نظرية الكم عنصر أساسي في تشكيل البنية التحتية للثقافة العالمية

خُصص لها يوم عالمي بعد مبادرة علماء من 65 بلداً

شعار اليوم العالمي للكم
شعار اليوم العالمي للكم
TT

نظرية الكم عنصر أساسي في تشكيل البنية التحتية للثقافة العالمية

شعار اليوم العالمي للكم
شعار اليوم العالمي للكم

هل سمعتم بـ(يوم الكم العالمي World Quantum Day) ؟ لا ضير إن لم نسمع به؛ فهو مبادرة حديثة* تكفل بها علماء وتقنيون يعملون في حقل نظرية الكم وتطبيقاتها الواسعة. شملت المبادرة علماء من خمسة وستين بلداً، اختاروا يوم 14 أبريل (نيسان) يوماً عالمياً للاحتفاء بعلوم الكم وتقنياتها. نقرأ في توصيف هذه المبادرة أنها مبادرة غير حكومية، لا شأن لها بأي تنظيم مؤسساتي دولي، تنطلق من القاعدة الشعبية العالمية، وتدعو كل المهتمين بعلوم الكم من علماء نظريين، ومهندسين، وأساتذة جامعات، ومدرسين، وتقنيين، ومطوري أعمال، ومُعدي برامج علمية، ومهتمين بتاريخ العلم وفلسفته، وفنانين... فضلاً عن المؤسسات التي يعمل فيها هؤلاء، إلى تنظيم فعالياتهم الخاصة (ورش نقاشات عامة، معارض، زيارات لمختبرات علمية متخصصة، لقاءات وحوارات...) من أجل الاحتفاء بيوم عالمي للكم على مستوى العالم بأكمله.

غلاف التطور المفاهيمي لميكانيك الكم

يمثلُ تاريخ تطور نظرية الكم Quantum Theory (أو ميكانيك الكم Quantum Mechanics كما تسمى في الأدبيات العلمية) واحداً من أجمل التواريخ المفاهيمية لتطور نظرية علمية في تاريخ العلم بأكمله (والفيزياء بخاصة)؛ بل لعلها النظرية الأكثر غرابة وإشكالية لفرط ما انطوت عليه من نتائج تخالف البداهة العامة، على شاكلة: قطة شرودنغر نصف الحية ونصف الميتة، مفهوم آينشتاين عن الفعل الشبحي عن بعد، ثم المفهوم الغريب عن التشابك Entanglement الكمومي، وكذلك مفهوم التراكب الكمومي – ذلك المفهوم الذي ستكون له فاعلية أساسية في تطوير الحواسيب الكمومية التي ستعيد تشكيل حقل الحوسبة في عصرنا الحالي. باتت مفاهيم نظرية الكم تتداخل وتؤثر في كل الحقول المعرفية بطريقة لم نشهدها مع نظرية أخرى من قبلُ. ستكون تجربة ممتعة للغاية أن يجرب القارئ تتبع تاريخ تطور نظرية الكم، وأنا هنا أقترح عليه بين عناوين لكتب كثيرة في هذا الشأن كتاباً ألفه البروفسور ماكس جامر Max Jammer، المختص بتاريخ الفيزياء وفلسفتها، عنوان الكتاب هو التطور التاريخي لميكانيك الكم Historical Development of Quantum Mechanics. الكتاب غير مترجم إلى العربية، ومن أراد كتاباً مترجماً إلى العربية فيمكنه اختيار كتاب «فلسفة الكوانتم: فهم العلم المعاصر وتأويله» الذي ألفه البروفسور رولان أومنيس وصدر عن سلسلة عالم المعرفة الكويتية.
لماذا اختار منظمو مبادرة يوم الكم العالمي يوماً للاحتفاء بنظرية الكم على شاكلة الاحتفاءات العالمية بيوم الأم، ويوم المرأة، ويوم الأب، ويوم الطفل... إلخ؟ الجواب المباشر هو أنهم يسعون لتكريس أهمية هذه النظرية عبر إشاعة فهم جمعي بضرورتها. الرسالة واضحة مباشرة: ثمة نظرية تدعى نظرية الكم باتت تطبيقاتها المتسارعة تلعبُ دوراً متزايدا في التقنية المعاصرة (الحوسبة الكمومية، علم التشفير الكمومي، الاتصالات الكمومية...). لو وصلت هذه الرسالة المباشرة فهذا يكفي؛ إذ لا أحد تذهب به خيالاته - فضلاً عن أنه ليس في حاجة - لتصور أن يكون الجميع خبراء تقنيين في نظرية الكم على مستوى الأفكار والفلسفة والوسائل الرياضياتية. إنهم يسعون ببساطة لجعل نظرية الكم عنصراً فاعلاً في الثقافة الجمعية العالمية.
لكن بالإضافة إلى الرسالة المباشرة فثمة أسباب أخرى لاختيار يوم عالمي للكم، وقد اخترتُ بعضاً منها:
1. تكريس أهمية العلم في تشكيل البنية التحتية للثقافة: تخبرنا المقولة المأثورة المؤسسة على خبرتنا البشرية المتراكمة أن (الفهم الرصين يسبق الفعل المؤثر). يريد القائمون على هذه المبادرة القول - ربما بطريقة مضمرة من غير إعلانات صاخبة - أن نظرية الكم وتطبيقاتها يجب أن تكون لها مساحة مؤثرة في نطاقات التعليم ووسائل الإعلام والمؤلفات التي تسعى لنشر الثقافة العلمية الشعبية.
2. تأشير مسارات التطور العلمي والتقني القادم: تمثل التطبيقات العملية لميكانيك الكم - مع تطبيقات الذكاء الصناعي - الميدانين الأكثر أهمية في المستقبل القريب. مبادرة يوم الكم العالمي ستكون في هذا السياق دعوة مفتوحة لكل من يعمل على ارتياد حقل البحث العلمي والتقني بأن هذين الحقلين ينتظرانك؛ فحشدْ جهودك لهما لأن مكافأتك المنتظرة على المستويين الأكاديمي والمهني ستكون عظيمة ولن تذهب سدى.
3. العلم يعمل على صناعة الوزن الاستراتيجي للدول: صحيحٌ أن المبادرة العالمية للكم ليست مؤسساتية حكومية؛ لكن القائمين عليها يدركون بالتأكيد أن العلم - وتطبيقاته - لا يعمل في فراغ، وليس هو حفلة شاي. العلم مثلما هو أفكار نظرية وفلسفات محلقة - كما السحر - فإنه في الوقت ذاته تنظيم بيروقراطي معقد تتداخل فيه عناصر الفعل المؤسساتي من حيث التمويل والسياقات التنظيمية، ومن الطبيعي وفقاً لهذا الفهم أن تميل الدول لتعضيد البحوث العلمية والتقنية التي تساهم في تعظيم رصيدها من القدرات المتفوقة التي تكفل لها قوة استراتيجية تنافسية. إذن يمكن أن نفهم بأن هذا اليوم إعلان صريح بأن الدول ستعمل على زيادة تمويل البحث العلمي الخاص بتسريع تطبيقات نظرية الكم (وبخاصة في ميدان الحواسيب الكمومية على نطاق تجاري).
4. مواجهة عالم ما بعد الحقيقة والنسبية الثقافية والشعبوية الجمعية: قد يبدو هذا العنصر غريباً بعض الشيء؛ لذا لا بد له ببعض التفصيل.
شاعت في السنوات القليلة الماضية معالم من الشعبوية والنسبية الثقافية (وهي كلها عناصر في تيار ما بعد الحقيقة Post – Truth). تقوم الفكرة المركزية لفلسفة ما بعد الحقيقة والنسبية الثقافية على تعظيم شأن الرؤية الفردية - كيفما كانت - في مقابل تسخيف أساسيات البحث العلمي والعقلانية البشرية. تلك أخدوعة تريد خلط السم بالعسل عبر توظيف بعض المفاهيم العلمية الحديثة في زعزعة الأساس العقلاني للعلم والذي مفاده أن العلم مسعى بشري لفهم العالم الطبيعي وتوظيف هذا الفهم لخدمة البشرية، وأن الفهم العلمي للعالم يعمل عبر مقاربة تحوم حول الحقيقة وتقترب منها في مسعى لا نهائي؛ لكن هذا المسعى العلمي العقلاني لا يعني خلط الرؤى الفردية القائمة على أساس كيفي مع المنهجيات العلمية القائمة على الصرامة واختبار الفرضيات بطريقة منهجية. أرى أن ليس أفضل من نظرية الكم ميداناً يتيحُ قراءة وفهم الطريقة المنهجية الصارمة التي يعمل بها العلمُ الحديث.
5. تأكيد أهمية البحث في العلوم الأساسية: يمكنُ للعلوم أن تُصور على أساس هيكلية تراتبية Hierarchy مرتبة مثل طوابق في مبنى: تشغل العلوم التي تتعامل مع الأنساق الأكثر تعقيداً الطوابق العليا، وتقع فيزياء الجسيمات الأولية في السرداب، ثم يأتي فوقها بقية الفيزياء، وفوقها تتموضع الكيمياء، ثم فوقها البيولوجيا الخلوية، ثم علم النبات والحيوان، ثم تعقبها العلوم السلوكية والإنسانية (يدعي الاقتصاديون أنهم يشغلون شقة على السطح في هذا المبنى!).
إن «طريقة ترتيب ordering» العلوم في هذا الهيكل التراتبي ليس بالأمر الجدالي، لكن ما يثير الجدال في واقع الأمر هو التساؤل التالي: هل أن «العلوم التي تشغل قاع المبنى» - فيزياء الجسيمات الأولية بخاصة - هي حقاً أكثر عمقاً وتمثلُ الأساس الحقيقي للعلوم بأعظم مما تمثله العلوم الأخرى؟ إن هذا التساؤل الجدالي صحيح بمعنى من المعاني وبالكيفية التي عبر عنها الفيزيائي ستيفن واينبرغ Steven Weinberg عندما كتب: «كل الأسهم تشيرُ إلى الأسفل، إلى السرداب، حيث فيزياء الجسيمات الأولية».
ما أشار إليه واينبرغ حقيقة شديدة الأهمية رغم أنها قد تتخفى علينا. علامَ تعتمد حضارتنا الحالية؟ تعتمدُ على الطاقة الكهربائية، وما الكهرباء في نهاية المطاف؟ إنها إلكترونات متحركة في أسلاك. لو تتبعنا تاريخ التطبيقات التقنية لرأينا أنها تميلُ إلى توظيف أجزاء متصاغرة وغير مرئية أكثر فأكثر، وليس هذا غريباً إذا ما علمنا أن التطبيقات التقنية النانوية صارت تلعبُ أدواراً كبرى على صعيد الدراسات الأكاديمية والبحث العلمي والتمويل الحكومي والخاص.
انتظروا قريباً وسترون أننا سنشهدُ تكريس يوم عالمي للاحتفاء بالكواركات**. أنا موقنة بذلك. استعدوا لهذا اليوم منذ الآن.

* الرابط الإلكتروني لمبادرة يوم الكم العالمي: https://worldquantumday.org/
** الكوارك Quark: هو جسيم أولي وأحد المكوّنين الأساسيين
للمادة في نظرية النموذج القياسي لفيزياء الجسيمات.


مقالات ذات صلة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)
كتب صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي

«الشرق الأوسط» (الكويت)
يوميات الشرق رواية تائهة بين قارّتين (مكتبة بيرنسديل في «فيسبوك»)

كتاب يضلّ الطريق... ويعبُر العالم إلى أستراليا

ليس من المألوف أن تتحوَّل عودة كتاب مُعار من مكتبة إلى قصة يكتنفها الغموض.


حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض
TT

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

لم يعد دخول الذكاء الاصطناعي إلى عيادة الأسنان سؤالاً نظرياً يُطرح في المؤتمرات، بل أصبح واقعاً سريرياً يتشكّل بهدوء داخل تفاصيل الممارسة اليومية، حيث تبدأ الخوارزميات بقراءة الصور الشعاعية وتحليل البيانات قبل أن يلتقي الطبيب بالمريض.

في هذا السياق، صدر حديثاً كتاب للدكتور عميد خالد عبد الحميد، بعنوان «Dental Intelligence: Artificial Intelligence, Ethics, and the Future of Dentistry» (ذكاء الأسنان: الذكاء الاصطناعي والأخلاقيات ومستقبل طب الأسنان)، وهو عمل علمي وفكري لا يكتفي بوصف هذه الثورة، بل يسعى إلى تفكيكها وفهم آثارها العميقة على طبيعة القرار الطبي، وعلى العلاقة الدقيقة بين خبرة الطبيب وحدود الحكم الخوارزمي داخل العيادة الحديثة.

ينطلق الكتاب من سؤال محوري لم يعد نظرياً، بل أصبح جزءاً من الممارسة اليومية للأطباء حول العالم: كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يطوّر الطب دون أن ينتزع منه روحه الإنسانية؟ فالتكنولوجيا، مهما بلغت قدرتها على تحليل البيانات أو قراءة الصور الطبية بدقة قد تتجاوز العين البشرية، تبقى في جوهرها أداة تُحسّن القرار ولا تصنعه، وتدعم الطبيب دون أن تختزل خبرته أو تحلّ محل حكمه السريري، ذلك الحكم الذي لا يتكوّن في المعالجات الرقمية وحدها، بل يتشكّل عبر سنوات من التفاعل الإنساني المباشر مع المرضى.

غير أن الكتاب لا يكتفي بعرض الجانب التقني لهذه الثورة الطبية، بل يتجاوز ذلك إلى تفكيك أبعادها الأخلاقية بعمق. فمع تزايد اعتماد الأطباء على الأنظمة الذكية، تبرز أسئلة لم تعد قابلة للتأجيل: من يتحمّل مسؤولية القرار الطبي عندما تشارك الخوارزميات في التشخيص؟ وكيف يمكن ضمان شفافية هذه الأنظمة وعدالتها؟ وأين ينبغي أن تقف حدود الاعتماد على الآلة في الرعاية الصحية؟ وفي هذا السياق، يطرح الكتاب مفهوماً محورياً يمكن تسميته بـ«الشراكة الذكية» بين الطبيب والآلة؛ حيث لا تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي بديلاً عن الطبيب، بل أداة تُوسّع قدرته على الفهم والتحليل واتخاذ القرار. فالطب، كما يؤكد المؤلف، لن يفقد طبيعته الإنسانية؛ لأنه يقوم في جوهره على الخبرة والتجربة والقدرة على فهم الإنسان... قبل فهم المرض.

صدر الكتاب في نسختين؛ الأولى باللغة الإنجليزية بعنوان «Dental Intelligence» موجّهة إلى القارئ الدولي، والأخرى باللغة العربية بعنوان «الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان: الثورة السريرية الرابعة»، في خطوة تهدف إلى نقل النقاش العلمي حول الذكاء الاصطناعي من نطاقه العالمي إلى الفضاء العربي، وفتح حوار معرفي أوسع حول مستقبل هذه التقنيات في الطب والرعاية الصحية في المنطقة. ويُعدّ الكتاب ثمرةً فكرية لتراكم بحثي وكتابي امتدّ لسنوات، حيث يجمع بين دفتيه عدداً من المقالات والدراسات التي نشرها المؤلف في الصحافة العلمية، ولا سيما صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، التي يكتب فيها بانتظام حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب وأبعاده الأخلاقية.

وقد حظي الكتاب باهتمام الأوساط العلمية الدولية، حيث تناولت «British Dental Journal» خبر صدوره، مشيرة إلى أنه يقدّم رؤية متوازنة لدور الذكاء الاصطناعي في تطوير التشخيص والعلاج في طب الأسنان، مع تأكيد واضح على أن القرار الطبي النهائي يجب أن يبقى بيد الطبيب، بوصفه المسؤول الأول عن التقدير السريري والحكم المهني.

والمؤلف، الدكتور عميد خالد عبد الحميد، طبيب أسنان وباحث في مجال الذكاء الاصطناعي الطبي، يشغل منصب أستاذ زائر في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي الطبي بجامعة شرق لندن في المملكة المتحدة، ويكتب بانتظام في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط» حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب وأبعاده الأخلاقية.

وفي وقت تتسارع فيه قدرة الخوارزميات على تحليل البيانات الطبية والتنبؤ بالأمراض بدقة غير مسبوقة، يذكّر هذا الكتاب بأن مستقبل الطب لن يُبنى على الذكاء الاصطناعي وحده، بل على توازن دقيق بين قوة التقنية وحكمة الطبيب، وبين دقة الخوارزمية ومسؤولية القرار الإنساني. فالطب، في نهاية المطاف، ليس علماً بالبيانات فحسب، بل هو فنّ فهم الإنسان... قبل أن يكون تشخيصاً للمرض.

والكتاب متوفر حالياً عبر منصة «أمازون» بنسختيه الورقية والرقمية.


زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي
TT

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها. مستشار الأمن القومي الأسبق للرئيس جيمي كارتر، وأحد أبرز صانعي السياسة الخارجية الأميركية في القرن العشرين، يعود اليوم في سيرة جديدة للكاتب والصحافي إدوارد لوس، الصادرة عن «بلومسبري» بعنوان «زبيغ: سيرة زبيغنيو بريجينسكي، نبي الحرب الباردة الأميركي»*، وهي ترسم صورة دقيقة لأكاديمي لامع، وسياسي شديد المراس، ومفرط الثقة بالنفس، ترك بصمة عميقة ومثيرة للجدل على مسار الحرب الباردة وتوازنات القوى العالمية.

تبدأ السيرة المستندة لأرشيف ضخم من المذكرات الشخصية والمراسلات والوثائق والمقابلات الحصرية من الجذور البولندية لبريجينسكي. ولد زبيغنيو عام 1928 في وارسو لعائلة أرستقراطية دبلوماسية يهودية، ودفع صعود النازية في ألمانيا والتهديد السوفياتي عائلته إلى الهجرة بداية إلى كندا عام 1938، ومنها راقب شاباً تدمير وطنه وتقسيمه بين هتلر وستالين. غرس فيه والده، تاديوش، نزعة قومية بولندية عميقة، ورؤية تعتبر بولندا ممثلة للحضارة الغربية في مواجهة جيرانها بالشرق، فكان أن شكلت هذه النشأة وعيه السياسي المبكر، وولّدت لديه عداءً جذرياً ومستمراً تجاه الاتحاد السوفياتي وروسيا، معتبراً التنازلات الأميركية والبريطانية لستالين في مؤتمر يالطا خيانة أخلاقية وسياسية، ليتعهد على أثرها بتكريس حياته لتفكيك الإمبراطورية السوفياتية.

بعد جامعة ماكغيل الكندية انتقل بريجينسكي إلى الولايات المتحدة حاملاً طموحاً سياسياً كبيراً. برز نجمه الأكاديمي في جامعة هارفارد حيث ركزت أطروحته الجامعية على دراسة نقاط الضعف في النظام السوفياتي، وحدد التنوع العرقي والقومي داخل الاتحاد السوفياتي ككعب أخيل هيكلي سيؤدي حتماً إلى انهيار تلك الإمبراطورية، منظراً بأن القوميات المتعددة سترفض هيمنة الثقافة الروسية. وطور لاحقاً في جامعة كولومبيا استراتيجية «الاشتباك السلمي» للتعامل مع دول أوروبا الشرقية مقترحاً استخدام الأدوات الاقتصادية والتبادل الثقافي لاختراق الستار الحديدي، وتجنب المواجهة العسكرية المباشرة، بغرض فصل الدول التابعة ببطء عن مدار موسكو.

بلغ ذروة نفوذه السياسي بتعيينه مستشاراً للأمن القومي في إدارة الرئيس جيمي كارتر عام 1977، ويستعرض الكتاب تفاصيل صراعه المرير داخلها مع وزير الخارجية وقتها، سايروس فانس. جسد فانس مدرسة المؤسسة الدبلوماسية التقليدية، وفضّل نهج التسويات، وركز جهوده على إنجاز معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية (سالت 2) مع السوفيات. بالمقابل، تبنى بريجينسكي نهجاً هجومياً، وفضّل استعراض القوة، واعتبر ملف حقوق الإنسان أداة استراتيجية لضرب الشرعية السوفياتية، وشجع كارتر على تبادل الرسائل مع المعارضين السوفيات مثل أندريه ساخاروف، وهي خطوة أثارت غضب القيادة السوفياتية وعقدت مهمة فانس الدبلوماسية.

تعرض السيرة أيضاً لمنافسته الشرسة والمستمرة مع هنري كيسنجر. تواجه الرجلان في الساحة الأكاديمية والسياسية لعقود، وبينما مال كيسنجر إلى الواقعية السياسية وتقاسم مناطق النفوذ مع السوفيات، أصر بريجينسكي على ضرورة هزيمة الاتحاد السوفياتي أيديولوجياً وجيوسياسياً، ونجح لاحقاً في تحقيق إنجاز دبلوماسي كبير بتطبيع العلاقات رسمياً مع الصين الشعبية عام 1979، وقاد المفاوضات مع الزعيم الصيني دينغ شياو بينغ بمهارة، ليستخدم هذا التحالف الجديد كورقة ضغط قوية لمحاصرة الاتحاد السوفياتي.

يخصص لوس مساحة واسعة لتحليل دور بريجينسكي في التدخل السوفياتي بأفغانستان حيث رأى أن الغزو السوفياتي فرصة تاريخية لاستنزاف موسكو. ودفع بقوة نحو دعم المجاهدين الإسلاميين، بغرض تحويل أفغانستان إلى «فيتنام سوفياتية». ويؤكد الكتاب نجاح هذه الاستراتيجية في استنزاف الموارد السوفياتية، ويشير أيضاً إلى التداعيات المستقبلية الكارثية المتمثلة في صعود الجماعات المتطرفة كتنظيم «القاعدة»، وهو مسار يعتبره منتقدوه نتيجة مباشرة لسياساته المتشددة.

شكلت أزمة الرهائن الإيرانيين التحدي الأصعب في مسيرته السياسية. فبعدما اندلعت الثورة الإيرانية على حكم الشاه محمد رضا بهلوي، حث وقتها الرئيس كارتر على دعم تحرك عسكري يقوده جنرالات الجيش الإيراني لقمع الثورة، وتوقع تحول النظام الجديد بقيادة آية الله الخميني إلى حكم دموي، لكن كارتر رفض خيار القوة المفرطة. وتفاقمت الأزمة حين استقبلت واشنطن الشاه للعلاج، في خطوة أيدها بريجينسكي وكيسنجر لكنها أدت إلى اقتحام السفارة الأميركية في طهران واحتجاز الرهائن. ألح بريجينسكي لتدخل عسكري ينقذ الرهائن، إلى أن وافق كارتر أخيراً على تنفيذ عملية «مخلب النسر» التي انتهت بفشل كارثي في الصحراء الإيرانية، واستقال على أثرها فانس احتجاجاً على القرار، فيما ساهمت هذه الأزمة في خسارة كارتر للانتخابات الرئاسية أمام رونالد ريغان.

في ملف الشرق الأوسط، كان براغماتياً حاداً، ولعب دوراً محورياً في هندسة اتفاقات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل. جمعته علاقة معقدة ومحكومة بالندية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، وتشاركا الأصول اليهودية البولندية. أصر بريجينسكي على ضرورة إيجاد حل شامل يضمن حكماً ذاتياً للفلسطينيين، وحذر باستمرار من خطورة سياسة بناء المستوطنات الإسرائيلية، واصطدم مراراً بجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في واشنطن، فتعرض لحملات إعلامية قاسية شككت في نواياه، لكنه واجهها بصلابة وثبات على مواقفه، واستمر على هذا التوجه في سنواته اللاحقة، وأعلن تأييده للمقال الأكاديمي الشهير الذي كتبه جون ميرشايمر وستيفن والت حول تأثير «اللوبي الإسرائيلي» على السياسة الخارجية الأميركية.

مع انهيار جدار برلين وسقوط الاتحاد السوفياتي، حصد ثمار تنبؤاته المبكرة. وساهم تعاونه الوثيق وتواصله المستمر مع البابا يوحنا بولس الثاني (البولندي الأصل) في دعم حركة «تضامن» البولندية، ومنع الغزو السوفياتي المحتمل لبولندا في بداية الثمانينات. وفي حقبة ما بعد الحرب الباردة، دعم توسيع حلف شمال الأطلسي (الناتو) ليضم دول أوروبا الشرقية، واعتبر أوكرانيا حجر الزاوية لمنع انبعاث الإمبراطورية الروسية، وكان حذر مبكراً من صعود نزعة قومية انتقامية في روسيا، وتوقع مسار المواجهة الذي سلكه فلاديمير بوتين لاحقاً.

عكس بريجينسكي في سنواته الأخيرة تحولاً ملحوظاً في رؤيته للمشهد العالمي. فعارض بشدة الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وانتقد علناً إدارة جورج دبليو بوش والمحافظين الجدد، واصفاً مبررات الحرب بالمضللة والكارثية، كما دعم باراك أوباما في حملته الرئاسية عام 2008، ورأى فيه فرصة لتجديد القيادة الأميركية بأدوات سلمية. خصص خطابه العلني الأخير في جامعة كولومبيا للدعوة إلى التعاون المشترك بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، محذراً من استمرار عقلية المواجهة الصفرية في عالم يواجه تحديات وجودية مشتركة.

نجح إدوارد لوس في تقديم وثيقة تاريخية تتسم بالرصانة والعمق التحليلي لشخصية بريجينسكي بكل تناقضاتها: الباحث الأكاديمي المنظّر، والسياسي البراغماتي قوي الشكيمة القادر على اتخاذ قرارات قاسية. وبغير أنه أوسع سيرة عن عراف الحرب الباردة، يشكل هذا العمل إضافة مرجعية قيّمة لفهم آليات صنع القرار داخل أروقة البيت الأبيض، وتتبع جذور السياسات التي صاغت خريطة العالم المعاصر، وتأثير النخب اليهودية المهاجرة من وسط أوروبا في توجيه دفة القيادة في أقوى دول العالم.

Zbig: The Life of Zbigniew Brzezinski America's Cold War Prophet” Edward Luce “* Bloomsbury Publishing 2025


حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً
TT

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954» الذي يقدم فيها مقارنة بديعة لتجليات واحدة من أشهر قصص التراث العربي وكيف اختلف تناولها وتعددت رؤاها، سردياً وفلسفياً، لدى ثلاثة من رموز هذا التراث وهم ابن سينا وابن طفيل والسهروردي.

ويشير إلى أن خلاصة القصة الذائعة الصيت لدى ابن سينا، هي أن جماعة خرجوا يتنزهون إذ عنّ لهم شيخ جميل الطلعة حسن الهيئة مهيب قد أكسبته السنون والرحلات تجارب عظيمة، وهذا الشيخ المهيب الوقور اسمه حي بن يقظان وهو يرمز بهذا الشيخ إلى العقل.

وهذه الرفقة التي تصاحبه من هؤلاء ليست أشخاصاً وإنما هي الشهوات والغرائز وسائر الملكات الإنسانية، كما أن المجادلة بين الرفقة وحي بن يقظان عبارة عن مجادلات تحدث عادة بين غرائز الإنسان وشهواته من ناحية، وبين ضميره وعقله من ناحية أخرى.

هذه المناظرات بين قوى الإنسان وعقله أدت إلى سؤال العقل عن علم الفراسة ويقصد ابن سينا به علم المنطق وسماه علم الفراسة؛ لأنه بواسطته يُعرف الأمر المجهول الخفي من أحواله الظاهرة وتُعرف النتائج العويصة من مقدمات بدهية، فهو استدلال على الخفايا من السمات والمظاهر.

ويقول العقل إن هذه الرفقة التي تصحب الإنسان والتي هي ملكاته وشهواته رفقة سوء ومن ذلك أيضاً قوة التخيل ورمز إليها بـ«شاهد الزور»، وذلك لأنها قادرة على تشبيه الشيء بالشيء زوراً وبهتاناً لإيقاع الإنسان في الشر وهذا التشبيه زور وباطل لأنه لا ينشأ عن عقل وحكمة.

أما حي بن يقظان عند ابن طفيل فشيء آخر، هو أيضاً يتصل بالعقل ولكن على نمط مختلف فهو رسالة بناها وفق نظرية له، وهي أن في وسع الإنسان أن يرتقي بنفسه من المحسوس إلى المعقول إلى الله، فهو يستطيع بعقله أن يصل إلى معرفة العالم ومعرفة الله.

وعنده أن المعرفة تنقسم إلى قسمين: معرفة حدسية ومعرفة نظرية، أو بعبارة أخرى معرفة مبنية على الكشف والإلهام كالتي عند الصوفية، ومعرفة مبنية على المنطق كالتي عند العلماء. أما الأولى فيمكن الوصول إليها بترويض النفس فتنكشف لها الحقائق كأنها نور واضح لذيذ يومض له حيناً ثم يخبو حيناً.

وكلما أمعن الإنسان في ترويض نفسه، تجلت له المعارف، وأما النوع الثاني من المعرفة فهو مؤسس على الحواس، والمعرفة بالحواس تتألف وتتركب وتُستنتج منها نتائج علمية هي أيضاً نوع من المعرفة التي يسميها المعرفة النظرية. وقد جعل ابن طفيل بطله بن يقظان يسلك هذين الطريقين، فتارة يصل لمعرفة الأشياء بحواسه ومركباتها وتارة يصل إليها بطريق الكشف الروحاني.

أما قصة حي بن يقظان عند السهروردي فبدأها بقوله «إني لما رأيت قصة حي بن يقظان وصادفتها مع ما فيها من عجائب الكلمات الروحانية والإشارات العميقة عارية من تلويحات تشير إلى الطور الأعظم المخزون الذي يترتب عليه مقامات الصوفية وأصحاب المكاشفات، أردت أن أذكر طوراً في القصة سميتها أنا قصة الغريبة».

ويضيف: «بدأت قصتي هكذا... سافرت مع أخي عاصم من ديار ما وراء النهر إلى ساحل اللجة الخضراء إلى مدينة القيروان بالمغرب، فلما أحس قومها بقدومنا عليهم وأننا من أصحاب عدوهم أخذونا وقيدونا بسلاسل من حديد وحبسونا في قاع بئر عميقة وكان فوق البئر قصر مشيد عليه أبراج عالية وقالوا لنا لا جناح عليكم إذا صعدتم القصر مجردين إذا أمسيتم، أما عند الصباح فلا بد من الهوى في غيابة الجب».

ويشير أحمد أمين إلى أن السهروردي رأى الشمس هنا رمزاً لسطوع العقل وتحكمه، لذا جعلهم يطلعون في المساء إلى القصر ويغيبون في قاع البئر في الصباح، لأن الإنسان يكون في ترف ونعيم إذا اتبع شهواته وغاب عنه العقل، أما إذا طلع عليه العقل وتحكم في شهواته عاش عيشة سعيدة كالتي يعيشها العاقل الحكيم.

ويرمز السهروردي بحياة البئر إلى الحياة المظلمة التي تتحكم فيها الشهوات، ثم قال: «فبينما نحن في الصعود ليلاً والهبوط نهاراً إذ رأينا الهدهد في ليلة قمراء في منقاره كتاب صدر من شاطئ الوادي الأيمن وقال إني أحطت بوجه خلاصكما وجئتكما بنبأ يقين مشروح في رقعة أبيكما».

ويرمز الهدهد هنا إلى قوة العقل وتأثير إلهامه وقدرته على إظهار الأشياء على حقيقتها، وقد أتى برسالة من عند أبيهم فيها الحكمة وفيها النور الذي يكشف ظلام الشهوات.