باريس وبرلين تبتعدان عن المقاربة الأميركية لمسار الحرب في أوكرانيا

ماكرون وشولتس يريدان وقفاً سريعاً لإطلاق النار تعقبه مفاوضات جدية... وواشنطن تركز على إلحاق الهزيمة بالقوات الروسية

توافق بين ماكرون وشولتس على أهداف الحرب في أوكرانيا والشروط الواجب توافرها لوضع حد لها (إ.ب.أ)
توافق بين ماكرون وشولتس على أهداف الحرب في أوكرانيا والشروط الواجب توافرها لوضع حد لها (إ.ب.أ)
TT

باريس وبرلين تبتعدان عن المقاربة الأميركية لمسار الحرب في أوكرانيا

توافق بين ماكرون وشولتس على أهداف الحرب في أوكرانيا والشروط الواجب توافرها لوضع حد لها (إ.ب.أ)
توافق بين ماكرون وشولتس على أهداف الحرب في أوكرانيا والشروط الواجب توافرها لوضع حد لها (إ.ب.أ)

عاد الرئيس الفرنسي ليهتم مجدداً بالملف الأوكراني والحرب الدائرة هناك منذ 24 فبراير (شباط) الماضي. وكان إيمانويل ماكرون قد ابتعد قليلاً عنه بسبب الانتخابات الرئاسية التي فاز بها، ووفّرت له إقامة 5 سنوات إضافية في قصر الإليزيه. واستغل ماكرون أول فرصة أتيحت له، أول من أمس، ليعرض رؤيته للحرب في أوكرانيا، وخصوصاً لإظهار أنها تختلف عن الرؤية الأميركية التي ترى باريس أنها «تتخطى» النزاع الحالي لفرض توازنات جديدة مختلفة مع روسيا. وليست المرة الأولى التي تفترق فيها رؤيتا العاصمتين، إذ سبق لـماكرون أن امتنع عن وصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بـ«مجرم حرب» وهو التعبير الذي استخدمه الرئيس بايدن أكثر من مرة. ثم لاحقاً، رفض ماكرون الالتحاق بنظيره الأميركي في اعتبار أن الجرائم التي ارتكبتها القوات الروسية في أوكرانيا تعد بمثابة «إبادة جماعية»، وحرص على تعداد الشروط القانونية التي تتيح استخدام هذا التعبير. ثم تتعين الإشارة إلى أن ماكرون يعد الزعيم الغربي الوحيد الذي ما زال على تواصل مع بوتين، وبعد أن زاره في موسكو يوم 7 فبراير، بقي على تواصل هاتفي معه لبحث تطورات الحرب والدعوة إلى وقف لإطلاق النار وشروط التفاوض الجارية بين موسكو وكييف، التي لم تعطِ أي نتيجة فعلية.
اليوم، نقطة الخلاف بين باريس وبرلين من جهة، وواشنطن ولندن وبعض الأوروبيين من جهة أخرى، تتناول أهداف الحرب في أوكرانيا والشروط الواجب توافرها لوضع حد لها. ومنطلق باريس أن الحل لا يمكن إلا أن يكون سياسياً ومن خلال المفاوضات. واستغل ماكرون الخطاب الذي ألقاه في البرلمان الأوروبي ليبعث بمجموعة رسائل إلى كييف، ولكن أيضاً إلى واشنطن خصوصاً، وللتحذير من إعادة ارتكاب أخطاء تاريخية كلفت أوروبا حروباً ومآسي. وقال ماكرون: «غداً سيكون لدينا سلام (بين أوكرانيا وروسيا) يتعين علينا أن نبنيه. دعونا لا ننسى ذلك أبداً، وسيتعين علينا القيام بذلك مع أوكرانيا وروسيا حول طاولة المفاوضات... لكن هذا لن يحصل من خلال الفرض أو استبعاد بعضنا بعضاً، ولا من خلال الإذلال» في إشارة إلى روسيا.
وفي المساء عينه، ولكن هذه المرة من برلين عقب لقائه المستشار الألماني، عاد ماكرون ليوضح رؤيته، في المؤتمر الصحافي المشترك مع أولاف شولتس، إذ اعتبر أن المطلوب اليوم هو «السعي إلى تحقيق وقف إطلاق النار بأسرع وقت ممكن» بحيث يفتح الطريق لإطلاق المفاوضات وتحقيق السلام وانسحاب القوات الروسية من المناطق التي احتلتها. وأضاف ماكرون، لمزيد من الوضوح، أن باريس عازمة على دعم كييف في المفاوضات المرتقبة، التي لا يمكن أن تحصل إلا وفق الشروط التي يراها الطرف الأوكراني، مشدداً على أن هدف بلاده هو «الوقوف إلى جانب سيادة أوكرانيا وسلامة أراضيها، لا أكثر ولا أقل». وفي نظره، فإن المفاوضات التي يمكن أن تحصل «بعد وقف إطلاق النار ستكون الشيء الوحيد الذي يسمح باستعادة السلام». ولحظ ماكرون دوراً مزدوجاً لأوروبا، إذ عليها من جهة أن تساهم في الضمانات الأمنية التي تطلبها أوكرانيا، وأن تلعب دورها في عملية إعادة إعمار هذا البلد. وفي السياق عينه، رأى شولتس أنه «من المهم دفع تخفيف حدة التصعيد قدماً فيما يتعلق بلغة الخطاب على أي حال»، داعياً إلى اتخاذ خطوات «حاسمة» قريباً لإنهاء الصراع. وفي أي حال، حذّر المستشار الألماني من أن كييف «لن تقبل بسلام مفروض» يفرض عليها شروطاً تمس بسيادتها وسلامة أراضيها لا تستطيع قبولها، في إشارة إلى رغبة روسيا في انتزاع اعتراف رسمي من أوكرانيا بسيادتها على شبه جزيرة القرم التي ضمتها موسكو في العام 2014، بالإضافة إلى اعترافها باستقلال جمهوريتي الدونباس الانفصاليتين.
هذه المقاربة الفرنسية - الألمانية تبتعد عن الطرح الأميركي. ووفق مصادر متابعة لتطورات الحرب في أوكرانيا، فإن الملاحظ أن «أهداف الحرب قد تغيرت، ليس فقط من المنظور الروسي، لكن أيضاً من المنظور الأطلسي - الأميركي خصوصاً». وترى هذه المصادر في التصريحات التي صدرت عن وزيري الدفاع والخارجية الأميركيين عقب اجتماع ممثلي 40 دولة في قاعدة رامشتاين الأطلسية في غرب ألمانيا، وأيضاً في قرار واشنطن مضاعفة مساعدتها لأوكرانيا 10 مرات قياساً لما قدمته في الشهرين الأولين من الحرب، دلائل قوية على وجود أهداف تتخطى أوكرانيا، وتندرج في سياق التنافس الاستراتيجي بين روسيا والحلف. وفي هذا الإطار، عكست تصريحات الجنرال لويد أوستن، بمناسبة زيارة مزدوجة له ولنظيره أنطوني بلينكن، إلى كييف، تحولاً كبيراً في الأهداف الأميركية، إذ قال إن ما تريده واشنطن من الآن وصاعداً هو أن «ترى روسيا ضعيفة، إلى درجة ألا تكون قادرة على القيام بأشياء كالتي تقوم بها في غزو أوكرانيا». أما بلينكن فقد اعتبر أن مساعدة كييف، هدفها تمكينها من استعادة السيطرة على جميع أراضيها، بما فيها الدونباس وشبه جزيرة القرم. يضاف إلى ذلك أن الأدبيات الرائجة حالياً في واشنطن ترى أن ثمة إمكانية لإلحاق الهزيمة بالقوات الروسية في أوكرانيا وإنزالها من مرتبتها كقوة عظمى قادرة ورائدة. الأمر الذي يفسر تخلي واشنطن عن أي تحفظات، لجهة توفير جميع أنواع الأسلحة الدفاعية والهجومية لأوكرانيا، وخصوصاً مدّها بالمعلومات الاستخبارية كافة التي تمكنها من إنزال ضربات مريرة بالقوات الروسية.
وترى باريس، «ومعها ألمانيا»، أن هذه المقاربة بالغة الخطورة، وقناعتها أن الرئيس بوتين لا يمكنه القبول بأن تُدحر قواته في جواره المباشر، رغم أنه تخلى على ما يبدو عن طموحاته الأولى التي كان يهدف إلى تحقيقها في مرحلة الغزو الأولى، أي السيطرة على كييف وإزاحة الحكومة الحالية واستبدالها بحكومة موالية لموسكو تستجيب لمتطلباتها وشروطها التي تتضمن فرض حالة الحياد عليها ونزع سلاحها واجتثاث النازيين منها. لذا، فإن الرئيس الفرنسي الذي أعلن أكثر من مرة تضامن بلاده مع أوكرانيا، يرى أن الأمر الملحّ اليوم، وفق ما يفهم من تصريحاته، ليس تحقيق الانتصار الميداني ودحر القوات الروسية، بل تمكين كييف من الدفاع عن أراضيها والدفع باتجاه وقف سريع لإطلاق النار والجلوس إلى طاولة المفاوضات ودعم موقف الحكومة الأوكرانية خلالها وتبني شروطها، وليس الحلول مكانها. وكان ماكرون بالغ الصراحة حول هذه النقطة بالذات، إذ أعلن من إستراسبورغ أنه «يعود للأوكرانيين وحدهم أن يحددوا شروط المفاوضات» مع روسيا، مضيفاً أن «مسؤوليتنا تكمن في الحصول على وقف لإطلاق النار والحرص على عدم تمدد النزاع لباقي الأراضي الأوروبية». وفي أي حال، تؤكد باريس أنها لا تتخلى عن سيادة أوكرانيا وسلامة أراضيها، وهي تتمسك بذلك «لا أكثر ولا أقل». لكن السيناريو الفرنسي - الألماني يفترض، حتى يتحقق، أن تقبل روسيا السير فيه.
والحال أنه لا شيء حتى اليوم يشي بأنها على استعداد لوقف حربها على أوكرانيا، وأنها جاهزة للخوض في مفاوضات جدية، ما يعني عملياً أن المقاربة الفرنسية تبقى «نظرية» بانتظار أن تتوفر شروط ميدانية تدفع في هذا الاتجاه.


مقالات ذات صلة

روسيا تحذّر لاتفيا من السماح لأوكرانيا بإطلاق مسيّرات... وتهدد برد انتقامي

أوروبا سفير روسيا لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا يلقي كلمة أمام أعضاء مجلس الأمن الدولي في مقر الأمم المتحدة بمدينة نيويورك بالولايات المتحدة 19 سبتمبر 2025 (رويترز)

روسيا تحذّر لاتفيا من السماح لأوكرانيا بإطلاق مسيّرات... وتهدد برد انتقامي

حذّرت روسيا من هجمات أوكرانية بطائرات مسيّرة تنطلق من دول البلطيق، مؤكدة أن عضوية «الناتو» لن تمنع الردّ الانتقامي.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
رياضة عالمية الفريق الروسي للجمباز حصد ذهبية أولمبياد باريس تحت علم اللجنة الأولمبية الروسية (رويترز)

الاتحاد الدولي للجمباز يدافع عن قراره رفع القيود عن رياضيي روسيا وبيلاروسيا

دافع الاتحاد الدولي للجمباز، الثلاثاء، عن قراره رفع جميع القيود المفروضة على الرياضيين من روسيا وبيلاروسيا.

«الشرق الأوسط» (لوزان (سويسرا))
الاقتصاد يستغرق تسليم شحنة من الغاز الطبيعي المسال من روسيا لآسيا عادة ما يصل إلى 45 يوماً (رويترز)

بيانات: ناقلة غاز روسية تسلم شحنة إلى الصين بعد 6 أشهر في البحر

أظهرت بيانات تتبع السفن الصادرة عن مجموعة بورصة لندن، أن ناقلة غاز سلّمت شحنة من الغاز الطبيعي المسال من روسيا إلى الصين بعد أن ظلت ستة أشهر تقريباً في البحر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد منشأة لتخزين الوقود في مركز التصدير الروسي الرئيسي للنفط في ميناء نوفوروسيسك المطل على البحر الأسود (رويترز)

ارتفاع صادرات النفط من الموانئ الروسية الغربية رغم هجمات الطائرات المسيّرة

ارتفعت صادرات النفط وعبوره عبر الموانئ الغربية الروسية بنحو 150 ألف برميل يومياً، أي 9 في المائة تقريباً، في الأسبوعين الأول والثاني من مايو مقارنة بأبريل.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الاقتصاد الرئيسان بوتين وشي يسيران في مقر إقامة الزعيم الصيني تشونغنانهاي في بكين - سبتمبر 2025 (رويترز)

كيف تحوّلت الصين إلى الشريان الحيوي المموِّل لقطاع الطاقة الروسي منذ حرب أوكرانيا؟

رفعت الصين مشترياتها من النفط والغاز الروسي بشكل ملحوظ منذ بدء الصراع في أوكرانيا، في إطار شراكة «بلا حدود» أعلنتها موسكو وبكين قبل أيام قليلة من اندلاع الحرب.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

تقرير: شي أبلغ ترمب أن بوتين «قد يندم» على غزو أوكرانيا

شي وترمب في بكين خلال الأسبوع الماضي (رويترز)
شي وترمب في بكين خلال الأسبوع الماضي (رويترز)
TT

تقرير: شي أبلغ ترمب أن بوتين «قد يندم» على غزو أوكرانيا

شي وترمب في بكين خلال الأسبوع الماضي (رويترز)
شي وترمب في بكين خلال الأسبوع الماضي (رويترز)

قال الرئيس الصيني شي جينبينغ للرئيس الأميركي دونالد ترمب، خلال محادثاتهما الأسبوع الماضي، إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد يندم في نهاية المطاف على غزو أوكرانيا، وفق تقرير أوردته صحيفة «فاينانشال تايمز».

وحسب أشخاص مطلعين على التقييم الأميركي للقمة التي عُقدت في بكين، جاءت تصريحات شي خلال محادثات موسعة تناولت الحرب في أوكرانيا، وشملت اقتراحاً من ترمب بأن تتعاون الولايات المتحدة والصين وروسيا ضد المحكمة الجنائية الدولية.

وبدت تعليقات شي بشأن قرار بوتين شن الغزو الشامل لأوكرانيا عام 2022 أكثر صراحة من مواقفه السابقة، إذ قال مصدر مطلع على اجتماعاته مع الرئيس الأميركي السابق جو بايدن إن شي لم يكن قد قدم سابقاً تقييماً مباشراً لبوتين أو للحرب.

ويأتي ذلك فيما يستعد بوتين للوصول إلى الصين الثلاثاء لعقد قمة مع شي، بعد أربعة أيام فقط من استضافة الرئيس الصيني لترمب.

وكان بوتين قد أطلق غزوه لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022، بعد ثلاثة أسابيع من زيارته إلى الصين وإعلان «شراكة بلا حدود» مع شي. وتأتي زيارته الحالية بعد 25 عاماً من توقيع الرئيس الصيني السابق جيانغ زيمين مع بوتين معاهدة الصداقة الصينية-الروسية.

ولم ترد السفارة الصينية في واشنطن على طلب للتعليق، فيما رفض البيت الأبيض التعليق أيضاً. كما نشرت إدارة ترمب مذكرة حول قمة بكين، لكنها لم تتضمن أي إشارة إلى المحادثات المتعلقة ببوتين أو الحرب في أوكرانيا.

وخلال القمة، اقترح ترمب أيضاً أن تتعاون الولايات المتحدة والصين وروسيا في مواجهة المحكمة الجنائية الدولية، لافتاً إلى أن مصالحها متقاربة، وفقاً للمطلعين على المحادثات.

وسبق لإدارة ترمب أن عبّرت عن معارضتها الشديدة للمحكمة الجنائية الدولية، متهمة إياها بتسييس القضايا وإساءة استخدام السلطة وتجاوز السيادة الأميركية.

وجاءت تعليقات شي بشأن بوتين في وقت تحولت فيه الحرب الروسية على أوكرانيا إلى حالة جمود بعد أربع سنوات، خصوصاً مع تزايد فاعلية الضربات بالطائرات المسيّرة التي تنفذها كييف ضد القوات والأهداف الروسية.

وكانت إدارة بايدن قد اتهمت الصين مراراً بتزويد روسيا بمواد مزدوجة الاستخدام تساعدها في مواصلة حربها على أوكرانيا، فيما أثارت إدارة ترمب المخاوف نفسها ولكن بوتيرة أقل.

وقال النائب الأميركي الديمقراطي بريندان بويل إن الأوكرانيين «أعادوا ابتكار أساليب الحرب بالطريقة نفسها التي غيّرت بها الحرب العالمية الأولى شكل الحروب في القرن الحادي والعشرين»، مضيفاً أن حرب الطائرات المسيّرة أصبحت اليوم القاعدة وتعيد تشكيل مفهوم القتال.

ونفذت أوكرانيا، الأحد، ضربات بطائرات مسيّرة استهدفت مواقع قرب موسكو، قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إنها «مبررة بالكامل»، وذلك بعد هجوم جوي روسي قياسي على كييف الأسبوع الماضي.

وجاءت الضربات بعد وقف إطلاق نار لثلاثة أيام كان ترمب قد توسط فيه، مما أتاح لبوتين تنظيم عرض «يوم النصر» السنوي من دون خطر هجمات أوكرانية بالمسيّرات.


بعد «إيبولا» و«هانتا»... خبراء يحذّرون من أزمات صحية أشد خطورة

مسؤول صحي يفحص حرارة أحد المسافرين على معبر بوسونغا الحدودي بين أوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية (أ.ف.ب)
مسؤول صحي يفحص حرارة أحد المسافرين على معبر بوسونغا الحدودي بين أوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية (أ.ف.ب)
TT

بعد «إيبولا» و«هانتا»... خبراء يحذّرون من أزمات صحية أشد خطورة

مسؤول صحي يفحص حرارة أحد المسافرين على معبر بوسونغا الحدودي بين أوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية (أ.ف.ب)
مسؤول صحي يفحص حرارة أحد المسافرين على معبر بوسونغا الحدودي بين أوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية (أ.ف.ب)

حذر خبراء من أن العالم أصبح أقل قدرة على الصمود في مواجهة تفشي الأمراض المعدية، في وقت تسابق فيه السلطات الصحية في جمهورية الكونغو الديمقراطية وأوغندا الزمن لاحتواء تفشي فيروس «إيبولا».

ووفق تقرير نشرته صحيفة «الغارديان»، قال «المجلس العالمي لمراقبة التأهب»، في تقرير نُشر أمس الاثنين، إن «تفشي الأمراض المعدية لا يصبح أكثر تكراراً فحسب، بل أكثر تدميراً أيضاً»، محذراً من أن مخاطر الجوائح تتسارع بوتيرة تفوق الاستثمارات المخصصة للاستعداد لها، وأن «العالم لم يصبح أكثر أماناً بشكل فعلي بعد».

وأضاف التقرير أن احتمالات تفشي الأمراض تزداد بسبب أزمة المناخ والنزاعات المسلحة، فيما تتقوّض الجهود الجماعية بفعل الانقسامات الجيوسياسية والمصالح التجارية.

ويُعدّ المجلس العالمي لمراقبة التأهب مجموعة خبراء أُنشئت عام 2018 من قِبل البنك الدولي ومنظمة الصحة العالمية عقب أول تفشٍّ واسع النطاق لـ«إيبولا» في غرب أفريقيا، وقبيل جائحة «كوفيد-19».

ويأتي التقرير في وقت يتزايد فيه الاهتمام العالمي بتفشي فيروس «هانتا» على متن سفينة سياحية، وبعد يوم من إعلان حالة طوارئ صحية دولية إثر وفاة ما لا يقل عن 87 شخصاً بسبب «إيبولا» في الكونغو الديمقراطية.

«الصحة العالمية»: أزمات تتفاقم عالمياً

وقال المدير العام لـ«منظمة الصحة العالمية» تيدروس أدهانوم غيبريسوس، خلال افتتاح جمعية الصحة العالمية التابعة للأمم المتحدة في جنيف، إن التفشيين «ليسا سوى أحدث الأزمات في عالمنا المضطرب».

وقالت ممثلة منظمة الصحة العالمية في جمهورية الكونغو الديمقراطية، آن أنسيا، لوكالة «رويترز»، إن المنظمة استنزفت مخزونها من معدات الحماية في العاصمة كينشاسا خلال الاستجابة لتفشي «إيبولا»، وإنها تُعد طائرة شحن لجلب إمدادات إضافية من مستودع في كينيا.

عاملون في منظمة الصحة العالمية يجهزون إمدادات طبية ومعدات الطوارئ لدعم المناطق المتضررة من تفشي «إيبولا» في جمهورية الكونغو الديمقراطية (رويترز)

كما أعلنت منظمتا «لجنة الإنقاذ الدولية» و«أطباء بلا حدود» أنهما أرسلتا فرقاً للمشاركة في مواجهة التفشي.

ومن المقرر أن تستضيف منظمة الصحة العالمية اجتماعاً علمياً عاجلاً الجمعة، يجمع كبار الخبراء لتجميع المعلومات المتوافرة عن الفيروس وتحديد أولويات الأبحاث وتطوير اللقاحات والفحوصات والأدوية.

وفي جنيف، قال مدير مركز سياسات وسياسات الصحة العالمية في جامعة جورج تاون، البروفسور ماثيو كافانا، إن خفض المساعدات ربما أسهم في جعل العالم «يحاول اللحاق بمرض بالغ الخطورة».

وأضاف: «لأن الفحوصات المبكرة بحثت عن سلالة خاطئة من (إيبولا)، حصلنا على نتائج سلبية خاطئة وخسرنا أسابيع من وقت الاستجابة. وبحلول الوقت الذي أُطلق فيه الإنذار، كان الفيروس قد انتقل بالفعل عبر طرق نقل رئيسية وعبر الحدود».

وتابع: «هذه الأزمة لم تحدث من فراغ. فعندما تسحب مليارات الدولارات من منظمة الصحة العالمية وتفكك برامج الوكالة الأميركية للتنمية الدولية على الخطوط الأمامية، فإنك تدمر نظام المراقبة المفترض أن يكتشف هذه الفيروسات مبكراً. ونحن نشهد الآن العواقب المباشرة والقاتلة للتعامل مع الأمن الصحي العالمي بوصفه نفقات يمكن الاستغناء عنها».

«تقدم غير مسبوق»

وجد تقرير المجلس العالمي لمراقبة التأهب أن التقنيات الجديدة، بما في ذلك منصات اللقاحات الحديثة مثل «الحمض النووي الريبوزي المرسال» (mRNA)، شهدت «تقدماً غير مسبوق»، مع استثمار مليارات الدولارات في الاستعداد للجوائح والاستجابة لها.

لكن التقرير أشار إلى أن العالم «يتراجع» في إجراءات مثل ضمان الوصول العادل إلى اللقاحات والفحوصات والعلاجات. وخلال تفشيات «جدري القردة» الأخيرة، استغرق وصول اللقاحات إلى الدول الأفريقية المتضررة نحو عامين، وهو أبطأ حتى من المدة التي استغرقتها لقاحات «كوفيد-19»، التي بلغت 17 شهراً.

وحذّر المجلس من أن تفشيات الأمراض أضعفت الثقة بالحكومات والحريات المدنية والمعايير الديمقراطية، وهو ما تفاقم بسبب الاستجابات المسيسة والهجمات على المؤسسات العلمية. وأضاف أن آثار ذلك استمرت حتى بعد انتهاء الأزمات، مما جعل المجتمعات «أقل قدرة على الصمود أمام الطوارئ المقبلة».

وقالت الرئيسة المشاركة للمجلس والرئيسة الكرواتية السابقة، كوليندا غرابار كيتاروفيتش: «العالم لا يفتقر إلى الحلول. لكن من دون الثقة والعدالة، لن تصل هذه الحلول إلى الأشخاص الذين هم في أمسّ الحاجة إليها».

إمدادات طبية مكدّسة داخل مستودع تابع لمنظمة الصحة العالمية في نيروبي بكينيا (أ.ب)

وقالت إن «القادة السياسيين والقطاع الصناعي والمجتمع المدني لا يزال بإمكانهم تغيير مسار الجاهزية العالمية، إذا حوّلوا تعهداتهم إلى تقدم ملموس وقابل للقياس قبل وقوع الأزمة المقبلة».

وفشلت الدول في الالتزام بالموعد النهائي لإبرام اتفاقية الجوائح قبل انعقاد جمعية الصحة العالمية هذا الأسبوع في جنيف، بعد خلافات بشأن ضمانات الوصول إلى الفحوصات الطبية واللقاحات والعلاجات مقابل مشاركة المعلومات حول أي مسببات أمراض تظهر داخل أراضيها.

ودعا «المجلس العالمي لمراقبة التأهب» القادة السياسيين إلى إنشاء آلية دائمة ومستقلة لمراقبة مخاطر الجوائح، وإتمام اتفاقية الجوائح لضمان الوصول العادل إلى اللقاحات والفحوصات والأدوية، بالإضافة إلى توفير التمويل اللازم لتعزيز الجاهزية والاستجابة السريعة لتفشي الأمراض.

وقالت الرئيسة المشاركة للمجلس، وزيرة الصحة السابقة في بوتسوانا، جوي فومافي: «إذا استمر تآكل الثقة والتعاون فستصبح جميع الدول أكثر عرضة للخطر عند وقوع الجائحة المقبلة».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


المفوضية الأممية للاجئين تسرّح مزيداً من الموظفين

لاجئة سودانية من دارفور تستريح بجوار خيمة تابعة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين داخل مخيم تولوم شرق دولة تشاد 30 نوفمبر 2025 (رويترز)
لاجئة سودانية من دارفور تستريح بجوار خيمة تابعة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين داخل مخيم تولوم شرق دولة تشاد 30 نوفمبر 2025 (رويترز)
TT

المفوضية الأممية للاجئين تسرّح مزيداً من الموظفين

لاجئة سودانية من دارفور تستريح بجوار خيمة تابعة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين داخل مخيم تولوم شرق دولة تشاد 30 نوفمبر 2025 (رويترز)
لاجئة سودانية من دارفور تستريح بجوار خيمة تابعة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين داخل مخيم تولوم شرق دولة تشاد 30 نوفمبر 2025 (رويترز)

ذكر مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين برهم صالح أن المفوضية ستضطر إلى تسريح مزيد من الموظفين، وإجراء إصلاحات عاجلة في ظل انخفاض التمويل والمساعدات الخارجية، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال للدول الأعضاء في رسالة اطلعت عليها «رويترز»، إن المفوضية «ليس لديها خيار»؛ لأنها تتوقع أن تقل الأموال المتاحة هذا العام بنحو 15 في المائة عن 2025 لتصل إلى ما يزيد قليلاً على ثلاثة مليارات دولار. وأعلنت المفوضية بالفعل عن إلغاء آلاف الوظائف العام الماضي.

ويأتي هذا الإعلان في الوقت الذي يستمر فيه عدد النازحين بسبب الحروب والاضطهاد حول العالم في الارتفاع. وتعمل المفوضية مع الأشخاص الذين اضطروا إلى مغادرة منازلهم في أوكرانيا والسودان ودول أخرى تعاني من الصراعات.

وقال صالح في الرسالة التي تحمل تاريخ 15 مايو (أيار): «يتضح على نحو كبير أن وضعنا المالي المتوقع لهذا العام يتطلب منا اتخاذ بعض الخطوات العاجلة».