برشلونة الوادعة لم تعد بمنأى عن المتشددين

توقيفات بالجملة في أوساط «الخلايا» المتطرفة.. و«غيتوات» ناشئة على أطراف المدن الكبرى

برشلونة الوادعة لم تعد بمنأى عن المتشددين
TT

برشلونة الوادعة لم تعد بمنأى عن المتشددين

برشلونة الوادعة لم تعد بمنأى عن المتشددين

باستثناء الأمطار الهاطلة بغزارة على برشلونة، عاصمة مقاطعة كتالونيا، التي أفرغت جادة «لارامبلاس» من روادها، لم يتغير شيء في اهتمامات سكان المدينة وزوارها الكثر. المعنويات مرتفعة للغاية بعد فوز نادي المدينة لكرة القدم «إف سي برشلونة» ببطولة إسبانيا واستعداده للمنازلة الحاسمة ليل 6 يونيو (حزيران) القادم ضد خصمه يوفنتوس، نادي مدينة تورينو الإيطالية للفوز ببطولة الأندية الأوروبية. وإن سألت نادل المقهى أو سائق التاكسي عن توقعاته، سيأتيك الجواب قاطعا: بالطبع برشلونة.
هذه المدينة الفخورة بإرث أنطوني غاودي، المهندس المعماري الذي ترك بصماته على الكثير من مبانيها المزخرفة ذات الخطوط الملتوية، لا تعير اهتماما كبيرا لما يقال، أو يكتب هنا وهناك عن وجود خلايا متشددة في أحيائها أو في أحياء مدن وقرى كتالونيا، المقاطعة الطامحة للانفصال عن إسبانيا. والحال أن كتالونيا لا تشذ عن القاعدة. فالموجة المتطرفة التي عرفتها باريس مثلا بداية شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، وما تبعها من تعبئة أجهزة الأمن والشرطة لتفكيك الخلايا النائمة عبرت جبال البيرينيه التي كان يسميها العرب أيام الأندلس السعيد «البرانس». فأجهزة الأمن الإسبانية في كتالونيا معبأة أيضا، والاعتقالات تتواتر، والجميع يتذكر ما عرفته العاصمة مدريد صباح 11 مارس (آذار) 2004 عندما انفجرت أربع قنابل موضوعة في أربعة قطارات أوقعت 191 قتيلا ونحو ألفي جريح.
قبل شهر ونصف، ألقت أجهزة الأمن الإسبانية في كتالونيا (مدينة برشلونة وضواحيها) القبض على 11 شخصا متهمين بالانتماء إلى خلية كانت تخطط لارتكاب عمليات إرهابية في مقاطعة كتالونيا. وبحسب ييان صدر وقتها عن الشرطة، فإن الأشخاص الموقوفين، الذين تتراوح أعمارهم ما بين 17 و45 عاما، «ضالعون في أعمال جرمية على علاقة بالإرهاب، وتحديدا تنظيم داعش». وخلال عملية التوقيف التي شارك فيها نحو 250 رجل أمن، عثر على أسلحة وقنابل وسكاكين وصور للمواقع التي كانت الخلية تريد استهدافها. وبحسب الشرطة، فإن الخلية كانت تخطط، إلى جانب التفجيرات على أنواعها، خطف أشخاص وقطع رؤوسهم على غرار ما يفعله تنظيم داعش. لكن المراقبة الدائمة التي كان يمارسها الأمن على أفراد الخلية منذ نحو العام مكنته من اعتقال كل أفرادها قبل أن يباشروا بتنفيذ مخططهم.
عندما سألنا رامون، سائق التاكسي عن «المتطرفين» وعن التوقيفات هز رأسه، كإشارة إلى أنه «غير قلق»، بعكس خورخي، حارس الفندق، الذي «لا يريد أن يراهم». أما إيزابيل، وهي موظفة في مؤسسة دولية في برشلونة، فتقول إنها تتحاشى بعض الأحياء لتلافي اللقاءات «غير المرغوب بها».
قصة إسبانيا والإرهاب ليست جديدة. فخلال عقود عانت إسبانيا من إرهاب الانفصاليين الباسك (إيتا) الذين كانوا يوزعون قنابلهم في كل مكان. لكن إسبانيا اليوم تعاني من إرهاب «جديد»، لم يعد «أبطاله» فقط من المقيمين المغاربة على أراضيها، بل أيضا من الإسبان الذين اعتنقوا الدين الإسلامي تحت تأثير تنظيمات متطرفة تنشط في الكثير من المناطق الإسبانية، وتحديدا في كتالونيا.
ومن بين الـ11 الموقوفين في أبريل (نيسان) الماضي هناك خمسة تحولوا إلى الإسلام حديثا، وهي ظاهرة موجودة في فرنسا وبلجيكا وغيرهما. ومنذ بداية العام الحالي أوقفت الشرطة ما يزيد على أربعين شخصا أودعوا السجون، آخرهم اثنان يحملان الجنسية المغربية، اعتقلا في برشلونة قبل عشرة أيام، وقبلهما اعتقلت امرأة مغربية كانت «تجند» نساء من إسبانيا وبلدان أوروبية أخرى لإرسالهن للجهاد في صفوف تنظيم داعش. وفي فبراير (شباط) ومارس الماضيين، توالت الاعتقالات لمواطنين مغاربة أو من أصول مغاربية، ولمواطنين إسبانيين، بما في ذلك في «الجيبين» الإسبانيين على الأراضي المغربية سبتة ومليلة، اعتنقوا أفكارا متطرفة. وربما الأخطر بينها كانت خلية تخطط للقيام بعمليات انتحارية في كتالونيا ومناطق إسبانية أخرى.
في برشلونة، كما في باريس ولندن وأمستردام وغيرها من العواصم والمدن الكبرى، تشكل الضواحي الفقيرة التي تسكنها غالبية من المهاجرين من أصول أفريقية أو مغاربية التربة الخصبة لنمو الحركات المتطرفة التي تغذي التنظيمات المتشددة في سوريا والعراق. وهذه حال ضواحي برشلونة وتاراغونا. وتفيد الأرقام المتوافرة أن نسبة البطالة بين هذه الفئة من السكان تزيد على خمسين في المائة، الأمر الذي يسهل «مهمة» الساعين لتجنيد الجهاديين، وإرسالهم إلى سوريا والعراق.
وفي برشلونة وباقي المدن الكتالونية هناك عالمان، عالم الداخل وعالم الخارج (الضواحي). وهما يعيشان جنبا إلى جنب، ولكنهما يتجاهلان بعضهما البعض ويسعيان لعدم الاختلاط ببعضهما. ومشكلة كتالونيا تكمن في ازدهارها الاقتصادي قياسا لباقي المقاطعات الإسبانية، إذ إن النمو اجتذب إليها مئات الآلاف من المهاجرين الذين جاءوا خصوصا من مناطق الريف المغربي. ولكن تباطؤ الحركة الاقتصادية رمى بالآلاف في أحضان البطالة، وأسهم في ازدهار الحركات السلفية والأصولية. وهؤلاء المهاجرون يعيشون بينهم على الهامش، الأمر الذي يظهر في تغير البنية السكانية للأحياء الفقيرة التي تأخذ صورة «الغيتو». وهذه «الغيتوات» هي تحديدا ما يقلق الأجهزة الأمنية في كتالونيا، التي تعد ثالث «مصهر» للمتطرفين إلى جانب سبتة ومليلة.
وإذا كانت فرنسا تتقدم كافة منافسيها لجهة الأعداد التي لها علاقة بالتنظيمات المتشددة، والتي تقدرها السلطات الأمنية بنحو 2000 شخص، فإن إسبانيا ما زالت متأخرة في هذه المنافسة، إذ تأتي بعد بريطانيا وبلجيكا وهولندا. وحتى اليوم، تقدر السلطات الأمنية أن نحو مائة مواطن أو مقيم على الأراضي الإسبانية التحقوا بالتنظيمات المتشددة في سوريا والعراق، وتحديدا بتنظيم داعش و«النصرة». وخوف مدريد وبرشلونة من أن يعود هؤلاء إلى أماكن انطلاقهم، وأن يرتكبوا أعمالا إرهابية على الأراضي الإسبانية، لذا فإن هم السلطات مزدوج: منع الراغبين بالالتحاق بالحركات المتطرفة من مغادرة البلاد، ووضع اليد على العائدين منهم.
ما الذي يبقى من روابط تجمع الكتالونيين إن كانوا مهاجرين أو أصلاء؟ الجواب معروف. إنها كرة القدم ونادي برشلونة وليونيل ميسي بطله غير المنازع. وما من شك أن الكتالونيين، مهاجرين وأصلاء، سيتسمرون أمام شاشات التلفزة مساء 6 يونيو المقبل ليشاهدوا فريقهم المفضل يحقق انتصارا جديدا لعله يبقي «شعرة معاوية» رابطا واهيا بين عالمين مختلفين.



سياسي فرنسي: أميركا في عهد ترمب لم تعد حليفة لنا

السياسي الفرنسي رافاييل غلوكسمان المنتمي ليسار الوسط يتحدث إلى الصحافة في أثناء زيارته معرضاً في باريس 23 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
السياسي الفرنسي رافاييل غلوكسمان المنتمي ليسار الوسط يتحدث إلى الصحافة في أثناء زيارته معرضاً في باريس 23 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

سياسي فرنسي: أميركا في عهد ترمب لم تعد حليفة لنا

السياسي الفرنسي رافاييل غلوكسمان المنتمي ليسار الوسط يتحدث إلى الصحافة في أثناء زيارته معرضاً في باريس 23 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
السياسي الفرنسي رافاييل غلوكسمان المنتمي ليسار الوسط يتحدث إلى الصحافة في أثناء زيارته معرضاً في باريس 23 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

قال السياسي الفرنسي البارز رافاييل غلوكسمان، الثلاثاء، إن الولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترمب لم تعد حليفة لفرنسا وأوروبا، منتقداً ما وصفه بتدخل واشنطن في الشؤون الأوروبية.

وأضاف غلوكسمان، عضو البرلمان الأوروبي والمرشح المحتمل في انتخابات الرئاسة الفرنسية لعام 2027، لقناة «إل. سي. آي» الإخبارية التلفزيونية: «كانت الولايات المتحدة حليفاً استراتيجياً للديمقراطيات الأوروبية على مدار 80 عاماً طويلة. اليوم، لم تعد هذه الإدارة حليفاً لنا».

وأضاف: «نحن لسنا ولايات أميركية، وبالتالي لا يمكن للإدارة الأميركية التدخل في الشؤون الداخلية الأوروبية، وهذا ما يجب أن نتصدى له»، داعياً القادة الأوروبيين إلى إظهار «موقف حازم للغاية تجاه الإدارة الأميركية»، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

ولم يوضح ما يعنيه بالتدخل، لكن الضغط المتجدد من ترمب من أجل بسط السيطرة الأميركية على غرينلاند، وهي منطقة شبه مستقلة تتبع الدنمارك، أثار توتراً شديداً خلال الأشهر القليلة الماضية.

وفرنسا أيضاً على خلاف مع الولايات المتحدة بشأن قضايا مثل التجارة والسياسة الخارجية والحرب في أوكرانيا.

وتصاعد التوتر، الاثنين، عندما فرضت فرنسا قيوداً على تواصل السفير الأميركي تشارلز كوشنر مع وزراء في الحكومة بعد عدم امتثاله لاستدعاء بسبب تعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي نشرتها السفارة الأميركية حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف.

ولم يعلن غلوكسمان رسمياً عما إذا كان سيسعى لخوض السباق الرئاسي، لكنه يُعدّ على نطاق واسع أحد أقوى المرشحين في تيار اليسار المعتدل.


فرنسا تحل 4 جماعات من اليمين واليسار المتطرفين

علم فرنسا (رويترز)
علم فرنسا (رويترز)
TT

فرنسا تحل 4 جماعات من اليمين واليسار المتطرفين

علم فرنسا (رويترز)
علم فرنسا (رويترز)

قال مصدر حكومي شارك في اجتماع نظمته ​الرئاسة الفرنسية، اليوم الثلاثاء، إن باريس تعتزم حل ثلاث جماعات من اليمين المتطرف وواحدة من اليسار المتطرف، دون أن يذكر ‌أسماء الجماعات.

ووفقاً لـ«رويترز»، يأتي ‌هذا القرار ​في ‌أعقاب ⁠مقتل ​الناشط اليميني ⁠المتطرف كونتان دورانك (23 عاماً) في شجار مع أشخاص يشتبه بأنهم نشطاء من اليسار المتطرف في ليون يوم ⁠14 فبراير (شباط).

وأثار ‌مقتله ‌صدمة في البلاد ​وكشف ‌عن انقسامات سياسية عميقة، وأطلق ‌على الواقعة «لحظة تشارلي كيرك» في فرنسا، في إشارة إلى الناشط المحافظ ‌الأميركي الذي قتل بالرصاص العام الماضي.

ومنذ عام ⁠2016، ⁠حلت الحكومة الفرنسية 19 جماعة من اليمين المتطرف وخمساً من جماعات اليسار المتطرف. وذكر المصدر أن السلطات حددت أكثر من 5000 شخص ينتمون إلى جماعات اليمين واليسار ​المتطرف في فرنسا.


مسار ترمب للتسوية... لا انتصار كاملاً لأي طرف

صورة للمحادثات بين أوكرانيا وروسيا بقيادة واشنطن في جنيف لإنهاء الحرب يوم 17 فبراير (رويترز)
صورة للمحادثات بين أوكرانيا وروسيا بقيادة واشنطن في جنيف لإنهاء الحرب يوم 17 فبراير (رويترز)
TT

مسار ترمب للتسوية... لا انتصار كاملاً لأي طرف

صورة للمحادثات بين أوكرانيا وروسيا بقيادة واشنطن في جنيف لإنهاء الحرب يوم 17 فبراير (رويترز)
صورة للمحادثات بين أوكرانيا وروسيا بقيادة واشنطن في جنيف لإنهاء الحرب يوم 17 فبراير (رويترز)

مع دخول الحرب عامها الخامس في 24 فبراير (شباط) تبدو فرص التوصل إلى تسوية سياسية أكبر من أي وقت مضى، رغم أن المواقف بين الأطراف ما زالت متباعدة، كما أظهرت جولتا التفاوض الأخيرتين في جنيف بوساطة أميركية.

فلاديمير بوتين يستقبل المبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب يوم 22 يناير 2026 (إ.ب.أ)

لكن الأسئلة الكثيرة الصعبة التي تُطرح في المدن الروسية والأوكرانية بعد مرور أربع سنوات على اندلاع أسوأ مواجهة شاملة عمقت شرخاً تاريخياً بين الشعبين الشقيقين، لا تدور فقط حول موعد إعلان انتهاء الحرب، بل تمتد إلى شروط السلام المنشود وتعقيداته، وضماناته الهشة التي تهدد بانفجار جديد عند كل منعطف.

ترمب برفقة قادة أوروبيين لبحث حرب أوكرانيا في البيت الأبيض يوم 18 أغسطس 2025 (رويترز)

لا شك أن إطلاق المبادرة الأميركية للتسوية قبل أشهر، وفَّر مناخاً عملياً للبحث عن تسوية مقبولة للمرة الأولى منذ اندلاع الصراع. ومع أن مضامين تلك المبادرة ظلت غامضة وقابلة لتفسيرات متضاربة، كما تغيَّرت معالمها أكثر من مرة خلال جولات المفاوضات المكوكية لواشنطن مع كييف وموسكو والعواصم الأوروبية، لكنها في المجمل كما يقول خبراء روس نجحت في وضع مسار التسوية السياسية على مسار عملي قابل للتنفيذ.

رجال الإطفاء داخل مجمع تابع لشركة خاصة تضرر جراء غارات جوية روسية بطائرات مسيّرة خلال الليل في خضم الهجوم الروسي على أوكرانيا بمنطقة أوديسا (رويترز)

خلافاً لكل الأفكار والمبادرات التي طُرحت في السابق، من جانب أطراف إقليمية مختلفة، ولم يشكل أي منها أساساً مُرْضياً لإطلاق عملية سياسية جدية. في المقابل فإن النقاشات حول الأفكار الأميركية المطروحة بدأت تتخذ طابعاً تفصيلياً وعملياً خصوصاً خلال الجولات الأخيرة في أبوظبي وجنيف.

زيلينسكي خلال مشاركته في أعمال مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير (أ.ف.ب)

والأهم في مبادرة الرئيس دونالد ترمب، التي قام مساعدوه بإنضاجها تدريجياً، لا يكمن في نصوصها التي تبدلت وتغيرت كثيراً، بل في عنصرين أساسيين حملتهما كما يقول خبراء روس:

الأول تمثل في رفع العصا قبل الجزرة، أي التلويح مباشرةً بآليات الضغط الأقصى لإلزام كل الأطراف بالتعامل مع خطته، والآخر أنها بلورت للمرة الأولى قناعة كاملة بأنه لا يمكن لأي طرف تسجيل انتصار كامل في هذه الحرب.

سيارة تحترق في أوديسا (رويترز)

وقد أسهم في ذلك، أن الضغوط الأميركية على الأطراف جاءت في توقيت تعاظمت فيه تجليات الحرب وانعكاساتها على الأطراف المختلفة. أوكرانيا المنهكة عسكرياً واقتصادياً التي خسرت خُمس أراضيها وما زالت تقاتل للدفاع عمّا تبقى منها، وجدت فرصة لوقف الحرب بعدما فشلت كل جهودها السابقة لطلب هدنات مؤقتة.

جنديان أوكرانيان في إقليم دونيتسك يتحكمان بمسيَّرة أُطلقت باتجاه المواقع الروسية في يوليو 2023 (أ.ف.ب)

وروسيا التي حققت إنجازات مهمة على الأرض خلال أربع سنوات، باتت تدرك جيداً أن عليها ترجمة انتصارات الميدان إلى واقع سياسي، ومحاولة إنهاء سنوات العزلة واقتصاد الحرب والعقوبات الصارمة.

للتذكير، عشية الذكرى السنوية الرابعة للغزو الشامل، انخفضت عائدات صادرات النفط والغاز الروسية إلى أدنى مستوى لها في السنوات الأخيرة، يعود هذا التراجع إلى العقوبات الأميركية والأوروبية الجديدة، والضغط على «الأسطول الخفي»، وانخفاض مشتريات بعض الدول من النفط الروسي.

مسؤولة الشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي كايا كالاس خلال حديث للصحافيين في بروكسل قبيل اجتماع وزراء خارجية التكتل (أ.ب)

ومثالاً، في يناير (كانون الثاني) انخفضت الإيرادات الضريبية من قطاع النفط والغاز الروسي إلى 393 مليار روبل، وهو أدنى مستوى لها منذ بدء الصراع. ويُجبر هذا الانخفاض في الإيرادات الكرملين على رفع الضرائب وزيادة الاقتراض المحلي، مما يُفاقم الوضع الاقتصادي العسكري الروسي.

أما أوروبا التي حُرمت من مصادر الطاقة الروسية الرخيصة، وباتت تخصص موازنات أكبر للأمن والدفاع، وتميل إلى العسكرة للمرة الأولى منذ عقود، فهي تواجه أسوأ انقسام في الأولويات داخلياً، ومع حليفها الأميركي الأكبر. مع انكشاف أمني خطير لم تكن تجلياته الوحيدة أن تخترق عشرات المسيَّرات «مجهولة الهوية» حدود بعض بلدانها وتتجول قرب مطارات عواصمها، بينما يقف حلف الأطلسي مكتوف الأيدي.

أما العنصر المتعلق بإنهاء وهم تحقيق الانتصار الكامل لأي طرف فقد بات مطروحاً ضمن السيناريوهات الواقعية لإنهاء الصراع.

وحتى موسكو التي تؤكد عند كل منعطف أنها لن تتراجع عن تحقيق كل أهدافها المطروحة منذ اندلاع المواجهة، تبدو مقتنعة حالياً بحتمية تقديم تنازلات محددة عند الوصول إلى الصياغة النهائية للتسوية المحتملة، بينها تنازلات تتعلق بالأراضي، ما عدا منطقتي شبه جزيرة القرم ودونباس (دونيتسك ولوغانسك) ومنها تنازلات أخرى لم تتضح معالمها بعد في إطار المفاوضات الجارية، مثل احتمال الحديث عن إحلال قوات للسلام في مرحلة لاحقة، وعن دور أميركي أوسع في مراقبة وربما حماية المحطات النووية في أوكرانيا.

لكن الأهم في إطار التنازلات المحتملة يكمن، كما يقول خبراء غربيون وأوكرانيون، في استحالة اعتبار أي سيناريو سلام هزيمة نهائية لأوكرانيا.

المقصود هنا أن التنازل عن اجزاء من الأراضي لا يمكن التعامل معه على أنه هزيمة لأن الهدف الروسي النهائي وفقاً للخبراء كان يكمن في تقويض وجود الدولة الأوكرانية أساساً، وتقسيمها بشكل كامل وإلحاق الجزء الأعظم منها بروسيا وتحويل المقاطعات الأخرى إلى إقطاعيات متناحرة.

هؤلاء يرون أن النجاح في المحافظة على دولة أوكرانية تكون لاحقاً جزءاً من الاتحاد الأوروبي وشريكاً مقرباً للناتو وليس عضواً في الحلف، له أهمية خاصة في عدم تمكين موسكو من تحقيق انتصار واضح في هذا الشأن.

وهذا الموضوع تحديداً يفسر الإصرار الأوروبي على حصول أوكرانيا على ضمانات أمنية كافية وطويلة الأمد.

سكرتير مجلس الأمن القومي والدفاع الأوكراني رستم عمروف (أ.ف.ب)

سيناريوهات أوكرانية

اللافت أنه رغم التعقيدات الكبرى التي تعيشها أوكرانيا وهي تخوض مفاوضات حاسمة قد تحدد مصيرها المستقبلي، أظهرت استطلاعات حديثة للرأي أن الجزء الأكبر من الأوكرانيين (نحو 60 في المائة) ما زالوا مستعدين لتحمل تبعات الحرب المكلفة في مقابل عدم التنازل بشكل رسمي ونهائي عن أراضٍ لروسيا.

يعكس هذا المزاج الشعبي واحدة من الصعوبات الرئيسية التي تعترض حالياً طريق السلام. خصوصاً مع الإصرار الروسي على أن فكرة التنازل عن الأراضي يجب أن تكون موثقة في أي اتفاقية مقبلة.

عموما، ما زال بعض السياسيين الأوكرانيين يجادل في إمكانية تحقيق انتصار في هذه الحرب، ونشرت منصة «أوكرانيا اليوم» أن بين السيناريوهات: «استعادة جميع الأراضي، بما فيها شبه جزيرة القرم ودونباس. قد يتحقق هذا بفضل زيادة المساعدات الغربية، والمشكلات الداخلية في روسيا، والهجمات المضادة الناجحة للقوات المسلحة الأوكرانية.

كبير المفاوضين الروس فلاديمير ميدينسكي يغادر فندق إنتركونتيننتال في جنيف (أ.ف.ب)

هذا السيناريو ممكن إذا أدت العقوبات إلى انهيار اقتصادي في روسيا، كما حدث لألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية».

سيناريو آخر تم التطرق إليه، هو الصراع المُجمّد، حيث تتوقف الأعمال العدائية دون سلام رسمي، كما في حالتي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية. هنا، يصبح خط الجبهة «ستاراً حديدياً» جديداً، مع انتهاكات دورية. قد يناسب هذا روسيا لحفظ ماء وجهها، لكنه يعني لأوكرانيا تهديداً دائماً. هذه النهاية ممكنة بسبب الإرهاق من الحرب لدى كلا الجانبين.

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين خلال «قمة ألاسكا» يوم 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

الخيار الثالث هو مفاوضات مع تنازلات، حيث تتنازل أوكرانيا عن بعض الأراضي مقابل ضمانات أمنية، على غرار اتفاقيات مينسك، ولكن بآليات رقابية أقوى.

لا يمكن تجاهل أسوأ السيناريوهات: استمرار حرب الاستنزاف طويلة الأمد، التي تُنهك كلا الجانبين. يتوقع الخبراء أنه من دون تغييرات جذرية، مثل تغيير السلطة في روسيا أو تعبئة جماهيرية في أوكرانيا، قد يستمر الصراع حتى نهاية العام على الأقل.

لا تُغطي هذه السيناريوهات جميع الاحتمالات، لكنها تُبيّن مدى صعوبة التنبؤ بكيفية انتهاء الحرب. كل سيناريو منها يُؤثر على ملايين الأرواح، مُحوّلاً التوقعات المجردة إلى مصائر واقعية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended