تنظيم انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

إدارة ترمب ستلغي الأساس القانوني للتشريعات الأميركية المتصلة بالمناخ

من المقرر أن يلغي الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، نصاً يُشكّل الأساس القانوني للتشريعات التي تُكافح انبعاث غازات الدفيئة في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
بيئة سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)

2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

أعلن مرصد «كوبرنيكوس» الأوروبي ومعهد «بيركلي إيرث» الأميركي، الأربعاء، أن 2025 كان ثالث أحرّ الأعوام المسجلة على مستوى العالم.

«الشرق الأوسط» (باريس)

ليبيا: تدفقات النفط من حقل «الشرارة» يتم تحويلها تدريجياً بعد اندلاع حريق

حقل الشرارة النفطي الليبي (رويترز)
حقل الشرارة النفطي الليبي (رويترز)
TT

ليبيا: تدفقات النفط من حقل «الشرارة» يتم تحويلها تدريجياً بعد اندلاع حريق

حقل الشرارة النفطي الليبي (رويترز)
حقل الشرارة النفطي الليبي (رويترز)

قالت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا في وقت مبكر، الأربعاء، إن تدفقات النفط من حقل الشرارة يتم تحويلها تدريجياً عبر خطوط أنابيب بديلة بعد اندلاع حريق، مضيفة أن الإنتاج لا يزال مستمراً ولم تقع أي إصابات.

وذكرت في بيان: «إنتاج حقل الشرارة مستمر بعد أن تم تحويل الضخ بشكل تدريجي على خط حقل الفيل إلى ميناء مليتة، في حين تم تحويل الجزء الآخر عبر خط الحمادة... إلى خزانات الزاوية، وهو ما يحقق التقليل من الخسائر بشكل كبير».

وقال ثلاثة مهندسين في الحقل، وفقاً لـ«رويترز»، إن الإنتاج في حقل الشرارة يجري إيقافه تدريجياً عقب انفجار في أحد خطوط أنابيبه. وأوضح أحد المهندسين: «صدرت تعليمات بوقف الإنتاج تدريجياً».

وتوقعوا أن تستغرق أعمال الصيانة يومين تقريباً، بما في ذلك الوقت اللازم لتقييم حجم الأضرار.

وقالت المؤسسة الوطنية للنفط، إن الحريق نتج من تسرب بأحد الصمامات على خط تصدير النفط الخام من حقل الشرارة.

وحقل شرارة أحد أكبر مناطق الإنتاج في ليبيا؛ إذ تتراوح طاقته الإنتاجية بين 300 ألف و320 ألف برميل يومياً.

ويرتبط الحقل بأكبر مصفاة عاملة في البلاد، وهي مصفاة الزاوية، التي تبلغ طاقتها الإنتاجية 120 ألف برميل يومياً وتبعد نحو 40 كيلومتراً غرب العاصمة طرابلس.

ويقع حقل الشرارة في جنوب غرب ليبيا، ويديره مشروع مشترك بين المؤسسة الوطنية للنفط، عبر شركة «أكاكوس» للعمليات النفطية، مع شركة «ريبسول» الإسبانية و«توتال إنرجيز» الفرنسية و«أو إم في» النمساوية و«إكوينور» النرويجية.

ونُشرت لقطات على الإنترنت، لم يتم التحقق منها، تظهر سحباً كبيرة من الدخان الأسود تتصاعد في السماء في منطقة صحراوية.

وتعرض إنتاج النفط الليبي لحالات توقف متكررة لأسباب سياسية وفنية مختلفة ومطالب محتجين محليين منذ الانتفاضة التي دعمها حلف شمال الأطلسي عام 2011 وأطاحت معمر القذافي.


كوريا الجنوبية ترفع مستوى التحذير بشأن النفط إلى المستوى الثاني

رجل يملأ خزان سيارته بالوقود في محطة بنزين بسيول في اصطفاف طابور من السيارات بكوريا الجنوبية 9 مارس 2026 (رويترز)
رجل يملأ خزان سيارته بالوقود في محطة بنزين بسيول في اصطفاف طابور من السيارات بكوريا الجنوبية 9 مارس 2026 (رويترز)
TT

كوريا الجنوبية ترفع مستوى التحذير بشأن النفط إلى المستوى الثاني

رجل يملأ خزان سيارته بالوقود في محطة بنزين بسيول في اصطفاف طابور من السيارات بكوريا الجنوبية 9 مارس 2026 (رويترز)
رجل يملأ خزان سيارته بالوقود في محطة بنزين بسيول في اصطفاف طابور من السيارات بكوريا الجنوبية 9 مارس 2026 (رويترز)

رفعت وزارة التجارة والصناعة والموارد المعدنية بكوريا الجنوبية مستوى التحذير بشأن النفط الخام إلى المستوى الثاني، يوم الأربعاء، لترفع بذلك مستوى الخطر، مقارنة بالإعلان الذي أطلقته منذ 13 يوماً.

ونقلت هيئة الإذاعة الكورية عن الوزارة القول إن القرار يعكس ازدياد احتمالية طول أمد الوضع بالشرق الأوسط، مما يؤدي لارتفاع أسعار النفط عالمياً، ويفاقم سوء ظروف نقل النفط الخام ويزيد الغموض بشأن سلاسل الإمداد والتجارة والصناعة.

وقررت الحكومة الإبقاء على مستوى التحذير من المستوى الأول بالنسبة للغاز الطبيعي، في ظل وجود احتياطي كاف وانخفاض الطلب، على الرغم من المخاوف بشأن ارتفاع الأسعار عالمياً.

كانت الرئاسة الكورية الجنوبية (البيت الأزرق) قد أعلنت تأمين تعهد من الإمارات بتوريد 24 مليون برميل من النفط الخام بصفة «أولوية قصوى».

وصرّح كانغ هون سيك، كبير موظفي الرئيس لي جيه ميونغ، عقب عودته من الإمارات، بأن أبوظبي أكدت بوضوح أنه «لن تكون هناك دولة تتلقى النفط قبل كوريا الجنوبية»، مما يضع سيول في المرتبة الأولى لإمدادات الخام الإماراتي؛ لمواجهة تداعيات الصراع الإقليمي.

وتتضمن الخطة استيراد 18 مليون برميل، بشكل عاجل، عبر مسارات بديلة تتجنب مضيق هرمز المغلَق فعلياً. وبينما لم يجرِ الكشف عن الجدول الزمني الدقيق للتسليم، أظهرت بيانات «كبلر» أن ناقلتين عملاقتين تحملان 4 ملايين برميل من خام مربان شُحنتا من ميناء الفجيرة، ومن المتوقع وصولهما إلى كوريا في 29 مارس (آذار) الحالي و1 أبريل (نيسان) المقبل. وسيجري نقل هذه الإمدادات الطارئة عبر أسطول مكوّن من 3 سفن ترفع عَلَم الإمارات و6 سفن ترفع عَلَم كوريا الجنوبية.


الشركات الناشئة العربية تجذب المستثمرين رغم ضجيج الحرب

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)
TT

الشركات الناشئة العربية تجذب المستثمرين رغم ضجيج الحرب

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)

في وقت تفرض فيه التوترات الجيوسياسية والحرب الإقليمية ظلالها على المشهد العام، تثبت منظومة الشركات الناشئة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مرونة استثنائية وقدرة على جذب رؤوس الأموال المحلية والدولية. فالاستثمار في التكنولوجيا لم يعد مجرد خيار تكميلي، بل تحول إلى رهان استراتيجي يستفيد من تسارع التحول الرقمي وحالة الاستقرار التي تفرضها الحكومات القيادية في المنطقة.

«أفضل وقت للاستثمار واقتناص الفرص هو عندما يكون هناك خوف وعدم يقين»، وفق ما شرح المؤسس والشريك الإداري في «بلاس في سي» (Plus VC) للاستثمار الجريء، حسن حيدر، لـ«الشرق الأوسط».

وكانت الشركة قد دعمت أكثر من 250 شركة ناشئة في 15 دولة عبر الشرق الأوسط، وأعلنت في نهاية العام الماضي أنها تخطط لتمويل نحو 40 شركة ناشئة في 2026، مع التركيز على صفقات في السعودية.

وأكد حيدر أن «قطاع التكنولوجيا والخدمات الرقمية يستفيد، وحتى الحرب لا تستطيع إيقاف التحول الكبير نحو الخدمات الرقمية في المنطقة».

وأشار إلى أن التوترات الإقليمية دفعت الكثيرين إلى اعتماد الأدوات الرقمية وخدمات التوصيل عبر الإنترنت أكثر من السابق، مما خلق فرصاً استثمارية كبيرة للشركات الناشئة التي تقدم حلولاً مبتكرة.

طفرة في رأس المال الجريء

وفق بيانات شركة «ماغنيت»، جمعت شركات ناشئة في المنطقة 3.8 مليار دولار عبر 688 صفقة في 2025، بزيادة 74 في المائة على أساس سنوي، مع استحواذ السعودية والإمارات على الجزء الأكبر من التمويلات، ونحو نصف رأس المال من مستثمرين دوليين.

ويرى حيدر أن الاستثمار في المنطقة لا يعتمد فقط على الفرص الحالية، بل على نضوج المنظومة بالكامل، موضحاً أن «العقد الماضي كان لإثبات أن رأس المال الجريء يمكن أن ينجح في المنطقة، والعقد المقبل سيكون لإثبات مدى حجم هذه الفرص».

شعار «تشات جي بي تي» وكلمة الذكاء الاصطناعي في رسم توضيحي (رويترز)

تحول هيكلي

حيدر، الذي بدأ الاستثمار في المنطقة منذ عام 2010، أوضح أن منظومة الشركات الناشئة تغيرت جذرياً؛ فمن أقل من 100 شركة ناشئة سنوياً في كامل المنطقة قبل عقد ونصف العقد، إلى نحو 2000 شركة اليوم. فالسوق، حسب حيدر، أصبحت أكثر تنظيماً، فيما دعمت الحكومات رأس المال، وتم تأسيس صناديق استثمارية محلية ودولية. كما ظهرت مسارات الاكتتاب العام الواقعية، بالإضافة إلى التداولات الثانوية التي توفر سيولة للمستثمرين والمؤسسين.

وقال إن «الأسواق مثل السعودية والإمارات أصبحت ركيزتين إقليميتين... والإيمان بالمنظومة يجذب المؤسسين ورؤوس الأموال والاهتمام العالمي».

فرص غير مستغلة

أكد حيدر أن سر جاذبية المنطقة يكمن في وجود فرص هائلة غير مستغلة وقطاعات حيوية لا تزال في مراحل الرقمنة الأولى، مدعومة بجيل من المؤسسين الطموحين ذوي الخبرات الدولية الذين اختاروا العودة لبناء كيانات تقنية تعالج تحديات محلية وعالمية في آن واحد. ورأى أن هذا الحراك يحظى بغطاء حكومي استراتيجي وواضح، يمنح المستثمرين الثقة اللازمة.

وفي مقارنة لافتة مع الأسواق الناشئة الأخرى، أشار حيدر إلى أن مناطق مثل جنوب شرقي آسيا باتت تواجه تحديات حقيقية في «مسارات الخروج» ونقصاً في السيولة، في حين تبرز المنطقة العربية -خصوصاً السوق السعودية- بصفتها بيئة استثنائية توفر قنوات حقيقية للتسييل عبر الاكتتابات العامة والمعاملات الثانوية المنظمة.

اتجاهات جديدة تعزز الفرص

كشف حيدر عن أربعة اتجاهات جوهرية تعزز من تنافسية منطقة الشرق الأوسط في الوقت الراهن، وهي:

1. النضوج المالي للمستثمرين: تحول جذري من مفهوم «التمويل التنموي» إلى التمويل القائم على الأداء الاستثماري المحض، حيث أصبح قياس النجاح يعتمد على العوائد المالية الحقيقية والمردود الربحي بدلاً من مجرد كثافة النشاط.

2. ديناميكية «مخارج الاستثمار»: توفر بيئة خروج واقعية مدعومة بسيولة عالية، حيث تتيح الاكتتابات العامة والأسواق الثانوية خيارات مرنة للمؤسسين والمستثمرين لاسترداد وتدوير رؤوس أموالهم.

3. التوظيف العملي للذكاء الاصطناعي: تجاوزت المنطقة مرحلة الشعارات التسويقية إلى التطبيق الفعلي؛ إذ يتم الآن ابتكار حلول ذكاء اصطناعي تعالج مشكلات تشغيلية معقّدة في قطاعات اللوجيستيات والبرمجيات المؤسسية.

4. النهضة التقنية والصناعية (Deep Tech & Hardware): صعود موجة جديدة من الشركات التي تقدم حلولاً تقنية و«هاردوير» متقدمة لمعالجة قضايا مصيرية مثل أمن الطاقة والمياه والتصنيع المتطور، وهو توجه يجد صدىً واسعاً لدى المستثمرين المستعدين لدعم مشاريع استراتيجية طويلة الأمد.

التحديات والرؤية المستقبلية

على الرغم من القفزات النوعية التي حققتها المنطقة، لا يزال «الوصول إلى التمويل» يمثل عقبة هيكلية قائمة؛ إذ تشير البيانات إلى أن مساهمة رأس المال الجريء في الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة لا تزال دون مستوى 0.1 في المائة، وهي فجوة واسعة عند مقارنتها بنسبة 1 في المائة بالولايات المتحدة، مما يعكس حجم الفرص الكامنة التي لم تُستغل بعد.

ومع ذلك، يبدي حيدر تفاؤلاً كبيراً بقدرة المنطقة على تجاوز هذه المرحلة، معولاً على الدور المحوري للحكومات في إرساء دعائم الأمان والاستقرار، حيث قال: «نأمل في حدوث تحول إيجابي وعودة الأمور إلى طبيعتها، لكننا نؤمن بشدة بقدرة حكوماتنا على تجاوز هذه الأوقات الصعبة، وتوفير بيئة مستقرة تمنحنا الثقة للاستمرار».

ويختتم حيدر رؤيته بالتأكيد على أن قطاع الاستثمار الجريء قد تجاوز مرحلة التشكيك، قائلاً: «لم نعد اليوم في مرحلة التساؤل عما إذا كانت الشركات الناشئة مهمة لاقتصادنا أم لا، بل انتقلنا إلى مرحلة استراتيجية جديدة تركز على كيفية التوسع والتضاعف، وإثبات الإمكانات الحقيقية والكاملة لهذه المنظومة على الساحة العالمية».

Your Premium trial has ended