استحواذ ماسك على «تويتر» يُثير تكهنات حول مستقبل منصات التواصل

خبراء اعتبروا خطته المستقبلية «غامضة»

رائف الغوري
رائف الغوري
TT

استحواذ ماسك على «تويتر» يُثير تكهنات حول مستقبل منصات التواصل

رائف الغوري
رائف الغوري

ما زالت الأنباء الخاصة بصفقة استحواذ الملياردير الأميركي إيلون ماسك، على منصة التغريدات الشهيرة «تويتر» تحظى باهتمام الخبراء، ومتابعي سوق الإعلام الرقمي، ومنصات التواصل الاجتماعي، لما يتضمنه إتمام الصفقة من تأثير على مستقبل هذه المنصات، وطريقة حوكمتها وتنظيم عملها. ومع أن ماسك لم يعلن عن خطته بشأن «تويتر» بشكل كامل، فما جرى تسريبه ونشره حتى الآن من ملامح هذه الخطة، يثير التكهنات والتساؤلات حول التغيير الذي يعتزم ماسك إحداثه في سوق منصات التواصل الاجتماعي.
لغط حول الصفقة
أكثر من هذا، وبينما ينتظر العالم إتمام الصفقة، شارك ماسك على «تويتر» الجمعة الماضي، تقريراً يتحدث عن «الحسابات المزيفة» على المنصة، مصحوباً بتعليق أكد فيه أن «الصفقة معلقة مؤقتاً لحين التأكد من أن نسبة الحسابات المزيفة لا تتجاوز 5 في المائة»، الأمر الذي تسبب في تراجع أسهم «تويتر» بنسبة 10 في المائة.
وبعد بضع ساعات غرد ماسك مرة ثانية، مؤكداً «التزامه بإتمام الصفقة». ورد عليه بريت تايلور، رئيس مجلس إدارة «تويتر»، على حسابه الشخصي بقوله: «ونحن أيضاً ملتزمون بإتمام الاتفاق». كما قال باراغ أغراوال، الرئيس التنفيذي لـ«تويتر»، في سلسلة تغريدات، مساء الجمعة رداً على التساؤلات التي صاحبت مغادرة اثنين من كبار مسؤولي «تويتر» التنفيذيين، وتعليق جميع التعيينات «غير الضرورية»، إنه «بينما أتوقع إتمام الصفقة، يجب أن نكون مستعدين لجميع السيناريوهات ونفعل ما هو مناسب لـ(تويتر)».

في هذا السياق، يرى مراقبون أن «حديث ماسك عن تعليق الصفقة مؤقتاً لا معنى له، خاصة أن الصفقة من المقرر أن تتم في 24 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، وفق (اتفاق الاستحواذ)، كما أن الاتفاق يفرض على ماسك دفع مليار دولار حال تعذر إتمام الصفقة». ووفق المراقبين فإن «ما يحدث ربما يكون محاولة لتقليل قيمة الصفقة، خاصة بعد تراجع قيمة سهم (تويتر) عن قيمته وقت تقديم عرض الاستحواذ».

                                                                                         خالد البرماوي
في أي حال، بينما يتشكك بعض الخبراء في إمكانية تنفيذ بعض جوانب خطة ماسك، فإنهم يربطون نجاحها بالأفكار الجديدة، التي يمكن أن يدخلها مالك شركة «تسلا» للسيارات وشركة الفضاء «سبيس إكس»، في منصة التغريدات «تويتر»، مع الإشارة إلى أن رغبة ماسك في الاستحواذ على «تويتر» نابعة «من سعيه للحصول على مزيد من التأثير عبر منصة للنخبة وصناع القرار». هذا، وكان مجلس إدارة «تويتر» قد وافق خلال الشهر الماضي على عرض ماسك لشراء المنصة مقابل 44 مليار دولار، والمقرر إنجاز الصفقة بحلول نهاية العام الحالي. ولكن مراقبين يرون أنه «مع استمرار تراجع أسهم (تويتر) في البورصة، من المحتمل ألا تكون الصفقة بالمبلغ المعلن عنه، وثمة إمكانية لإعادة تسعير السهم».
التأثير في النخبة
رائف الغوري، المتخصص في مجال تقنية المعلومات والمدرب الإعلامي السوري العامل في دولة الإمارات، قال في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إنه «من الطبيعي لو كنت من الناجحين أصحاب الثروة أن تطمح لامتلاك سلطة التأثير عبر الإعلام، ومنصات التواصل الاجتماعي، التي درج العالم على وصفها بالسلطة الرابعة... وهو ما يفسر رغبة ماسك في الاستحواذ على «تويتر»، بعد نجاحه في تقديم حلول في وسائل النقل عبر سيارات تسلا، وفي مجال الأقمار الاصطناعية عبر سبيس إكس، والإنترنت الفضائي ستار لينك، إلى جانب اهتمامه بالعملات الرقمية وسعيه لنشرها في كل أنحاء العالم خصوصاً عملة دوج كوين».
ويتابع أن «منصة (تويتر) تمتاز بكونها منبراً إخبارياً لمعظم قادة الفكر وأصحاب القرار في العالم، وهذه الميزة التي يتمتع بها (تويتر) هي أحد الأسباب التي جعلت ماسك يختار النخبة بدلاً من الجماهيرية، على الأقل في المرحلة الأولى».
من جانب آخر، يطرح خالد البرماوي، الصحافي المصري المتخصص في شؤون مواقع التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي، نظرة أوسع على سوق منصات التواصل الاجتماعي. وهو يرى أن «الفترة المقبلة ستشهد مزيداً من التطورات في هذا القطاع، استكمالاً للتطورات المتسارعة التي حدثت على مدار الثلاثة أعوام الماضية»، ويوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «سوق منصات التواصل الاجتماعي شهد أخيراً محاولات للتنظيم والحوكمة، وتطوير النموذج الاقتصادي، ودخول منصات من دول مختلفة مثل الصين وروسيا على خط المنافسة، وهي أمور طبيعية لقطاع ما زال في طور المراهقة، وسيشهد في الفترة المقبلة مزيداً من المحاولات لتقنينه، وتنظيم استخدامه، وبالطبع سيكون لاستحواذ ماسك على (تويتر) دور في هذه التحولات».

                                                                           د. مي عبد الغني
خطة مبهمة
على صعيد آخر، على مدار الشهر الماضي، نشر ماسك عدة تغريدات تحمل أحلامه لمنصة التغريدات، من بينها قوله بأنه «يأمل بأن تبقى حتى أسوأ الانتقادات على (تويتر) لأن هذا هو معنى حرية التعبير»، وأن «تويتر سيبقى مجانياً للمستخدمين العاديين، لكن قد تُفرض رسوم على الشركات التجارية والحكومات». أما صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، فنشرت الأسبوع الماضي، العرض التقديمي الذي قدمه ماسك للاستحواذ على منصة «تويتر»، وتضمن «زيادة الإيرادات السنوية إلى 26.4 مليار دولار بحلول عام 2028، مقارنة بـ5 مليارات دولار العام الماضي، وتقليل الاعتماد على الإعلانات إلى 45 في المائة عام 2028، مقارنة بـ90 في المائة العام الماضي، إذ ستدر الإعلانات 12 مليار دولار من العائدات، بينما تدر الاشتراكات نحو 10 مليارات دولار، وقد تأتي الإيرادات الأخرى من الأعمال التجارية مثل ترخيص البيانات، التي حققت 572 مليون دولار إيرادات العام الماضي».
حول هذا الشأن يقول الغوري إن «معظم منصات التواصل الاجتماعي تتطلع إلى تحقيق هدفين رئيسين هما: الربح المادي، وزيادة الانتشار بين المستخدمين، وتحويلهم، بذكاء عبر أساليب تسويقية مبتكرة وخوارزميات تتعلم وتتطور يومياً، إلى مستهلكين... وبذا يدعم الهدف الثاني الهدف الأول بتناغم وانسجام». ثم يضيف أن «ماسك وضع لخطته جدولاً زمنياً مقسماً على مرحلتين للعامين 2023 و2028 لتحقيق زيادة في الربحية، والمزيد من الجماهيرية. ومن الواضح أن خطته دُرست بعناية، ووضعت أهدافاً ليست سهلة المنال، وتطلب الكثير من العمل على تحديث وتطوير السياسات والإجراءات مثل تغيير سياسية الخصوصية، وسياسة الاستخدام، وإضافة زر تعديل المحتوى، وهذا يستدعي توظيف المزيد من المطورين والموظفين في أقسام وبلدان الشركة».
لكن الدكتورة مي عبد الغني، أستاذ الإعلام في جامعة بنغازي، والباحثة في الإعلام الرقمي، ترى أن خطة ماسك بشأن «تويتر» لا تزال «مبهمة»، وتوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «ماسك لم يعلن سوى عن القليل مما ينوي تنفيذه حال إتمام الصفقة... كما أن ليس كل ما أعلن عنه حتى الآن قابل للتنفيذ على أرض الواقع».
ثم تشرح مي عبد الغني قائلة إنه بالنظر لخطة ماسك في تقليل الاعتماد على الإعلانات، فإن منصة «تويتر» تعاني في الأساس من قلة الإعلانات مقارنة بالمنصات الأخرى، مثل «يوتيوب» و«فيسبوك» و«إنستغرام»، إضافة إلى أن الاعتماد على تغريدات مدفوعة سيجعل المنصة نخبوية إلى حد ما. وتتابع مي عبد الغني أنه «لا يجوز أن نتجاهل أن ثقافة الدفع مقابل المحتوى الرقمي ليست منتشرة في كثير من دول العالم، ومن بينها المنطقة العربية. وهي حتى إن وجدت، فإن الدراسات الدولية تشير إلى ازدياد الدفع مقابل المحتوى الرقمي ذي الطبيعة الترفيهية كالأفلام والمسلسلات والموسيقى، وهو ما لا يتناسب مع طبيعة منصة (تويتر)... إن تجارب الاعتماد على الدفع مقابل المحتوى فقط كمصدر تمويل لم تكن ناجحة في بعض المشاريع الإعلامية».
بدوره يربط البرماوي بين «إمكانية تنفيذ خطة ماسك لتطوير (تويتر)، خصوصاً في مجال تقليل الاعتماد على الإعلانات، وزيادة عدد المتابعين والأرباح، بنوع المحتوى الذي ستقدمه المنصة». إذ يقول إن «هناك الكثير من الأفكار لتطوير المحتوى ليصبح أكثر جذباً للجمهور، لكننا لا نعرف حتى الآن ما الذي سيعتمد عليه ماسك في ذلك، وهذا، إضافة إلى مدى قدرة ماسك على تمرير هذه التحديثات، في ظل محاولات الدول تنظيم وحوكمة منصات التواصل الاجتماعي، وخصوصاً الإجراءات التي اتخذها الاتحاد الأوروبي في هذا المجال».
وفي هذا الصدد، كان قرار ماسك الاستحواذ على «تويتر»، قد أثار حقاً مخاوف في الاتحاد الأوروبي حول مدى امتثال المنصة للتشريعات التي وضعها الاتحاد بشأن المحتوى الزائف. إلا أن ماسك أكد خلال الأسبوع الماضي، استعداده للامتثال لقواعد الاتحاد الأوروبي. وقال في مقطع فيديو مع المفوض الأوروبي لشؤون السوق الداخلية تييري بريتون نشر عبر «تويتر»، مطمئناً: «أتفق مع كل ما قلته، وأعتقد أن تفكيرنا متشابه بشكل كبير للغاية». وكان بريتون قد قال أيضاً في وقت سابق إنه لا يرى أي مشاكل تتعلق بفرض القواعد «حتى لو صار (تويتر) ملكاً للملياردير ماسك بمفرده، حيث سيتعين على أي شركة في الاتحاد الأوروبي الوفاء بالالتزامات التي نفرضها».
تحفظ وترقب
حسب المعطيات التي نشرتها «نيويورك تايمز»، ماسك يتوقع أن يتمكن من رفع متوسط إيرادات «تويتر» لكل مستخدم إلى 30.22 دولار في عام 2028، بدلاً من 24.83 دولار في العام الماضي، وأن يزيد العدد الإجمالي لمستخدمي منصة التغريدات من 217 مليوناً في نهاية العام الماضي، إلى ما يقرب من 600 مليون في عام 2025، و931 مليوناً عام 2028، وزيادة عدد مستخدمي خدمة «تويتر الأزرق»، إلى 159 مليون مستخدم في عام 2028.
أيضاً تتضمن الخطة الجديدة طرح منتج يُشار إليه بالاسم الرمزي «إكس»، وجعل هذه الخدمة تحظى باشتراك 104 ملايين شخص بحلول عام 2028. ولتحقيق هذه الخطوات، يرغب ماسك في تخفيض عدد الموظفين نحو ألف موظف، أي من 9225 حالياً إلى 8332 في عام 2023. وفي مرحلة لاحقة زيادة عدد المطورين والموظفين إلى 11072 موظفاً بحلول عام 2025، وفقاً لـ«نيويورك تايمز».
أخيراً، وسط حالة الترقب يبدو أن توقعات الخبراء والمراقبين كانت في محلها، ففي خطوة شبه متوقعة، أعلن ماسك عزمه إلغاء الحظر الذي فرضته منصة «تويتر» على حساب الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، وقال ماسك، الذي كان يتحدث في «قمة مستقبل السيارات» التي استضافتها صحيفة «فاينانشيال تايمز» الأسبوع الماضي، إن «الحظر المفروض على ترمب كان قراراً سياسياً خاطئاً»، وأكد «أن الحظر الدائم لحسابات (تويتر) يجب أن يكون نادراً ومخصصاً للحسابات الخادعة أو الروبوتات الآلية فقط».



البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
TT

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)

مع تزايد الاعتماد على منصّات التواصل مصدراً للمعلومات، وفي ظل دراسات تتحدث عن سعي الجمهور لمتابعة الأحداث بشكل لحظي، باتت تقنية «البث المباشر» إحدى الأدوات الرئيسة التي تعتمدها وسائل الإعلام العالمية والعربية لتحقيق الانتشار الجماهيري وزيادة العوائد المالية. وحقاً، «تشير دراسات عدة إلى أن خدمات البث المباشر توفر فرصة لتحقيق الربح، لا سيما في مجالات التغطية الإخبارية الحية والمقابلات والفعاليات»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس»، حيث «تسمح منصات مثل (يوتيوب) و(فيسبوك) للمؤسسات الإخبارية ببث الأحداث في وقتها الفعلي، وغالباً ما يكون ذلك مدعوماً بالرعايات أو تبرّعات المشاهدين». وأفادت «أسوشييتد برس» بأن «منصّات التواصل أصبحت قنوات حيوية لتوزيع الفيديو وتحقيق العائدات المادية؛ إذ يمكن للمؤسسات الإخبارية توليد أرباح من مشاركة محتوى فيديو على منصات مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(إكس)».

عربياً، تزايد اعتماد مؤسسات إعلامية وصحافية كبرى على خدمات «البث المباشر» لا سيما مع الأحداث الكبرى، ما عدّه خبراء وسيلة لتحقيق الانتشار وزيادة العوائد المالية، والتي تؤثر على جودة المحتوى ودقة المعلومات.

ولقد أكدت الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر في الصحافة الرقمية العربية أصبح نموذجاً ربحياً متكاملاً وأداة للهيمنة الخوارزمية ضمن ما يُعرف باقتصاد التفاعل اللحظي». ولفتت إلى أن «البث المباشر وفّر مسارات ربحية بديلة للإعلانات التقليدية مع خفض النفقات التشغيلية بنسبة 60 في المائة خلال البث السحابي».

تقرير «معهد رويترز»

كذلك أوضحت عبد الغني أنه «على صعيد الانتشار، فإن البث المباشر يستمد قوته من الانحياز الخوارزمي للمنصات التي تمنحه أولوية الظهور العضوي». وفي هذا الصدد، أشارت إلى تقرير «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، العام الماضي، وتقرير «الابتكار الإعلامي» لعام 2026 بشأن «دور الآنية في تعزيز الموثوقية والمكاسب الرأسمالية للمؤسسات الإعلامية». وأردفت أن «نماذج عربية تتصدر المشهد، إضافة إلى مواقع صحافية عدة على النطاق العربي تتبارى في استخدام البث المباشر لتحقيق مكاسب».

وتابعت عبد الغني أنه رغم مزايا «البث المباشر» وقدرته على «نقل الأحداث بشكل آني، وزيادة التفاعل مع الجمهور وتعزيز المصداقية، فإن البث المباشر يواجه تحديات جوهرية تبدأ بخطر انتشار المحتوى المضلل نتيجة تغليب سرعة النشر على حساب الدقة وعمليات التحقق». كذلك تطرّقت إلى أن «ثمة تبعات أخلاقية وقانونية أيضاً، حيث يتسبب البث المباشر في أزمات تتعلق بانتهاك الخصوصية، كما يزيد من الضغوط النفسية على الصحافيين، ويؤدي لتراجع العمق الصحافي وتآكل الاستقلالية التحريرية لصالح معايير الانتشار اللحظي».

من جهة ثانية، أطلقت منصة «فيسبوك» خدمة البث المباشر في أبريل (نيسان) عام 2016، وكانت الخدمة في البداية متوافرة لمجموعات معينة قبل أن تتيحها للجميع. ومنذ إطلاقها بدأت المواقع الصحافية والإعلامية على مستوى العالم استخدامها، وتزايد استخدام النطاق العربي مع «فيسبوك» نهاية عام 2020، عندما منحت عائدات مالية لناشري فيديوهات البث المباشر نظير بيعه إعلانات تظهر في أثناء البث.

وحول هذا الموضوع، تحدث مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عن «صعود واضح للبث المباشر على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل العديد من الوسائل الإعلامية... وهذا الصعود طبيعي بسبب اعتماد معظم الناس حالياً على استقاء المعلومات من منصات التواصل».

وفي حين أكّد كيالي مزايا البث المباشر، فإنه أشار إلى «مشكلة أساسية وهي أن بعض البلدان لا تمتلك سرعات إنترنت كافية تسمح بمتابعة البث المباشر دون تقطيع، ما يؤثر على تجربة المشاهدة بشكل كبير».

شعار "غوغل" (رويترز)

أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات

أما الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، محمد فتحي، فذكر أن «البث المباشر عبر المنصات لم يعد مجرد خيار تحريري، بل أصبح أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات الإعلامية، بسبب تغيّر سلوك الجمهور من شاشات التلفزيون إلى الهواتف الذكية». وأضاف: «البث المباشر يسهّل الوصول للجمهور ويحقّق عوائد مادية مباشرة من خلال الإعلانات المدمجة، والرّعايات وميزات الدعم المباشر من المتابعين مثل نظام النجوم في (فيسبوك)، أو الهدايا في (تيك توك)».

ولفت فتحي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «الإحصائيات تشير إلى أن المستخدمين يمضون وقتاً أطول بـ3 أضعاف في مشاهدة الفيديوهات المباشرة مقارنة بالفيديوهات المسجلة»، غير أن هذه الميزة «تكتنفها عيوب وتحديات، على رأسها غياب السيطرة التحريرية، والاعتماد المفرط على التقنيات الذكية، بالإضافة إلى خطر نشر الشائعات على حساب الدقة والتحقق الكافي، والوقوع تحت رهن الخوارزميات الخاصة بالمنصات، ما قد يتسبب في تغيير السياسات التحريرية والمهنية».

من جهته، أوضح الصحافي اللبناني محمود غزيل، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر بات أداة قوية لسرعة الوصول للمستخدمين، وإحدى أبرز الأدوات التي أعادت تشكيل العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور»، مضيفاً أن «معظم المؤسسات الإعلامية تعتمد بشكل متزايد على البث المباشر عبر منصّاتها الرقمية، إلى جانب البث التلفزيوني».

وأرجع غزيل ذلك إلى «تنبّه تلك المؤسسات إلى أن المشاهد لم يعُد جالساً أمام شاشة، كما كانت العادة في السابق، كما أن الجمهور العربي بات أكثر انتقائية؛ إذ يبحث عن المواد التي يراها أكثر قرباً من تطلعاته، ويرغب في متابعة الأحداث لحظة بلحظة وحتى أحياناً التفاعل معها».

ووفق غزيل، يحقق البث المباشر مزايا عدّة، لخصها بـ«إتاحة التواصل الفوري مع الجمهور، وإيصال المعلومة إلى جمهور عالمي من دون قيود جغرافية»، ولكن في الوقت نفسه «يحدّ من قدرة المؤسسات على مراجعة أو تعديل المحتوى، ما يزيد من مخاطر الأخطاء، كما أنه يتأثر بقوة الإنترنت، ويعرض المؤسسة لتبعات قانونية حال انتهاك الخصوصية».

وبحسب غزيل، «البث المباشر، هو أحد أهم محركات التحول في الإعلام العربي، وأداة لا غنى عنها لتعزيز التفاعل، والمصداقية، والابتكار، بشرط أن يُدار بمهنية، ومسؤولية، ووعي بالتحديات والفرص التي يفرضها العصر الرقمي».

وراهناً، يقدّر حجم سوق البث المباشر العالمي، وفق ما نشره موقع «غراند فيو ريسيرش»، بنحو 87.55 مليار دولار أميركي في عام 2023. ومن المتوقع أن يصل إلى345.13 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب قدره 23.0 في المائة خلال الفترة من 2024 إلى 2030.


كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

أصدرت شركة «ميتا»، مالكة منصة «فيسبوك»، تحديثات جديدة «تهدف إلى مساعدة منشئي المحتوى لتعميق استفادتهم من أدوات تحقيق الربح المتطورة على المنصة»، وذلك بالتزامن مع سعي الشركة إلى «زيادة معدلات التفاعل داخل التطبيق في خضم المنافسة المحتدمة مع منصات أخرى».

هذا الأمر، أثار تساؤلات حول كيفية استغلال المؤسسات الإعلامية للنموذج الربحي الجديد من المنصة لتعزيز عوائد مستدامة. وللعلم، كانت «ميتا» قد أكدت نهاية مارس (آذار) الماضي أنها «تهدف إلى دعم صُناَّع المحتوى من خلال تحقيق مزيد من الأرباح، كما تسعى لمكافأة المحتوى الأصلي، عبر تخصيص عوائد متدفقة تشمل أنماطاً متعددة من المحتوى، مثل الفيديو القصير، والصور، وكذلك المنشورات النصية وحتى القصص التي لها إطار زمني».

الشركة قدَّمت توصيات عدة، عدّتها شروطاً لتعزيز عوائد مستدامة لصناع المحتوى، إذ أوصت بتجربة أنواع مختلفة من المنشورات، بما في ذلك الصور والنصوص والقصص، لفهم ما يفضِّله الجمهور. إلا أنَّها وضعت الفيديو القصير «الريلز» في صدارة الاهتمامات. وأشارت أيضاً، إلى أنَّ «أصالة المحتوى» عامل مهم لتحقيق أرباح. وفي المقابل، حذَّرت في إرشاداتها من محاولات الوصول التي تعتمد على التلاعب بالخوارزميات، مثل الجمل التحفيزية على شاكلة «شاهد حتى النهاية»، ما لم يكن المحتوى يُقدِّم قيمةً حقيقيةً وملموسةً للمشاهد.

«ميتا» تفيد بأنَّ مقاطع «الريلز» هي المُحرِّك الأساسي للأرباح في الوقت الراهن، فمن بين نحو 3 مليارات دولار دفعها موقع «فيسبوك» لمنشئي المحتوى في عام 2025، استحوذت مقاطع «الريلز» وحدها على 60 في المائة من إجمالي هذه المدفوعات.

محمد الفياض، الباحث في الإعلام الرقمي، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ التحوُّل الأساسي هو الانتقال من «اقتصاد الإحالة» إلى «اقتصاد المنصة». وأردف: «غرف الأخبار لم تعد تُصمِّم محتواها ليدفع المستخدم للنقر ومغادرة فيسبوك نحو موقعها؛ بل صارت تعيد هيكلة فرقها لإنتاج محتوى أصيل يُستهلك بالكامل داخل المنصة، وتحديداً عبر الفيديو القصير».

وشدَّد الفياض على أنَّ «المعايير الآن أصبحت تقنية وإحصائية أكثر منها صحافية تقليدية لتحقيق الربح. إذ يجب أن يتجاوز المحتوى عتبة القيمة المضافة، أي أنَّ مجرد نقل الخبر لم يعد كافياً، بل يجب أن يتضمَّن رؤية أو تحليلاً خاصاً بالمؤسسة». وتابع إن «الخوارزمية الآن تقيس الجودة من خلال معدل الإكمال، أي عدد مشاهدة الفيديو، والتفاعل النوعي - أو النقاشات في التعليقات -، ببساطة، الجودة التي تدرّ مالاً هي التي تبقي المستخدم أطول فترة ممكنة داخل التطبيق».

وعن جدّية المنصة في دعم المحتوى الأصلي، قال الفياض: «تاريخياً تحرّكت فيسبوك وفق البراغماتية الاقتصادية»، واهتمامها الحالي بالمحتوى الأصلي «يندرج تحت بند التنافسية الاستراتيجية للبقاء في سوق المنصات أمام المنافسين، وهو قرار يرتبط بجدوى الأعمال ومسار السوق».

من جهة ثانية، قال عبد الله جمعة، الباحث في التسويق الرقمي، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ «فيسبوك» تنتهج مساراً جديداً فيما يتعلق بتعزيز الأرباح منذ أواخر العام الماضي. وأوضح أن هذا المسار ظهر من خلال دعم أشكال الفيديو، حيث منحت المنصة الأولوية للفيديوهات القصيرة (الريلز) من خلال تمديد الإطار الزمني. وهكذا لم تعد مقيدة بعدد دقائق، كما اتجهت لتحويل أنماط الفيديو الأخرى لنمط الريلز، مستفيدة من النجاح الكبير الذي حققه هذا النوع خلال السنوات الماضية، في ظلِّ المنافسة مع باقي المنصات.

وأضاف جمعة: «هذا التغيير أتاح لصالات الأخبار ميزةً مهمةً، وهي عدم التقيُّد بمدة محددة، ما منح الفيديوهات الأطول فرصةً أكبر لظهور الإعلانات، وبالتالي تحقيق أرباح أعلى». واستطرد شارحاً أن دعم «فيسبوك» لهذا البرنامج غيَّر خريطة الأرباح إلى حد ما، و«زادت عوائد الصور بشكل ملحوظ، بينما تراجعت أرباح الفيديو مقارنة بالسابق، في إطار تنويع مصادر الدخل داخل المنصة».

وبحسب جمعة «تعمل فيسبوك حالياً على وضع قيود كبيرة على المحتوى السطحي أو المعاد، في مقابل دعم المحتوى الأصلي غير المكرَّر الذي يقدِّم قيمةً حقيقيةً مثل التحليل أو المعلومات، مع الحفاظ على تفاعل الجمهور ومدة مشاهدة جيدة».

ثم أشار إلى سبيل آخر يمكن للمؤسسات أن تحقِّق من خلاله أرباحاً مستدامة اعتماداً على المسار المستحدث لمنصة «فيسبوك»، قائلاً: «المنصة تتجه حالياً لخلق مسارات جديدة لتحقيق الأرباح، من بينها دعم المعجبين والاشتراكات، التي بوشر بتطبيقها في بعض الدول الأوروبية بوصفها تجربةً قبل التعميم». وأضاف: «بالنسبة للعالم العربي، فإنه يمكن للمؤسسات تحقيق أرباح ثابتة من هذا المسار، لكن بشروط واضحة، أهمها، تقديم محتوى بنّاء، والاعتماد على شخصيات موثوقة ومحببة للجمهور، وتقديم مزايا حقيقية للمشتركين. وفي هذه الحالة يتحوَّل الجمهور من مجرد متابع إلى داعم حقيقي».


استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
TT

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية، دون تسجيل إصابات.

وأوضح مراسل القناة، أنه نجا بأعجوبة من القصف الإسرائيلي بعد سقوط القذيفة المدفعية بجانبه وما ألحقته من تناثر الشظايا في المكان، إضافة لنجاة بقية الإعلاميين الذين كانوا موجودين في المنطقة المستهدفة.

وأضاف المراسل أن الجيش الإسرائيلي أطلق قذائف هاون بين قرية الصمدانية الغربية وسدّ المنطرة في ريف القنيطرة الأوسط، دون ورود معلومات عن إصابات إضافية.

وفي 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي عند أطراف مدخل قرية الصمدانية الشرقية، ضمن سلسلة انتهاكات مستمرة جنوب البلاد. وأقامت القوات وفق ما أفاد مراسل «الإخبارية» حاجزاً عند مفرق الصمدانية - العجرف مؤلفاً من ثلاث آليات عسكرية.

وتستمر قوات الاحتلال في اعتداءاتها وتوغلاتها داخل الأراضي السورية، ولا سيما في ريفي القنيطرة ودرعا، وتنفذ اعتداءات بحق المدنيين واعتقالات وتخريب.

الباحث السوري نوار شعبان، وصف ما جرى في القنيطرة بأنه لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثة عابرة، بل يمثل تطوراً خطيراً، لأنه لا يتعلق فقط باعتداء عسكري، بل باستهداف مباشر لعمل إعلامي وصحافي.

وأضاف في تغريدة على منصة «إكس»، أن الإعلاميين كانوا يقومون بعملهم الطبيعي في نقل ما يجري على الأرض، وهو عمل يفترض أن يكون محمياً وفق القوانين الدولية التي تحمي الصحافيين أثناء النزاعات. مشدداً على أن استهدافهم بهذا الشكل يفتح سؤالاً كبيراً حول سلامة العمل الإعلامي في الجنوب السوري، خاصة في ظل تكرار القصف والتوغلات الإسرائيلية في ريف القنيطرة خلال الفترة الأخيرة.

صورة للقصف الإسرائيلي على موقع تجمع الصحافيين السوريين في القنيطرة (متداولة)

وطالب شعيب وزارة الخارجية السورية بإصدار بيان رسمي واضح يدين هذا الاعتداء ويستنكره، ويضعه في إطاره الصحيح كونه استهدافاً لحرية العمل الإعلامي وسيادة الأراضي السورية، معتبراً أن ترك مثل هذه الحوادث دون موقف رسمي يعني تحويلها إلى أمر اعتيادي.

عناصر من قوات الأمم المتحدة تتفقد بقايا الصاروخ في قرية الحيران بريف القنيطرة (سانا)

وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي قد توغلت، الثلاثاء، على الطريق الواصل بين قرية نبع الفوار في ريف القنيطرة الشمالي، وقرية حرفا في ريف دمشق الغربي.

وذكر مراسل «سانا» في القنيطرة، أن قوة للاحتلال مؤلفة من عدة آليات عسكرية توغلت على الطريق الواصل بين القريتين، ونصبت حاجزاً مؤقتاً في المنطقة، وعمدت إلى تفتيش المارة، دون ورود أنباء عن أي حالات اعتقال.

ويواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاته وخرقه اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 عبر التوغلات المتكررة في جنوب سوريا، والاعتداء على المواطنين بالمداهمات والاعتقالات التعسفية والتهجير القسري وتدمير الممتلكات وتجريف الأراضي الزراعية.