حياة الرايس: أتبنى قضية المرأة في أعمالي ولا يزعجني وصفي بـ«الكاتبة النسوية»

الروائية التونسية ترى أن الكاتب حر في مغامرة الكتابة وتجاوز السائد النقدي

حياة الرايس
حياة الرايس
TT

حياة الرايس: أتبنى قضية المرأة في أعمالي ولا يزعجني وصفي بـ«الكاتبة النسوية»

حياة الرايس
حياة الرايس

تجمع الكاتبة التونسية حياة الرايس، ما بين كتابة الشعر، والقصة القصيرة، والرواية، والمسرحية، كما تكتب المقالة، والسيرة الذاتية، وأدب الرحلات، والبحث الفلسفي. وهي تقيم حالياً في باريس. هنا حوار معها عن هذا التنوع وهموم الكتابة، وروايتها الجديدة «بغداد وقد انتصف الليل فيها».
> في روايتك الجديدة «بغداد وقد انتصف الليل فيها» تعودين إلى نبع الذكريات حيث إقامتك في العاصمة العراقية سابقاً... هل هو الفقد أم الحنين أم ماذا؟
- لعلّه خواء الراهن. نعم، أفتقد بغداد التي عرفتها وعشتها، بغداد أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات. فترة من أجمل الفترات، يتحسر عليها العراقيون إلى الآن، وكذلك من عرف بغداد وعاش بها تلك السنوات. عدت إلى فترة انمحت من الوجود ولن تعود أبداً، ولم تبقَ إلا في ذاكرة الكتب التي تروي ذلك التاريخ الذي كان. كل أجيال التسعينات وما بعدها لن يعرفوا ما كانت عليه مدنهم إلا من الكتابات التي وثّقت ماضيهم. أردت تهريب بغداد من اللصوص والغزاة... لتبقى في ذاكرتنا وفي وجداننا، في كتبنا وأحرفنا وأعيننا، أيقونة المدن لن تسقط أبداً.

> لكن كثيرين اختلط عليهم الأمر، فلم يتعاملوا مع العمل باعتباره «رواية»، وإنما «سيرة ذاتية». هل كان مقصوداً هذا الالتباس بين الواقع والخيال؟
- الالتباس قديم بين السيرة والرواية وبين السيرة الروائية والرواية السيرية، حتى النقاد والمنظرون لجنس السيرة أو الرواية لم يتفقوا على رأي قاطع في وضع الحدود الفاصلة بين تلك الأجناس. الكاتب يجب أن يكون مطلعاً على أهم النظريات النقدية في الجنس الذي يكتبه، لكنه ليس ملزماً أن يتقيّد به، فهو كائن حرّ ومبدع، يستطيع أن يتجاوز السائد النقدي إلى حقول جديدة في مغامرة الكتابة.
من ناحيتي، أردت أن أكتب رواية، فكتبت رواية مستوفية لكل شروط الرواية باعتراف النقاد. وأردت أن أضمّنها سيرتي، ففعلت، أما تصنيفها فهو شغل النقاد، وليس شغلي حتى يستقروا على رأي. أحترم رأي النقاد، لكني لا أكتب إلا ما يمليه عليّ اختياري الحرّ الواعي والمسؤول. سعيدة بالنجاح الكبير للرواية وصدورها في 4 طبعات ما بين تونس والقاهرة وبغداد، كما ترجمت إلى الإنجليزية والفرنسية.
> ما سر الخصوصية التي يحملها العراق ورموزه البابلية والسومرية في أعمالك؟
- لا يمكن أن يدخل الإنسان الكاتب إلى أرض العراق ويخرج خاوياً، فما بالك بمن عاش بها ونهل من تراثها.
عندما اخترت أن أذهب للدراسة، كانت عندي نيّة مبيّتة، أن ينطلق مشروعي الأدبي من أرض شهرزاد رمز سلطة الكلمة، لمواصلة الحكاية. بلد عشتار الإلهة الأنثى، وبلد جلجامش، في رحلة البحث عن عشبة الخلود. أردت أن ينطلق مشروعي الأدبي من بيت الحكمة ومن مطابع شارع المتنبي... هكذا كتبت مسرحية بعنوان «سيّدة الأسرار عشتار» مستمدة من ميثولوجيا الشرق القديم حيث كانت الأنثى هي السلطة.

> ظللتِ طيلة عقد الثمانينات تنشرين أعمالك متفرقة دون أن يجمعها كتاب واحد، هل هي رهبة الإصدار الأول؟ وماذا عن بداياتك الأولى؟
- لم أكن أستعجل النشر أبداً. كنت أكتب القصة القصيرة منذ الثمانينات وأنشر في المجلات والجرائد دون أن أفكر في جمعها في كتاب طيلة عشرية كاملة. بداية التسعينات عندما أحسست بنضج إبداعي معين، أصدرت مجموعتي القصصية الأولى: «ليت هنداً». عندما تأكدت من الإضافة والتميز والاختلاف، لأن العمل الأول هو الذي سيحدد هويتك الأدبية، إذ لا معنى أن يرمي الواحد منا كتاباً في السوق دون أن يلفت انتباه أحد.
> تشكل قضية المرأة والظلم الواقع عليها هاجساً ملحاً في تجربتك، رغم أنك تنتمين لبلد نالت نساؤه كثيراً من حقوقهن، أو على الأقل هذا ما تعتقده معظم المثقفات العربيات؟
- أنا امرأة لي انتماء عربي، وكتاباتي لها بعد عربي. صحيح أننا في تونس لنا مدونة قانونية رائدة في مجال الحريات والمساواة، لكن تغيير الذهنية الذكورية أصعب من تغيير القوانين، وكلنا في النهاية ننتمي إلى مجتمعات ذكورية أبوية، وإلى ثقافة عربية طالما تنكرت للمرأة واعتبرتها مخلوقاً من الدرجة الثانية، ولم تنصفها وجعلت هناك قوانين خاصة بالمرأة وأخرى خاصة بالرجل في تمييز فاضح. والمرأة في تونس متقدمة جداً في مجال الوعي بذاتها وبحقوقها وكرامتها. لكن الرجل بقي ينظر إليها تلك النظرة الدونية القديمة. إذ يعاني هو نفسه من رواسب التربية التقليدية التي تكبله ولا تحرر وعيه للالتحاق بها، لكي يتحقق التوازن والانسجام الاجتماعي.
من هذا المنظور، أتبنى قضية المرأة في كل أعمالي باعتبارها قضية مجتمع ولا يزعجني أن أوصف بالكاتبة النسوية، بل أفتخر أن لي قضية أدافع عنها تتعلق بالمستضعفين في الأرض. والكاتب الذي ليست له قضية يدافع عنها ليس بكاتب بل مجرد شخص يلهو بلعبة الكلمات.
> صدر لك في منتصف التسعينات كتاب «جسد المرأة من سلطة الإنس إلى سلطة الجن»... برأيك، ألم يتحسن الوضع بالنسبة للمرأة العربية بعد مرور ربع قرن؟
- الكتاب يرصد حالات مرضية لنساء يعانين وفق المصطلح الطبي حالات الصرع أو الهستيريا، نتيجة الكبت والقمع الاجتماعي الذي تعيشه المرأة. وقمت بمقاربة سيكولوجية - أنثروبولوجية لهذه الحالات. صدر في القاهرة، وأثار ضجة كبيرة حينها، ومُنع من الأسواق بسبب إدانة «جماعة الإخوان له في مصر» لتناوله مواضيع محرّمة عندهم ومسكوتاً عنها. لقد عدت وطرحت المسألة مرة أخرى في كتاباتي التالية، بخاصة في كتابي الأخير «الجسد المسكون والخطاب المضاد».
> تقيمين في باريس حيث تطل شرفة منزلك على نهر «لاماين»... قد يعتبر البعض الأمر نوعاً من الرفاهية، ويتساءل مستنكراً؛ كيف تشعرين بمعاناة المرأة العربية إذن؟
- ليتني أستطيع أن أدير ظهري إلى كلّ ذلك. أنا لا أستطيع حتى أن أنعم بكل مظاهر الرفاه،: أينما وليت وجهي أرى بلدي في مفارقات ومقارنات لا تنتهي. أرى الفرق واضحاً وفاضحاً وجارحاً، كل يوم بيننا وبينهم. وهذا يعمق جرحاً حضارياً كبيراً وتاريخياً، ما ينفك يتسع ويغور عميقاً في النفس وفي العقل، لماذا تقدموا؟ ولماذا تأخرنا؟ أراه في كل جزئيات الحياة وفي كل خطوة أخطوها.
قد لا أنعم بما تفضلتِ به، بل أتألم كثيراً للفارق المهول. نعم، أعيش بين تونس وباريس. وأحمد الله على ما تسمينه رفاهية. المسألة مرتبطة بالإحساس وليست بالرفاهية. أنا امرأة أحمل قضايا عصري ومجتمعي، ولا أعرف كيف أكون حيادية في باريس أمام ما يحصل في تونس مثلاً من أزمات سقطت فيها البلاد بعد ما يسمونه الربيع العربي. هذه مسائل تتعلق بالانتماء والمواطنة والوفاء لبلدك ومدى وطنيتك ومسؤوليتك الأدبية تجاهها. ولكتابة مسؤولية تغيير وإصلاح المجتمعات بما نستطيع إليه سبيلاً، نحن نحفر في الوعي المجتمعي لنرتقي به وننير العقول بنور المعرفة. وتطوير العقليات هو أصعب من بناء العمارات، فالجهل أكبر فجوة يتسلل منها العدو.
> تقولين إن هناك «غيرة» دائمة بين المرأة والأديبة بداخلك، ما الذي تعنيه تحديداً؟
- بل هناك منافسة على اللحظة، المرأة بداخلي تريد أن تعيش اللحظة بكل عمقها الوجودي. والكاتبة تريد أن تحوّلها إلى لحظة تاريخية فارقة في نص أدبي. أحياناً تَفْسد اللحظة ببعديها الحياتي والأدبي معاً وأحياناً ينسجمان معاً، الكاتبة تفسد عليّ حياتي أحياناً. يكفي أن أبقى محبوسة شهوراً وأعواماً لإنجاز عمل أدبي «رواية بغداد» حبست نفسي 3 سنوات لكي أكتبها، ومسرحية «عشتار» 7 سنوات لأني أعود إليها فقط في العطل عندما كنت أشتغل بتدريس الفلسفة. الكتابة حرمان متواصل وتنازل عن عدة أمور في الحياة، لأنها تتطلب الوحدة والانعزال والتفرغ لها كشريك مستبد لا يريد أن يزاحمه أحد. لكنها تبسط لك يد المجد بعد انتهاء كل عمل. ونجاحاتها تنسيك كل حرمان وتمسح عن جبينك كل تعب وتتوجك ملكاً.
> تكتبين القصة القصيرة والمسرح والشعر والرواية... هذا التنوع هل أفاد أم أضرّ بمشروعك الإبداعي؟
- لا أبداً لم يضرَ بمشروعي الأدبي، بل أثراه وعمّق بعده الأدبي الجمالي، النص هو المستفيد من كل هذه الأشكال الأدبية. خذي مثلاً روايتي الأخيرة التي كتبتها بعد أن كتبت القصة والشعر والمسرح وأدب السيرة وأدب الرحلات والأطفال، والبحث الفلسفي والمقال الأدبي، فجاءت تتويجاً لكل هذه الأشكال المتنوعة المتعددة، وربما كان ذلك سرّ نجاحها.
> أخيراً، كيف تقيّمين تفاعل النقاد مع تجربتك؟
- أنا لا أصدر أي عمل إلا بعد أن يعطيني ناقدي الخاص التأشيرة، ناقد قاسٍ لا يجامل، يعيش معي النص ورحلة الكتابة حرفاً بحرف وفكرة فكرة. هذا الناقد هو أنا أيضاً، فالكاتب الجادّ هو ناقد نفسه الأول.



الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)
TT

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)

أعلنت الشرطة الكورية الجنوبية، الثلاثاء، أنها تسعى للقبض على قطب الموسيقى بانغ سي هيوك، رئيس وكالة «إتش واي بي إي» التي تدير أعمال الفرقة الشهيرة «بي تي إس»، وذلك في إطار تحقيق يجري حول مزاعم تفيد بأنه جنى ما يزيد على 100 مليون دولار بشكل غير قانوني من خلال الاحتيال على المستثمرين، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وقالت شرطة العاصمة الكورية الجنوبية سيول إنها طلبت من النيابة استصدار مذكرة قضائية لاعتقال بانغ، الملياردير المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة.

وفي المقابل، لم يتطرق الفريق القانوني لبانغ بشكل مباشر إلى الاتهامات الموجهة إليه، في بيان أرسله إلى «أسوشييتد برس»، لكنه أعرب عن أسفه لسعي الشرطة للقبض عليه «رغم تعاوننا الكامل والمستمر مع التحقيقات على مدار فترة زمنية طويلة».

وجاء في البيان: «سنواصل التعاون مع كافة الإجراءات القانونية وسنبذل قصارى جهدنا لتوضيح موقفنا بكل جلاء».

أعضاء فريق «BTS» (رويترز)

ويخضع بانغ -الممنوع من مغادرة البلاد منذ أغسطس (آب) الماضي- للتحقيق على خلفية مزاعم بأنه ضلل المستثمرين في عام 2019، حيث أخبرهم أن شركته لا تعتزم طرح أسهمها للاكتتاب العام، ما دفعهم لبيع حصصهم لصالح صندوق للأسهم الخاصة، وذلك قبل أن تمضي الشركة قدماً في إجراء طرح عام أولي لأسهمها.

وتعتقد الشرطة أن الصندوق ربما يكون قد دفع لبانغ نحو 200 مليار وون (ما يعادل 136 مليون دولار) بموجب اتفاق يضمن له الحصول على 30 في المائة من الأرباح الناتجة عن بيع الأسهم عقب الاكتتاب العام.

ومن جانبهم، يؤكد مسؤولون في الشركة أن بانغ ينفي ارتكابه لأي مخالفات.

وتُعد المشاكل القانونية التي يواجهها بانغ نكسة كبيرة للشركة، إذ تتزامن هذه التطورات مع انطلاق الفرقة الشهيرة في جولة عالمية عقب انقطاع دام قرابة أربع سنوات، قضاها أعضاء الفرقة السبعة في أداء الخدمة العسكرية الإلزامية.

وأحيت الفرقة حفلاً مجانياً في سيول الشهر الماضي، بمناسبة عودتها للساحة الفنية، حيث قدمت عروضاً أمام عشرات الآلاف من المعجبين من مختلف أنحاء العالم.

ويُعتبر بانغ من أكثر الشخصيات نفوذاً في عالم موسيقى «الكي-بوب»، وقد سعى جاهداً لاستثمار النجاح العالمي الذي حققته الفرقة ليحول شركته إلى قوة عالمية مهيمنة في مجال موسيقى البوب.


الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.