استحواذ ماسك على «تويتر»... ثورة أم انقلاب على دور منصات التواصل الاجتماعي؟

منصة «النخبة» تناسب أفكار «ملك التكنولوجيا» الغربية إلى حد الجنون

إيلون ماسك
إيلون ماسك
TT

استحواذ ماسك على «تويتر»... ثورة أم انقلاب على دور منصات التواصل الاجتماعي؟

إيلون ماسك
إيلون ماسك

ما الذي يريده إيلون ماسك القادم من «الإنتاج الحقيقي»، إلى «الإنتاج الوهمي»، بعد استحواذه على «تويتر»؟ وما هي الثورة التي سيحدثها في عالم «السوشيال ميديا»، بعد الثورة التي أحدثها «التكنوكينغ»، أو «ملك التكنولوجيا»، كما يطلق على نفسه، في صناعة السيارات الكهربائية والصواريخ والمركبات الفضائية؟
ماسك ليس الملياردير الوحيد الذي يقفز للاستثمار في «السلطة الرابعة» أي الإعلام. فغالبية الاستثمارات التي شهدها هذا القطاع، كانت تحيط بها شبهة التوظيف السياسي. سواء تعلق الأمر بدعم مؤسسة متهاوية، حفاظا على الصوت الذي تمثله، أو لتعزيز مؤسسة معارضة، في قطاع يجمع الخبراء وحتى الدول، على أن حمايته والحفاظ عليه أمر مكلف من دون دعمه. إلا أن الثورة التي أحدثتها وسائل التواصل الاجتماعي قلبت المعادلة، وباتت قطاعا استثماريا مغريا لأغنياء الولايات المتحدة والعالم، على حد سواء، بعدما تحولت صفحاتها ومنصاتها، إلى أكبر مصدر للتمويل وتحقيق الأرباح، مطلقة حروب الاستحواذ عليها.

                                                                                         مقر «تويتر»
ماذا سيقدم ماسك لتويتر؟
بالنسبة إلى ماسك، الذي أحدث ثورة في صناعة السيارات والصواريخ والمركبات الفضائية، يتساءل الجميع عما يمكن أن يقدمه في إدارة منصة اجتماعية، وما الصعوبات التي سيواجهها؟ الواقع أن اختياره «تويتر» لم يكن عن عبث. فهذا الموقع الذي يصنف بلا منازع، على أنه أحد أهم مواقع التواصل الاجتماعي تأثيرا على صناعة الرأي، وتتابعه «نخبة» القوم، قد يتناسب مع أفكاره «الغربية» إلى حد الجنون، كما يتهمه خصومه ومنافسوه وحتى مريدوه. لكن ما الذي سيطرحه لإطلاق «عنان» هذا الموقع، بعد «تحريره» سياسيا، ودفعه تقنيا عبر خوارزميات مبتكرة، كما وعد؟
خلافا للمخاوف التي تشير إلى احتمال أن ينفذ ماسك «مجزرة» بحق موظفي ومسؤولي وكبار المهندسين والتقنيين في «تويتر»، ثمة رهان على أن الرجل - الذي بالكاد يعبر عن تواضعه، سيكون مضطرا للاعتراف، كما اعترف سابقا خلال بناء إمبراطوريته «الكهربائية» و«الصاروخية» - بأن الاختراقات التكنولوجية تُبنى دائما على عمل الآخرين.
إذ إن شركات التكنولوجيا الناجحة، لم تُبن إلا من خلال فرق عمل من المصممين والمهندسين وغيرهم، اقتنعوا بفكرة ثورية عرضت عليهم. هذا ما جرى مع شركات مثل «آبل» و«غوغل» و«مايكروسوفت» و«أمازون» و«فيسبوك» وغيرها من شركات التكنولوجيا. وهو ما حصل أيضا مع إيلون ماسك نفسه، عندما أسس شركتي «تسلا» و«سبايس إكس». وهو يعترف بأن مفاتيح نجاح الشركتين، هي في يد المئات من كبار المهندسين والمصممين والمفكرين في المنتجات، الذين استدرجهم ماسك من الشركات المنافسة.

مصير غامض للموظفين
مع هذا، هناك من يعتقد أن ماسك الذي جمع في مشاريعه السابقة طاقما من اختياره، قد يعيد بناء «تويتر»، وفق تصوراته، مع أن المنصة، هي اليوم شركة راسخة وكبيرة بالفعل، كلفته 44 مليار دولار. ثم إن ماسك الذي لطالما أثارت تغريداته مخاوف وانتقادات موظفي «تويتر» والمغردين، ألقى بظلال من الشك على مستقبل موظفي الشركة. وحتى على «ثقافة التوافق التدريجي» في وادي السيليكون، بحسب صحيفة «وول ستريت جورنال».
ماسك الذي قال إنه يسعى لإطلاق العنان «للقيمة» في «تويتر» التي لا تستطيع قيادتها الحالية القيام بذلك، قد يكون يغامر في تجربته الجديدة. والرجل الذي لا يزال مصرا على القول إنه يسعى إلى إعادة «الحرية» لكل وجهات النظر، فسر البعض قوله، بأنه يمهد لإعادة الرئيس السابق دونالد ترمب إلى المنصة، وكذلك للأصوات اليمينية والشعبوية المتطرفة. لكن هذا اتهام سياسي لا يزال يحتاج وقتا وتدقيقا للتحقق من «مخاوف» تلك العودة. ذلك أن ماسك لم يذكر في تغريداته الجمهوريين ولا الديمقراطيين. ورغم الشكوك بوجود «صداقة» بين الرجلين، فإن ماسك انتقد سياسات الهجرة التي انتهجها ترمب، واستقال من المجالس الاستشارية الرئاسية بعد انسحاب ترمب من «اتفاق باريس للمناخ». وبدلا من دعوته ترمب للعودة إلى «تويتر»، دعاه إلى تغيير اسم منصته التي أطلقها في مارس (آذار) الماضي، بعدما قال إنه متمسك بها، من «تروث سوشيال» إلى «ترمبيت» أي «البوق».
في المقابل، تشهد علاقة ماسك بالرئيس الحالي جو بايدن توترا، يحمل البعض الرئيس نفسه المسؤولية عنها. ويتساءل العديد من المراقبين ومن الديمقراطيين، عن أسباب تجاهل بايدن لماسك ومنتجاته وإنجازاته العلمية، رغم دفاعه وحماسته لسياسات حماية البيئة والمناخ، بحيث بدا وكأنه يحبذ المنافسين الأجانب عليه. وحقاً، انتقد ماسك بايدن غير مرة، بسبب «إحجامه عن الاعتراف بأهمية دور شركة (تسلا) في عالم السيارات الكهربائية، وتجاهل بايدن عن قصد شركته مرارا وتكرارا». وهو ما قد يمهد للرهان على تمكن ماسك من تحقيق توازن أكثر قبولا بشأن الإشراف على محتوى المنصة، وربما يكون محقا بشأن «القيمة المخفية» لـ«تويتر».

إعادة نظر بدور المنصات
في أي حال، الجميع يدعو اليوم إلى إعادة النظر بدور منصات التواصل الاجتماعي، أمام سيل المنشورات والمجموعات المنظمة، والدعايات الراديكالية والتحريضية. وحتى المعلنين الذين يشكلون نحو 90 في المائة من عائدات «تويتر» وغيرها من المنصات الاجتماعية، ضاقوا ذرعا بما ينشر على صفحاتها. ومع إعلان الديمقراطيين والجمهوريين، في إجماع نادر، على تعديل المادة 230 التي تنظم عمل منصات التواصل الاجتماعي ومسؤوليتها، فقد تكون فرصة مناسبة، ليس فقط لماسك، بل ولغيره من أجل ضبط تلك المنصات، التي غيرت إلى غير رجعة طرق النشر والإعلام وصناعة الخبر.
ولكن هل سيعتمد ماسك سلوكا مشابها للذي اعتمده جيف بيزوس، مع صحيفة «واشنطن بوست»، ويقوم بتعيين فريق عمل مستقل لإدارة المنصة، أم أنه سيدير «تويتر» بنفسه؟ وإذا ابتعدنا عن «عداوة الكار» بين الرجلين، من نافل القول إن طموحات ماسك وبيزوس السياسية مختلفة. بيزوس قد يطمح للعب دور سياسي مباشر في المستقبل، بينما لا يستطيع ماسك أن يصبح رئيسا للولايات المتحدة تحت أي ظرف. فهو مولود في جنوب أفريقيا وهاجر إلى كندا التي يحمل جنسيتها، قبل أن يهاجر إلى أميركا. فما الذي يريده من «تويتر» وكيف سيديره ويوظفه سياسيا؟

أهو الشخص المناسب؟
الأيام الأخيرة، بدا ماسك قد اختار بالفعل، طريقته في إدارة المنصة. إذ غرد منتقدا «تويتر» كشركة وموظفين، بما في ذلك كبيرة مسؤولي السياسات التنفيذية، فيجايا جادي. وتعرضت على إثرها لسلسلة تغريدات سيئة وعنصرية، تدعوها للعودة إلى الهند. وهذا اعتبره البعض، تذكيرا بالاتهامات التي تساق على أجواء العمل في شركاته الأصلية. حيث يزعم موظفو «تسلا» تفشي التمييز العنصري والتحرش الجنسي والممارسات غير الآمنة. وحتى أسباب ماسك المعلنة لشراء «تويتر»، تبدو غامضة وساذجة للغاية. فهو يقول إنه يريد جلب «حرية التعبير» إلى المنصة. لكن ما الذي يعنيه ذلك تحديدا، وكيف سيفعل ذلك، بما يضمن عدم تحولها إلى منصة للكراهية والمضايقات، بصورة أخطر مما هي عليه اليوم بالفعل، بحسب المنتقدين. وفيما يتهم ماسك بأن تغريداته على «تويتر» لا تطاق وغالبا ما تكون فجة، وقاصرة على الأحداث وكراهية النساء، فقد تكون على الأرجح واحدة من السمات الأكثر سوءا عنه.
رغم كل ذلك، يمكن أن يعيد ماسك القوة لـ«تويتر»، الذي لم يجد قادته الشجاعة لوقف حساب ترمب، على سبيل المثال، إلا بعد خسارته الانتخابات، وتوفيره مساحة كبيرة ليصبح أفضل بكثير. فسجل ماسك الحافل في إدارة شركاته التكنولوجية المتطورة، وصنعه منتجات لم يكن يحلم بها الإنسان، قد يكون، هو الشخص المؤهل لإطلاق إمكانات المنصة الكامنة. وهذا ما يلتقي مع تصريح الرئيس التنفيذي السابق، والشريك المؤسس وعضو مجلس الإدارة جاك دورسي، الذي غرد يوم الاثنين الماضي، قائلا بعد الإعلان عن صفقة البيع، «إيلون هو الحل الوحيد الذي أثق به». ومن خلال تخصيص جزء كبير من ثروته للاستحواذ على الشركة، وتحويلها إلى شركة خاصة، يمكن لماسك أيضا تحرير «تويتر» من ضغوط سوق الأسهم القصيرة الأجل، لنمو الإعلانات، والسماح للشركة باستكشاف نماذج أعمال جديدة، كفتح باب الاشتراكات... التي ربما تكون أكثر ملاءمة للاستدامة على المدى الطويل. وهو ما قد يؤدي بدوره إلى وضع ضوابط قانونية على المشتركين، تجاه ما «يغردون به»، ويعرضهم لتداعيات تلقائية، قد لا تحتاج إلى الكثير من الضوضاء السياسية، كما هو الحال اليوم.



تحديثات «غوغل فيدز» تعيد صياغة الإنتاج المرئي في المؤسسات الإعلامية

شعار "غوغل"  (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)
TT

تحديثات «غوغل فيدز» تعيد صياغة الإنتاج المرئي في المؤسسات الإعلامية

شعار "غوغل"  (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)

عززت شركة «غوغل» تطبيق «غوغل فيدز» المعنيّ بإنتاج الفيديو بأدوات جديدة من شأنها تشجيع الناشرين وصُناع المحتوى على إنتاج مزيد من المحتوى المرئي باحترافية أعلى ووقت وجهد أقل. وبينما عدّ خبراء هذه الخطوة «تحولاً جذرياً في آليات عمل غرف الأخبار»؛ فإنهم حذَّروا من أن «طمس الحدود بين المحتوى البشري والتقني قد يضع مصداقية المؤسسات على المحكّ ما لم تُحكَم بضوابط تحريرية صارمة».

«غوغل» كانت قد ذكرت في أبريل (نيسان) الجاري أن «التحديثات التي شهدها التطبيق تشمل توليد فيديوهات بجودة أعلى عبر أدوات لإنتاج الموسيقى المخصصة، بالإضافة إلى شخصيات افتراضية مدعومة بالذكاء الاصطناعي». وتسمح هذه «الحزمة للناشرين بتحويل المحتوى الصحافي إلى مادة مرئية في دقائق ودون الحاجة لفريق عمل ضخم».

وحقاً يرى مراقبون أن «غوغل» تسعى لتعزيز مكانتها في ظل منافسة محتدمة مع منصات مثل «تيك توك»، التي تطوّر تقنيات مشابهة تشمل ممثلين رقميين للترويج والبيع.

الدكتور حسن مصطفى، أستاذ التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي في فرع جامعة روتشستر للتكنولوجيا بدبيّ، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «الإشكالية الجوهرية تكمن في تصاعد التوتر بين السرعة والدقة... إذ إن التحديثات الجديدة تضاعف الضغط على هذه المعادلة؛ لأن الأدوات باتت أسرع من قدرة الإنسان على التفكير النقدي في اللحظة ذاتها».

وحذر مصطفى «من تعامل غرف الأخبار مع التقنية على أنها بديل للعملية التحريرية وليس بوصفها مُسرعاً لها... ذلك أن الحل يكمن في نموذج واضح، فالأداة تنتج مسودة والصحافي يعتمدها مع الالتزام بمراجعة إلزامية للأسماء والأرقام والتواريخ والمصادر». وشدد، من ثم، على أن «دور الصحافي (اليوم) أصبح أكثر عمقاً، حيث ينتقل من مجرد كاتب خبر إلى مراجع للسياق وضابط للنبرة البصرية لمنع التضليل... والذكاء الاصطناعي قد يكون دقيقاً في المعلومة، لكنه قد يضلل في العرض».

وعن الجدوى الاقتصادية، أشار الدكتور مصطفى إلى أن هذه الأدوات تحقق ثلاثة مكاسب رئيسية هي: «إنتاج أسرع، وتحويل سهل للمحتوى إلى عدة صيغ، وتقليل التكلفة التشغيلية». لكنه نبه إلى مخاطر «الاعتماد الزائد» الذي قد يؤدي إلى فقدان السيطرة على التوزيع، وتشابه المحتوى بين المؤسسات، والتبعية التقنية الكاملة لمنصات «غوغل».

وحسب الدكتور مصطفى فإن «التقنية الجديدة محايدة، والثقافة المؤسسية هي التي تُحدد نتائجها، والمؤسسات الإعلامية التي ستنجح ليست تلك التي تتبنى أدوات الذكاء الاصطناعي بأكبر سرعة، بل تلك التي تُطور نهجا تحريرياً ناضجاً يعرف متى يستخدم الأداة، وكيف، ومتى يضع الإنسان في المقدمة... فالصحافي الذي يفهم ما تستطيع التقنية فعله -وما لا تستطيعه- هو الأصل الحقيقي لأي مؤسسة إعلامية في هذا العصر».

من جهة ثانية، خلال حوار مع «الشرق الأوسط» رأى رامي المليجي، مستشار الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي، أن العلاقة بين «غوغل» والناشرين «تكاملية»، موضحاً أن «غوغل سيرش» لا يزال يعتمد في جزء كبير منه على محتوى الناشرين، لذا تهتم المنصة بإطلاق أدوات مخصصة لهم.

وأضاف المليجي أن المؤسسات الإعلامية أصبحت ملزمة بتطوير محرريها لمواكبة مبدأ «الإغراق» الذي تحكمه خوارزميات التواصل الاجتماعي، إذ إن «من يُنتج أكثر يظهر أكثر». ولفت إلى أنه «في ظل الضغوط الاقتصادية، تتيح هذه الأدوات إنتاجاً غزيراً بأقل طاقة بشرية؛ لكن الاستخدام يجب أن يكون محوكماً وفق ضوابط أخلاقية». وحدد، من ثم، ثلاثة محاور لهذه الحوكمة، هي: احترام الحقوق الأدبية والامتناع عن انتهاك ملكية المحتوى، والشفافية المطلقة عبر الإفصاح للجمهور عن استخدام الذكاء الاصطناعي، وتحديد نوعية المحتوى المناسب.

المليجي رأى أن «الذكاء الاصطناعي يصلح للمحتوى السريع والقصص البسيطة، بينما تظل التحقيقات المعمقة والقصص الإنسانية والمقابلات العميقة بحاجة إلى العنصر البشري في مراحلها كافة».


البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
TT

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)

مع تزايد الاعتماد على منصّات التواصل مصدراً للمعلومات، وفي ظل دراسات تتحدث عن سعي الجمهور لمتابعة الأحداث بشكل لحظي، باتت تقنية «البث المباشر» إحدى الأدوات الرئيسة التي تعتمدها وسائل الإعلام العالمية والعربية لتحقيق الانتشار الجماهيري وزيادة العوائد المالية. وحقاً، «تشير دراسات عدة إلى أن خدمات البث المباشر توفر فرصة لتحقيق الربح، لا سيما في مجالات التغطية الإخبارية الحية والمقابلات والفعاليات»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس»، حيث «تسمح منصات مثل (يوتيوب) و(فيسبوك) للمؤسسات الإخبارية ببث الأحداث في وقتها الفعلي، وغالباً ما يكون ذلك مدعوماً بالرعايات أو تبرّعات المشاهدين». وأفادت «أسوشييتد برس» بأن «منصّات التواصل أصبحت قنوات حيوية لتوزيع الفيديو وتحقيق العائدات المادية؛ إذ يمكن للمؤسسات الإخبارية توليد أرباح من مشاركة محتوى فيديو على منصات مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(إكس)».

عربياً، تزايد اعتماد مؤسسات إعلامية وصحافية كبرى على خدمات «البث المباشر» لا سيما مع الأحداث الكبرى، ما عدّه خبراء وسيلة لتحقيق الانتشار وزيادة العوائد المالية، والتي تؤثر على جودة المحتوى ودقة المعلومات.

ولقد أكدت الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر في الصحافة الرقمية العربية أصبح نموذجاً ربحياً متكاملاً وأداة للهيمنة الخوارزمية ضمن ما يُعرف باقتصاد التفاعل اللحظي». ولفتت إلى أن «البث المباشر وفّر مسارات ربحية بديلة للإعلانات التقليدية مع خفض النفقات التشغيلية بنسبة 60 في المائة خلال البث السحابي».

تقرير «معهد رويترز»

كذلك أوضحت عبد الغني أنه «على صعيد الانتشار، فإن البث المباشر يستمد قوته من الانحياز الخوارزمي للمنصات التي تمنحه أولوية الظهور العضوي». وفي هذا الصدد، أشارت إلى تقرير «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، العام الماضي، وتقرير «الابتكار الإعلامي» لعام 2026 بشأن «دور الآنية في تعزيز الموثوقية والمكاسب الرأسمالية للمؤسسات الإعلامية». وأردفت أن «نماذج عربية تتصدر المشهد، إضافة إلى مواقع صحافية عدة على النطاق العربي تتبارى في استخدام البث المباشر لتحقيق مكاسب».

وتابعت عبد الغني أنه رغم مزايا «البث المباشر» وقدرته على «نقل الأحداث بشكل آني، وزيادة التفاعل مع الجمهور وتعزيز المصداقية، فإن البث المباشر يواجه تحديات جوهرية تبدأ بخطر انتشار المحتوى المضلل نتيجة تغليب سرعة النشر على حساب الدقة وعمليات التحقق». كذلك تطرّقت إلى أن «ثمة تبعات أخلاقية وقانونية أيضاً، حيث يتسبب البث المباشر في أزمات تتعلق بانتهاك الخصوصية، كما يزيد من الضغوط النفسية على الصحافيين، ويؤدي لتراجع العمق الصحافي وتآكل الاستقلالية التحريرية لصالح معايير الانتشار اللحظي».

من جهة ثانية، أطلقت منصة «فيسبوك» خدمة البث المباشر في أبريل (نيسان) عام 2016، وكانت الخدمة في البداية متوافرة لمجموعات معينة قبل أن تتيحها للجميع. ومنذ إطلاقها بدأت المواقع الصحافية والإعلامية على مستوى العالم استخدامها، وتزايد استخدام النطاق العربي مع «فيسبوك» نهاية عام 2020، عندما منحت عائدات مالية لناشري فيديوهات البث المباشر نظير بيعه إعلانات تظهر في أثناء البث.

وحول هذا الموضوع، تحدث مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عن «صعود واضح للبث المباشر على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل العديد من الوسائل الإعلامية... وهذا الصعود طبيعي بسبب اعتماد معظم الناس حالياً على استقاء المعلومات من منصات التواصل».

وفي حين أكّد كيالي مزايا البث المباشر، فإنه أشار إلى «مشكلة أساسية وهي أن بعض البلدان لا تمتلك سرعات إنترنت كافية تسمح بمتابعة البث المباشر دون تقطيع، ما يؤثر على تجربة المشاهدة بشكل كبير».

شعار "غوغل" (رويترز)

أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات

أما الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، محمد فتحي، فذكر أن «البث المباشر عبر المنصات لم يعد مجرد خيار تحريري، بل أصبح أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات الإعلامية، بسبب تغيّر سلوك الجمهور من شاشات التلفزيون إلى الهواتف الذكية». وأضاف: «البث المباشر يسهّل الوصول للجمهور ويحقّق عوائد مادية مباشرة من خلال الإعلانات المدمجة، والرّعايات وميزات الدعم المباشر من المتابعين مثل نظام النجوم في (فيسبوك)، أو الهدايا في (تيك توك)».

ولفت فتحي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «الإحصائيات تشير إلى أن المستخدمين يمضون وقتاً أطول بـ3 أضعاف في مشاهدة الفيديوهات المباشرة مقارنة بالفيديوهات المسجلة»، غير أن هذه الميزة «تكتنفها عيوب وتحديات، على رأسها غياب السيطرة التحريرية، والاعتماد المفرط على التقنيات الذكية، بالإضافة إلى خطر نشر الشائعات على حساب الدقة والتحقق الكافي، والوقوع تحت رهن الخوارزميات الخاصة بالمنصات، ما قد يتسبب في تغيير السياسات التحريرية والمهنية».

من جهته، أوضح الصحافي اللبناني محمود غزيل، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر بات أداة قوية لسرعة الوصول للمستخدمين، وإحدى أبرز الأدوات التي أعادت تشكيل العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور»، مضيفاً أن «معظم المؤسسات الإعلامية تعتمد بشكل متزايد على البث المباشر عبر منصّاتها الرقمية، إلى جانب البث التلفزيوني».

وأرجع غزيل ذلك إلى «تنبّه تلك المؤسسات إلى أن المشاهد لم يعُد جالساً أمام شاشة، كما كانت العادة في السابق، كما أن الجمهور العربي بات أكثر انتقائية؛ إذ يبحث عن المواد التي يراها أكثر قرباً من تطلعاته، ويرغب في متابعة الأحداث لحظة بلحظة وحتى أحياناً التفاعل معها».

ووفق غزيل، يحقق البث المباشر مزايا عدّة، لخصها بـ«إتاحة التواصل الفوري مع الجمهور، وإيصال المعلومة إلى جمهور عالمي من دون قيود جغرافية»، ولكن في الوقت نفسه «يحدّ من قدرة المؤسسات على مراجعة أو تعديل المحتوى، ما يزيد من مخاطر الأخطاء، كما أنه يتأثر بقوة الإنترنت، ويعرض المؤسسة لتبعات قانونية حال انتهاك الخصوصية».

وبحسب غزيل، «البث المباشر، هو أحد أهم محركات التحول في الإعلام العربي، وأداة لا غنى عنها لتعزيز التفاعل، والمصداقية، والابتكار، بشرط أن يُدار بمهنية، ومسؤولية، ووعي بالتحديات والفرص التي يفرضها العصر الرقمي».

وراهناً، يقدّر حجم سوق البث المباشر العالمي، وفق ما نشره موقع «غراند فيو ريسيرش»، بنحو 87.55 مليار دولار أميركي في عام 2023. ومن المتوقع أن يصل إلى345.13 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب قدره 23.0 في المائة خلال الفترة من 2024 إلى 2030.


كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

أصدرت شركة «ميتا»، مالكة منصة «فيسبوك»، تحديثات جديدة «تهدف إلى مساعدة منشئي المحتوى لتعميق استفادتهم من أدوات تحقيق الربح المتطورة على المنصة»، وذلك بالتزامن مع سعي الشركة إلى «زيادة معدلات التفاعل داخل التطبيق في خضم المنافسة المحتدمة مع منصات أخرى».

هذا الأمر، أثار تساؤلات حول كيفية استغلال المؤسسات الإعلامية للنموذج الربحي الجديد من المنصة لتعزيز عوائد مستدامة. وللعلم، كانت «ميتا» قد أكدت نهاية مارس (آذار) الماضي أنها «تهدف إلى دعم صُناَّع المحتوى من خلال تحقيق مزيد من الأرباح، كما تسعى لمكافأة المحتوى الأصلي، عبر تخصيص عوائد متدفقة تشمل أنماطاً متعددة من المحتوى، مثل الفيديو القصير، والصور، وكذلك المنشورات النصية وحتى القصص التي لها إطار زمني».

الشركة قدَّمت توصيات عدة، عدّتها شروطاً لتعزيز عوائد مستدامة لصناع المحتوى، إذ أوصت بتجربة أنواع مختلفة من المنشورات، بما في ذلك الصور والنصوص والقصص، لفهم ما يفضِّله الجمهور. إلا أنَّها وضعت الفيديو القصير «الريلز» في صدارة الاهتمامات. وأشارت أيضاً، إلى أنَّ «أصالة المحتوى» عامل مهم لتحقيق أرباح. وفي المقابل، حذَّرت في إرشاداتها من محاولات الوصول التي تعتمد على التلاعب بالخوارزميات، مثل الجمل التحفيزية على شاكلة «شاهد حتى النهاية»، ما لم يكن المحتوى يُقدِّم قيمةً حقيقيةً وملموسةً للمشاهد.

«ميتا» تفيد بأنَّ مقاطع «الريلز» هي المُحرِّك الأساسي للأرباح في الوقت الراهن، فمن بين نحو 3 مليارات دولار دفعها موقع «فيسبوك» لمنشئي المحتوى في عام 2025، استحوذت مقاطع «الريلز» وحدها على 60 في المائة من إجمالي هذه المدفوعات.

محمد الفياض، الباحث في الإعلام الرقمي، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ التحوُّل الأساسي هو الانتقال من «اقتصاد الإحالة» إلى «اقتصاد المنصة». وأردف: «غرف الأخبار لم تعد تُصمِّم محتواها ليدفع المستخدم للنقر ومغادرة فيسبوك نحو موقعها؛ بل صارت تعيد هيكلة فرقها لإنتاج محتوى أصيل يُستهلك بالكامل داخل المنصة، وتحديداً عبر الفيديو القصير».

وشدَّد الفياض على أنَّ «المعايير الآن أصبحت تقنية وإحصائية أكثر منها صحافية تقليدية لتحقيق الربح. إذ يجب أن يتجاوز المحتوى عتبة القيمة المضافة، أي أنَّ مجرد نقل الخبر لم يعد كافياً، بل يجب أن يتضمَّن رؤية أو تحليلاً خاصاً بالمؤسسة». وتابع إن «الخوارزمية الآن تقيس الجودة من خلال معدل الإكمال، أي عدد مشاهدة الفيديو، والتفاعل النوعي - أو النقاشات في التعليقات -، ببساطة، الجودة التي تدرّ مالاً هي التي تبقي المستخدم أطول فترة ممكنة داخل التطبيق».

وعن جدّية المنصة في دعم المحتوى الأصلي، قال الفياض: «تاريخياً تحرّكت فيسبوك وفق البراغماتية الاقتصادية»، واهتمامها الحالي بالمحتوى الأصلي «يندرج تحت بند التنافسية الاستراتيجية للبقاء في سوق المنصات أمام المنافسين، وهو قرار يرتبط بجدوى الأعمال ومسار السوق».

من جهة ثانية، قال عبد الله جمعة، الباحث في التسويق الرقمي، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ «فيسبوك» تنتهج مساراً جديداً فيما يتعلق بتعزيز الأرباح منذ أواخر العام الماضي. وأوضح أن هذا المسار ظهر من خلال دعم أشكال الفيديو، حيث منحت المنصة الأولوية للفيديوهات القصيرة (الريلز) من خلال تمديد الإطار الزمني. وهكذا لم تعد مقيدة بعدد دقائق، كما اتجهت لتحويل أنماط الفيديو الأخرى لنمط الريلز، مستفيدة من النجاح الكبير الذي حققه هذا النوع خلال السنوات الماضية، في ظلِّ المنافسة مع باقي المنصات.

وأضاف جمعة: «هذا التغيير أتاح لصالات الأخبار ميزةً مهمةً، وهي عدم التقيُّد بمدة محددة، ما منح الفيديوهات الأطول فرصةً أكبر لظهور الإعلانات، وبالتالي تحقيق أرباح أعلى». واستطرد شارحاً أن دعم «فيسبوك» لهذا البرنامج غيَّر خريطة الأرباح إلى حد ما، و«زادت عوائد الصور بشكل ملحوظ، بينما تراجعت أرباح الفيديو مقارنة بالسابق، في إطار تنويع مصادر الدخل داخل المنصة».

وبحسب جمعة «تعمل فيسبوك حالياً على وضع قيود كبيرة على المحتوى السطحي أو المعاد، في مقابل دعم المحتوى الأصلي غير المكرَّر الذي يقدِّم قيمةً حقيقيةً مثل التحليل أو المعلومات، مع الحفاظ على تفاعل الجمهور ومدة مشاهدة جيدة».

ثم أشار إلى سبيل آخر يمكن للمؤسسات أن تحقِّق من خلاله أرباحاً مستدامة اعتماداً على المسار المستحدث لمنصة «فيسبوك»، قائلاً: «المنصة تتجه حالياً لخلق مسارات جديدة لتحقيق الأرباح، من بينها دعم المعجبين والاشتراكات، التي بوشر بتطبيقها في بعض الدول الأوروبية بوصفها تجربةً قبل التعميم». وأضاف: «بالنسبة للعالم العربي، فإنه يمكن للمؤسسات تحقيق أرباح ثابتة من هذا المسار، لكن بشروط واضحة، أهمها، تقديم محتوى بنّاء، والاعتماد على شخصيات موثوقة ومحببة للجمهور، وتقديم مزايا حقيقية للمشتركين. وفي هذه الحالة يتحوَّل الجمهور من مجرد متابع إلى داعم حقيقي».