«بوكو حرام»... اللغز وتحليل الأزمة

باحثون غربيون وأفارقة يدرسون أسباب الإرهاب وتحدياته في غرب أفريقيا

عناصر من «بوكو حرام» في شمال غربي نيجيريا
عناصر من «بوكو حرام» في شمال غربي نيجيريا
TT

«بوكو حرام»... اللغز وتحليل الأزمة

عناصر من «بوكو حرام» في شمال غربي نيجيريا
عناصر من «بوكو حرام» في شمال غربي نيجيريا

يسعى كتاب «بوكو حرام: تحليل الأزمة» الذي صدر حديثاً عن «مكتبة الإسكندرية»، إلى فهم وتحليل الأسباب الدقيقة التي تؤدي إلى تطرف الجماعات الدينية في القارة الأفريقية، وذلك انطلاقاً من دراسة جماعة «بوكو حرام» النيجيرية، وأساليب التجنيد التي تتبعها، ومصادر تمويلها، والبحث في ملفات أعضائها، فضلاً عن تقصي قضية انتمائها إلى قوى إرهابية إقليمية كـ«القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» و«أنصار الدين» في مالي، أو «حركة الشباب» في الصومال.
ويتضمن الكتاب الذي قدم نسخته العربية المترجم المصري الدكتور محمود عزت، 9 دراسات أعدها خبراء وأكاديميون من أوروبا وأميركا وأفريقيا، متخصصون في نظريات الدولة ودراسات ما بعد الاستعمار، ركزوا خلالها على فهم طرق وتكتيكات وأساليب الهجوم التي تتبعها «بوكو حرام» على البنية التحتية للاتصالات، والأسباب التي تجعل الحكومة النيجيرية غير قادرة على التصدي لها، ومدى استجابة مؤسسات الدفاع والاستخبارات هناك للتحديات التي تضعها في طريقها الجماعة الإرهابية، فضلاً عن تحليل التكوين النفسي لأعضائها وزعمائها، وتقصي طرق تمويلها.
وينظر محللون إلى نشأة «بوكو حرام» باعتبارها إحدى نتائج الدولة الهشة في نيجيريا، بينما يربطها علماء اجتماع وعدد من علماء الأنثروبولوجيا الاجتماعية بالفقر، ويلقي سياسيون وناشطون في جنوب نيجيريا باللوم على الشماليين وهيمنتهم على الدولة، أما خبراء مكافحة الإرهاب والأمن فيركزون على الروابط الدولية للجماعة، والتهديد الذي تمثله لاستقرار غرب أفريقيا.

- لغز «بوكو حرام»
تفتقد مناقشات الوضع الأمني في نيجيريا؛ خصوصاً ما يتناول «بوكو حرام»، وجود معلومات دقيقة ومؤكدة، فرغم الحديث الدائر حولها منذ 12 عاماً تقريباً، فإن كل ما يتعلق بها ما زال مثار جدل؛ من حيث معنى اسمها، ومنشئها، وأسباب توسعها، وتطرفها، وارتباطها بجماعات إرهابية أجنبية؛ كما لا تزال مسؤوليتها عن بعض الجرائم الوحشية المنسوبة إليها محل جدل أيضاً، وكذلك علاقتها ببعض السياسيين وما تقدمه من مساندة لهم في الانتخابات البرلمانية، وبعض المهام المخالفة للقانون كقطع الطرق وتجارة المخدرات.

وتمثل جماعة «بوكو حرام» -من وجهة نظر الباحث في العلوم السياسية بجامعة ولاية ناساراوا النيجيرية جيديوفور أديب- تراجعاً عن المشروع النيجيري، بسبب عجز الدولة المتزايد عن الوفاء بواجباتها تجاه المجتمع. لقد شنت الحكومة حملة كبيرة عليها، وقتلت زعيمها محمد يوسف؛ لكن الجماعة ردت بعدد من الهجمات الإرهابية بدأت بولاية بورنو، ثم مقر الشرطة في العاصمة أبوجا؛ ومقر الأمم المتحدة هناك، ثم الهجوم على كانو، وهو ما يعني أن تطرف «بوكو حرام» بدأ منذ 13 عاماً تقريباً؛ لكن الباحث بكلية الدفاع النيجيرية فريدوم أونوها يرجع لجوء الجماعة لاستخدام العنف إلى أواخر عام 2003، عندما هاجمت مراكز للشرطة ومباني عامة في بلدتي جيام وكاناما في ولاية يوبي. وكانت معروفة إعلامياً آنذاك باسم «طالبان النيجيرية». وخلال عام 2004، أنشأت قاعدة أطلقت عليها اسم «أفغانستان» في قرية كاناما في شمال ولاية يوبي. وفي 21 سبتمبر (أيلول) 2004، هاجم أعضاؤها مركزي شرطة باما وجوورزا في ولاية بورنو، وقتلوا بعض رجال الشرطة، وسرقوا أسلحة وذخائر. وهكذا استمرت الهجمات المتقطعة على مواقع أمنية في بعض الأجزاء من ولايتي بورنو ويوبي.

- استنساخ تكتيكات قديمة
وفي دراسته «فهم طريقة هجوم (بوكو حرام) على البنية التحتية للاتصالات»، تابع أونوها تصاعد الهجمات الإرهابية على الأهداف المدنية والعسكرية، ورصد أساليب استهدافها، والاغتيالات المستهدفة، عن طريق إطلاق النار من سيارات مسرعة، والتفجيرات الانتحارية، وذكر أن الهجمات كانت تتركز على المؤسسة الأمنية وموظفيها، وقادة المجتمع، والزعماء الدينيين والسياسيين، ثم تطورت باستهداف دور العبادة والأسواق، والمدارس الحكومية، والمستشفيات، ومؤسسات التعليم العالي، والإعلام، ومرافق الاتصالات السلكية واللاسلكية، واكتسبت تغطية إعلامية محلية ودولية مُكثفة.
ولفت أونوها إلى أن التكتيكات المستخدمة في هجمات «بوكو حرام» لا تشير إلى أي شيء غير معروف في تاريخ العنف الإرهابي؛ حيث تستنسخ تكتيكات واستراتيجيات تتبناها الجماعات الإرهابية القديمة لتحقيق أهدافها بـ«تأسيس كيان إسلامي مثالي خالٍ من الفساد السياسي والحرمان الأخلاقي» كما تدعي.

- هيكل ومصادر تمويلها
حافظت الجماعة على هيكل غير جامد للقيادة والسيطرة، حتى بعد مقتل محمد يوسف عام 2009، وتولي أبو بكر شيكاو مكانه، ما سمح لها بالعمل بأسلوب مستقل، وتحركت عناصرها في شكل خلايا ووحدات مترابطة، تأخذ توجيهات من قائد واحد يتولى في الوقت نفسه رئاسة مجلس الشورى الاستشاري الذي يجيز الهجمات المتطورة من خلال مختلف الخلايا.
ومن المعروف أن قسماً من الأثرياء النيجيريين يمدون الجماعة بالمال، كما تموِّل «بوكو حرام» أنشطتها من خلال مستحقات العضوية، وتبرعات سياسيين، وحتى مسؤولين حكوميين، وموارد جرائم الخطف، والاتجار بالأسلحة، والمخدرات، وتقديم خدمات الحماية للشبكات الإجرامية، إضافة إلى الدعم المالي من مجموعات إرهابية أخرى؛ مثل «القاعدة».

وفي دراسته «(بوكو حرام) والهوية وحدود مكافحة الإرهاب» يشير الباحث بجامعة الولاية الحرة بجنوب أفريقيا، حسين سولومون، إلى أن الرؤية المبسطة والضيقة لمكافحة الإرهاب تتجاهل السياق التاريخي الذي تتشكّل فيه الهويات الدينية وإعادة تشكيلها في نيجيريا. كما تتغافل حقيقة أن الهويات الإقليمية والعرقية والدينية تعزز بعضها في كثير من الأحيان، وأن السياق الاجتماعي الاقتصادي في نيجيريا أدى إلى تفاقم حالة من عدم التوازن الاقتصادي بين الجنوب الغني والشمال الفقير نسبيّاً.
من جهتها، تُسلِّط الباحثة الأميركية دينيس بيكن في دراستها «قابلية نيجيريا للتأثر بالحرب السيبرانية» الضوء على عملية اختراق قاعدة سجلات الموظفين في المخابرات النيجيرية، والتي نفذتها «بوكو حرام» رداً على تصرفات الحكومة في أبوجا ضد أعضائها، وذكرت بيكن أن هذه العملية تكشف عن أن عمليات «بوكو حرام» منذ ارتباطها بـ«القاعدة» صارت أعنف، وأن استخدامها للإنترنت صار أحد أسلحتها المرتبطة باستراتيجيتها الإرهابية.
وفي الدراسة تقترح بيكن مقاربة بديلة تعزز الوضع السياسي الذي يتسم بالفوضوية في نيجيريا، وتدعم الأعداد الكبيرة من العاملين الموهوبين عبر الإنترنت هناك، حتى تعرقل عمليات تجنيدهم من قبل الجماعة الإرهابية.
ويحلل الباحث بجامعة «سيري» البريطانية، بيب سلام، التكوين النفسي لمحمد يوسف؛ مؤسس جماعة «بوكو حرام» وزعيمها السابق، وذلك من أجل فهم السمات الفردية أو الخصائص السلوكية التي قد تسهم في التطرف.
أما الباحثة الأميركية كايتلين بولينغ فتحاول تقديم رؤى مهمة في النقاش السياسي داخل الكونغرس الأميركي، وبحكم خبرتها المباشرة في الكونغرس وفرق البحث وصنع السياسات في واشنطن، تدرس إمكانية تسجيل «بوكو حرام» كمنظمة إرهابية أجنبية، والخطوات المقبلة أمام صناع السياسة في الولايات المتحدة الأميركية.
وأما الباحث الأميركي جوزيف سييجل فيلقي الضوء من خلال دراسته «(بوكو حرام) وعزلة شمال نيجيريا: الآثار الإقليمية والدولية»، على العلاقات الخارجية والروابط الدولية لـ«بوكو حرام»، وفي المقابل يحلل الأوضاع الصعبة التي تعاني منها نيجيريا بسبب التردي الأمني في ولايات الشمال، وتأثيراته على المستوى الاقتصادي والسياسي، وجهود تحقيق الاستقرار الحكومية.


مقالات ذات صلة

باكستان وأفغانستان تواصلان التصعيد وسط دعوات دولية للتهدئة

آسيا  أحد عناصر حركة «طالبان» الأفغانية في كابل (أ.ف.ب) p-circle

باكستان وأفغانستان تواصلان التصعيد وسط دعوات دولية للتهدئة

باكستان وأفغانستان تواصلان التصعيد وسط دعوات دولية للتهدئة، وإسلام آباد نفت إسقاط كابل مقاتلة وأسر طيارها

«الشرق الأوسط» (لندن)
أفريقيا جندي يقف حارساً في قرية وورو بولاية كوارا بعد الهجوم الإرهابي (أ.ب)

بوركينا فاسو: أكثر من 130 قتيلاً في هجمات إرهابية خلال 10 أيام

بوركينا فاسو: أكثر من 130 قتيلاً في هجمات إرهابية خلال 10 أيام، والنيجر تعلن القضاء على 17 إرهابياً في عملية عسكرية.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا جندي أميركي (الثاني من اليمين) يُدرّب جنوداً نيجيريين بمعسكر بجاجي في نيجيريا 14 فبراير 2018 (رويترز)

نيجيريا: تينوبو يطلب تعديل الدستور وإنشاء شرطة محلية لمواجهة المسلحين

طلب الرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو من أعضاء مجلس الشيوخ تعديل الدستور، من أجل فتح الباب أمام إنشاء جهاز للشرطة خاص بكل ولاية.

الشيخ محمد (نواكشوط)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان متحدثاً في البرلمان الأربعاء (الرئاسة التركية)

تركيا: إردوغان يتحاشى الجدل المتصاعد حول إطلاق سراح أوجلان

تجنب الرئيس التركي رجب طيب إردوغان الجدل المتصاعد حول احتمالات إطلاق سراح زعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان في إطار عملية السلام

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أفريقيا أوبا ساني حاكم ولاية كادونا يصافح رعايا كنيسة اختُطفوا سابقاً من قِبل مجموعات مسلحة بعد عودتهم (أ.ب)

نيجيريا: اعتقال قيادي في «داعش» بعد 4 سنوات من المطاردة

نيجيريا تلقي القبض على قيادي في تنظيم «داعش في غرب أفريقيا»، متورط في تفجير استهدف كنيسة بعد أربع سنوات من المطاردة

الشيخ محمد (نواكشوط)

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.


النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران
TT

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة، قادراً على تفكيك مفهوم العدل ذاته خارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان المحتشد بالرمز والمفارقة، تتبدّى الرواية كقراءة في فكرة الاعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وساماً؟ ومن يُقصى خارج دائرة القيمة؟ حيث لا تُوزّع النياشين وفقاً للعدل، بل وفقاً لمعادلات النفوذ والسلطة.

صدرت الرواية، أخيراً، وفيها يبدو البطل الأربعيني في حالة من التلفّت المستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلى الماضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكراً بفعل صدمات الفقد المتكررة، وإلى المدينة التي تمنحه الصعود الوظيفي والطموح السلطوي، لكنها تسلبه الأمان، لتصبح الحياة «لعبة شدّ وجذب»؛ حبل يربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه.

لا يبدو البطل، الذي تدور الرواية بلسانه، رغم ما حققه من مكانة وموقع، قادراً على التصالح مع تحوّله؛ كأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافاً بذاته، بل بصورة مصقولة عنه، ويتبدّى ذلك منذ افتتاح السارد بجملة تأسيسية تكشف مغزى فعل الكتابة الذي يلجأ إليه حين يقول: «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي»، هنا تتخذ الكتابة طابعاً اعترافياً مضاداً؛ فوصية الأب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هاجس أخلاقي يطارده، بينما تتحوّل الكتابة إلى محاولة نجاة أخرى، أو إلى مساحة يفاوض فيها الحياة التي يقول إنه يعيشها «لسدّ الثغرات وإكمال النواقص».ورطة السارِدينهض السرد على حبكة اختفاء سيدة تُدعى «شيرين» في ظرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد لا يكتفي بإدارة لغز الاختفاء، بل ينحو إلى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة من طبقاته، وكل تعثر يضعه أمام السؤال الذي حاول طمسه طويلاً: هل كان يسعى إلى العدالة... أو إلى نيشاينها؟ «ظننتني أعرف ما أريد» كما يقول في عبارة تختصر هشاشة يقينه.

ومع تصاعد الأحداث، لا يعود الاختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، وبالماضي، وبصورته أمام نفسه قبل الآخرين.

لا تبدو الخريطة العائلية للبطل إطاراً سردياً نمطياً، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتيّ متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبياً، في مقابل الإضاءة على صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولةً لتعويض الإحساس برتابة الزواج بدلاً من مواجهته، فتنقسم ذاته بين بيتين، ليُفكك السرد مفهوم «البيت» ذاته، الذي يبدو استعارة حاضرةً على مدار النص لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته؛ لعدم مسامحته للأب، ولفقدٍ مبكر للأم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول الاكتمال... نقصت»، وكأن الرواية كلها كتابةٌ عن نقص لا يُرمّم بنياشين «الزواج» أو «الارتقاء» المهني السريع.

مسرح المدينةيتوزّع حضور البطل عبر مرآتين: «شيرين» و«رباب»، الأولى، التي يبدو لغز اختفائها مشوباً بقلق وتهديد مباشر له، ترتبط بها علاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب، فلا يهدد اختفاؤها موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، التي يلتقي بها مصادفةً بصفتها سائقة «أوبر»، فتبدو حضوراً مضاداً؛ لا يسعى إلى «نيشان» ولا ينتظر اعترافاً، ويبدو تجوالهما عبر شوارع القاهرة ليس تنقلاً في المكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، كأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية.

في حواراته معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة لا تعكس صورته المصقولة، بل تكشف تناقضاته، فيما يبدو تمرد «رباب»، واختيارات حياتها غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضعه أمام أسئلة ملحّة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورتها المصطنعة.

ويُسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع هذه المراجعات الذاتية؛ فالبطل لا يروي وقائع فحسب، بل يعيد ترتيبها بما يُرمم صورته أمام ذاته، وكأن الرواية، في جوهرها، لا تُحاكم السلطة أو السياقات الاجتماعية والثقافية بقدر ما تُحاكم «وهم الاكتمال»؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يطلب الاعتراف من الخارج، بينما جُرحه الأول، الغائر في أعماقه، لا يزال مفتوحاً. عروس النيل في مشهد يستدعي أسطورة «عروس النيل»، تقف «رباب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعلاً تحررياً، فقفزها في النيل لا يأتي تهوراً كما يتعامل معه البطل بسخريةٍ مبطّنة، بل يبدو محاولة لمواجهة الماء بعدّه عنصر البدء والمحو والتجدد.

غير أن المفارقة تكمن في أن البطل ذاته، وهو على حافة حياته، يستدعي الطقس نفسه، لا بعدّه مشهداً أسطورياً، بل بعدّه سؤالاً أخلاقياً يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلى رمزٍ دائري يُعيد الرواية إلى بدايتها؛ فالمشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير المؤجَّل، وكأن النهاية لا تُغلق القوس، بل تعيده إلى موضعه الأول.

ولعل اختيار الكاتب تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل: «الورطة»، «اللعبة»، «الرهان»، «الزحام»، «الخطر»، «المصادفة»، «الخلاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية لمسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهناً، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليلاً عبر مصادفة، ثم تبحث أخيراً عن خلاص، وهي بنية تُحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسارٍ يبدو وكأنه استيعاب تدريجي للحماقة؛ لا حماقة الآخرين، بل حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.


«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»
TT

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهي مجلة سنوية محكّمة. وتضمّن المجلّد سبع دراسات لباحثين عرب من أقطار عربية عدة، من المتخصصين في مجال الموسيقى العربية من جوانب متعددة.

صدر هذا العدد - المجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بين المجمع العربي للموسيقى ودار «العائدون للنشر والتوزيع»، وجاء في 180 صفحة.

وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس هيئة التحرير، الدكتور نبيل الدراس، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»، أن الثقافة الموسيقية العربية، أو ما يمكن تسميتها «الموسيقى العربية المعاصرة»، قد «أخذت فيما بين العقد الرابع من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مساراً قد يكون مغايراً لما كانت عليه الحال في عصور سابقة. جاء ذلك متوافقاً مع الاتجاهات العالمية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور التقنيات الإلكترونية والحاسوبية، ونمو وسائل الإعلام، وتطوير الاتصالات والإنترنت... إلخ)، وتكامل مختلف مجالات التواصل الثقافيّ الإنسانيّ (الروحيّ والاجتماعيّ واللغويّ) لهذه المرحلة».

وبالإضافة إلى الافتتاحية، ضمّت المجلة دراسات لكلّ من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبديع الحاج (لبنان)، ومعتصم عديلة (فلسطين)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (المغرب).