هلسنكي تتجاهل التحذيرات الروسية وتعلن رغبتها في التقدم رسمياً لعضوية الناتو

الحلف الأطلسي يرحب ويعد بإجراءات «سلسة وسريعة» و«تعزيز وجوده» في بحر البلطيق قبل استكمال الشروط

الأمين العام للناتو مع رئيسة وزراء فنلندا (أ.ف.ب)
الأمين العام للناتو مع رئيسة وزراء فنلندا (أ.ف.ب)
TT

هلسنكي تتجاهل التحذيرات الروسية وتعلن رغبتها في التقدم رسمياً لعضوية الناتو

الأمين العام للناتو مع رئيسة وزراء فنلندا (أ.ف.ب)
الأمين العام للناتو مع رئيسة وزراء فنلندا (أ.ف.ب)

ارتفع منسوب الترقب المحيط بالقرار الذي من المفترض أن تتخذه فنلندا والسويد قريباً حول طلب الانضمام إلى الحلف الأطلسي، بعد أن تجاهلت هلسنكي أمس الخميس التحذيرات الروسية، فيما رحب أمين عام الحلف ينس ستولتنبرغ بالخطوة، مشيرا إلى أن العملية ستكون «سلسة وسريعة». وفي بيان مشترك صدر عن رئيسة الوزراء سانا مارين ورئيس الجمهورية سولي نينستو يؤكد «أنه ينبغي على فنلندا تقديم طلب الانضمام إلى الحلف في أسرع وقت ممكن»، ومن المنتظر أن تبدأ مناقشة هذا الموضوع اعتباراً من الاثنين المقبل في البرلمان الفنلندي، حيث أعلنت غالبية الكتل السياسية تأييدها لهذه الخطوة. وعلق ستولتنبرغ على موقفها بالقول: «هذا قرار سيادي من قبل فنلندا، يحترمه الناتو بشكل كامل. إذا قررت فنلندا تقديم طلب الانضمام فسيتم الترحيب بها بحرارة في الناتو». وقال وزير الخارجية الفنلندي بيكا هافيستو للبرلمان الأوروبي إن «الغزو الروسي لأوكرانيا بدل البيئة الأمنية الأوروبية والفنلندية»، مشيرا إلى أن انضمام بلاده «سيعزز الناتو بشكل إضافي كحليف مستقبلي». من جهته، رحب رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال بـ«تمهيد» قادة فنلندا (العضو في الاتحاد الأوروبي) الطريق لبلدهم للانضمام إلى الحلف. وقال إن الاتحاد الأوروبي والناتو «لم يكونا يوما بهذه الدرجة من التقارب» وأكد أن انضمام فنلندا إلى الحلف سيشكل «خطوة تاريخية فور اتخاذها ستساهم بشكل كبير في أمن أوروبا». وأفاد في تغريدة «بأنه مؤشر ردع قوي في وقت تخوض روسيا حربا في أوكرانيا». ومن جهتها قالت رئيسة الوزراء الدنماركية ميتي فريدريكسين أمس إن بلادها ستبذل ما بوسعها لتتم عملية انضمام فنلندا إلى الحلف الأطلسي بأسرع ما يمكن.
وبعد أقل من ساعة على صدور البيان الفنلندي صرح الناطق بلسان الكرملين ديمتري بيسكوف قائلاً إن «انضمام فنلندا إلى الحلف الأطلسي سيكون بالتأكيد تهديداً لروسيا»، وإن توسعة عضوية الحلف لن تجعل أوروبا وبقية العالم أكثر استقراراً وأمناً. لكن بيسكوف سارع إلى التهدئة وتبديد المخاوف من فتح جبهة جديدة بقوله: «على أي حال، الكل يريد تحاشي الصدام المباشر بين روسيا والحلف الأطلسي. هذا ما كرره الحلف مراراً، وربما الأهم، أن واشنطن كررت ذلك على أعلى المستويات بلسان الرئيس بايدن».
ومن جهتها رحبت أوساط الحلف الأطلسي بالموقف الفنلندي الذي كان أيضا موضع ترحيب من طرف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الذي اتصل بنظيره الفنلندي ليمتدح استعداد بلاده لطلب الانضمام إلى الحلف. وقال زيلينسكي إنه أجرى محادثات هاتفية مع الرئيس الفنلندي تناولت أيضا انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي والتعاون في مجال الدفاع بين البلدين. وكان قد صرح زيلينسكي قبل أيام أن الحرب مع روسيا كان من الممكن منعها إذا سبق ذلك انضمام بلاده للحلف. وقال الرئيس الأوكراني: «لو كانت أوكرانيا جزءا من حلف الأطلسي قبل الحرب، لما اندلعت الحرب». لكن كرر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرارا قوله إن خطر حصول أوكرانيا على عضوية الحلف كان سببا للغزو الروسي الذي بدأ قبل أكثر من شهرين.

مناورات عسكرية للقوات المسلحة السويدية في بحر البلطيق تعود لعام 2020 (أ.ب)

وتجدر الإشارة إلى أن لجنة الدفاع في البرلمان الفنلندي كانت أوصت مطلع هذا الأسبوع بالانضمام إلى المنظمة العسكرية الأطلسية لاعتباره «الخيار الأفضل لضمان الأمن القومي» كما جاء في التوصية التي على أساسها تبدأ المناقشات في الجلسات العامة للبرلمان يوم الاثنين المقبل. ويشكل موقف رئيس الجمهورية، الذي ينتمي إلى الحزب الليبرالي، عاملاً حاسماً حيث إن رئيس الدولة في فنلندا هو الذي يشرف على إدارة السياسة الخارجية بالتعاون مع الحكومة. ومن المنتظر أن يحسم الحزب الاجتماعي الديمقراطي الذي تنتمي إليه رئيسة الوزراء موقفه غداً السبت من طلب الانضمام، علما بأن الموقف التقليدي لهذا الحزب كان حتى الآن معارضاً لمثل هذه الخطوة. وجاء في البيان الفنلندي المشترك «نعقد الأمل في اتخاذ الخطوات اللازمة خلال الأيام المقبلة لتقديم الطلب الرسمي، لأن الانضمام إلى عضوية الحلف الأطلسي يعزز أمن فنلندا، كما يعزز أمن الحلف في مجمله».
وتنص المادة العاشرة من معاهدة الحلف الأطلسي أنه بعد أن تتقدم دولة بطلب الانضمام إلى الحلف، توجه إليها دعوة لفتح حوار مع المنظمة، يرجح في حالة فنلندا أن يتم ذلك أواخر الشهر المقبل خلال القمة الأطلسية التي تستضيفها العاصمة الإسبانية. وتتوقع مصادر الحلف أن تدوم عملية الانضمام سنة كاملة، ويمكن للحلف خلالها أن يعزز وجوده العسكري في بحر البلطيق والشمال الأوروبي. وتجري استوكهولم وهلسنكي محادثات مع الكثير من أعضاء الحلف الرئيسيين للتأكد من الحصول على «الضمانات» اللازمة، في وقت تتوعدهما روسيا بـ«عواقب» في حال ترشحهما للانضمام. وأشارت رئيسة الوزراء الفنلندية سانا مارين الخميس إلى محادثات في هذا المعنى مع الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وبريطانيا، مؤكدة أن انضماما في أسرع وقت هو «أفضل ضمان ممكن». وكان قد أعلن ستولتنبرغ أن الحلف مستعد «لتعزيز وجوده» في بحر البلطيق ومحيط السويد لحماية هذا البلد في حال ترشحه لعضوية الأطلسي. وقال ستولتنبرغ في مقابلة مع التلفزيون السويدي إس في تي: «علينا أن نتذكر أنه خلال عملية الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي، ثمة التزام سياسي قوي من جانب المنظمة لدعم أمن السويد». وأضاف «لدينا وسائل عدة للقيام بذلك، وخصوصا عبر تعزيز وجود الأطلسي وقواته في المناطق المحيطة بالسويد وفي البلطيق».
ويذكر أن روسيا سبق وحذرت فنلندا من مغبة طلب الانضمام إلى الحلف الأطلسي، حيث كانت الناطقة بلسان الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا نبهت غداة بداية العمليات العسكرية في أوكرانيا من أن انضمام السويد وفنلندا إلى «الناتو» ستكون له عواقب سياسية وعسكرية وخيمة. واستمرت موسكو في تكرار هذه التحذيرات، في الوقت الذي كانت استطلاعات الرأي في فنلندا تشير إلى أن 76 في المائة يؤيدون الانضمام إلى الحلف بعد أن كانت هذه النسبة لا تتجاوز 20 في المائة أواخر العام الماضي.
ويجدر التذكير أيضا أن هذا التحول الجذري والسريع في موقف الرأي العام رافقه أيضا تحول في مواقف الأحزاب السياسية، حيث إن رئيسة الوزراء الحالية، التي تقود حكومة ائتلافية من خمسة أحزاب، كانت صرحت مطلع هذا العام في حديث صحافي أن الانضمام إلى الحلف الأطلسي ليس مطروحاً على بساط البحث في القريب المنظور. ومن شأن انضمام فنلندا إلى الحلف الأطلسي أن ينهي سياسة الحياد المديدة التي اعتمدتها هلسنكي منذ بداية الحرب الباردة بين واشنطن وموسكو، وبعد أن خاضت حربين ضد الاتحاد السوفياتي تخلت بنتيجتها عن قسم من أراضيها. وكانت موسكو أجبرت هلسنكي على توقيع اتفاق تعاون بعد الحرب العالمية الثانية، يخضع السياسيون الفنلنديون بموجبه لمراقبة الاتحاد السوفياتي طيلة عقود. وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي انتهت فترة الاتفاق في العام 1992 لتنضم فنلندا والسويد والنمسا بعد ثلاث سنوات إلى الاتحاد الأوروبي، منهية بذلك الحياد السياسي، خاصة بعد العام 2009 عندما تم إقرار معاهدة لشبونة التي تلحظ في أحكامها واجب الدفاع المشترك بين الدول الأعضاء. وكانت فنلندا تردد طوال هذه السنوات أنها دولة «غير منحازة عسكرياً». وفي حال انضمام فنلندا إلى الحلف الأطلسي يتضاعف طول الحدود الروسية الحالية مع بلدان الحلف، حيث إن الحدود بين روسيا وفنلندا تمتد على مسافة 1360 كلم، تضاف إليها 1200 كلم مع بولندا والنرويج وإستونيا وليتوانيا. وتجدر الإشارة إلى أن الخشية من اجتياح روسي آخر لم تفارق أبدا الفنلنديين الذين استقلوا عن الاتحاد السوفياتي في العام 1917، حيث إن أكثر من مليون فنلندي (20 في المائة من السكان) هم جنود احتياط، فضلاً عن أكبر شبكة في العالم للملاجئ، وسلاح طيران متطور يفوق بقدراته السلاح الجوي في جارتها السويد التي كانت بدأت نزعاً تدريجياً لسلاحها بعد نهاية الحرب الباردة، أوقفته بعد أن وضعت موسكو يدها على شبه جزيرة القرم في العام 2014، وكان سلاح الجو الفنلندي اشترى في العام الماضي 64 مقاتلة أميركية من طراز إف - 35 التي تعتبر الأحدث في العالم. ويعتبر المراقبون في بروكسل أن هذه الخطوة الفنلندية المتقدمة نحو طلب الانضمام إلى الحلف الأطلسي، تزيد منسوب الضغط على السويد التي تتسارع فيها وتيرة النقاش حول هذا الموضوع، والتي كانت تردد دائما أنها تنضم إلى الناتو عندما تنضم إليه فنلندا، واثقة من أن هلسنكي لن تقدم أبدا على مثل هذه الخطوة.


مقالات ذات صلة

موسكو: «الأطلسي» يكثّف تحركات قواته قرب حدود روسيا

العالم موسكو: «الأطلسي» يكثّف تحركات قواته قرب حدود روسيا

موسكو: «الأطلسي» يكثّف تحركات قواته قرب حدود روسيا

أكد سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي نيكولاي باتروشيف أن حلف شمال الأطلسي (ناتو) نشر وحدات عسكرية إضافية في أوروبا الشرقية، وقام بتدريبات وتحديثات للبنية التحتية العسكرية قرب حدود روسيا، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الروسية «سبوتنيك»، اليوم الأربعاء. وأكد باتروشيف في مقابلة مع صحيفة «إزفستيا» الروسية، أن الغرب يشدد باستمرار الضغط السياسي والعسكري والاقتصادي على بلاده، وأن الناتو نشر حوالى 60 ألف جندي أميركي في المنطقة، وزاد حجم التدريب العملياتي والقتالي للقوات وكثافته.

العالم إسبانيا تستدعي سفير روسيا إثر «هجوم» على حكومتها عبر «تويتر»

إسبانيا تستدعي سفير روسيا إثر «هجوم» على حكومتها عبر «تويتر»

أعلنت وزارة الخارجية الإسبانية، الجمعة، أنها استدعت السفير الروسي في مدريد، بعد «هجمات» شنتها السفارة على الحكومة عبر موقع «تويتر». وقال متحدث باسم الوزارة، لوكالة «الصحافة الفرنسية»، إن الغرض من الاستدعاء الذي تم الخميس، هو «الاحتجاج على الهجمات ضد الحكومة على مواقع التواصل الاجتماعي».

«الشرق الأوسط» (مدريد)
العالم {الناتو} يؤكد تسليم أوكرانيا كل المركبات اللازمة لهجوم الربيع

{الناتو} يؤكد تسليم أوكرانيا كل المركبات اللازمة لهجوم الربيع

أعلن القائد العسكري الأعلى لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، أن جميع المركبات القتالية، التي وعد حلفاء أوكرانيا الغربيون بتسليمها في الوقت المناسب، تمهيداً لهجوم الربيع المضاد المتوقع الذي قد تشنه كييف، قد وصلت تقريباً. وقال الجنرال كريستوفر كافولي، وهو أيضاً القائد الأعلى للقوات الأميركية في أوروبا، إن «أكثر من 98 في المائة من المركبات القتالية موجودة بالفعل». وأضاف في شهادته أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب يوم الأربعاء: «أنا واثق جداً من أننا قدمنا العتاد الذي يحتاجون إليه، وسنواصل الإمدادات للحفاظ على عملياتهم أيضاً».

العالم الناتو يؤكد تسليم كل المركبات القتالية اللازمة لهجوم الربيع الأوكراني

الناتو يؤكد تسليم كل المركبات القتالية اللازمة لهجوم الربيع الأوكراني

أعلن القائد العسكري الأعلى لحلف شمال الأطلسي (الناتو) أن جميع المركبات القتالية، التي وعد حلفاء أوكرانيا الغربيون بتسليمها في الوقت المناسب، تمهيداً لهجوم الربيع المضاد المتوقع الذي قد تشنه كييف، قد وصلت تقريباً. وقال الجنرال كريستوفر كافولي، وهو أيضاً القائد الأعلى للقوات الأميركية في أوروبا، إن «أكثر من 98 في المائة من المركبات القتالية موجودة بالفعل». وأضاف في شهادته أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب الأميركي الأربعاء: «أنا واثق جداً من أننا قدمنا العتاد الذي يحتاجون إليه، وسنواصل الإمدادات للحفاظ على عملياتهم أيضاً».

العالم مقاتلات ألمانية وبريطانية تعترض طائرات روسية فوق البلطيق

مقاتلات ألمانية وبريطانية تعترض طائرات روسية فوق البلطيق

اعترضت مقاتلات ألمانية وبريطانية ثلاث طائرات استطلاع روسية في المجال الجوي الدولي فوق بحر البلطيق، حسبما ذكرت القوات الجوية الألمانية اليوم (الأربعاء)، وفقاً لوكالة الأنباء الألمانية. ولم تكن الطائرات الثلاث؛ طائرتان مقاتلتان من طراز «إس يو – 27» وطائرة «إليوشين إل – 20»، ترسل إشارات جهاز الإرسال والاستقبال الخاصة بها.

«الشرق الأوسط» (لندن)

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...