لماذا نقرأ الكلاسيكيات؟

إيتالو كالفينو يكشف عن الخصائص التي تتشاركها

غلاف «المعتمد الغربي»  -  غلاف «لماذا نقرأ الأدب الكلاسيكي؟»  -  غلاف «كيف نقرأ ولماذا»
غلاف «المعتمد الغربي» - غلاف «لماذا نقرأ الأدب الكلاسيكي؟» - غلاف «كيف نقرأ ولماذا»
TT

لماذا نقرأ الكلاسيكيات؟

غلاف «المعتمد الغربي»  -  غلاف «لماذا نقرأ الأدب الكلاسيكي؟»  -  غلاف «كيف نقرأ ولماذا»
غلاف «المعتمد الغربي» - غلاف «لماذا نقرأ الأدب الكلاسيكي؟» - غلاف «كيف نقرأ ولماذا»

يرى بعضُ الدارسين لتأريخ الأفكار وصناعة السياسات الثقافية أن شيوع قراءة الكلاسيكيات (أدبية أو علمية أو فلسفية) إنما يمثل أحد الروافد التي تساهم في تشكيل العقل المتحضر القادر على التعامل الخلاق مع الحاضر بكل تعقيداته. غالباً ما تُصنفُ هذه الكلاسيكيات في هيئة معتمدات (Canons) تلقى هوى متزايداً وإقبالاً حثيثاً، ويجري التثقيف بشأن أهميتها والترويج لها على صعيد المدارس والجامعات ووسائل النشر المعروفة. لغرض بيان أهمية دراسة هذه الكلاسيكيات يمكن - على سبيل المثال - الرجوع إلى العملين التاليين لأحد أقطاب الدراسات الكلاسيكية، وأعني به الراحل هارولد بلوم:
- العمل الأول عنوانه «كيف نقرأ ولماذا؟»
- العمل الثاني عنوانه «المُعتمد الغربي: مدرسة العصور وكُتُبُها»
والكتابان مترجمان إلى العربية (اختار مترجم الكتاب الثاني مفردة «التقليد» بدلاً من مفردة «المُعتَمَد» كمقابل لمفردة «Canon» الإنجليزية).
في كتاب صغير الحجم، لا يتجاوز الثلاثمائة صفحة، عنوانه «لماذا نقرأ الأدب الكلاسيكي؟» يقدمُ لنا الروائي والكاتب الراحل إيتالو كالفينو (1923 – 1985) سياحة لذيذة في عالم بهيج من الأعمال التي استحقت صفة كونها كلاسيكية. صدر الكتاب عن «دار المدى» العراقية عام 2021 بترجمة دلال نصر الله، وهو في الأصل تجميعة لسلسلة مقالات كتبها الروائي الراحل بشأن أعمال كلاسيكية محددة في تواريخ مختلفة من حياته.
كالفينو كاتب محبب إلى الروح، وكل من سبق له قراءة أحد أعماله لن ينسى البصمة المميزة له. لا أحسبُ أن من قرأ «السيد بالومار» أو «قلعة المصائر المتقاطعة» أو «ناسك في باريس» أو «لو أن مسافراً في ليلة شتاء»... إلخ يمكن أن ينسى هذه الأعمال المميزة؛ لكنْ فضلاً عن أعماله الروائية فإن كالفينو منظرٌ رفيع الشأن في فلسفة الأدب والكتابة الروائية وتأشير معالم الذائقة الأدبية الرفيعة.
سيجدُ القارئ في هذا الكتاب حشداً من تفاصيل مثيرة عن أعمال أظن أن القليل منها كان جزءاً من ذاكرته القرائية وخزينه الأدبي؛ أما معظمها فهي مما ستواجه القارئ للمرة الأولى. ليس أمر الجدة من عدمها بذي شأن. الأمر الأكثر أهمية هو الكيفية التي يشرحُ بها كاتب متمرسٌ مثل كالفينو تضاريس العظمة ومكامن المقدرة الإنسانية الفائقة في تناول المعضلات الوجودية، وجعلها ترتقي فوق كل المحددات المحلية؛ الأمر الذي جعلها تستحق وصفها بأنها كلاسيكيات عالمية. سيقرأ المرء عن أوفيد وتجربته الكونية، وعن أوديسات كثرٍ في الأوديسة، وعن الفارس تيرانت، وعن أورلاندو الثائر، وعن جيرولامو كاردانو، وعن كتاب «الطبيعة» لغاليليو غاليلي، وعن المعرفة باعتبارها سحابة غبارية عند ستندال. وسيشهدُ القارئ حشوداً من أسماء ربما عرفها وقرأ لها من قبلُ: بلزاك، ديكنز، فلوبير، تولستوي، كونراد، باسترناك، همنغواي، بورخس، بافيزي... إلخ؛ لكن هؤلاء الذين كتب عنهم كالفينو وأعمل فيهم مبضعه التشريحي الذكي ليسوا هم الذين عرفهم القارئ، وقرأ لهم من قبلُ بل هم شخوصٌ مبتكرون لروائيين غير أولئك، وهنا تكمن فرادة كتاب كالفينو.
يستحق الفصل التمهيدي الأول من الكتاب، الذي جعله كالفينو عنوان الكتاب بأكمله «لماذا نقرأ الأدب الكلاسيكي؟» قراءة متفحصة من جانب القارئ مرة ومرتين وثلاثاً وحتى أكثر. إنها الأطروحة التي يكشف لنا فيها كالفينو عن المعايير الإجرائية التي تَسِمُ الكتب التي تستحقُ أن تكون كلاسيكية. هذه المعايير ليست مقايسات مدرسية جامدة بقدر ما هي كشوفات عن عقل فلسفي تشرب قراءة الكلاسيكيات منذ أزمان بعيدة وعرف جوانب الفرادة الكامنة فيها. ربما سيشهدُ القارئ بنفسه في غير موضعٍ أن بعض هذه المعايير الإجرائية ربما كان هو ذاته قد اعتمدها فيما سبق معياراً لتقييم الكتب التي قرأها، وبموجبها عد تلك الأعمال كتباً عظيمة.
يقدمُ كالفينو المعايير التالية للأعمال الكلاسيكية. من الواضح تماماً أن المقاربة هنا هي ذات أساس مرتبط بسايكولوجية القراءة لدى القارئ وطريقة تشكيل عالمه الفكري:
- الكتب الكلاسيكية هي التي يشيرُ إليها أغلب الناس بعبارة «أنا أعيد قراءة...» بدلاً من «أنا أقرأ...». إذن الكتب الكلاسيكية هي مما يعيدُ الناس قراءته بين حين وحين.
- قراءة كتاب عظيم للمرة الأولى في مرحلة النضج تبعثُ في النفس متعة استثنائية تختلف عن قراءته في عمر الشباب.
- الكتب الكلاسيكية تمثلُ ثروة لمن قرأوها مرات عدة وعشقوها؛ في حين أن قيمتها أقل لمن حالفهم الحظ وقرأوها مرة واحدة عابرة.
- للكتب الكلاسيكية وقعٌ يميزها سواء أوْقَعَتْ في ذاكرتنا وقعاً لا يندثر أم تنكرت بين تلافيف ذاكرتنا واستقرت بهيئة لا وعي جمعي أو فردي.
- سيكون الكتاب كلاسيكياً إذا شعرنا أن قراءته تجربة جديدة كلياً.
- الكتاب الكلاسيكي هو ما نكتشف فيه شيئاً جديداً كلما أعدنا قراءته.
- الكتاب الكلاسيكي كتابٌ لا ينضبُ محتواه.
- الكتب الكلاسيكية هي تلك الكتب التي نلاحظ فيها تأثرها بكتب سبقتها من ناحية، ونلمسُ تأثيرها في ثقافة أو مجموعة ثقافات (من جانب العادات واللغة) من ناحية أخرى.
- الكتب الكلاسيكية هي الكتب التي نعتقدُ أننا أحطنا بمضمونها مما قيل لنا عنها؛ لكننا نكتشفُ بعد قراءتها أنها أكثر أصالة ومقدرة على ابتكار الأفكار، وتنافي توقعاتنا عنها قبل قراءتها.
- الكتاب الكلاسيكي هو مما لا يمكن اختزال قيمته بقراءة كتب أخرى تحكي عنه. لا بد من قراءته هو بذاته. القراءات الأخرى ليست بديلاً عنه.
- الكتب الكلاسيكية ذات قيمة كونية تتجاوز محددات الزمان والمكان والبيئة والطرازات الثقافية.
- الكتب الكلاسيكية تهمك وتعينُك على تعريف ذاتك على ضوء تآلفك واختلافك عنها.
- الكتب الكلاسيكية تحولُ متاعب الحاضر إلى مجرد خلفية صوتية شبيهة بالموسيقى التصويرية التي تتشارك بها كل الأفلام السينمائية. لا يمكن الاستفادة من الكتب الكلاسيكية بمعزل عن تلك الخلفية حتى لو كانت ضوضائية منفرة للروح.
ثمة أمرٌ أجدهُ ذا أهمية استثنائية ما وجدتُ تناولاً له في أطروحة كالفينو بشأن الكتب الكلاسيكية. يختص هذا الأمر بموضوعة القِدَم الزمني: هل الأعمال الكلاسيكية هي بالضرورة أعمال قديمة؟ وهل يكون التقادم الزمني سبباً لزيادة الجرعة الكلاسيكية في الأعمال الكلاسيكية أصلاً؟
لدي أطروحتي الخاصة بهذا الشأن. نعم، أظن أن الكلاسيكيات تصبح أكثر كلاسيكية مع التقادم الزمني؛ ومع أن بعض الأعمال المعاصرة صارت توصف بأنها كلاسيكية (مثل أعمال توني موريسون ومارغريت آتوود) لكن يمكن وصف هذه الكلاسيكية المعاصرة بأنها كلاسيكية موضوعاتية وليست كلاسيكية توحي بالفخامة التي تنطوي عليها المحاورات الأفلاطونية أو المسرحيات الشكسبيرية أو أطروحات تولستوي النبوئية المكنونة في رواياته. هل نتخيلُ - مثلاً - أن مارغريت آتوود أو توني موريسون يمكن أن يكتبا نصاً كالآتي يخاطبُ فيه سقراط مواطنيه الأثينيين قبل إعدامه:
يا رجال أثينا... أشعرُ بالامتنان، وأنا صديق لكم؛ لكن برغم ذلك، وطالما كانت فيّ قدرة على تنسم الهواء فلن أنكفئ عن الاشتغال في الفلسفة وحضكم على التفكر والمساءلة.... (وهنا يسألهم): ألا تشعرون بالخجل من أنفسكم وجشعكم في تملك كل ما تستطيعون بلوغه من غنى وصيت وأوسمة نصر ونياشين فخار في الوقت الذي لم تكلفوا فيه أنفسكم عناء التفكر - ولو بفكرة عابرة - في الحكمة أو الحقيقة، أو في الحالة الفضلى الممكنة التي يمكن أن تكون عليها أرواحكم؟ لا أحسبُ أن أمراً كهذا يمكن أن يحصل مع أي كاتب أو روائي معاصر لأسباب مجتمعية وسياسية وفكرية كثيرة.
يبدو لي أن جوهر العظمة الإنسانية في الأعمال الكلاسيكية إنما يجد مسوغاً له في الفيسيولوجيا الدماغية. أدمغتنا تتطورُ بفعل قوانين البيولوجيا التطورية، وكلما جابهت أدمغتنا بيئات جديدة أبدت سلوكيات جديدة. كان سقراط - مثلاً - يعيشُ وسط بيئة معروفة في توصيفاتها التقنية، حيث عيشُ الإنسان ليبلغ ثلاثين سنة كان يعد أمراً بطولياً نادراً. الطبيعة كانت قاسية حينذاك، ولم يفلت من قبضتها سوى بضعة من المحظوظين. كان الإنسان في مواجهة مباشرة مع الحقائق الكبرى للمرض والجوع والموت، ولم تكن له فسحة للتفكر خارج نطاق العقل البدائي (بالمعنى الإنثروبولوجي للبدائية)، ومعروفٌ أن هذا التماس المباشر مع الحقائق الوجودية الكبرى في الحياة إنما يجعلُ عقولنا وقلوبنا وأرواحنا تتمثلُ هذه الحقائق في تعبيرات شتى ذات مصداقية ضاربة. عندما يكون الفرد بمواجهة يومية مباشرة مع المرض والجوع والموت فستُستثار كل قدراته البشرية الممكنة لمعاكسة هذه الحقائق، وسيلجأ لتفعيل كل قواه المادية ومنتجاته الرمزية لمواجهة هذه الأعباء الوجودية المهددة للحياة. الأمر ليس هنا لعبة تخييلات فنتازية أو ميدان مسرحيات فكرية. لكن مع تقدم الإنسان وارتقائه المادي والفكري تناقصت قدرات العناصر الطبيعية من جوع أو مرض أو موت في إنهاء حياته بصورة مبكرة، كما طرأت على مشهد الحياة اليومية مصنوعات بشرية اصطنعها الإنسان اصطناعاً ولم يلقها في ميدان الوجود الطبيعي، وترتب على هذا الارتقاء التقني تغيير فسيولوجي حثيث في بنية أدمغتنا البشرية وطريقة تفاعلها مع الصور البيئية المستجدة. لا أحسبُ أن كاتباً معاصراً مهما تعاظمت قدراته الكتابية يمكن أن يقدم لنا صوراً بارعة في التعامل مع معضلات الموت والحياة مثلما فعل أعاظم الكلاسيكيين الأوائل. هل نتخيلُ كاتباً معاصراً يقدمُ لنا سلسلة من الخبرات البشرية الرفيعة مثلما فعل أفلاطون في محاوراته الفلسفية العظيمة؟
الخلاصة كما أراها هي: ستبقى الأعمال الكلاسيكية خزاناً لا ينضب من الحكمة البشرية، وستتعاظم مناسيب العظمة الكامنة فيها مع تقادم الزمن، وكلما قرأنا هذه الأعمال على ضوء خبرتنا المعاصرة فسنكتشف زوايا مخبوءة فيها لم تصلها مجساتنا من قبل.



إطلاق كرسي علمي باسم الأمير عبد القادر بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية

إطلاق كرسي علمي باسم الأمير عبد القادر بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية
TT

إطلاق كرسي علمي باسم الأمير عبد القادر بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية

إطلاق كرسي علمي باسم الأمير عبد القادر بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية

في خطوة أكاديمية وثقافية مهمة تعكس عمق العلاقات الجزائرية - البريطانية وتعزز حضور الجزائر في إحدى أعرق المؤسسات الجامعية العالمية، أطلقت كل من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الجزائرية ومركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، كرسياً علمياً باسم مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة، الأمير عبد القادر الجزائري. ووقع الاتفاق عن الجانب الجزائري، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، كمال بداري، وعن الجانب البريطاني، فرحان نظامي، مدير مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية.

وتم التوقيع ضمن مراسم حفل تدشين حضره عميد جامع الجزائر، الشيخ محمد مأمون القاسمي الحسيني، وسفير الجزائر لدى المملكة المتحدة، نور الدين يزيد، ونظيره البريطاني، جيمس داونر، وشخصيات سياسية وأكاديمية بارزة، ومنهم المختص في الفكر الإسلامي ومؤلف كتاب الأمير عبد القادر: «رسول الأخوة الإنسانية»، وزير التعليم العالي الأسبق، مصطفى الشريف، إلى جانب عدد من أعضاء السلك الدبلوماسي المعتمدين بالمملكة المتحدة ومجموعة من الأكاديميين والباحثين، في تأكيد على الأهمية الدولية لهذه المبادرة التي تستلهم من إرث الأمير عبد القادر وقيمه الإنسانية القائمة على التسامح والحوار والتعايش بين الثقافات،

وأُتبعت مراسم توقيع هذا الاتفاق بتدشين الطرفين لقاعة باسم الجزائر، على مستوى مقر المركز، تكريساً للحضور الجزائري داخل هذه المؤسسة العلمية المرموقة.

وفي كلمته بالمناسبة، أعرب الدكتور فرحان نظامي عن اعتزازه بإطلاق هذا الكرسي العلمي، مؤكداً أنه سيعزز لا محالة البحث الأكاديمي في مجالات القيم الإنسانية والسلام والتفاهم بين الشعوب، وسيبرز مساهمة فكر الأمير عبد القادر في بعث التعاون الدولي والدراسات متعددة التخصصات.

من جهته، صرح وزير التعليم العالي والبحث العلمي أن «بعث هذا الكرسي يرسي للجزائر لبنة تاريخية في تثمين تراثها الفكري والحضاري على الساحة الدولية، ويمثل منعطفاً نوعياً في مسيرة الشراكة العلمية والأكاديمية بين الجزائر والمملكة المتحدة، مشدداً على أن إطلاق كرسي الأمير عبد القادر، إنما هو استئناف لحوار بدأ قبل قرينين بين الأمير والمملكة المتحدة، ويكمل دائرته اليوم».

كما اعتبر أن هذا الحدث يحمل دلالات متعددة؛ إذ يمثل اعترافاً صريحاً بالجزائر بوصفها شريكاً في البناء الفكري والإنساني، وإسهاماً في تجاوز الصورة النمطية الاستشراقية للإسلام والمسلمين، وتعزيز للحوار بين البلدين وتوطيد للشراكة الأكاديمية والثقافية بين شعبيهما.

وفي ختام كلمته، جدد بداري التزام الجزائر بالمساهمة الفعالة في تفعيل هذا الكرسي الأكاديمي، بهدف إحياء فكر الأمير عبد القادر والتعريف بإرثه الحضاري والروحي باعتباره رمزاً عالمياً للتسامح والاعتدال والعدالة والكرامة الإنسانية.

وفي كلمته بمناسبة توقيع هذا الاتفاق، أورد الشيخ محمد مأمون القاسمي، عميد جامع الجزائر، أن الأمير عبد القادر مدرسة قائمة بذاتها، تتجاوز حدود الوطن والأزمنة، وتدخل ضمن الرصيد المشترك للإنسانية.

وقال إن إطلاق هذا الكرسي بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، يضطلع بدور متميز في تقريب دوائر الفهم المتبادل بين العالم الإسلامي والغرب، ومن ثم، فإن حضور الأمير عبد القادر فيه، حضور طبيعي؛ لأنه يجسد شخصية خاطبت عصرها ولا تزال، بلغة القيم الكونية، وفي إطار ما يخوله الاتفاق الموقع والمنشئ للكرسي المذكور، تم الإعلان عن فتح باب الترشح أمام الباحثين الجزائريين للاستفادة من منحة «باحث زائر» بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، وهي خطوة أكاديمية من شأنها تعزيز التبادل العلمي والمعرفي بين الجانبين.


النزعة النرجسية وتمثلاتها في الشعر العربي الحديث

محمود درويش
محمود درويش
TT

النزعة النرجسية وتمثلاتها في الشعر العربي الحديث

محمود درويش
محمود درويش

إذا كان النزوع النرجسي والاهتمام بالذات، قد شكَّلا سمة واضحة المعالم من سمات الشعرية العربية القديمة، فقد حملت تجلياتها الوضوح نفسه في الشعر الحديث، سواء من خلال سفور الأنا عن وجهها على نحو مباشر، أو من خلال اختبائها خلف أقنعة وأساطير وتوريات مختلفة، من مثل تموز والعنقاء وقلقامش وأدونيس وأيوب ولعازر والمتنبي وغيرهم.

إلا أن أي مقاربة لهذه المسألة ستظل موضع ريبة والتباس، ما لم تتم الإشارة إلى نقطتين مهمتين، تتمثل الأولى بكون النزوع النرجسي ليس بحد ذاته هنة أو نقيصة، وهو لا يكون كذلك إلا حين يتفاقم أمره ليصبح نوعاً من البارانويا الخالصة أو العشق المرضي للذات. أما النقطة الأخرى، فتتمثل في كون النرجسية المتمادية لبعض الشعراء والكتاب، لم تقلل بأي حال من فرادة نتاجهم الإبداعي، ولم تحُلْ دون تصدُّر بعضهم للمشهد الشعري العربي المعاصر برمته.

ومع أن الظلال الوارفة للنزعة للنرجسية، تتبدى على نحو ملحوظ في تجارب الشعراء الرواد والأجيال التي تبعتهم، فإننا نجد لدى سعيد عقل وأدونيس ونزار قباني ومحمود درويش، على نحو خاص، الكثير من الشواهد الدالة على تأصل هذه النزعة وتعاظمها، وحضورها الراسخ في تجاربهم وأعمالهم المختلفة.

أدونيس

وإذا كان اسم سعيد عقل هو أول ما يتبادر إلى الذهن لدى حديثنا عن تعاظم الأنا وتفاقمها؛ فلأن شعره ومواقفه يزخران بقدر من الاعتداد بالهويتين الفردية والجمعية، قلّ نظيره عند أي شاعر آخر. لا، بل إن صاحب «قدموس» لا يترك للباحث عن الشواهد الدالة على نرجسيته أن يبذل الكثير من الجهد، ليكتشف أن أعماله برمتها ليست سوى انعكاس لزهوه النرجسي وذاته المتعالية. وسواء دارت قصيدته حول موضوع الوصف أو الغزل أو المديح أو الرثاء، فهي لا تكف عن الدوران حول محور واحد هو الفخر بالنفس، وإعلاء الذات وتعظيمها إلى حدود الغلو المفرط.

حين قام شولوخوف، صاحب «الدون الهادئ»، بزيارة إلى بيروت، وطُلب من سعيد عقل المشاركة في حفل تكريمه، لم يستطع الأخير تجنب الإشادة بنفسه إلى جانب المكرّم، فخاطبه قائلاً:

لئن تحكِ عن نهرٍ فشطر قصيدتي

يطلّ وهزّ السيف يكتملِ الشطرُ

وحتى في مقام الرثاء لا يتوانى عقل عن مقاسمة المرثي مكانته وصفاته، فيقول في رثاء أمين تقي الدين، ممتدحاً نفسه:

أقول الحياة العزم حتى إذا أنا

انتهيتُ تولى القبر عزميَ من بعدي

وحيث لا يتوانى عقل عن الغمز من قناة بعض مرثييه، كأن يسأل أحمد شوقي، في حفل إزاحة الستار عن تمثاله في مدينة زحلة اللبنانية: «أنا النهر، شوقي، أينا اليوم أشعر؟»، فإن الاعتداد النرجسي بالذات، بتقمص أحياناً مع صورة الوطن والجماعة الأهلية، كقوله بلسان اللبنانيين: «نتحدى الدنيا شعوباً وأمصاراً، ونبني أنّى نشأ لبنانا».

أما نزار قباني، فقد حملت تجربته وأعماله وعلاقته بالمرأة أشكالاً من الزهو والانتشاء بالذات، لم يشهد الشعر العربي مثيلاً لها منذ تجربة عمر بن أبي ربيعة. فنزار كعمر، هو المهيمن والمعشوق الوسيم الممسك بخيوط اللعبة، وقائد أوركسترا المتعة والإغواء. وهو إذ يوزع الأدوار والمقادير في لعبة الحب والأسرّة ومسارات العلاقة وأقدارها، لا يتردد في مخاطبة امرأة مفرطة الإلحاح على المتعة بالقول:

لفّي تحارير الهوى وامضي

أنا في السماء وأنت في الأرضِ

ما أنتِ من بعدي سوى طللٍ

أنقاضهُ تبكي على بعضِ

وإذا استثنينا أعمال نزار السياسية التي تضطر فيها ذات الشاعر إلى تنحية نفسها عن المشهد العربي الموغل في قتامته، فإن نتاج قباني المترع بعشرات المغامرات والتجارب العاطفية، ما هو إلا انعكاس لصور الأنا المترامية التي تكرر نفسها في مرايا الفحولتين الشعرية والعشقية. والأرجح أن الجذور العميقة لنرجسية نزار متأتية من نشأته المترفة، ووسامته الظاهرة، وموهبته العالية.

كما لا يتحرج قباني من إظهار براعته في الإيقاع بالنساء، وصولاً إلى تنصيب نفسه زعيماً بلا منافس لجمهورية العشق والعاشقين. لذلك؛ فهو يخاطب إحدى نسائه الساذجات في قصيدة «نرجسية» بالقول: «هل ممكنٌ أيتها الساذجة السطحية الحمقاءْ. هل ممكنٌ أن تجهلي أنّي الذي أسس جمهورية النساءْ».

وإذ يحاول نزار مواراة اعتداده بنفسه خلف أقنعة كثيرة تحفل بها قصائده ومقطوعاته، وبينها شهريار وديك الجن وكازانوفا ودون جوان وراسبوتين وغيرهم، فهو يؤثِر في قصائد أخرى إظهار هذه النرجسية على نحو مكشوف، كما في قصيدته «الرسم بالكلمات» التي توصل جنوحه النرجسي إلى ذراه القصوى.

النرجسية المتمادية لبعض الشعراء والكتاب لم تقلل بأي حال من فرادة نتاجهم الإبداعي

وإذا كان أدونيس واحداً من الشعراء الذين تستبطن تجربتهم الكثير من ملامح النزعة النرجسية ومواصفاتها، فإن رغبة الشاعر في التفرد تظهر من خلال اتخاذه من الإله الفينيقي أدونيس، الذي قتله الخنزير البري على ضفاف نهر إبراهيم، اسماً بديلاً عن اسمه الأصلي. ومن يتابع مسيرة أدونيس الشعرية والفكرية، فلا بد أن يلحظ عدم اكتفائه بمجد التسمية الناجز، ومحاولته النهوض بأسطورته الشخصية بمختلف السبل المتاحة.

ولن نعدم في هذا السياق الشواهد الدالة على البعد النرجسي في تجربة أدونيس وأعماله. لا، بل إن الأساطير والرموز التي يستخدمها في شعره، هي نفسها قناعه ووجهه في آن. ولعل في ديوانه «مفرد بصيغة الجمع»، ما يقدم الشواهد الدالة على الأنا المتفاقمة التي تجعل من التاريخ والجغرافيا والبشر والطبيعة، مجالها الحيوي ومنطقة نفوذها المشتهى. وإذ يضع الشاعر لفصل الكتاب الأول اسم «تكوين» وللفصل الثاني اسم «تاريخ»، فلكي يماهي بين سفْر تكوينه الفردي وسفر تكوين الخليقة من جهة، وبين تاريخه وتاريخها من جهة أخرى.

كما تتنازع هويته القلقة أسماء كثيرة لخوارج الأرض ومجانينها ومشعلي ثوراتها، فهو القرمطي والبهلول بقدر ما هو علي أحمد سعيد وعلي أحمد إسبر، وهو أدونيس الذي «أحبته عشتار وتستدعيه الشعوب». واللافت، أن النرجسية التي اتخذت شكلاً موارباً على امتداد الكتاب، ما يلبث الشاعر أن يفصح عنها في نهاياته على نحو صريح، وإن اتخذت شكل سؤال حائر «من أنت أيها السيد؟ من يقول لأدونيس من هو؟ يسأل، لا جواب. فليكسر مرآة نرسيس، مرآة نرسيس ظلٌّ، كيف يكسر الظل؟».

ولا يختلف الأمر في أعمال أدونيس الأخرى، حيث يرتدي الشاعر قناع مهيار، الهادم المؤسس «الذي لا أسلاف له وفي هويته جذوره». وهو الذي يبشر العالم بظهوره في قصيدته «هذا هو اسمي»، ليعلن دون تردد «لغم الحضارة / هذا هو اسمي». وهذه الأنا بالذات هي التي تدفع صاحبها إلى أن يختبئ في ديوانه «الكتاب» خلف قناع المتنبي، الشاعر الأكثر فرادة وتأثيراً في تاريخ العرب، فضلاً عما تحيل إليه التسمية من محاكاة واضحة للمقدس. وهو ما ينسحب على كتاب أدونيس «الأدونيادا»، الذي تحيل تسميته إلى إلياذة هوميروس وإنياذة فيرجيل.

وإذا كان في شخصية محمود درويش وشعره، الكثير من الزهو النرجسي الذي يظهر جلياً في قصائده، فإن صاحب «الهدهد» قد نجح في تصريف جزء من نرجسيته عبر التماهي مع صورة فلسطين، التي نقلها التغييب والظلم إلى خانة القداسة. إلا أن الشاعر في مقاربته لشخصية نرسيس، يعبّر عن اعتقاده بأن البشر الذين يصنعون طاغيتهم بأيديهم، هم أنفسهم الذين يصنعون نرسيسهم؛ لكي يخبئوا انبهارهم بذواتهم خلف صورته.

والأرجح أن درويش حين حاول أن يرسم صورة تقريبية ونقدية لنرسيس، في قصيدته الأخيرة «لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي»، لم يكن يقصد سوى نفسه، حين قال: «كان يمكن أن يربح الشعر أكثر، لو لم يكن هو لا غيره: هدهداً فوق فوّهة الهاوية. ربما قال: لو كنتُ غيري لصرتُ أنا مرةً ثانية. هكذا أتحايل، نرسيس ليس جميلاً كما ظنّ، لكن صنّاعه ورّطوه بمرآتهِ، فأطال تأمله في الهواء المقطّر بالماء، لو كان في وسعه أن يرى غيره، لأحبَّ فتاة تحملق فيه وتنسى الأيائلَ، تركض بين الزنابق والأقحوانْ. ولو كان أذكى قليلاً لحطّم مرآتهُ، ورأى كم هو الآخرونْ».


قصر هشام في أريحا

مدخل قصر هشام في نواحي شمال أريحا
مدخل قصر هشام في نواحي شمال أريحا
TT

قصر هشام في أريحا

مدخل قصر هشام في نواحي شمال أريحا
مدخل قصر هشام في نواحي شمال أريحا

تحوي البادية السورية قصرين يحملان اسم «قصر الحير»، وينسبان إلى هشام بن عبد الملك. يقع أحدهما شمال شرق تدمر، ويُعرف بقصر الحير الشرقي، ويقع الآخر جنوب غرب تدمر، ويُعرف بقصر الحير الغربي، ويتميّز بثراء حلله المنقوشة التي كشفت عنها حملة فرنسية في السنوات الأخيرة من ثلاثينات القرن الماضي. تحوي البادية الفلسطينية قصراً آخر يُنسب كذلك إلى هذا الخليفة، كشفت بعثة بريطانية عن حلله البديعة في تلك الفترة. يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، وهو مؤلف من طابقين، ويرتفع وسط مجمّع يحوي حماماً كبيراً تزيّنه أرضية فسيفسائية توصف بـ«أكبر لوحة فسيفساء في العالم».

ظهرت أول معالم هذا القصر خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين شرعت الجمعية الإنجليزية المعروفة باسم «صندوق استكشاف فلسطين» في البحث عن آثار «الأراضي المقدّسة»، وقادها بعض السكان العرب إلى خربة تُعرف باسم «خربة المفجر»، تقع على الضفة الشمالية لوادي النعيمة، وتبعد بضعة كيلومترات من شمال مدينة أريحا. في عام 1894، أرسلت هذه الجمعية عالم الآثار الأميركي فريديريك جون بليس لإجراء بحث تمهيدي في هذه الخربة، فزار الموقع، وكتب تقريراً أوّلياً صدر في النشرة الخاصة بهذه الجمعية، وضمّ مجموعة من الصور، تمثّل عينة من الزخارف الجصية التي عُثر عليها. هكذا بدأ استكشاف هذا الموقع الأموي في الأراضي الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة من الحكم العثماني، وتواصل بعد انهيار هذا الحكم، إثر نهاية الحرب العالمية الأولى.

في زمن الانتداب البريطاني، عمدت دائرة الآثار إلى دراسة موقع «خربة المفجر» ومسحه بشكل موسّع في عام 1934. اكتشفت البعثة البريطانية أن الآباء الفرنسيسكان سبقوها إلى هذا الموقع، واقتلعوا منه العديد من الحجارة والأعمدة لبناء ديرهم في أريحا سنة 1927، كما أنهم نقلوا منه مجموعة من الأعمدة والتيجان وألواح المرمر والنقوش الجصية لتزيين مدخل مقرّهم، فطالبت باستعادة هذه القطع، واستجاب الآباء الفرنسيسكان لطلبها. أجرت دائرة الآثار البريطانية الحفريات الأثرية في الموقع على مدى اثني عشر عاماً، تحت إشراف عالم فلسطيني يُدعى ديمتري برامكي، وكان يومها مفتشاً وباحثاً في هذه الدائرة. رافق هذا الخبير حملات التنقيب المتعاقبة في الموقع، ورصد نتائجها في سلسلة من التقارير، صدرت تباعاً في النشرة العلمية الخاصة بدائرة الآثار. خلال الحفريات التي جرت بين عامي 1936 و1937، عُثر على لوح مكسور من المرمر يذكر اسم «عبد الله هشام أمير المؤمنين»، أي هشام بن عبد الملك. إثر هذا الاكتشاف، أُطلق على الموقع اسم «قصر هشام»، وعُرف به منذ تلك الحقبة.

نقلت دائرة الآثار البريطانية ما جمعته من لقى في هذا القصر إلى متحف بدأت بتشييده سنة 1930 في القدس الشرقية، وافتتحته سنة 1938، وأطلقت عليه يومها اسم «متحف فلسطين للآثار». تمثّلت هذه اللقى في الدرجة الأولى بمجموعة هائلة من النقوش النحتية، إضافة إلى عدد من التماثيل الآدمية، وشكّلت هذه الشواهد مادة استثنائية للتعريف بالفنون الأموية المدنية المرتبطة بهذا الميدان. تزامن هذا الاكتشاف مع اكتشاف مشابه لا يقلّ عنه إثارة، تَمثّل في ظهور مجموعة مشابهة من اللقى، خرجت من قصر الحير الغربي في البادية السورية. قامت باستكشاف هذا القصر بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938، وصدر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939. تبيّن أن القصر شُيّد في عام 727 بأمر من هشام بن عبد الملك على أنقاض دير يعود إلى زمن الغساسنة، وتحوّل مع مرور الزمن إلى أطلال، خرجت من بين أنقاضها مجموعة هائلة من النقوش النحتية، تُماثل بأسلوبها الفني المتقن تلك التي خرجت من خربة المفجر.

مع نهاية الانتداب على فلسطين ونشوء دولة إسرائيل في 1948، توقّفت أعمال دائرة الآثار البريطانية، وأصبح «متحف فلسطين للآثار» تحت إدارة المملكة الهاشمية الأردنية. في ظل هذه الإدارة، أنجز ديمتري برامكي رسالة دكتوراه في 1953 حملت عنوان «الحضارة والعمارة العربية في الفترة الأموية: دراسة مقارنة بالإشارة الخاصة إلى تنقيبات قصر هشام». بعدها، قام عالم الآثار البريطاني جورج هاملتون بدارسة الموقع بشكل شامل وموثّق بالتعاون مع العالم الفرنسي أوليغ غاربار، ونشرت جامعة أوكسفورد هذه الدراسة الشاملة في سنة 1959 تحت عنوان: «خربة المفجر: قصر عربي في الصحراء». أثبتت هذه الدراسة أن الموقع يعود فعلاً إلى عهد الخليفة هشام بن عبد الملك، واستمرّت حركة البناء فيه بعد وفاة الخليفة، إلى أن تعرّض لزلزال ضخم في عام 746، والأرجح أن جزءاً من منشآته تعود إلى عهد الوليد بن يزيد الذي خلف عمه هشام، وحكم بين 743 و744.

يتألّف هذا القصر من دار رحبة، ومسجد عام، ومسجد خاص، وبركة ماء، وحمام فخم كبير. يقع المدخل الرئيسي في الزاوية الجنوبية الشرقية، ويؤدّي إلى ساحة مكشوفة تحوي اليوم مجموعة من اللقى الأثرية، أشهرها نجمة سداسية الأطراف تضمّ ست دوائر مجدولة، تشكّل إطاراً لدائرة كبيرة تتوسّط تأليفها. في الجهة الشمالية من هذه الساحة، شُيّدت بركة تزيّن أرضيتها سجادة فسيفسائية. وفي الجهة الغربية لهذه البركة، يقع المدخل الداخلي الرئيسي للقصر، ويفضي إلى ساحة رحبة تحدّها مجموعة من الغرف. في وسط رواق الساحة الجنوبي، يقع المسجد الصغير الخاص بالخليفة، وفي شمال الرواق الشرقي، يقع المسجد العام. في الجهة الشمالية للقصر، يقع ممر يربط بين القصر والحمّام الملكي، وتزيّن قاعة هذا الحمّام سجادة فسيفسائية مربّعة، طول ضلعها 30 متراً. في شمال هذا الحمام، قاعة خاصة توصف بقاعة الاستقبال، تزيّنها كذلك سجادة فسيفسائية.

تحوي البادية الأردنية موقعاً أموياً يُعرف باسم قصير عمرة، تزيّنه جداريات تمتدّ على مساحة تقارب 380 متراً مربعاً، وتشكّل أكبر برنامج تصويري معروف من الألفية الأولى في العالم المتوسطي. في المقابل، يحوي قصر خربة المفجر فسيفساء توصف بأكبر فسيفساء معروفة في هذا العالم. زُيّن هذا القصر برسوم جدارية ضاعت كلّها للأسف، ولم يبق منها إلا بضع شذرات عُثر عليها وسط طبقات الردم، مبعثرة ومتساقطة. في المقابل، خرجت من هذا الموقع مجموعة عظيمة من القطع النحتية متعدّدة الأنواع، تُعتبر اليوم من أجمل شواهد الفن الأموي، ودراستها تكشف عن ثراء هذا الميراث، وتعدّديته الثقافية المدهشة.