منافذ جديدة تخترق إعلام السلطة في تركيا

المعركة مع المعارضة تؤدي لفرض قيود على مشغلي مواقع التواصل الاجتماعي

تركي يلتقط صورة بهاتفه الجوال بالقرب من مضيق البوسفور (أ.ف.ب)
تركي يلتقط صورة بهاتفه الجوال بالقرب من مضيق البوسفور (أ.ف.ب)
TT

منافذ جديدة تخترق إعلام السلطة في تركيا

تركي يلتقط صورة بهاتفه الجوال بالقرب من مضيق البوسفور (أ.ف.ب)
تركي يلتقط صورة بهاتفه الجوال بالقرب من مضيق البوسفور (أ.ف.ب)

اهتمت تركيا منذ وصول حزب العدالة والتنمية الحاكم إلى السلطة عام 2002 باستغلال أدوات قوتها الناعمة، سواء عبر القنوات التلفزيونية أو الإلكترونية حتى الدراما للوصول جمهورها الداخلي أو في الخارج وتحديداً دول الجوار، خاصة العربية منها في ظل سياسة جديدة تبناها الحزب لسنوات عرفت بـ«صفر مشاكل» مع دول الجوار.
وكثفت تركيا مدها الإعلامي والدرامي خلال 20 عاماً الماضية بعد أن عملت في السنوات السابقة على ذلك في تقديم نفسها كقوة إقليمية في الشرق الأوسط، وهو ما لم يكن محوراً بارزاً في السياسة التركية قبل حزب العدالة والتنمية برئاسة الرئيس رجب طيب إردوغان، فيما ترى جهات معارضة في تركيا أن الإعلام خادم للسلطة داخلياً وبشكل واضح. وهنا يشيرون إلى بسط سيطرتها على نحو 95 في المائة من الصحف وقنوات التلفزيون، حتى الخاصة منها، بشكل مباشر أو غير مباشر. وهذا ما ترك هامشاً بسيطاً للمعارضة التي تجد ضالتها في وسائل التواصل الاجتماعي للوصول إلى الجمهور، كما أنه دفع قطاعاً عريضاً من الشعب التركي إلى اللجوء إلى وسائل إعلام مستقلة جديدة تعتمد على الإنترنت، وقنوات مستقلة أو معارضة للحكومة، مثل: «فوكس»، و«خلق تي في»، و«تيلي 1» ووسائل الإعلام الدولية مثل «بي بي سي» البريطانية و«دويتشه فيليه» الألمانية و«صوت أميركا»، التي أنشأت مواقع إلكترونية لها باللغة التركية.


جهات معارضة في تركيا تشير إلى بسط السلطة سيطرتها على نحو 95 في المائة من الصحف وقنوات التلفزيون (غيتي)

ترويج سياسي

أما في الخارج فإن القنوات والمواقع التي تبث ومنها اللغة العربية، تتصدرها وكالة «الأناضول» وقناة «تي آر تي» العربية الرسميتان، إلى جانب العديد من المواقع الإلكترونية تستخدم كأداة لترويج سياسات تركيا، وتعزيز مكانتها كلاعب إقليمي، وفي الوقت الذي أعلنت فيه منظمة «مراسلون بلا حدود»، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع «اليوم العالمي لحرية الصحافة، تقريرها حول مؤشر حرية الصحافة للعام الحالي كشفت أن تركيا احتلت المرتبة 149 من بين 180 دولة في حرية الصحافة منتقدة غياب الحرية. وفي المناسبة ذاتها، انتقد رئيس حزب «المستقبل» المعارض ورئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو، «التضييق على الصحافة في بلاده»، قائلاً على «تويتر» إنه «من غير المقبول أن تحتل تركيا المرتبة 149 من بين 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة... نحتفل للأسف باليوم العالمي لحرية الصحافة. دعونا لا ننسى... إذا لم تكن الصحافة حرة، فإن الحقيقة ستبقى في الظلام». ونشير هنا، إلى أنه عندما أطلق داود أوغلو حزبه عام 2019 لم يجد قناة واحدة تنقل مؤتمر إطلاق الحزب، فاضطر لاستخدام منصة «فيسبوك».
حول هذه المسألة، يوجد عدد لا يتجاوز أصابع اليدين، من الصحف والقنوات، التي لا تزال في صف المعارضة، غير أنها تواجه أزمات وضغوطاً من جانب الحكومة، سواء بملاحقتها بالضرائب أو فرض الغرامات الضخمة أو إيقاف البرامج.
ولم تكن الحال بالنسبة لنائب رئيس الوزراء الأسبق علي باباجان أفضل بكثير مما كانت عليه مع داود أوغلو. إذ بعد استقالته من حزب «العدالة والتنمية» الحاكم في يوليو (تموز) 2019. أطلق حزبه «الديمقراطية والتقدم» في مارس 2020. وبدوره لم يحظ حزب باباجان بتغطية إعلامية تذكر، ولم تلق تحركاته إلا لقاء واحداً ظهر فيه على قناة «خبر تورك»، والظهور مرة أخرى عبر موقع «تي 24». وبقي الاعتماد الرئيس لفريقه السياسي منصباً على وسائل التواصل الاجتماعي، فضلاً عن قناة «فوكس»، التي باتت النافذة الأبرز للمعارضة مع قناتي «تيلي 1» و«خلق تي في»، وتتعرض القنوات الثلاث لعقوبات متكرّرة.

نافذة للمعارضة

على صعيد آخر، أثبتت وسائل التواصل الاجتماعي فاعلية كبيرة جداً في الحملة التي خاضها رئيس بلدية إسطنبول (المعارض) أكرم إمام أوغلو خلال الانتخابات المحلية في مارس 2019. ولقد فاز إمام أوغلو في جولتها الأولى، ثم في جولة الإعادة في يونيو (حزيران)، بفارق شاسع جداً عن منافسه رئيس الوزراء السابق بن علي يلدريم، الذي حظي بدعم القنوات والصحف الموالية لحزب «العدالة والتنمية» الحاكم.
وبعد هذه التجربة، اعتبر خبراء أن وسائل التواصل الاجتماعي أحدثت انقلاباً هائلاً في تلك الانتخابات، وباتت القبضة المفروضة على وسائل الإعلام التقليدية من جانب الحكومة قليلة الجدوى وضعيفة التأثير بشكل كبير، لا سيما بعدما باتت جميعها صوتاً واحداً ينطق بلسان الحكومة، مما دفع المواطنين للبحث عن التنوع عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

قيود جديدة

إذن تحاول الأحزاب والشخصيات السياسية المعارضة الوصول إلى الجماهير عبر وسائل التواصل الاجتماعي، التي عوضت إلى حدٍ بعيد غياب نوافذ التعبير، ووفرت تفاعلاً مباشراً ومؤثراً مع جموع المواطنين. وحقاً، أثبتت وسائل التواصل الاجتماعي فاعلية كبيرة جداً.
ومن جانبها، تنبهت الحكومة إلى خطورة وسائل التواصل الاجتماعي كسلاح فعال في يد المعارضة، منحها قوة تأثير هائلة في الشارع التركي، وبالأخص في أوساط الشباب والمثقفين. ولهذا السبب شنّ إردوغان وحليفه رئيس حزب «الحركة القومية» دولت بهشلي، حملات لشيطنتها ووصفها بأنها «مكمن الشرور والقاذورات». وأقر البرلمان التركي العام الماضي قانوناً فرض قيوداً مشددة على مشغلي مواقع التواصل الاجتماعي، وألزمها بفتح مكاتب وتعيين ممثلين في البلاد، والسماح للحكومة بالاطلاع على محتوى بعضها وتقييده، كما فرض غرامات ضخمة على المخالفين.
كذلك أقر البرلمان أخيراً مشروع قانون يفرض مزيداً من القيود على استخدام مواقع التواصل الاجتماعي بذريعة التصدي لنشر معلومات وأخبار كاذبة، يتضمن عقوبات بالسجن والغرامة لمن يروجون أخباراً كاذبة.

توظيف الدراما

ولكن لا يتوقف التوظيف السياسي للإعلام على الوسائل التقليدية المباشرة. إذ إن تركيا لا تدخر جهدا اليوم في محاولة تسويق المسلسلات التي تعتبر حلقة قوية من حلقات الدعاية السياسية والتغلغل الاجتماعي في آن معا، فضلا عن الترويج لنفسها كجسر يصل بين أوروبا والشرق الأوسط، وتحقيق منافع تجارية والترويج للسياحة إلى تركيا.
ويعتقد مراقبون ونقاد، أن من أهم أسباب انتشار المسلسلات التركية المدبلجة خاصة الموجهة للعرب هو الطابع الاجتماعي الذي تعكسه، والعلاقات الأسرية تشبه إلى حد كبير واقع المجتمعات العربية. كما لعبت اللهجة السورية المألوفة في العالم العربي، وإبدال أسماء الشخصيات التركية بأسماء عربية سهولة في وصول هذا المنتج لعدد أكبر من المشاهدين.
وراهناً، تثير بعض الدراما التركية جدلاً في الوطن العربي بسبب تصادمها مع العادات والتقاليد من حيث العلاقات الزوجية وشيوع الخيانة وتعدد العلاقات، والرومانسية الخيالية المفرطة والبعيدة تماماً عن الواقع. ومع أن المشاعر بين الرجل والمرأة، هي بطبيعتها متشابهة في كل المجتمعات، إلا أن تفاصيلها تتأثر بالخلفية الثقافية والمجتمعية للفرد. وحسب البعض، لم يكن تعريب المسلسلات كافياً لجعلها مناسبة للمجتمع العربي، فبعض المشاهد التي أثارت حفيظة المشاهدين، والتي تحمل إيحاءات أو تتضمن المشروبات الكحولية كجزء طبيعي من الحياة اليومية في بيت العائلة، دفعت إلى الهجوم على تلك المسلسلات والقنوات التي تقدمها.
هذا الجدل حول المسلسلات التركية لم يقتصر على المجتمع العربي فحسب، بل إن هناك نقاشاً مشابهاً في تركيا نفسها، واتهامات للمنتجين بقلة المصداقية في عكس حقيقة المجتمع التركي وتفاصيل حياته الاجتماعية فضلاً عن النمطية في المواضيع التي تدور جميعها، باستثناء المسلسلات التاريخية والقصص الحقيقية، حول فكرة زواج الغني من الخادمة أو من الطبقة الفقيرة أو مواضيع الخيانة الزوجية، وهو ما أحدث عزوفاً كبيراً، لا سيما في أوساط الشباب، ودفعهم إلى التوجه إلى البحث عن دراما أكثر واقعية في منصات أخرى أهمها «نتفليكس».



استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
TT

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية تتعلق بالشبكات الاجتماعية واجه فيها الملياردير الأميركي انتقادات لاذعة.

وعندما طُلب منه التعليق على شكاوى من داخل الشركة تفيد بعدم بذل ما يكفي من الجهد للتحقق من عدم استخدام الأطفال دون سن 13 عاماً للمنصة، قال زوكربيرغ البالغ 41 عاما والذي يملك أيضا فيسبوك وواتساب، إن تحسينات قد أُدخلت.

وأضاف «لكنني أتمنى دائما لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة في وقت أقرب».

أولياء أمور أكدوا يوم المحاكمة أنهم فقدوا أطفالهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وكان زوكربيرغ الشاهد الأكثر ترقبا في محاكمة كاليفورنيا، وهي الأولى ضمن سلسلة دعاوى قضائية رفعتها عائلات أميركية ضد منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملياردير عن اجراءات الأمان على منصاته العالمية مباشرة وأمام هيئة محلفين وتحت القسم.

وكان زوكربيرغ، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، متحفظا للغاية في البداية، لكن سرعان ما بدا عليه التوتر وأخذ يهز برأسه ويحرك يديه وهو يلتفت نحو هيئة المحلفين.

وضغط مارك لانيير، محامي المدعية، على زوكربيرغ بشأن اجراءات التحقق من العمر على التطبيقات.

لكن خلال استجوابه من قبل محاميه، بدا زوكربيرغ أكثر ارتياحا ووصف الوقت الذي يتم قضاؤه على التطبيق بأنه «عارض جانبي» لتجربة استخدام مميزة، وكثيرا ما خاطب المحلفين مباشرة لتأكيد وجهة نظره.

كما أكد على اعتقاده بأنه يجب على شركتي آبل وغوغل اللتين تقفان وراء أنظمة تشغيل الهواتف، تفعيل ميزة التحقق من العمر على مستوى الهاتف نفسه بدلا من تركه لكل تطبيق على حدة.

وأضاف «سيكون الأمر سهلا للغاية بالنسبة لهما».

أدلة تم تقديمها في دعوى مدنية ضد شركة ميتا خلال جلسة استماع في محكمة مقاطعة لوس أنجلوس العليا بوسط لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وواجه زوكربيرغ سيلا من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية، بما في ذلك تحذيرات من موظفيه بأن التحقق من العمر غير مناسب ورسائل أخرى يستشف منها أن قضاء المزيد من الوقت على انستغرام كان هدفا رئيسيا للشركة منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى أواخر مارس (آذار)، حيث ستقرر هيئة المحلفين ما إذا كانت ميتا، بالإضافة إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل، تتحملان مسؤولية المشاكل النفسية التي عانت منها كايلي جي. ام، وهي شابة تبلغ 20 عاما من سكان كاليفورنيا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة منذ طفولتها.

وبدأت كايلي استخدام يوتيوب في سن السادسة وانستغرام في التاسعة ثم تيك توك وسناب شات.

ولا يُسمح لمن هم دون 13 عاما باستخدام انستغرام، وقد شدد لانيير في اسئلته لزوكربيرغ على سهولة فتح كايلي لحساب على المنصة.

وتمت مواجهة زوكربيرغ بوثيقة داخلية تقول إن انستغرام كان يملك أربعة ملايين مستخدم تحت سن 13 عاما في عام 2015، وهي الفترة التي استخدمت فيها المدعية التطبيق، وأن 30 في المائة من جميع الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 12 عاما أو «المراهقين» في الولايات المتحدة، كانوا مستخدمين.

وأكد زوكربيرغ «نحن في المكان المناسب الآن» عندما يتعلق الأمر بالتحقق من العمر.

ومن المتوقع أن تضع هذه القضية معيارا لحل آلاف الدعاوى القضائية التي تلقي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والانتحار بين الشباب.

وتوصلت شركتا «تيك توك» و«سناب تشات» لتسوية مع المدعية قبل بدء المحاكمة.


«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
TT

«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج ممن يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وجاء هذا النقاش في جلسة حوارية عقدتها وزارة الإعلام ضمن حفل إطلاق «مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا» يوم الأحد، بعد أشهر من العمل عليها، كانت خلالها المحاكم السورية تتلقى مزيداً من دعاوى التحريض على العنف والاعتداء الناجم عن خطاب الكراهية.

وفي حفل أقيم في فندق «داما روز» وسط العاصمة دمشق حضره عدد من الوزراء والمسؤولين الحكوميين، وممثلين عن وسائل الإعلام المحلي، وعدد كبير من الإعلاميين، أطلقت وزارة الإعلام مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا 2026، تحت عنوان «إعلام مهني... وكلمة مسؤولة».

ووقّع مديرو المؤسسات الإعلامية الرسمية على وثيقة «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، في إعلان عن التزام الإعلام الوطني بالمدونة.

وزير الإعلام حمزة المصطفى يتحدث عن «مدونة السلوك» الأحد (وزارة الإعلام)

وقال وزير الإعلام حمزة المصطفى، في إطلاق المشروع، إن «المدونة جهد إعلامي تعتبر الأهم على مستوى المنطقة، وهي جهد جماعي شارك فيه أكثر من ألف صحافي لمدة تزيد على 5 أشهر».

واعتبر وزير الإعلام المدونة «نقطة البداية وليست وثيقة عابرة»، وسيعقد مؤتمر سنوي يجمع الصحافيين السوريين لمناقشتها وتطويرها، مؤكداً على أن العمل الإعلامي دون معايير محددة ضابطة ومسؤولة تنظمه سيتحول قطعاً باتجاه الفوضى.

وجاء إطلاق مدونة السلوك المهني في ظل حالة من الفوضى وتأخر صدور قانون ناظم للعمل الإعلامي، بالإضافة إلى عدم تفعيل قانون الجرائم الإلكترونية منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد، وما تلاها من انفتاح إعلامي، أفسح المجال لتصدر نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي المشهد والتأثير بالرأي العام. الأمر الذي كانت له ارتدادات سلبية في ظل الاضطرابات السياسية والاستقطاب الحاد، وما رافقتها من موجات عنف وأحداث دامية على الأرض، كما حصل في مناطق الساحل والسويداء العام الماضي.

مصادر قضائية قالت لـ«الشرق الأوسط» إن أعداد الشكاوى المتعلقة بالفتنة والتحريض الطائفي والتجييش والحض على القتل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تزايدت خلال العام الماضي، في حين لا يوجد هناك تفعيل جدي في تحريك الادعاء، لغياب دور فاعل لقسم مكافحة الجرائم الإلكترونية، بالإضافة إلى تأخر تعديل القانون 20، لعام 2022، الخاص بالجرائم الإلكترونية، الذي أصدره النظام المخلوع بهدف كم الأفواه والحد من الحريات.

وأضافت المصادر أن هذه الثغرة وغياب الرادع يسهمان في زيادة الفوضى وتعزيز خطاب الكراهية الذي يهدد السلم والاستقرار المجتمعي. ورأت في صدور مدونة سلوك مهني وأخلاقي مبادرةً تسهم في زيادة الوعي للتمييز بين حرية التعبير والتحريض.

ناشطة تحتج على موجة العنف والهجمات الطائفية في الساحل السوري بمواجهة متظاهر في ساحة المرجة في دمشق 9 مارس 2025 (أ.ب)

الصحافي والناشط السياسي السوري مشعل العدوي، الذي يقدم عبر قناته على «يوتيوب» نقداً سياسياً معنياً بالشأن السوري، علّق على «مدونة السلوك» أن صدورها في هذا التوقيت مهم جداً، ويساعد في هذه المرحلة على تعزيز إحلال السلم الأهلي، ويضبط الخطاب الإعلامي سلوكياً وأخلاقياً، ليتواءم مع الوثائق الدولية ويحترم حقوق الإنسان وحقوق الضحايا، وهذا كله «جيد جداً»، مع الإشارة إلى أن خطاب الكراهية في سوريا يأتي من خارج السياق الإعلامي، وأغلبه قادم من نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي.

جلسة حوارية على هامش إطلاق «مدونة السلوك» الإعلامي في سوريا (وزارة الإعلام)

مدير الشؤون الصحافية في وزارة الإعلام، عمر الحاج أحمد، قال إن «الكلمة هي مسؤولية»، وإن إطلاق المدونة يؤسس لمرحلة جديدة في مسار إعلام وطني يستند إلى «الحرية المسؤولة، ويعلي من شأن الكلمة الدقيقة».

من جانبه، قال ممثل اللجنة الوطنية المستقلة لمدونة السلوك المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، علي عيد، إن «التحديات تضاعفت مع الثورة الرقمية، وتضخم دور الذكاء الاصطناعي. وأصبح أثر الكلمة أسرع وأخطر، والمدونة ليست بديلاً عن القانون أو نصاً أخلاقياً جامداً، بل هي إطار للتنظيم الذاتي، وهو أعلى درجات حماية الحرية».

من حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

وفي جلسة حوارية حول المدونة، اعترض وزير العدل السوري مظهر الويس، على ما طرحه ميسر الجلسة خلدون الزعبي حول استفحال خطاب الكراهية بين السوريين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وقال وزير العدل ليس هناك خطاب كراهية، وإنما هناك «عشوائية»، مؤكداً على أنه خطاب دخيل على سوريا، في حين قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى، إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وبحسب وزير العدل مظهر الويس، فإن مدونة السلوك المهني «تمثل أداة تنظيمية مهمة ترسم الخط الفاصل بين حرية التعبير واحترام حقوق الآخرين، وتسهم في الحد من التجاوزات التي تتحول في كثير من الأحيان إلى نزاعات قضائية». مشيراً إلى أن وزارة العدل والمحاكم تواجه اليوم أعباء كبيرة، ووجود مدونة سلوك مهنية يسهم في خفض هذه النزاعات، ويخفف الضغط عن القضاء.

وتتكون مدونة السلوك المهني من 82 صفحة و10 مواد تشمل المعايير الأخلاقية والمهنية وحماية الخصوصية والبيانات والمتابعة والمساءلة، إضافة إلى ميثاق شرف وملحق صنّاع المحتوى، وقد صدرت بـ3 لغات؛ العربية والإنجليزية والكردية.


«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
TT

«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)

وسط عالم تتساقط فيه الصحف العريقة واحدةً تلو الأخرى تحت ضغط الثورة الرقمية وتغيّر أنماط الاستهلاك الإعلامي، يبرز احتفال صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية بمرور مائتي سنة على تأسيسها بوصفه حدثاً يتجاوز البعد الرمزي، ليطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن لمؤسسة صحافية وُلدت في القرن التاسع عشر أن تظل فاعلة، مؤثرة، ومربحة في القرن الحادي والعشرين؟

اسم عريق

أسّست «لو فيغارو» عام 1826 في مناخ سياسي شديد القسوة، إذ كانت حرية الصحافة مقّيدة، والرقابة أداة مركزية في حكم الملك شارل العاشر. ولقد أطلق عليها اسمها نسبة لشخصية «لوفيغارو» التي ابتكرها بيار-أوغوستان بومارشيه، الموسوعي الفرنسي الشهير، في مسرحه... والتي جسّدت الذكاء الشعبي والتمرّد الناعم على السلطة، وهذا ما سعت الصحيفة إلى ترجمته صحافياً.

وبالفعل، مرّت الصحيفة الفرنسية العريقة في عقودها الأولى بمراحل انقطاع وعودة، قبل أن تجد استقرارها الحقيقي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين تحوّلت من نشرة أدبية ساخرة إلى صحيفة يومية مؤثرة بفضل هيبوليت دو فيلميسان، واضعةً الأساس لما سيصبح لاحقاً أحد أعمدة الصحافة الفرنسية.

قرنان تاريخيان من دريفوس إلى العولمة

لم تكن «لوفيغارو»، في الواقع، شاهداً محايداً على التاريخ الفرنسي، بل فاعلاً داخله. إذ لعبت دوراً محورياً في قضية الضابط ألفريد دريفوس، التي كشفت انقسامات المجتمع الفرنسي حول العدالة والهويّة والجمهورية.

كذلك واكبت الحربين العالميتين، وسقوط أنظمة، وقيام أخرى. وإبّان الاحتلال النازي، اتخذت الصحيفة قراراً مفصلياً بتعليق صدورها بدل الخضوع للرقابة، وهو خيار رسّخ سمعتها كصحيفة تضع الحرية فوق الاستمرارية الشكلية. ومن ثم، صار هذا الموقف جزءاً من سرديتها المؤسِّسة، ومن رأس مالها الرمزي حتى اليوم.

من الورق إلى المنصّات

مع دخول الألفية الجديدة، أدركت الصحيفة الفرنسية العريقة مبكراً أن البقاء لن يكون ممكناً من دون تحوّل جذري. ولذا أطلقت موقعها الإلكتروني في حين كانت صحف كبرى تتعامل مع «الإنترنت» كتهديد لا كفرصة. وبالتالي، نرى الآن أن «لوفيغارو» ليست مجرد صحيفة ورقية، بل مجموعة إعلامية متكاملة تضم موقعاً إلكترونياً رائداً، وقناة تلفزيونية (لو فيغارو تي في)، ومجلات متخصّصة، بالإضافة إلى حضور قويِّ على منصّات التواصل الاجتماعي بأكثر من 38 مليون متابع.

هذا التحوّل لم يكن شكلياً، بل جاء مسنوداً باستثمار تقني داخلي مكّن المجموعة من التحكم في البيانات والاشتراكات والإعلانات.

مبنى "لوفيغارو" في قلب العاصمة الفرنسية باريس (ويكيميديا)

النجاح الاقتصادي: استثناء في زمن الأزمات

اليوم، تبرز تجربة «لوفيغارو» بوصفها استثناءً لافتاً في المشهد الإعلامي العالمي. إذ بينما يعاني هذا القطاع من تراجع الإيرادات وانحسار الجمهور، واصلت الصحيفة الفرنسية العريقة تسجيل نتائج مالية قوية تؤكّد أن الأزمة ليست حتمية، بل مرتبطة بخيارات استراتيجية وإدارية محددة.

وفي صلب هذا النجاح، يبرز التحوّل الرقمي رافعةً مركزيةً. فلقد واصل الموقع الإلكتروني «لوفيغارو بوان إف إر» في 2025 تسجيل مستويات غير مسبوقة من التفاعل، بأكثر من 210 ملايين زيارة شهرية، واحتلاله مراراً صدارة مواقع الأخبار الفرنسية من حيث عدد الزوار.

ومن جهة ثانية، يصل عدد المستخدمين اليوميين، عبر الموقع والتطبيقات، إلى نحو 3.4 مليون مستخدم، ما يعكس رسوخ العلامة الرقمية للصحيفة. لكن الأهم لا ينحصر في حجم الزيارات فحسب، بل يشمل قدرة المنصة على تحويل هذا التدفّق الجماهيري إلى قيمة اقتصادية ملموسة. ذلك أن الاشتراكات الرقمية شهدت عام 2025 استمراراً للمنحى التصاعدي، بعدما تجاوز عدد المشتركين الرقميين 295 ألفاً. وهذا التطوّر النوعي جعل الإيرادات الرقمية تمثّل أكثر من نصف إجمالي عائدات الصحيفة، في سابقة تاريخية تعكس نضج نموذج الاشتراك المدفوع.

بذا، انتقلت الصحيفة العريقة، المعروفة بتوجهها اليميني، من منطق الاعتماد على الإعلان إلى اقتصاد قائم على القارئ. وبات الجمهور يساهم بنحو 60 في المائة من إجمالي الإيرادات، مقارنة بـ50 في المائة فقط قبل سنة واحدة، وهذا تحوّل استراتيجي يمنح الصحيفة هامش استقلالية أوسع في قراراتها التحريرية.

صمود غير متوقع

بالتوازي، ورغم السّردية السائدة حول «موت الورق»، واصلت النسخة المطبوعة للصحيفة أداءً يفوق التوقعات في عام 2025. إذ حافظت نسخة «لوفيغارو» الورقية على توزيع يقارب 400 ألف نسخة، وهو ما يضعها في المرتبة الثانية بعد صحيفة «لوموند» الشهيرة التي سجلت توزيع أكثر من 500 ألف نسخة، وهو رقم نادر في السياق الأوروبي الحالي. بل إن العائدات المرتبطة بالنسخة الورقية لصحيفة «لوفيغارو» سجّلت تحسناً ملحوظاً، مستفيدةً من سياسة تسعير مدروسة، ومن الطلب المرتفع خلال فترات سياسية ورياضية مكثّفة.

هذا الأداء يؤكد أن الورق لا يزال قادراً على تحقيق قيمة اقتصادية ورمزية، حين يكون جزءاً من منظومة متكاملة لا أعباء عليها.

هوية تحريرية واضحة

أخيراً، إن ما يميّز تجربة «لوفيغارو» بالفعل ليس فقط حجم الإيرادات، بل أيضاً طبيعتها. فلقد نجحت الصحيفة في بناء علاقة طويلة الأمد مع قرائها، تقوم على الثقة والهوية التحريرية الواضحة، لا على الاستهلاك السريع للمحتوى المجاني.

وهذا الولاء هو ما سمح للمجموعة بتحقيق توازن نادر بين الانتشار والربحية. وتتجلّى هذه السياسة في نموذج «الاشتراكات المدفوعة» الذي طبّقته الصحيفة ببراعة. حيث بدلاً من إغراق القارئ بمئات الأخبار المجّانية المعتمدة على العناوين الصادمة (Clickbait)، ركّزت «لوفيغارو» على تقديم تقارير استقصائية وتحليلات جيوسياسية حصرية. ثم إنه إبان الأزمات الكبرى، مثل التدخلات العسكرية الأخيرة أو الانتخابات، تبتعد الصحيفة عن «النقل الحرفي» للبيانات الرسمية، لتقدم ملفّات تحليلية يكتبها خبراء ومفكّرون، ما يجعل المشترك يشعر بأنه يدفع مقابل «قيمة مُضافة» وليس مقابل معلومات متاحة للجميع.