من أراد معرفة أسرار الآخرين.. لا يلومهم إن كتبوا حقائق أو أكاذيب

مثقفون أميركيون يناقشون السيرة الذاتية ويسخرون

من أراد معرفة أسرار الآخرين.. لا يلومهم إن كتبوا حقائق أو أكاذيب
TT

من أراد معرفة أسرار الآخرين.. لا يلومهم إن كتبوا حقائق أو أكاذيب

من أراد معرفة أسرار الآخرين.. لا يلومهم إن كتبوا حقائق أو أكاذيب

في الشهر الماضي، أثير نقاش وسط مثقفين أميركيين حول كتب السير الذاتية، ومدي صدقها. وشبهها أحد المثقفين بـ«سيلفي» حيث يقوم شخص بالتقاط صورة لنفسه بكاميراه. وقال آخر: «صار كل ممثل سينما وتلفزيون من الدرجة الثالثة، يكتب قصة حياته، وقد ننتظر من يكتب (سيرتي الذاتية وأنا أنظف استوديوهات هوليوود)».
النقاش الذي جرى، الشهر الماضي، أثير بعد أن نشرت مجلة «نيويورك تايمز» انطباعات عن جولة في كندا والولايات المتحدة، أعدها الكاتب النرويجي كارل كناوزغارد، الذي اشتهر بكتابة سيرته الذاتية في أربعة كتب - حتى الآن. إنها سلسلة كتب لم يترك فيها مؤلفها أي حدث صغير في حياته لم يدونه.
لكن، بعد جولته في أميركا، صار واضحا أن صاحب كتب سيرته الذاتية الأربعة، لا يقدر على أن يكتب عن أي شيء غير نفسه. حتى إذا تجول في كندا والولايات المتحدة، وحتى إذا كان ذلك على نفقة مجلة «نيويورك تايمز».

* السيرة الأطول
وقالت كاتي ويلدمان، التي تتولى الشؤون الثقافية في مجلة «سليت» عن كناوزغارد، إنه «يجيد تطبيق الحكمة النرويجية القائلة: كل شيء قادر على التوقف يستطيع التوقف. وهذا يعني أن قطار كناوزغارد لا يقف فقط في المحطات الرئيسية متجاهلا المحطات الصغيرة التي بينها، بل يقف قطاره عندها جميعا، وهو إن مر بخيمة، يعسكر فيها طلاب الكشافة، توقف عندها».
وأشارت ويلدمان إلى أن النرويجي كتب عن أشياء مثل: «تذكرت أنني لم أعد أملك رخصة قيادة سيارة، ضاعت مني قبل سنة. اتصلت بالسفارة النرويجية في واشنطن. وانتظرت الرد ثلاثة أيام. ثم ردوا علي..»، وهكذا تبدأ تفاصيل دقيقة جدا عن رحلته في كندا والولايات المتحدة.
ولم ينس أن يكتب: «دخلت حماما في نيوفاوندلاند (في كندا)، وعندما خرجت منه، كان الماء خرج من المرحاض، وملأ المكان، وذلك لأنني لم أقدر على تنظيف المرحاض».
وعن أسلوب كناوزغارد في وصف الرحلات وفي كتابة الروايات، قالت ويلدمان: «يظل يرى نفسه مركز الحياة. يكتب عن الآخرين، ولا يعطيهم فرصة أن يقولوا آراءهم عن أي شيء في الحياة، ناهيك عنه هو نفسه. هذا رجل يرى أنه مركز الكون كله».

* تفاصيل سخيفة
أما مارك اثيتاكيس المتخصص في عروض الكتب الجديدة بصحيفة «واشنطن بوست»، فكتب عن الأجزاء الأربعة لسيرة النرويجي: «كلما أصدر كناوزغارد كتابا من كتب سيرته الذاتية، تنقسم ردود فعل القراء إلى قسمين: الذين يلتهمون التفاصيل الدقيقة غير المهمة ويريدون المزيد، والذين لا يصدقون أن هناك من يلتهم التفاصيل ويريدون المزيد».
وقال اثيناكيس إن هذه الأجزاء من هذه السيرة التفصيلية، وجدت إقبالا كبيرا، ليس فقط في النرويج، أو في الدول الإسكندنافية المجاورة، ولكن، أيضا، في مناطق أخرى من العالم.
وأضاف اثيتاكيس، أن تفاصيل «سخيفة» وتفاصيل أخرى جنسية كتبها النرويجي، ساعدت على شهرة كتبه. منها تفاصيل عن زوجته السابقة تونجي أورسلاند، التي رفعت قضايا ضده، وضد دار النشر التي تنشر كتبه. وحتى عمه بدأ حملة ضده في التلفزيونات والصحف ومواقع التواصل الاجتماعي.
لقد ضحي كناوزغارد بعائلته لإنجاح سيرته الذاتية. ويبدو أن ملايين القراء فرحون بسبب هذه التضحية، على حد قول اثيناكس الذي أشار إلى أن النرويجي قدم كتابين آخرين، على الأقل، قبل أن ينهي سيرته الذاتية. وطبعا، ستكون «النهاية» عن الوقت الذي كتب فيه الكتاب الأخير. يعني هذا أنه قد يكتب إلى ما قبيل وفاته، إلا إذا أصابه مرض أعاق ذلك.

* سانت أوغسطين
وركز سكوت بيرغهيغر أستاذ علم النفس في جامعة كلارك (ولاية ماساتشوستس)، على مشكلتين رئيسيتين تواجهان من يكتب سيرته الذاتية، هما قوة الذاكرة، ومصداقية السرد. وقال: «لا يكفي أن يقول الشخص إن قصة حياته كلها صحيحة، لا أكاذيب فيها أو مبالغات، أو تخيلات. يجب أن تكون صحيحة أيضا، فيما يختص بالثقافات التي عاش فيها أو مر بها. لا بأس إذا انتقد الشخص نفسه، لكن، لا يكفي هذا لتقديم الصورة الصحيحة عن هذه الثقافات. تأخذ هذه النقطة أهميتها بسبب حقيقية أن تلك الثقافات هي التي كونت الشخص، ولم يكونها».
وأشار بيرغهيغر إلى أول سيرة ذاتية مفصلة: «كونفيشنز» (اعترافات) التي كتبها سانت أوغسطين (القرن الرابع الميلادي). وقال إن كبير الأساقفة الرومانيين المشهور بتأسيس نظرية «التثليث» في المسيحية، كتب سيرة ذاتية «صادقة» تضمنت اعترافات بأخطاء، ودعوات لله ليغفر له. أما في العصر الحديث، فقد أصبحت السيرة الذاتية أقل تدينا، بل أقل أخلاقية. غير أن كل من يكتب سيرة ذاتية يريد أن يكتب أنه أخلاقي، هنا تبدأ المشكلة: هل السيرة الذاتية صادقة؟ كيف نحكم على أخلاقياتها إذا لم تكن صادقة؟
وأشار بيرغهيغر إلى سير ذاتية كتبها يهود نجوا من الهولوكست (المحرقة النازية) وأوضح نقطتين حول كتاب اليهودي بنيامين ويلكوميرسكي، الذي تحدث فيه عن طفولته خلال المحرقة:
أولا، أثبت أكثر من مؤرخ أن الكتاب مزور، إذ لا وجود لشخص بهذا الاسم. إن الاسم الحقيقي لمؤلف الكتاب هو برونو دويسكيره، الذي وُلد بعد نهاية المحرقة.
ثانيا: إذا كتب شخص أن سيرته الذاتية تعتمد على ذاكرته، يكون وضع القارئ في وضع حرج، وكأنه يقول له: إما أن تصدق ذاكرتي، أو لا تصدقها. ويعني هذا أن السيرة الذاتية لا يجب أن تبرهن على أي شيء.

* مشكلة المشاهير
وقال إدوارد كار أستاذ اللغة الإنجليزية في جامعة لاسيل (ولاية بنسلفانيا)، إن ثمة مسألة أخرى تواجه السير الذاتية، وخصوصا سير المشاهير، من ممثلي السينما والتلفزيون وممثلاتهما، إذ إن ملايين الناس لا يهتمون بالعوامل السابقة الذكر، من صدق وقوة ذاكرة، والمغزى الأخلاقي، والخلفية الثقافية، وغيرها.
وأشار إلى كتاب «مليون قطعة صغيرة» الذي كتبه جيمس فراي، قبل سنوات، وأثبت مؤرخون أنه تضمن أخطاء (وأكاذيب) كثيرة. لكن ذلك لم يمنع ملايين الناس من شرائه. لماذا؟ لأن أوبرا وينفري، وهي ربما، أشهر مقدمة برنامج تلفزيوني سوداء، أثنت على الكتاب، ودعت المشاهدين إلى شرائه. وعندما جرى التأكد من وجود أخطاء وأكاذيب في الكتاب، اضطر المؤلف إلى إعادة نشره، وبدلا من «سيرة ذاتية»، كتب «رواية ذاتية».
وقال كار، إن هذه المشكلة توضح أن «أغلبية الأميركيين يتشوقون لقراءة اعترافات الآخرين»، وأضاف: «لا يقدر الذين يؤمنون بحرية السوق أن يلوموا الذين يكسبون فيها، حقا أو باطلا. ولا يقدر الذين يريدون معرفة أسرار الآخرين أن يلوموهم إذا كتبوا حقائق أو أكاذيب، صارت حرية السوق هي إثارة السوق».
وأضاف: «ربما ليس الذنب ذنب أوبرا وينفري، أو ذنب جيمس فراي، ربما هو ذنب دور النشر الكبيرة التي تسارع وتصف الكتاب بأنه (ميموار)، أي ذكريات، وهي تعرف أن هذا وصف مطاطي، ويمكن أن يشمل أي شيء».
واتفق كار مع بيرغهيرغر على أن السيرة الذاتية تعكس، ليس فقط سيرة كاتبها، ولكن الثقافة التي عاش فيها. ولهذا، تعكس الأكاذيب في السيرة أكاذيب في الثقافة. وأضاف كار: «تشكل هذه مسؤولية كبيرة، تاريخية وأخلاقية».

* السيرة الذاتية الأفضل
وقالت ديانا سافيرين، محررة الشؤون الأدبية في مجلة «أتلانتيك»، إن أحسن سيرة ذاتية قرأتها هي «حج إلى نهر تنكار»، التي كتبتها آني ديلارد، ذلك لأنها «جمعت بين الله، والطبيعة، والإنسان، وهي تستكشف المنطقة حول منزلها في ريف ولاية فرجينيا»، وعلى الرغم من ضيق المنطقة الجغرافية، جمعت معلومات من أكثر من ألف مرجع، فيها أقوال وآراء وأرقام. ولهذا «نجحت السيرة الذاتية بفضل التفاصيل التي تصور الطبيعة، وماذا يعني أن تكون إنسانا، أي إنسان، وأنت تتلمس طريقك على أطراف الطبيعة التي بلا نهاية». قارنت سافيرن بين هذه السيرة الذاتية وسير المشاهير في الوقت الحاضر. وقسمت هذه إلى الأقسام الآتية:
أولا: قسم الذين يصرخون بأعلى أصواتهم: «أنا مشهور، أنا مشهور»، مثل كتاب «ياس بليز» (نعم فضلا)، الذي كتبته الممثلة ايمي بوهلار.
ثانيا: قسم الذين يصرخون بأعلى أصواتهم: «أريد أن أكون رئيسا للجمهورية. أريد أن أكون رئيسا للجمهورية»، مثل كتاب السيناتور ماركو روبيو: «أميركان دريم» (حلم أميركي). ومثل كتاب السيناتور تيد كروز: «تايم أوف تروث» (وقت الصدق). ومثل كتاب هيلاري كلينتون: «هارد جويزيز» (خيارات صعبة).
ثالثا: قسم الذين يصرخون بأعلى أصواتهم: «أنا حكيم. أنا حكيم»، مثل كتاب ايبن ألكسندر: «بروف أوف هيفين» (أدلة على وجود الجنة). ومثل كتاب بيل وايز: «23 دقيقة في الجحيم». وأخيرا، كما قال اثيتاكيس: «ليست مثل هذه السير الذاتية إلا مثل صور (سيلفي)، أي: صور ذاتية. تصرخ هذه الكتب: انظروا إليّ، انظروا إلي»، وأضاف: «باسم قول الحقيقة، يحاول كل واحد من هؤلاء أن يقنعنا بأنه ذكي (كتب الممثلين والممثلات). أو محبوب (كتب السياسيين). أو مقدس (كتب الجنة والنار)».



رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان
TT

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال في زيوريخ، فإن والده ينحدر من عائلةٍ أرستقراطيةٍ في المجر، كانت تبيع المجوهرات للعائلات المالكة في وقتٍ ما، لكن النظام الشيوعي صادر ممتلكاتها لاحقاً.

يتذكر بيدرمان في مقابلةٍ حديثةٍ قائلاً: «كنا نسافر دائماً إلى القلاع التي كانت ملكاً لنا»، واصفاً إياها بأنها «تشبه قلاع القصص الخيالية». وقد تحوّلت إحدى هذه الممتلكات إلى مصحةٍ للأمراض النفسية، وزُيّنت جدرانها بصورٍ لأجداده، يقول: «كان الناس هناك يعرفوننا، ولم أستطع التماهي مع ذلك». ساعدت هذه التجربة بيدرمان على البدء بكتابة روايته «لازار»، التي تدور أحداثها حول عائلة أرستقراطية، عندما كان لا يزال مراهقاً.

نُشرت الرواية في ألمانيا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وحصدت سيلاً من الإشادات النقدية («ملحمية، مأساوية، ومؤلمة، عاصفة، حالمة، ورومانسية للغاية»، كما كتب أحد النقاد في صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ»، إحدى أكبر الصحف اليومية في البلاد).

بقيت الرواية 29 أسبوعاً على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في ألمانيا، محولةً مؤلفها الشاب (بشكل مثير للدهشة) إلى نجم أدبي بين ليلة وضحاها، وقورنت برواية «آل بودنبروك»، الملحمة العائلية لتوماس مان عام الصادرة عام 1901. وتنشر دار «ساميت بوكس» ​​ترجمتها باللغة الإنجليزية هذا اليوم، الثلاثاء.

كيف يكتب مراهق رواية تاريخية؟

منذ الخريف، بدت وسائل الإعلام الألمانية مهووسة بسؤال كيف يمكن لمراهق أن يكتب رواية تاريخية تقليدية واسعة النطاق. قال بيدرمان، وهو يحتسي شاي الأعشاب في مقهى وسط زيوريخ: «يتوقع معظم الناس أن يكون أول كتاب للشاب عن حياته... لكن حتى لو تجاهلنا سني، فقد وجد الناس أن أسلوب الكتاب ولغته قديما الطراز، وهذا أمر مثير للاهتمام».

ساعدت الواقعية السحرية بيدرمان على كشف خيوط القصة، يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع».

يتميز بيدرمان بتواضعه الشديد في حديثه، فهو طويل القامة، هادئ الطباع، ذو شارب خفيف وقصة شعر متدلية شائعة بين شباب جيل زد السويسريين. ويقول إنه بدأ كتابة الروايات عندما كان في الحجر الصحي خلال الجائحة، ونظمت مدرسته الثانوية مسابقة كتابة حول «نهايات العالم». فازت قصته القصيرة، التي تتناول شاباً يُفكّر بالانتحار، بالجائزة الكبرى وقيمتها 200 فرنك، أي ما يُعادل 250 دولاراً أميركياً تقريباً، و«كان مبلغاً كبيراً»، مُضيفاً أنه دفعه للتفكير في مشاريع كتابة روائية أكثر طموحاً.

وكما في رواية «آل بودنبروك»، تتناول رواية «لازار» أجيالاً مُتعددة من عائلة واحدة، عائلة فون لازار، التي تحمل الرواية اسمها، التي تُواجه أحداثاً مُضطربة في المجر بين عامي 1900 و1956. تبدأ الرواية في ضيعة ريفية، مع ولادة لايوش، وهو صبي ذو بشرة «شفافة»، لبارون يُدعى ساندور وزوجته ماريا. تنقلب حياتهم، إلى جانب حياة طفلي لايوش، بيستا وإيفا، رأساً على عقب بسبب الحربين العالميتين، وتفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية، والقمع الشيوعي.

يتميز الكتاب بنطاقه التاريخي وطابعه الصوفي أحياناً - فبغض النظر عن بشرة لايوش الشفافة، تقع ضيعة العائلة بجوار غابة تبدو سحرية تبتلع أفراد العائلة. ويبدو أن أسلوبه يستحضر الأشباح، ما دفع القراء إلى مقارنته ليس فقط برواية «مارش راديتسكي» لجون مان وجوزيف روث، بل أيضاً برواية «مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز.

أتاحت عناصر الواقعية السحرية لبيدرمان حرية أكبر في تخييل أحداث حقيقية. يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع. شعرت بالذنب، لأنني كنت أتساءل عما إذا كان مسموحاً لي حتى بتغيير تاريخ العائلة»، ويضيف موضحاً أن النبرة الصوفية منحته المسافة اللازمة «للكتابة كما أريد».

ويعتزم توم تيكوير، مخرج فيلم «اركضي يا لولا اركضي»، المشارك في ابتكار المسلسل التلفزيوني «بابل برلين»، تحويل الرواية إلى فيلم. وفي بيان أعلن فيه عن هذا التحويل، وصفها بأنها «رواية تأخذنا في رحلة عبر تقلبات الحياة - والحب - وتجعلنا سعداء بطريقة مؤثرة، بشكل مثير للقلق في وقت ذاته».

في مقابلة، قال آدم سوبوتشينسكي، محرر قسم الأدب في صحيفة «دي تسايت» الألمانية، إن الضجة التي أثيرت حول الكتاب تعود جزئياً إلى التباين بين عمر بيدرمان و«اتساع نطاق الرواية وعمق منظورها التاريخي».

وأوضح أن روايات العائلة مثل «لازار» تحظى بشعبية خاصة في ألمانيا «بالتحديد لأن العديد من العائلات هنا، لأسباب مختلفة، تشتتت أو تورطت في الحرب». وأشار إلى أن الكتاب يتناول جزئياً فترتين لا تزالان محوريتين في الهوية الألمانية: النازية والستالينية.

* خدمة «نيويورك تايمز»


الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية
TT

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

عن مؤسسة «هِم» في ويلز، صدرت ترجمة عربية لكتاب «فلنَدَع شعوب العالم تغني» عن الويلزية. ويضم الكتاب قصائد مختارات من عدة مجموعات لمينا إلفين، وهي شاعرة وكاتبة مسرحية ويلزية حائزة على جوائز، تكتب باللغة الويلزية، وتُرجمت أعمالها إلى أكثر من ثماني عشرة لغة. نشرت أربعة عشر مجموعة شعرية، وروايات للأطفال، ونصوصاً أوبرالية لملحنين بريطانيين وأميركيين، بالإضافة إلى مسرحيات للتلفزيون والإذاعة. أحدث مجموعاتها ثنائية اللغة هي: «بوندو» (2017) و«مورمور» (2012)، الصادرتان عن دار «بلوداكس بوكس»، وقد اختيرت الأخيرة ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر في خريف 2012، لتكون بذلك أول مجموعة شعرية ويلزية مترجمة إلى الإنجليزية تُختار لهذا الغرض.

* حصلت على جائزة أنيما إنترانزا الدولية للشعر الأجنبي عام 2009، وعلى العديد من الجوائز، منها جائزة كتاب العام عن مجموعتها الشعرية «أديرين باخ ميون لاو» (عصفور في اليد) عام 1990، كما وصلت إلى القائمة النهائية للجائزة نفسها عن مجموعتها «قبلة الرجل الأعمى» (كوسان دين دال) عام 2001، واختيرت مختاراتها الشعرية التي شاركت في تحريرها مع جون رولاندز ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر عام 2003).

وبرزت مينا إلفين كواحدة من أكثر الشخصيات الأدبية الويلزية تميزاً وأهمية. وهي من الشخصيات البارزة. ويطرح عملها رؤية ثاقبة لقضايا الهوية واللغة والانتماء، تمثل مزيجاً نادراً من القومية اللغوية والاتزان الشعري، خالقةً شعراً يتردد صداه على المستويين الشخصي والسياسي.

لا تقتصر مكانة إلفين الشعرية في ويلز، بل لعبت أيضاً دوراً محورياً في الشعر البريطاني على نطاق أوسع.

وُلدت مينا إلفين في ويلز عام 1952، وهي أمة غنية بتقاليدها الشفوية وتاريخها العريق في التعبير الشعري. وتشكل الثقافة الويلزية، بتأكيدها العميق على الأغنية والشعر والحفاظ على الهوية من خلال اللغة، الركيزة الأساسية لأعمال إلفين الأدبية.

ومنذ نعومة أظفارها، انغمست إلفين في إيقاعات اللغة الويلزية وجمالها. وقد أثَّر هذا الأساس اللغوي في حياتها وشعرها. في شبابها، انخرطت في النضال من أجل تكريس اللغة الويلزية في الحياة العامة، والشعر بالنسبة لها ليس مجرد جمالية، بل هو فعل مقاومة وبقاء وتأكيد على الذات.

ترجمة القصائد إلى العربية روان سكر، ولارا متّى.

ضمت هذه المختارات 31 قصيدة اختيرت من مجموعات سابقة نشرتها دار «بلوداكس بوكس». وكتبت أصلاً باللغة الويلزية، ثم تُرجمت إلى الإنجليزية، وتتُرجم لأول مرة إلى العربية.

من الكتاب:

حلقات النمو

أبصر كيف يتفتح الأطفال

بعناية الأشجار

وكيف تتفشى الاستعارات

من البني والأخضر

الجذع مركب

يحملهم على التوهج

والفرع معبر

لاقتحام السفينة

بساط الثوم البري

بحر فوار، والقراّص

ينحشر في مبرد الريح

وبرحمة،

تنحني الأغصان لرتق التداعي

لتستلّ بلسماً لتكوي اللحاء

من التقرحات تسيل الدماء،

وفي تخطو الصبية

راغبة عن المرج

ترتد الاستعارات

إلى كينونة الأشجار

وفي المقابل

تفري العوارض بصيرتنا النافذة.


«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر
TT

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

في روايته «ترف الانكفاء» (دار الآداب - بيروت)، يقدّم الكاتب والروائي السعودي وائل هادي الحفظي بطله بوصفه نتاجاً لقوى متقاطعة؛ فهو ابن الصدمة المبكرة، والوعي المفرط، وعالمٍ تحكمه الكليشيهات، والرأسمالية المُتغوّلة.

منذ البداية، لا يضع الكاتب بطله في مسارٍ حكائي تقليدي، بل يقدّمه وقد اتخذ قراراً ثورياً بهجر عمله المكتبي، والاعتزال طوعاً داخل شقته التي لا تتجاوز تسعين متراً لمدة أسبوعٍ كامل، ليجد نفسه في مواجهة اختبارٍ شاقٍ لعلاقته بنفسه وبالعالم.

في هذا الفضاء المغلق، لا يتحرّك البطل عبر أحداث، بقدر ما يتحرّك داخل وعيه نفسه، وعلاقته بالأشياء والقيم، فيقرّر أن يتخلّى عن مُنبّهه الذي «يصرخ» كل صباحٍ، بالتوازي مع تخليه عن وظيفته المكتبية، في محاولةٍ للانسحاب من إيقاعٍ قسريٍ يشبه في بنيته «عجلة الهامستر»، حيث يصبح الركض شرطاً للبقاء، ويغدو التوقف عنه مجازفةً بالحياة.

وعبر ضمير المتكلم الذي يُلازم النص، يتكشف عالم هذا البطل المشحون ضد الخارج؛ إذ يحمل داخله رفضاً متراكماً يتحول إلى نفورٍ صامت يدفعه إلى الانسحاب داخل قوقعته. وهكذا لا يواجه العالم بالتصادم معه، بل بالابتعاد عنه، حين يقرّر ترك وظيفته الآمنة، باحثاً عن أخرى وراء شاشةٍ تكفل له الحد الأدنى من البقاء. غير أن هذا الانسحاب لا يخفّف وطأة التجربة، بل يزجّ به في اختباراتٍ أكثر صخباً مع ذاته.

يُطوّع الكاتب لغة السارد بوصفها أداةً لهذا الاختبار، في محاولةٍ لضبط إيقاع وعيه المتسارع، الذي يتحول إلى مختبرٍ لتصفية الأفكار وفق منطق فرزٍ حادٍ لا يخلو من غضبٍ، يميّز بين ما يستحق البقاء وما يمكن الاستغناء عنه. ويعكس عنوان الرواية هذا المنطق بدوره، حيث يتبدّى «الانكفاء» كتعبيرٍ مشحونٍ بحساسيةٍ شعرية، تماثل حركة بطلٍ يختار الانكفاء والاكتفاء على السواء، وهو يعيد تموضعه خارج العالم، نشداناً للخلاص عبر العزلة والكتابة.الإنسان المعاصر والحجري

يترك السرد للبطل سجيته عبر تداعٍ حرٍ طليق، وفي الوقت نفسه يتخذ من التلكؤ إيقاعاً يحاكي ضيق المكان الذي يضع فيه نفسه طواعية. في هذا التوتر بين الانسياب والبطء، تبدو حمولة البطل المعرفية عبئاً عليه، إذ تمرّ عبر وعيه مصطلحات مثل «الاحتراق الوظيفي»، الذي يُشخَّص به، محمّلةً بدلالاتها المجازية والنمطية، كواحدة من سجون اللغة المُعلّبة التي نتعاطى معها، أو تعبير «سيكولوجية الإنسان الحداثي»، بوصفه محاولةً لإعادة تسمية التجربة دون فهمها. في المقابل، يصك البطل لغته الخاصة، كما في تعبير «حداً ائتمانياً للتحمّل»، حيث تُفهم المشاعر عبر قاموسٍ اقتصادي، في إشارة إلى تغلغل منطق السوق حتى في إدراك الذات.

في هذا السياق، يُجادل البطل «ماسلو» وهرمه الشهير، متسائلاً عن معنى الاحتياجات الإنسانية، بينما يحاصر نفسه داخل شقته لمدة أسبوعٍ كاملٍ، مختبراً مفهوم الاحتياج ذاته لا بوصفه نظرية مُجردة بل تجربة معاشة.

ومن هنا، يمدّ النص خيطاً بين هذا الوعي بمنطق الاستهلاكية، وصراع الإنسان الأبدي مع البقاء، فيقول: «أظن أنني، عندما أقوم بهذا الفعل الاستهلاكي، لا أفرق كثيراً عن إنسان العصر الحجري»، ليضع الإنسان المعاصر والحجري في كفتي ميزان؛ فكما كان الأول يصطاد بدافع البقاء، يبدو البطل وكأنه يعيش داخل منظومة صيدٍ من نوعٍ آخر، لا يقوم به بل يُمارس عليه. يتجلّى ذلك عبر ومضاتٍ يومية: «تساءلت إن كان اليوتيوب يعرف عن آلام ظهري وحالتي النفسية أكثر مني؟»، حيث تتحوّل الخوارزميات إلى صيادٍ حديث، يلتقط الإشارات الدقيقة للاحتياج، ويعيد توجيهها في صورة منتجات، كأن البطل بانسحابه من العالم، يُحاكي إنسان الكهف، لكن في مفارقة لافتة؛ فبينما كان الأول يصطاد ليبقى، يحاول البطل أن ينجو من كونه هدفاً للصيد داخل منظومته المعاصرة.

ماكينة خياطة

يُطل بنا النص على طفولة البطل، فتتبدّل معها اللغة والنبرة؛ حيث يستعيد العالم عبر حواس طفلٍ في الثامنة؛ من خلال صوت ماكينة خياطة الأم، ورائحة السدر، وكوب اللبن الصباحي الذي يكشف غيابه ذات صباحٍ عن موت الأم، فيصير تدريباً أول على التماهي مع لغة الأشياء، فيقول: «ما أعرفه حقاً، أنا وآلة الخياطة، هو أن أمراً ما قد حدث»، بينما يتجلّى وراء صدمة الفقد منطق التعلّق لدى الطفل في أبسط صوره: «ما أعرفه أن الأطفال لا يستطيعون العيش بدون أمهاتهم».

لا يطرح النص هنا الفقد كحدث، بل باعتباره اختلالاً كاملاً في النظام، يكفي وحده لإعادة تشكيل العلاقة بالعالم في ضوء الاستسلام لمنطقها، حيث «الحياة لا تكترث لجاهزيتك» كما يقول البطل، الذي تبدو حياته ومنطقه في الاستغناء ردّ فعلٍ لذلك الاكتشاف المبكر.

وتكشف لغة السرد تشبّعه بمحاولات فهم حياته عبر نظرياتٍ كـ«أثر الفراشة» و«الدومينو»، حيث يكفي سقوطٌ واحدٌ حتى يتبعه كل شيءٍ، ليقوده هذا الإدراك إلى سخريةٍ واعية، ومحاولاتٍ للتكيّف مع عالمٍ محكومٍ بمنطق القسوة والسوق، تجعله «يفكر بجيبه».

لا يفقد النص، الذي يحتفظ بتداعيه الحر، خيطه الداخلي بل يعيد تشكيل إيقاعه تدريجياً مع بدء تواصل البطل مع طبيبة نفسية إلكترونياً، ومن خلال مجادلاته المتقطعة معها، تبدأ ملامح أعمق للبطل في التشكل، كاشفةً عن تصوراته للحب والحياة والفقد.

غير أن هذا الانفتاح لا يكسر الدائرة، بل يعمّقها؛ فمنذ تصدير الرواية ببيت المعري: «تعبٌ كلّها الحياة، فما أعجبُ إلا من راغبٍ في ازدياد»، يتبدّى البؤس بنية وجودية مستمرة، يُعاد إنتاجها داخل الوعي، فلا تخرج المشاعر عن مدارها، بل تعود إليه في كل مرة، حيث يتجاور الحزن مع ما يبدو نقيضه، ويصدران عن المصدر نفسه: «ولا نحزن إلا من حيث نسعد».

هكذا، لا يبدو الاستغناء في النص اختياراً بسيطاً بقدر ما ينكشف بوصفه «ترفاً» له تكلفته الباهظة، على نحو ما يُحيل إليه عنوان الرواية نفسه. فكما أن الانخراط في العالم له ثمنه، فإن الانسحاب منه لا يخلو من خسائر، وبين هذين الحدّين، لا يسعى السرد إلى تبرير هذا الاختيار بقدر ما يضعه موضع مساءلة: «فكم من الخسائر كان عليك أن تتجنب حتى تعيش؟».