«لجان المقاومة» السودانية توقّع «ميثاق سلطة الشعب»

مجلس الأمن والدفاع يقرر اتخاذ تدابير فورية لـ «حسم التفلتات الأمنية»

TT

«لجان المقاومة» السودانية توقّع «ميثاق سلطة الشعب»

وقّعت مجموعة من لجان المقاومة السودانية على «ميثاق سلطة الشعب»، الذي ينص على وضع حدٍ للانقلابات العسكرية في السودان، ورفض الشراكة مع «القوى المضادة للثورة»، ويؤكد على إبعاد «المؤسسة العسكرية» من الحياة السياسية.
وتعهد تقديمه لقوى الثورة للتوقيع منفردة، على أن تقدم القوى التي شاركت في الفترة الانتقالية «نقداً ذاتياً» مكتوباً عن أخطاء الشراكة السياسية والحكومة الانتقالية برئاسة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك.
وقال ممثلون عن لجان المقاومة في مؤتمر صحافي بالخرطوم أمس، إن الميثاق مطروح للتوقيع عليه من قِبل لجان المقاومة في الخرطوم والولايات، والتنظيمات المهنية والنقابية والنسوية، وتنظيمات معسكرات النازحين، والاتحادات العمالية والطلابية، والتنظيمات السياسية الرافضة عسكرة الحياة السياسية، والساعية لـ«إسقاط الانقلاب»، على أن تتولى اللجان ضبط التعديلات المقترحة على الميثاق.
ووقّعت على الميثاق أمس، عدد من التنسيقيات قاطعته تنسيقيات أخرى على رأسها تنسيقية الحاج يوسف. ويعد هذا الميثاق أول برنامج عمل معارض سياسي يأتي من القواعد الشعبية السودانية.
وتكونت «لجان المقاومة السودانية» عام 2013 ضد نظام الإسلاميين بقيادة الرئيس الأسبق عمر البشير، وهي تنظيمات شعبية في الأحياء، ويغلب عليها الطابع الشبابي من الجنسين، وكان عملها يقتصر على الحشد وتنسيق المواكب والمظاهرات الاحتجاجية، بيد أنها بعد إجراءات 25 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تحولت مركزاً تنسيقياً لمواجهة تلك الإجراءات، وتصدت للإجراءات العسكرية الجديدة، وواجهتها سلطات الأمن بالرصاص والذخائر وقنابل الغاز؛ ما تسبب في مقتل 95 قتيلاً ومئات الجرحى والمصابين والمعتقلين والمفقودين.
واستثنت لجان المقاومة من التوقيع على ميثاقها «كل القوى السياسية التي شاركت في انقلاب 30 يونيو (حزيران) 1989 حتى لحظة سقوطه»، بجانب القوى التي «أيّدت إجراءات 25 أكتوبر العسكرية، والقوى التي وقفت معها». واشترطت على القوى السياسية والمدنية التي شاركت في التفاوض الذي قاد لإنتاج الشراكة مع المجلس العسكري الانتقالي والتسوية السياسية معه، لتوقيع الميثاق «إصدار نقد ذاتي مكتوب للنهج الذي انبنت عليه تقديرات دخولها في تجربتي التفاوض والشراكة، وتقديم المراجعات المنهجية لممارستها السياسية خلال الفترة الانتقالية، ونشره جماهيرياً، قبل التوقيع».
كما ألزم الميثاق التنظيمات السياسية وقوى الكفاح المسلح بـ«صورة منفردة، ولا يقبل التوقيع باسم تحالف، وأن يكون التوقيع ملزماً ومرجعية سياسية يتم الرجوع إليها، حال حدوث تباين في وجهات النظر من قبل أي من قيادات المكونات الموقعة».
ويحتوي الميثاق على ثلاثة عشر بنداً، تنص على «رفض أي دعوات للتفاوض المباشر، أو غير المباشر مع الانقلابيين، واستمرار المقاومة السلمية، عبر أدواتنا المجربة»، والعمل على «إسقاط انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر ومحاسبة الضالعين فيه من القوى المدنية والعسكرية، وإلغاء الوثيقة الدستورية وخلق وضع دستوري عن طريق إعلان دستوري مؤقت، يستند إلى (ميثاق سلطة الشعب)، ومراجعة الاتفاقيات المبرمة والمراسيم الصادرة منذ 11 أبريل (نيسان) 2019».
وحدد الميثاق رؤية لبناء «هياكل الحكم الانتقالي، وصياغة دستور انتقالي يعترف بالتعدد الثقافي والديني والعرقي في البلاد، وأن تقف الدولة على مسافة واحدة من الجميع». وينص على تكوين مجلس تشريعي انتقالي من قوى «الثورة الحية»، يسمي ويعين ويعتمد رئيس وزراء من الكفاءات والوطنية المستقلة المنحازة للثورة، يشكل حكومة تنفيذية مستقلة يقدمها للمجلس للإجازة، إلى جانب تشكيل مجالس تشريعية ولائية، وتشكيل مفوضيات مستقلة.
وأكد على ضمان المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب، ومحاكمة «كل المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان، وجرائم الحرب، وجرائم الإبادة الجماعية، منذ الاستقلال، مروراً بعهد 30 يونيو 1989، وبعد الحادي عشر من أبريل 2019»، وربط العدالة الانتقالية مع عملية السلام، وإصلاح الأجهزة العدلية وإعادة هيكلتها، وإصلاح القوات النظامية وإعادة بنائها، وفتح تحقيقات في الجرائم والنزاعات المختلفة.
واشترط الميثاق «إخضاع جميع الأجهزة الأمنية والعسكرية، وإجراءات إصلاحها للسلطتين التنفيذية والتشريعية»، وإعادة بناء جهاز الأمن والمخابرات وقصر صلاحياتها على جمع المعلومات وتصنيفها، وإعادة هيكلة الشرطة وصلاحياتها لضمان مهنيتها واستقلاليته، وإعادة هيكلة القوات المسلحة وتكوين «جيش مهني وطني موحد، يقوم بدوره في حماية الشعب والدستور وحدود البلاد»، فضلاً عن إلغاء منصب القائد العام، وأن يكون رئيس الوزراء هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، وحل الميليشيات والدعم السريع، وإنفاذ عمليات «الدمج والتسريح ونزع السلاح، بعد توقيع اتفاق سلام شامل».
كما يتضمن إجراء إصلاحات في المنظومة الحقوقية والعدلية، والخدمة المدنية، واتباع نظام اقتصادي يوازن بين الدين العام ومرجعيات التفاوض مع المؤسسات المالية الدولية، بما يؤسس لنظام رعاية اجتماعية، تفرض وزارة المالية ولايتها على المال العام، بما في ذلك المؤسسات التابعة للقوات المسلحة.
من جهة أخرى، قرر مجلس الأمن والدفاع السوداني، اتخاذ تدابير أمنية فورية لحسم التفلتات الأمنية، بما في ذلك المظاهر العسكرية غير القانونية بمدن البلاد كافة.
ورأس رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان، أمس اجتماع اللجنة الفنية للمجلس بمقر القيادة العامة للجيش بالخرطوم، بحضور نائبه، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وأعضاء اللجنة.
وقال المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة، نبيل عبد الله علي، إن اللجنة أصدرت توجيهات لقوات الجيش والقوات النظامية كافة للتعامل بحسم مع التفلتات الأمنية في البلاد.
وكلف الاجتماع بحسب وكالة أنباء السودان الرسمية (سونا) القوات المسلحة بكافة المناطق والفرق والقوات النظامية، التعامل الحاسم والقانوني مع المظاهر العسكرية كافة غير القانونية ضد أي مجموعات أو أفراد بمدن وأنحاء البلاد كافة.
وتنتشر في العاصمة الخرطوم وولايات دارفور تشكيلات عسكرية تابعة للفصائل المسلحة الموقّعة على اتفاق «جوبا» للسلام، رُصدت لها خروق كثيرة في أقسام الشرطة.
ويواجه بند الترتيبات الأمنية في «اتفاقية السلام» الذي نص على دمج قوات الدعم السريع ومقاتلي الفصائل المسلحة في جيش موحد بعقيدة جديدة عقبات التمويل وجوانب فنية متعلقة بانتشار تلك القوات.
وشهدت ولاية غرب دارفور في أبريل الماضي نزاعاً قبلياً أدى إلى مقتل وجرح المئات ونزوح الآلاف، كما تشهد الخرطوم حالة من التفلتات الأمنية المتزايدة جراء انتشار حوادث السرقة والنهب.



اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، أمس، أن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلّم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة، وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

من جانبه، أكد محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، لـ«الشرق الأوسط»، أن مستوى التنسيق مع السعودية «عالٍ جداً»، منوهاً بحسمها مسألة إخراج قوات «المجلس الانتقالي» من المحافظة خلال وقت قياسي، والتزامها توفير الغذاء والحوافز، وتقديمها وعوداً بتنفيذ حزمة مشروعات كبيرة لتطوير البنية التحتية.

وقال الخنبشي إن الأوضاع في حضرموت بدأت تعود إلى طبيعتها، وشدَّد على أن المحافظة «يجب أن تكون رقماً سياسياً فاعلاً في أي تسوية مقبلة»، لافتاً إلى لقاءات سيجريها مع مختلف المكونات السياسية والاجتماعية فيها خلال الأيام المقبلة؛ للتوافق على رؤية موحدة تمثلهم في «مؤتمر الحوار الجنوبي» الذي تستضيفه الرياض قريباً.

من جهته، أكد السفير الأميركي لدى اليمن، ستيفن فاغن، دعم بلاده إجراء «الحوار الجنوبي» الشامل، وأهمية الحفاظ على الأمن والاستقرار، وذلك خلال اجتماع مع نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي.


العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، الأحد، إن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

وأضاف العليمي خلال لقائه، في الرياض، السفيرة البريطانية عبده شريف، أن تشكيل اللجنة العسكرية العليا سيعيد توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية، في خطوة تهدف إلى حماية الجبهة الداخلية والحفاظ على تركيز الدولة على مواجهة انقلاب الحوثي المدعوم من إيران، سلماً أو حرباً.

وبحسب الإعلام الرسمي، جرى في اللقاء بحث العلاقات الثنائية مع لندن، إضافة إلى المستجدات المحلية، وجهود تطبيع الأوضاع، واستعادة التعافي بالمحافظات المحررة، فضلاً عن إجراءات تعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن والاستقرار وبناء السلام، والدور المعوّل على المجتمع الدولي في مواصلة دعم هذا المسار، ضمن مرحلة جديدة من الشراكة الواعدة في اليمن.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام رسمي)

ونقلت وكالة «سبأ» أن العليمي جدد الإشادة بالدور الإيجابي الذي اضطلعت به المملكة المتحدة لدعم وحدة اليمن، وشرعيته الدستورية، وجهود السلام، وتدخلاتها الإنسانية الحيوية للتخفيف من معاناة الشعب اليمني.

وأكد العليمي أهمية الشراكة مع لندن في دعم جهود استعادة مؤسسات الدولة اليمنية، ومكافحة الإرهاب، والاستقرار الإقليمي، وأمن الملاحة الدولية، متطرقاً إلى الإجراءات الرئاسية المتخذة لتطبيع الأوضاع بالتنسيق مع قيادة «تحالف دعم الشرعية»، بما في ذلك القرارات السيادية الأخيرة، لحماية المدنيين والمركز القانوني للدولة، وفقاً لإعلان نقل السلطة، والقواعد المنظمة لأعمال مجلس القيادة الرئاسي.

تسلّم المعسكرات

وأورد الإعلام الرسمي أن العليمي أكد للسفيرة البريطانية نجاح عملية تسلم المعسكرات في محافظتَي حضرموت والمهرة، واستمرار تطبيع الأوضاع في العاصمة المؤقتة عدن وباقي المحافظات المحررة، وقال إن هذه العملية «ستعيد حصر السلاح بيد الدولة، والتمهيد لعودة كافة المؤسسات للعمل بصورة طبيعية من الداخل».

وأضاف أن «هذا النجاح سيسهم في تحسين الوضع الإنساني، وتسهيل تدفق المساعدات، وتعزيز الثقة مع المجتمع الدولي»، مؤكداً أن نجاح تسلم المعسكرات مثّل خطوة تأسيسية لإعادة توحيد القرار العسكري والأمني على أسس مؤسسية واضحة.

جنود في عدن يتجمعون خارج مقر المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وتطرق رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا، كإطار مهني جامع يتولى توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية، وإعادة تنظيمها تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية.

كما أكد أن تشكيل هذه اللجنة يبعث برسالة واضحة بأن الدولة اليمنية لم تنحرف عن أولوياتها الوطنية، وأن عملية تسلم المعسكرات كانت إجراء تصحيحياً مهماً لحماية الجبهة الداخلية، وإبقاء الجهد مركزاً على معركة استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء انقلاب الحوثي المدعوم من النظام الإيراني، سلماً أو حرباً.

قرار مسؤول

وأشار خلال اللقاء مع السفيرة البريطانية إلى إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه، وقال: «كان قراراً شجاعاً ومسؤولاً في لحظة مفصلية، عكس إدراكاً لحساسية المرحلة وخطورة الانزلاق إلى صراعات داخلية من شأنها إضعاف الجبهة الداخلية في مواجهة التهديد الحقيقي».

وشدد رئيس مجلس القيادة اليمني على «التعامل المسؤول مع مترتبات هذا القرار، بعقل الدولة لا بمنطق التشفي، ومنع تكرار أخطاء الماضي التي أفضت إلى الإقصاء والتهميش، أو توظيف القضايا العادلة لعسكرة الحياة السياسية».

وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب الاستفادة من كافة الطاقات الوطنية، المدنية والعسكرية، ضمن إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية، وسيادة القانون.

العليمي أكد استعادة المعسكرات التي سيطر عليها المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وجدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الإشادة بالدور المحوري السعودي في خفض التصعيد، ورعاية الحوار الجنوبي، كامتداد لدعم اقتصادي سخي، وتدخلات إنسانية وإنمائية في مختلف المجالات.

كما تطرق لأولويات المرحلة المقبلة، وفي المقدمة عودة الحكومة ومؤسسات الدولة للعمل من الداخل، وتحسين الخدمات الأساسية، وتعزيز استقلال القضاء وسيادة القانون، وتهيئة بيئة آمنة للاستثمار، وإعادة الإعمار.

وشدد العليمي على مضي الدولة في مسار الاستقرار، وتعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن وبناء السلام، داعياً المملكة المتحدة والمجتمع الدولي إلى مواصلة دعم هذا المسار، بما في ذلك ردع أي محاولة لعرقلة العملية السياسية في البلاد.


اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
TT

اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)

مثّلت كلمة رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مساء السبت، نقطة انعطاف حاسمة في مسار الأزمة اليمنية، ليس فقط من حيث مضمونها السياسي والعسكري، بل من حيث الرسائل الإقليمية والدولية التي حملتها، والإطار الجديد الذي دشّنته لإدارة الصراع وضبط الأمن ومعالجة القضايا المؤجلة، وفي مقدمتها «القضية الجنوبية».

خطاب العليمي، الذي بثّه التلفزيون الرسمي، لم يكن بيان تهدئة بل إعلان انتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إعادة هندسة الشرعية اليمنية القائمة أمنياً وسياسياً، تحت مظلة شراكة إقليمية يقودها «تحالف دعم الشرعية في اليمن» الذي تتزعمه السعودية.

اللافت في الخطاب أنه جاء بعد «أيام مفصلية وقرارات صعبة»، على حد تعبير العليمي، ما يعكس إدراكاً رئاسياً بأن البلاد كانت على حافة انفجار يُهدد الداخل اليمني والجوار الإقليمي، وأن الحسم في المحافظات الجنوبية لم يكن خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة سيادية لحماية الدولة، ومنع تفككها وضبط أمن الجوار.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

ومن هنا، كان تسلم المعسكرات في عدن وحضرموت والمهرة وبقية المحافظات الجنوبية المحررة جزءاً من عملية أوسع لإعادة الاعتبار للمركز القانوني للدولة، وسدّ الفراغات التي لطالما استثمرتها الجماعات المسلحة والفوضى السياسية، وآخرها كان في تصعيد عيدروس الزبيدي رئيس ما كان يُسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي»، ومحاولته إخضاع حضرموت والمهرة بقوة السلاح.

مرحلة جديدة

خطاب العليمي ركّز بوضوح على أن ما جرى يُمثل بداية مرحلة جديدة، قوامها وحدة الصف وتغليب الحكمة، بعيداً عن منطق السلاح وإدارة الخلافات بالقوة، وفي حين يبدو أن هذه الرسالة موجّهة بالدرجة الأولى إلى الداخل اليمني، لكنها في الوقت ذاته تطمين للخارج بأن الشرعية اليمنية باتت أكثر تماسكاً، وقادرة على ضبط مناطق نفوذها، وحماية الممرات المائية، ومكافحة الإرهاب، ومنع تهريب السلاح.

الأهم أن العليمي وضع الأمن والاستقرار في صدارة الأولويات غير القابلة للتأجيل أو المساومة، بوصفهما شرطاً لازماً لاستمرار الخدمات، وتحسين الأوضاع المعيشية، وصون كرامة المواطنين. وهو ما يعكس تحولاً في خطاب الشرعية من التركيز على الشعارات السياسية إلى خطاب الدولة المسؤولة، التي تُقاس قدرتها بمدى توفيرها الأمن والخدمات، لا بعدد بياناتها.

وفي أحد أكثر مقاطع الخطاب أهمية، أعاد العليمي تأكيد أن القضية الجنوبية «عادلة»، وتقع في صدارة أولويات مجلس القيادة الرئاسي، نافياً أي تشكيك سابق أو إنكار لحقوق الجنوبيين. غير أن الجديد هنا لا يكمن في الاعتراف، بل في الإطار الذي طُرح لمعالجة القضية، وهو الحوار الجنوبي-الجنوبي المرتقب في الرياض.

وفي هذا الصدد يعكس إعلان عقد مؤتمر للحوار الجنوبي الشامل برعاية وإدارة السعودية، وبمشاركة الشخصيات والقيادات الجنوبية، وليس «المكونات»، توجهاً لإخراج القضية من أسر التمثيلات الفصائلية الضيقة، ووضعها في سياق سياسي جامع، بضمانات إقليمية ودولية.

ويبدو أن هذا التحول لا يقل أهمية عن البُعد العسكري، لأنه يسحب فتيل الصراع من الداخل الجنوبي، ويُعيد تعريف القضية بوصفها مسألة سياسية قابلة للحل، وليست ورقة للابتزاز الأمني والتوظيف الخارجي المزعزع لأمن اليمن والمنطقة.

من ناحية ثانية، يشير إعلان العليمي عن دعم الدولة لمخرجات هذا المؤتمر، «بكل مسؤولية وإخلاص»، إلى استعداد رسمي للالتزام بما يجري التوافق عليه، ضمن مرجعيات المرحلة الانتقالية، وهو ما يمنح العملية السياسية الجنوبية ثقلاً غير مسبوق منذ سنوات.

الاستعداد للحسم

الرسالة الأكثر وضوحاً، وربما الأكثر حسماً، في الخطاب تمثلت في إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا تحت قيادة قوات «تحالف دعم الشرعية»، وهو ما يعني عملياً إعادة توحيد القرار العسكري، ووضع جميع التشكيلات والقوات اليمنية تحت مظلة قيادة واحدة، تتولى الإعداد والتجهيز والقيادة، والاستعداد للمرحلة المقبلة في حال رفض الحوثيون الحلول السلمية.

وتتجاوز دلالات هذا الإعلان من قبل العليمي البُعد التنظيمي؛ إذ ينظر إليها بوصفها رسالة ردع مباشرة للجماعة الحوثية المدعومة من إيران، ورسالة طمأنة للمجتمع الدولي بأن الشرعية باتت تمتلك إطاراً عسكرياً منضبطاً قادراً على ضبط السلاح، وتأمين الممرات المائية، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود.

ومن المرتقب أن يؤدي تولي «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية مسؤولية دعم هذه القوات وقيادتها، إلى مستوى فاعل من الشراكة الاستراتيجية، مع تأكيد أن المرحلة المقبلة ستُدار بأدوات «حازمة جداً» وشفافة ومنضبطة بعيداً عن منطق توازنات الفصائل المتنافسة على الأرض أو الأطراف التي تُريد استغلال الواقع لتحقيق مصالح شخصية أو حزبية دون التركيز على مصير اليمنيين.

ولا تفوت الإشارة في هذا السياق إلى أن العليمي وضع الحوثيين أمام خيارين فقط، وهما إما الانخراط الجاد في مسار سياسي سلمي، وإما مواجهة مرحلة جديدة من الاستعداد العسكري المنظم، إذ شدد الخطاب على استعادة الدولة «سلماً أو حرباً».