كاندنسكي... رسالة إلى شاعر الفاشية الإيطالية «مارتينيتي»

السنوات الباريسية لمؤسس التجريدية المعاصرة

من أعمال كاندنسكي
من أعمال كاندنسكي
TT

كاندنسكي... رسالة إلى شاعر الفاشية الإيطالية «مارتينيتي»

من أعمال كاندنسكي
من أعمال كاندنسكي

في صالات القصر التاريخي «روفيريلا» بمدينة روفيكو الإيطالية، افتتح معرض الفنان الروسي الأصل فاسيلي كاندنسكي (1866 - 1944)، ويستمر المعرض حتى نهايات شهر يوليو (تموز) المقبل. وتصحب المعرض الذي يشمل 200 عمل فني زيتي ومائي وتخطيطي، مجموعة من الوثائق والرسائل والكتابات النقدية التي كتبها كاندنسكي أثناء فترة وجوده في باريس، من عام 1934 حتى عام 1944، إضافة إلى الكتاب الوثائقي الذي وضعته زوجته «نينا» ونقل إلى اللغة الإيطالية.
كان كاندنسكي، الذي يعتبر أحد رواد الفن التجريدي المعاصر، يعمل على هدف واحد شغله طيلة حياته، وهو الهم الحداثي، حتى لو أدت «الحداثة» هذه إلى قطع الحبل السري الذي يربط الفن بالواقع الإنساني. وهكذا كانت رحلته الفنية موغلة في بناء الشكل المجرد الذي لا تحكمه حقائق العلاقات الإنسانية بالقدر الذي تحويه اختيارات هي بمجملها إشارات وتكوينات تنتمي إلى وسط ما وراء خطوط الرؤية. إنها عوالم لأنظمة لونية ترتسم على سطوح اللوحات بأشكال تصميمية زخرفية تستند إلى حد كبير على الاستخدام الفيزيائي وتفسيراته للخامات الأولية للرسم. حاول بعد هجرته من بلده روسيا، تقصي حركة اللون والشكل على سطوح اللوحات لجعل العالم المختفي عالماً منظوراً من خلال ما سمّاه بـ«الضرورة الداخلية» التي تقلب بشكل نهائي نظام العالم التصويري وتجعل اللامرئي مرئياً.

                                                                        فاسيلي كاندنسكي
فراغات وكتل هندسية يلعب بها اللاشعور دور المظهر الخرافي إزاء مشكلات التوازن الإنساني. إن الإنسان عند كاندنسكي يمثل الغياب، بل إنه تحول إلى خطوط منحنية، وحروف متلاصقة، ومتقوسات شكلية مجردة عن وظائفها، ترتكز على مهارات في الصنعة وبناء السطح بحس جمالي أخاذ، إلا أنها تظل مهارات سهلة تمتلك خاصية التمركز حول الذات.
وقد قال كاندنسكي في إحدى رسائله المعروضة: «شخصياً لا تحملني الدهشة مطلقاً عندما يفسر أحد أشكالي التي يتجرد بها الشكل، بكونها عملية انحلال وقسر». لقد كان هذا الفنان بكل أعماله الفنية التي سخّر لها حياته يؤكد على مفاهيم السيطرة الروحية بتقنياتها الأسلوبية وتكراراتها الآلية. وقد كان مستعداً لعمل كل شيء من أجل ذلك، حتى بخلق التقارب الكاذب، والتزلف الدعيّ مع مؤسس المستقبلية الإيطالية الشاعر الفاشي «مارتينيتي» الذي كان متنفذاً سلطوياً، وأحد النماذج الفاشية في تلك الأعوام التي شهدت صعود الفاشية وتسلمها للسلطة.
في كل أعماله، كان كاندنسكي يركز على عملية البحث عن الضرورة الداخلية ليكون من وراء ذلك كله الرسام التجريدي والمنظم الحاذق الأول للتجريدية، التي اعتُبر نتاجها الفني منذ بدايات صعود النازية متخلفاً، ومُنع كثير من أصحابها على يد المؤسسات الرسمية الألمانية من ممارسة الرسم في عموم ألمانيا، ووصل الأمر إلى إبعاد الفنانين التجريديين الذين اتهموا بتحوير وتشويه الطبيعة، عن مراكز التعليم في المعاهد والمدارس الفنية، كل ذلك من أجل تحويل الفن إلى أداة إعلامية تخدم مصالح البرنامج الثقافي للرايخ الثالث، الذي عبّر عن رؤيته بشعار ديماغوجي «الفن للشعب» وهو شعار يتعارض مع الاتجاه اللاموضوعي الذي نهجته التجريدية. في مدينة ميونيخ كان كاندنسكي قد انكب على إيجاد أساسياته الروحية بتنقية الشكل. وفي كتابه «نقطة - خط - لقطة» عرض الطرق المختلفة التي يمكن الانتقال بها من الشكل البسيط إلى الشكل المعقد، وقد ظلت سمات الفنان النظري عند كاندنسكي مرتبطة بشكل داخلي ومنسجمة في أغلب أعماله، فالخط الفاصل لا يقع بين التشخيصية واللاتشخيصية، إنما حسب رأيه بين «نظام التصوير وبين ما هو خارجه». لقد سعى نظرياً لتخطي العراك الدائر الذي يجعل من الفن نقيضاً للطبيعة.
ما نريد قوله بمناسبة معرض كاندنسكي، هو أن قيمة أي عمل فني، مهما بلغت شهرة منتجه، ترتبط دائماً بما يعبر عنه من آمال عصره، وبما يحمله من تطلعات نحو المستقبل، وأن ارتقاء هذه القيمة يرتبط أساساً بكل ما يمكن تقديمه للرؤية الجديدة، وهو بكل هذا يستطيع التكفل بالحرية الكاملة في التعبير التي تستند على جميع الاتجاهات والمدارس الفنية. على أن عملية الدخول إلى عوالم النزعة الذاتية المقفلة، والمجردة عن كل ما هو إنساني، واعتبارها الوسيلة الوحيدة الملائمة لتصوير «الحداثة»، تعّد إلى حد ما تجاهلاً مريراً ومتشائماً لقوانين التطور الإنساني، ويعد أيضاً حماية للذات بطرق تضيق مجالات الرؤية، وإن امتلك الفنان موهبة متميزة، وإن احتلت أعماله الصدارة في ظروف تاريخية معينة.
لقد عاش كاندنسكي 10 سنوات في مدينة باريس بعد رحيله من ألمانيا عام 1933 التي غرقت بالوحل النازي، وكان اختياره لهذه المدينة من أجل الإقامة الدائمة بسبب معرفته المسبقة أن اسمه قد أصبح من الشهرة بما يكفي لأن يتمكن من «شراء الخبز وترميم لوحاتي» كما ذكر بإحدى رسائله المعروضة، وقد كانت باريس آنذاك محطة للجميع؛ بيكاسو، وجاكوميتي، وبراك، الذين كان كاندنسكي ينظر إليهم بعين الشك والريبة، كما كان هناك الفنان «ليجيه» الذي اعتبره «أكثر شرفاً من الآخرين»، وأيضاً الفنان «دالي» الذي وصفه بأنه «رغم كل شيء فهو رسام حقيقي»، وإضافة إلى هؤلاء كان هنالك «موندريان» و«جان ميرو» و«ألبيرتو مانيللي» و«جان راب» و«مان راي» و«ماكس أرنيست» وعشرات غيرهم ممن تشبثوا بمفاهيمهم المحطمة لقشرة الفن التي سادت طويلاً، فكانوا بمواقفهم المتراوحة غير منفصلين عن حضارة عصرهم، وما حملته من انحلال وتفكك داخلي وتعاسة، ترافقت مع نمو المشروعات الحرة وسيطرة الاحتكارات وبروز ظاهرة تقسيم العالم، وظهور النزعات الفاشية والعنصرية وهيمنتها على دول كثيرة. لكن كل الذين جيء على ذكرهم سابقاً لم يمتدحوا الفاشية بوصفها النموذج الفكري للعلاقات الثقافية والسياسية، التي مثّلها في حقل الفن «مارتينيتي» الفاشي الذي أسس المستقبلية.
ولإلقاء ضوء أوسع على علاقات كاندنسكي بـ«الفاشية الفنية» نورد هنا نصاً لإحدى رسائله إلى شاعر الفاشية الإيطالية «مارتينيتي» بعث بها إليه في 23 يوليو عام 1932 من ألمانيا حيث كان يقيم ويدرسّ في مدرسة «الباوهاوس». يقول كاندنسكي: «إن مدرسة الباوهاوس كانت قبل مدة من الزمن تحت إدارة مدير سويسري الأصل، كان يسعى باستمرار من أجل تقديم تعاليم تحمل بعض آثار الاتجاهات الماركسية، وكان يفعل ذلك بصورة متخفية وغير مباشرة، حتى اكتشف أمره، وأبعد عن المدرسة. ومن طريقته لم يبقَ أي أثر، إذ رجع الأمر للقدامى، وأصبح كل شيء مضموناً بصيرورته الأولى.
لربما قرأتم في بعض الصحف قبل 3 أو 4 أشهر عن إدارة جديدة، وهي (ديساو)، وهي ذات توجهات فاشية تحمل في أعمالها إعجاباً كبيراً بالطرق السياسية الإيطالية في اتباعها المثال نفسه.
وفي الوقت ذاته، فإن قائدكم الدوتشي (موسوليني) قد افتتح معرضاً للمعمار الحديث، وتحدث بألفاظ حماسية جداً حول الأساليب الجديدة المعاصرة، أما بالنسبة لنا فإن المسؤولين قرروا إغلاق مدرستنا، وبذلك سوف يهدمون كل جهد بذلناه، إنهم يتحدثون عن الماركسية، والمذهبية في التوجهات الشكلية بأعمالنا الفنية، وكذلك يتحدثون عن خصومة، ومجابهة لـ(الألمانية) الحقيقية... واتهام (الباوهاوس) بأن بها ماركسياً، أو تابعاً للشرق، وعدواً للألمانية، في الوقت الذي لا يوجد أي ماركسي، ولا يهودي. إنني حقاً خائب، وتحيطني فكرة واحدة يائسة حول هذه المدرسة الوحيدة في العالم، إذ علينا الاختفاء والتلاشي في ضوء ما قدمه أحد الأشخاص من الذين لا يفقهون شيئاً.
إنني متأكد جداً بهذا الخصوص، فبالنسبة لي شخصياً، فإن الحكومة الإيطالية الفاشية لن تسمح بارتكاب مثل هذا الخطأ، ومع هذا فيا حضرة السيد (مارتينتي) منذ اللحظة التي تعارفنا فيها منذ أكثر من 20 عاماً، فإنه من الطبيعي أن ألتمس منكم أن تقوموا بدور الوساطة إزاء هذه التراجيديا المهمشة، ولكن بأي طريقة؟ أنا أعتقد أن قراراً استنكارياً يمكنه أن يستفز ويخلق قوة تأثير، ويمكن الحصول من خلاله دون شك على نتائج محسومة ونهائية. إنكم تستطيعون أن ترسلوا برقية بهذا الخصوص لي أو لمديرنا».



«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

مشهد من المسلسل
مشهد من المسلسل
TT

«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

مشهد من المسلسل
مشهد من المسلسل

لطالما كان الأدب تأريخاً لما تجاهله التاريخ، وصوتاً لمن تواطأ المنتصرون على تغييبهم، فهو يستعيد من هوامش ذاكرة الناس ما لا تقوله الروايات الرسمية، ويمنح المنسيين مكاناً في الحكاية. وبإطلاقها الجزء الثاني من مسلسل «مائة عام من العزلة»، أعادت منصة «نتفليكس»، رائعة الأديب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز إلى قلب نقاش سياسي وثقافي محتدم يتجاوز حدود التقييم الفني للعمل التلفزيوني، ليمس جوهر تلك العلاقة الملتبسة بين الأدب والسلطة وتاريخ أميركا اللاتينية. ويتعلق الأمر بصراع حول تفسير النص الروائي وامتلاكه، وبمدى شرعية تحويله إلى منتج بصري، وبالرسائل السياسية التي يحملها، وهو نقاش تتداخل فيه خلفية ماركيز السياسية المعروفة، وتاريخ كولومبيا المضطرب، وموقف ورثته من إرثه.

منذ صدورها عام 1967، لم تكن «مائة عام من العزلة» مجرد عمل أدبي خالص، بل استقبلت على نطاق واسع كتشريح سياسي لتاريخ أميركا اللاتينية. يرى النقاد أن الرواية، بكونها عملاً مؤسساً للواقعية السحرية، استخدمت الأسطورة كأداة لنقل التاريخ، حيث يصبح المتخيل وسيلة لفهم الواقع السياسي والاجتماعي. هذه القراءة أتت من حقيقة أن أحداثاً مركزية في الرواية، مثل حرب الألف يوم (1899-1902) ومذبحة عمال الموز عام 1928، هي أحداث تاريخية موثقة استخدمها ماركيز لفضح العنف السياسي والاستغلال الإمبريالي في كولومبيا.

لقد أتى تصريح المخرجة الكولومبية لورا مورا، المشرفة على الجزء الثاني من المسلسل، بمثابة اعتراف بهذا البعد السياسي المنسي أو المهمّش. فقد أكدت أن هدفها الأساس كان «إعادة الطابع السياسي إلى المسلسل الذي فقد بعضاً منه»، محذرة من أن تصنيف «الواقعية السحرية» قد دفع بالرواية نحو خانة الخيال، مُبعداً إياها عن جوهرها الاجتماعي والسياسي بما يطرح سؤالاً حول ما إذا كان الجمهور العالمي قد اختزل الرواية في صورها الغرائبية الخلابة، متجاهلاً السياق التاريخي الذي أنتجها، وهو سياق يعيد إنتاج نفسه في الحاضر بصور جديدة من العنف السياسي والفساد.

يقع الجدل الأكثر حساسية حول شرعية الاقتباس في موقف عائلة ماركيز نفسها، وهو موقف ينطوي على تناقض ظاهري. فمن ناحية، كان ماركيز نفسه يرفض طوال حياته تحويل روايته إلى فيلم، ليس لأنه احتقر السينما، بل لأنه كان يرى أن قيود الزمن السينمائي (ساعتان أو ثلاث) لن تسمح أبداً بتقديم سيرة سبعة أجيال وتاريخ قارة كاملة بعدالة. وقد عبر عن رفضه القاطع في مناسبات عدة، حتى أنه رفض عرضاً بمليون دولار من الممثل أنتوني كوين، قائلاً إن كوين لن يكون أبداً الكولونيل أوريليانو بوينديا بالنسبة له.

في المقابل، يبرر نجله رودريغو غارسيا باركا قرارهما، هو وشقيقه غونزالو، بالمضي قدماً في المشروع بأن والدهما كان قد قال لهما: «عندما أموت، افعلوا ما تشاءون»، وهو ما فسّراه كإشارة ضمنية للموافقة. يضيف رودريغو أن المنصة الأميركية قدمت ظروفاً مثالية لم تكن متاحة في السابق: التصوير باللغة الإسبانية، والمواقع الأصلية في كولومبيا، وممثلين محليين، ومدة كافية لتغطية الرواية. هذا التبرير يثير سؤالاً أخلاقياً حول حقوق الورثة مقابل الإرادة الصريحة للمؤلف، وهو نقاش انقسمت حوله الأوساط الأدبية في أميركا اللاتينية، حيث اعتبر بعضهم أن في هذا خيانة لإرادة الأديب الراحل.

ما يجعل الجدل حول الرواية والمسلسل سياسياً بامتياز هو أن نسيجها السردي يفضح آليات السلطة والقمع في أميركا اللاتينية. فتحضر في الرواية «حرب الألف يوم» كحرب أهلية عبثية بين المحافظين والليبراليين، وهي حرب لم تكن سوى مسرح للتدخل الأجنبي ونهب الثروات تحت غطاء أيديولوجي. كما أن «مذبحة عمال الموز»، التي شهدها أحد أبطال الرواية، ليست مجرد حدث مأساوي، بقدر ما كانت نموذجاً لسياسة الإنكار الرسمي والتواطؤ بين الدولة والشركات الأجنبية لإخفاء الحقيقة.

وتكتسب إشارة الرواية إلى «الدكتور غير المرئي» (الرئيس الكولومبي السابق) وقدرته على إخفاء قمعه، بعداً عالمياً كدليل على أن الأحداث التي صورها ماركيز، بوصفها «واقعية» أكثر منها «سحرية»، لا تزال تتكرر في غير بلد في المنطقة والعالم. وهذا البعد يجعل من إعادة إنتاج الرواية في مسلسل تلفزيوني، بحسب مورا، «مفتاحاً لفهم الحاضر» في عالم «يتجه نحو الجنون والاستعمار الجديد»، حيث إن قصة نهاية ماكوندو تعكس بشكل مقلق دورة الاستغلال والنسيان التي لم تنكسر بعد.

ولعله من المثير أن تتجاوز معركة الاقتباس كونها مسألة فنية، لتصبح صراعاً على رواية التاريخ وتملّكه. فالمسلسل، بوصفه منتجاً عالمياً، يطرح إشكالية تحويل تاريخ كولومبيا الدامي إلى سلعة استهلاكية للجمهور العالمي. وهذا ما يفسر الانتقادات القاسية التي وجهتها الكاتبة الكولومبية كارولينا سانين، التي اعتبرت أن المسلسل «يؤذي الروح» لأنه يحول «ألحان» الرواية إلى «موسيقى خلفية»، ويستبدل قوتها الروحية والتحريرية بقوة المال والتكنولوجيا. هذا الرأي يجد جذوراً في حقيقة أن «نتفليكس»، وهي شركة أميركية معولمة، تتحكم في إنتاج وتوزيع صورة تاريخ أميركا اللاتينية، وهو ما يثير أسئلة حول «الاستعمار الرقمي» ومدى قدرة أي منتج أجنبي على فهم تعقيدات هذا التاريخ.

ربما أزيلت «لعنة» ماركيز عن الاقتباس بحكم الضرورة التاريخية والتكنولوجية بعدما تحولت روايته إلى صورة متحركة وموضوع للاستهلاك البصري للمليارات من البشر حول العالم، لكن هذا التحول لم يلغِ الرمزية السياسية للنص، بل أعادها إلى الواجهة. فكما أن الرواية استخدمت الواقعية السحرية لفضح واقع مسحوق، فإن المعركة حولها اليوم تكشف عن واقع جديد: واقع تسعى فيه الذاكرة الجمعية لأميركا اللاتينية إلى إيجاد صوت لها في ظل هيمنة منصات عابرة للحدود. ولهذا لم يعد السؤال ما إذا كان المسلسل وفياً للرواية، بل ما إذا كان قد نجح في جعل العالم يتذكر أن حكاية عائلة بوينديا، بكل دوراتها وعنفها، هي حكاية قارة لم تحصل أبداً على فرصة ثانية، تماماً كما جاء في خاتمة «مائة عام من العزلة».


مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
TT

مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي

ازدهرت العمارة المدنية في الحقبة الأموية، وتميّزت بحللها الزينية المتعدّدة الأشكال التي جمعت بين الحجر والطوب والآجر، وحوت عدداً كبيراً من المجسّمات التصويرية الآدمية، وصل أغلبها على شكل كتل مهشّمة، بدت أشبه بالقطع المنحوتة. يحتفظ متحف دمشق الوطني بمجموعة كبيرة من هذه الكتل، مصدرها قصر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف بقصر الحير الغربي. تحضر في هذه المجموعة سلسلة من القامات تشهد لتنوّع كبير في الأساليب الفنية المتبعة، منها قامة تمثّل فتًى يحمل بين ذراعيه بهيمة من دواب البر، وقامة تمثل صبية تحمل بيدها اليمنى إناءً صغيراً يحوي باقة من الزهور، وقامة تمثّل شاباً يضمّ بيده اليسرى طيراً.

ظلّ قصر الحير الغربي مطموراً تحت الرمال إلى أن كشفت عنه بعثة فرنسية قادها العالم دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938. خرجت هذه الحملة بكمّ هائل من القطع المنقوشة، نُقل الجزء الأكبر منها إلى متحف دمشق، حيث خصّص لها ركن واسع في جناح الفن الإسلامي. يعود جزء من هذه القطع إلى واجهة القصر الخارجية، ويعود الجزء الآخر إلى فناء يقع خلف هذه الواجهة، تحدّه كذلك واجهة عريضة. جمع فريق المنقّبين هذه القطع المبعثرة، وعددها بالآلاف، وأعادوا تركيب جزء منها بجهد جهيد. هكذا تشكّلت واجهة القصر الخارجية من جديد، ورُفعت عند مدخل المتحف، وباتت واجهة له. كذلك تشكّلت الواجهة الداخلية، ورُفعت في الركن المخصص لقصر الحير ضمن جناح الفن الإسلامي.

في المقابل، عجز فريق المنقبين عن تحديد موقع قسم من هذه القطع المنقوشة بدقّة، وشكّل هذا الموقع المجهول أساساً لسلسلة متواصلة من الأبحاث العلمية. من هذه القطع، تبرز مجموعة من القامات تعود على الأرجح إلى الفناء الداخلي. تتميّز كلّ منها بحركة حية خاصة، ويتبيّن عند دراسة هذه المجسّمات أنّها ترتبط بخيط جامع، يتراءى في حركتها الحية. تبرز في هذا الميدان ثلاث قطع من الحجم المتوسّط، تشكّل كما يبدو ثلاث عينات مترابطة، بالرغم من اختلافها الظاهر في التكوين.

تحضر إحدى هذه العينات على شكل لوح مستطيل سقط القسم الأسفل منه، يزيّنه نقش ناتئ يلامس في نتوئه الشديد فن النحت، ويمثّل فتىً أمرد يحضر في وجهية نصف جانبية، حاملاً بين ذراعيه بهيمة سقط رأسها للأسف، ويوحي تكوين هذه البهيمة وحجمها بأنّها من فصيلة الغنم. رأس الفتى دائري، وملامحه جليّة، قوامها عينان حافظتا على بنيتهما، وأنف صغير ناتئ، وأذن ظهر صيوانها بشكل كامل، وثغر ارتسمت على شفتيه النحيلتين ابتسامة خفيّة. تكلّل هذا الوجه النضر كتلة من الشعر، تعلوها خصل متموّجة تتسّم بطابعها الحي. يرتدي هذا الفتى ثوباً من الطراز الروماني، تعلوه ثنايا تلتف حول الصدر والحوض. ضاع ساقا هذه القامة نتيجة سقوط الجزء الأسفل من اللوح، وما تبقّى من الصورة المجسّمة يوحي بأن هذا الرداء يلفّ كذلك الساقين. حركة هذه القامة واضحة، وتتمثّل بذراعين مرفوعتين تحملان الخروف في وضعية التقدمة. تظهر الذراع اليسرى بشكل كامل، وتتبع مفاصلها التشريح الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الطبيعي الحي. يظهر الساعد، وتظهر اليد بأصابعها الخمس، وفقاً لناموس الجمالية الكلاسيكية المكرّسة.

يتجلّى هذا الأسلوب في عينة أخرى تمثّل قامة أنثوية ترتدي ثوباً تعلوه ثنايا محدّدة بدقّة. فقدت هذه القامة ذراعها اليسرى وقدمها اليمنى، وحافظت على رأسها بشكل كامل. الوجه الأنثوي صاف ونضر، مع ثغر صغير ترسم شفتاه ابتسامة رقيقة. تلتفّ ضفائر الشعر حول هذا الوجه، وتشكلّ كتلتين هلاليّتين يفصل بينهما شقّ في الوسط، وفقاً لتسريحة تقليدية تُعرف بـ«التسريحة الكنيدية»، نسبة إلى مدينة كنيدوس في إقليم كاريا في جنوب غرب آسيا الصغرى، وهي التسريحة التي عُرفت بها في وجه خاص، المعبودة أفروديت، في تمثال صنعه قديماً براكستيليس، النحات البارع الذي يختصر اسمه جمالية النحت الإغريقي القديم.

يستقرّ رأس هذه الصبية الحسناء فوق عنق عريضة، وتظهر في موازاة استدارة الذقن، استدارة ناتئة في أعلى العنق، تُعرف في قاموس الفن اليوناني بـ«الذقن المزدوجة». ترتدي هذه الصبية ثوباً تلف ثناياه قامتها، مع زنار علوي يلتفّ حول الخصر. ترتفع الذراع اليمنى نحو أعلى الصدر، وتحتضن إناءً يستقرّ وسط اليد، وتظهر في وسط هذا الإناء باقة من الزهور، تتكوّن كلّ منها من أربع بتلات متناسقة. يتبنّى هذا التمثال النسق الإغريقي الكلاسيكي، ويتجلّى في الأسلوب الواقعي المعتمد في صياغة مختلف أعضاء الجسد الأنثوي، كما في صياغة ثنايا الثوب الذي يلفّ هذا الجسد.

نصل إلى المجسّم الثالث، وهو على شكل قامة منتصبة فقدت قدميها، وتمثّل هذه القامة شاباً يحضر في وضعية المواجهة، معتمراً قبّعة عريضة قمّتها مدبّبة، رافعاً ذراعيه نحو وسط صدره. يرتدي هذا الشاب ثوباً فضفاضاً ينسدل عند الركبتين، مع زنار عريض معقود حول الخصر. ويكشف هذا الثوب القصير عن سروال فضفاض، ويتبع زياً تقليدياً يُعرف بالزي الإيراني القديم، وتتبع القبّعة زياً يُعرف بالقلنسوة الفريجية، نسبة إلى إقليم فريجيا القديم في الوسط الغربي من الأناضول. ويشكّل الثوب والقلنسوة زياً جامعاً شاع بشكل واسع في العالم المتوسّطي بأقاليمه المختلفة. يحضن هذا الشاب بيده اليسرى طيراً سقط رأسه، يبدو أشبه بحمامة، ويرفع يده اليمنى في حركة موازية، حاضناً أداة سقطت بشكل كلّي، بحيث يصعب تحديد هويها. يجمع هذا المجسّم بين التقليد الروماني والتقليد الساساني، ويتبع تكوينه نموذجاً اعتُمد بشكل واسع في الفن الجنائزي الخاص بمدينة تدمر الأثرية.

في الخلاصة، يحضر كلّ من هذه المجسّمات في حركة خاصة، حاضناً خيرة من خيرات هذه الأرض، وهي هنا خروف وطير وباقة من الزهور، وتمثّل بعضاً من نِعم الأرض، وهي الأرض التي جعلها فراشاً للإنسان، كما تقول الآية الكريمة (البقرة 22)، فباتت «مهاداً، وموطأً، وقراراً يستقر عليها» كما جاء في تفسير الطبري.


دماء على جدران المدرسة

دماء على جدران المدرسة
TT

دماء على جدران المدرسة

دماء على جدران المدرسة

هل تخيلت يوماً أن تذهب للامتحان خائفاً منه فتجد نفسك متورطاً في جريمة قتل؟

هذا بالضبط ما يحدث مع الطالب (زين)، بطل رواية «جريمة الثانوية العامة»، الصادرة عن دار«الشروق» بالقاهرة للكاتب المصري الشاب توماس جوزيف، حيث يذهب لأداء امتحانات الثانوية العامة فيجد نفسه وقد أصبح المتهم الرئيسي في لغز مقتل طالبة داخل المدرسة.

تزداد الأزمة تعقيداً، حين يجد الفتى المراهق أن كل الظروف ضده والجميع تخلى عنه حتى أقرب الناس إليه بدأوا ينظرون إليه بشك وخوف، فيقرر ألا يستسلم ويدرك أن عليه حل اللغز بنفسه لينجو، لكن كلما اقترب من الحقيقة اكتشف أن المدرسة التي كان يظن أنه يعرفها مليئة بالأسرار المظلمة والحكايات الصادمة التي قرر أصحابها أن يدفنوها للأبد حتى لو كان الثمن حياة زميلهم.

وخلف ستار الجريمة والغموض، تقدم الرواية محاولة تشريح للنفس الإنسانية حين يعتريها الخوف وتحاصرها الشكوك ويصبح من الصعب للغاية تحديد من هو جدير بثقتك، بل من هو عدوك ومن صديقك، وهنا يستفيد المؤلف من تخصصه الجامعي في دراسة علم النفس.

لكن الرواية، في المقابل، تعاني من بعض السلبيات المعتادة في التجارب الإبداعية الأولى للأدباء الشبان ومنها هيمنة الحوار بين الشخصيات بشكل مبالغ فيه وتراجع مساحات السرد بما فيها من لمحات مضيئة وعميقة تدعو للتأمل، فضلاً عن الاشتغال على ثيمة تقليدية في أدب الجريمة والسينما، على حد سواء.

من أجواء الرواية نقرأ:

«خرجتُ... وضح كل شيء الآن... لا جريمة ولا قاتل يدعى زين، لا تعليقات سخيفة ومؤذية على مواقع التواصل الاجتماعي، لست شكلاً ضالاً كما قال عني الجميع، لست سفاحاً وشيطاناً حياً يمشي في الشوارع يبحث عن الفتيات ليقتلها، لست مغتصباً ولا متحرشاً، لست مريضاً عقلياً كما قال عني البعض.

جلستُ على الرصيف وملت للوراء حتى استلقيت على ظهري، لا نجوم كعادة مدينة القاهرة، بالكاد أرى السحب وسط الظلام، عكس عمود نور رؤيتي فقمت بسرعة وركلته بقدمي كأنه الدنيا وما فيها. رقص العمود ورقصتْ معه أحزاني، تمايل حتى خفت حركته كأنه شعر بآلامي وقال لي: رفقاً بك.

شعرت بالألم يتصاعد من قدمي. ركلة شديدة، لو كنت في مباراة لكنت قد ثقبت الشِباك. خرجت العجوز يزيد الهم تجاعيد وجهها، رأتني وتحركت نحوي ببطء فتحت ذراعيها لتعانقني كالمعتاد فلم تحضنني أمي ولم يؤمن بي أبي. رفضتُ عناقها وأنزلت ذراعها. حان دوري، فتحتُ لها ذراعيّ عن آخرهما، ارتمت كطفلة صغيرة لا كجدة، بداخلها طفلة، جميعنا أطفال في الواقع لكن من يرى؟».