التبادل الكبير.. غيّر حياة البشر ومآكلهم إلى الأبد

قصص هجرة النبات والخضار إلى أماكن بعيدة

التبادل الكبير.. غيّر حياة البشر ومآكلهم إلى الأبد
TT

التبادل الكبير.. غيّر حياة البشر ومآكلهم إلى الأبد

التبادل الكبير.. غيّر حياة البشر ومآكلهم إلى الأبد

العالم الذي نعيشه حاليا على الصعد البشرية والحيوانية والنباتية والثقافية ليس إلا نتيجة للتبادل الذي حصل بين العالم الجديد والعالم القديم كما يحب البعض وصفهما بعد اكتشاف كولومبس لأميركا. ويوصف هذا التبادل علميا بالتبادل الكولومبي أو التبادل الكبير. وقد أدى هذا التبادل إلى زيادة هائلة في عدد سكان القارات والعالم بشكل عام.
وجاء استخدام هذا التعبير لأول مرة في الكتاب الخاص بالتأثير البيئي لوصول كولومبس إلى العالم الجديد، والذي حمل الاسم نفسه «التبادل الكولومبي». وقد نشر الكتاب المؤرخ الأميركي الفرد غروسبي عام 1972 ليصبح واحدا من أهم الكتب في هذا المجال، إلى جانب كتابه الآخر الإمبريالية البيئية. ويحاول غروسبي في الكتابين الهامين أن يقدم بعض التفسيرات البيو - جغرافية لسر سهولة نجاح الأوروبيين في ما يسميه بالأوروبيات – الجديدة، أي الأميركتان الشمالية والجنوبية وأستراليا.
بأية حال فإن التبادل الكولومبي قد أثر على كل المجتمعات حول العالم من أوروبا إلى أميركا إلى أفريقيا وآسيا، وعمل على تغيير طرق حياتها مرة وإلى الأبد، ولم يتوقف على نقل الأمراض والحيوانات، بل شمل كثيرا من الخيرات والنباتات القادرة على إطعام شعوب بأكملها. فأصول 8 محاصيل من أصل الـ26 محصولا زراعيا رئيسيا حول في العالم تعود إلى الأميركتين ولا يزال ثلث المحاصيل الأميركية الحالية أميركي الأصل.
وبينما جاء الأوروبيون من أميركا اللاتينية بمحاصيل رئيسية كالذرة والبندورة والبطاطا عند بدايات القرن السادس عشر، قدم الأوروبيون إلى مناطق آسيا الاستوائية الفول ونبتة البفرة التي تعرف بالكاسفا والغنية بالوحدات الحرارية.
وقد أصبحت الأخيرة جزءا لا يتجزأ من بعض المواد الأساسية في بعض البلدان الأفريقية. وتقول الموسوعة الحرة في هذا الإطار إن البندورة التي جيء بها من أميركا اللاتينية أصبحت لاحقا من علامات المطبخ الإيطالي الشهير، والقهوة وقصب السكر اللذان وصلا من أفريقيا وآسيا إلى اللاتينية أصبحا جزءا لا يتجزأ من المحاصيل الزراعية الرئيسية في أميركا الجنوبية، وقد أسست المستعمرات البريطانية جزءا من هذا التراث الحديث. وحتى لا نذهب بعيدا، لا بد من إلقاء نظرة على الفلفل الحار وكيف أصبح لاحقا من اهم مميزات المطبخ الهندي والآسيوي بشكل عام.
وتضيف الموسوعة أنه قبل التبادل الكبير هذا الذي غيّر العالم، وغيّر محاصيله وأفكاره، لم يكن هناك برتقال في فلوريدا التي تتغنى به حاليا ولم يكن هناك موز في الإكوادور ولم يكن هناك ببريكا في هنغاريا كما لم يكن هناك بندورة في إيطاليا ولا قهوة في كولومبيا ولا أنانس في جزر هاواي ولا شجر البطاطا في أفريقيا أو ماشية في ولاية تاكساس أو حمير في المكسيك، ولا فلفل حار في تايلاند والهند ولم يكن ممكنا توفر السجائر في فرنسا ولا شوكولاته في سويسرا.
يمكن القول هنا إن التبادل الكبير هذا هو أساس كثير من المطابخ الحديثة المعروفة حاليا حول العالم وعلى رأسها المطابخ الصينية واليابانية والفرنسية والإيطالية والتركية وغيرها. فالتبادل لم يمنح مواد ونباتات جديدة يمكن لبعض البلدان الاتكال عليها لإطعام شعوبها فحسب، بل أسس للتنوع الذي كان الصعب على المطابخ التطور من دونه. وقد ترسب هذا الموزاييك النباتي الهام من الطبقات العليا إلى الطبقات الدنيا بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ الطعام.
ولا شك أن صور الدكاكين أو المراكز التجارية الطافحة بشتى الأنواع والخيرات المتعددة المصادر، تعبيرا حديثا وبسيطا عن طبيعة التبادل الكبير هذا.
وحسب الإحصاءات العلمية فإن أهم النباتات التي وصلت إلينا من العالم الجديد، أي من الأميركتين إلى أوروبا وأفريقيا وآسيا هي نبتة الأفوكادو التي تجد رواجا كبيرا هذه الأيام، نبتة البندورة التي أصبحت من معالم المطبخ الحديث في كل مكان، الكوسا والأرز البري والذرة التي أصبحت من أهم المحاصيل في العالم. والفانيليا التي تتكل عليها كثير من الحلويات، والتبغ والبطاطا الحلوة وعباد الشمس والقرع وشجرة المطاط والصمغ ونبتة الكينوا والفستق ونبتة الكاسافا واللوبيا البصلية والفاصوليا الخضراء ونبتة الباهرة التي يطلق عليها اسم صبار أميركا. ونبتة سالف العروس التي كانت تستخدم قديما لوقف نزيف الدم والفليفلة الحلوة والفلفل الحار والكاجو ودوار الشمس الدرني أو الأرتيشوك الأورشاليمي الذي يسمى في العراق بالألمازة أو تفاح الأرض والقصعين الإسباني أو ما يسميه البعض بالمريمية ونبتة اليوكا الهليونية ونبتة البهشية البرغوانية التي تستخدم أوراقها لمشروب المتة وجوز البقان ونبتة الكوكا التي يستخرج منها الكوكايين وتستخدم أوراقها لإنتاج مشروب الكوكا كولا والقطن الذي تتغنى به مصر والقرصعن أو الكزيرة الطويلة.
وشتى أنواع الفاكهة مثل فاكهة الفريز والبيطايا والأناناس والقشطة وفاكهة السبوتة التي تنتشر انتشارا واسعا في الفلبين وماليزيا وباكستان وبنغلاديش والهند والتوت التركي والتوت الأزرق والأسود والعناب أو التوت البري وبعض أنواع الصبار، وفاكهة البابايا التي يسمونها في بعض المناطق السعودية بـ«العمبرود» أو «العمب» وفاكهة الكانيستال والعنب وبعض أنواع القشطة الهندية وفاكهة الكيمويا التي يعني اسمها «البذور الباردة» لأنها تنمو على ارتفاعات عالية في جبال الإنديز، وأخيرا فاكهة زهرة الآلام.
أما أهم النباتات أو الخيرات التي وصلت إلى الأميركتين عبر التبادل الكولومبي الكبير، فهي من الفاكهة، المشمش والموز والبطيخ والتين ونخيل التمر والحمضيات والمانجو والدراقن أو الدراق والإجاص وفاكهة الأقية الأفريقية. أضف إلى ذلك كثير من الخيرات كالحبق والبندق وبعض أنواع الأرز والبطيخ والسمسم والشاي والقهوة والفجل والفستق الحلبي والصويا والحنطة والجوز والشيلم والمردقوش والأفيون والبصل والزيتون والباميا والشوفان وجوز الطيب والخردل والعدس والخس والدخن وجوزة الكولا والقنب الذي يستغل على نطاق واسع لإنتاج الحبال وأورق والزيوت، أضف إلى ذلك الزنجبيل والثوم والشمر أو الشومر والكمون والخيار والكتان والباذنجان والقرنفل والقرفة والحمص والجزر واللهال والقرنبيط الأخضر والأبيض والملفوف والفل الأسود والهليون.

البندورة المكروهة

جلب الإسبان البندورة من المكسيك والبيرو في بدايات القرن السادس عشر ونشروها في جميع أنحاء أوروبا والمتوسط إلى أن أصبحت جزءا لا يتجزأ من الخضار اليومية حول العالم وعلى رأس المواد التي يتكل عليها كثير من مطابخ بلدان المتوسط.
وقد عانت هذه الفاكهة الهامة التي نعاملها معاملة الخضار، من سمعة سيئة في أوروبا لـ3 قرون طويلة، إذ كانت تعتبر سامة، ولكن وجدت ضالتها في الشهرة عندما بلغ استعمالها المدى أيام الحرب الأهلية الأميركية.
وتشير المعلومات المتوفرة في هذا المضمار أن العالم الإيطالي التوسكاني الأصل بييترو ماتيولي، كان أول علماء النبات الذي قالوا بأنه يمكن أكل البندورة أو أنها صالحة للأكل منتصف القرن السادس عشر، ومن هناك بدأت تصل إلى إيطاليا وبدأ اسمها يصبح جزءا لا يتجزأ من القاموس المطبخي. وقد عثر على بدايات اسمها الـ«بومودورو» في رسائل دوق توسكانا ماسيمو دي ماديتشي يؤكد وصولها إليه بأمان. كما ذكرها مدير حدائق مدريد أيام الملك الإسباني فيليبي الثاني على أنها صالحة للصلصة نهاية القرن السادس عشر.
ومع هذا كان بداياتها في إيطاليا للتزيين وكان الناس يقصدونها لغايات جمالية لذا كان يزرعونها كالأزهار والورود. ولم تصبح البندورة ملازمة للباستا الإيطالية أو جزءا من صلصة البيتزا إلا في القرن التاسع عشر.

البطاطا والمجاعة الآيرلندية

يقول البعض إن البطاطا إلى آيرلندا مبكرا ومع وصول الأرمادا الإسبانية على الشواطئ البريطانية، لكنّ المؤرخين يعتقدون أنها وصلت بدايات القرن السابع عشر، إذ وجدت رواجا ونجاحا كبيرين لأنها رخيصة وقادرة على النمو في تربة حمضية فقيرة، وقد ساعد على ذلك بالطبع استخدام الرمال وبقايا الصدف والطحالب والأعشاب البحرية المتوفرة كثيرا في آيرلندا كسماد لتحسين التربة. ومن هنا بدأ كثير من الناس الاعتماد على البطاطا كمصدر أساسي للتغذية والعيش نتيجة للفقر المدقع، ولهذا الاعتماد الكبير على البطاطا كانت نتائج المجاعة الآيرلندية الكبرى كارثية منتصف القرن التاسع عشر، إذ مات أكثر من مليون إنسان وهاجر أكثر من مليون آخرين إلى الولايات المتحدة الأميركية طلبا لحياة جديدة أقل شقاء. وقد حصلت المجاعة بعد أن أتلفت إحدى الآفات الزراعية محاصيل البطاطا في آيرلندا وجميع أنحاء أوروبا. وتعتبر هذه المجاعة محطة فاصلة في تاريخ آيرلندا الحديث، إذ غيرت الطبيعة الثقافية، السكانية، البيئية والسياسية للبلاد.
ومن غريب الأمور أن البطاطا عندما دخلت الجزيرة الآيرلندية عبر أميركا اللاتينية لم تكن إلا نبتة من نباتات الزينة، ولم تصبح مصدرا لإطعام الفقراء وعلفا للحيوانات إلا لاحقا.
ودلالة على التشابك أو الترابط الجديد بين مختلف دول العالم وقاراته، فإن الآفة نفسها التي أطلق عليها اسم «اللفحة المتأخرة» جاءت أيضا من مزارع المكسيك وانتشرت عبر البواخر الأوروبية في كل من أميركا الشمالية وفي هولندا وبلجيكا وجنوب إنجلترا وشمال فرنسا.
وصلت البطاطا اللاتينية إلى أميركا الشمالية بداية القرن السابع عشر، ورغم ذلك لم تنتشر عمليات إنتاجها على نطاق واسع إلا في القرن التاسع عشر في نيو إنغلاند أو إنجلترا الجديدة مع وصل المهاجرين الآيرلنديين.
ولم تستحصل الولايات المتحدة الأميركية 250 نوعا من أنواع البطاطا حاليا، لكن قبل وصول البطاطا اللاتينية كان الهنود الحمر قبل وصول الإسبان إلى أميركا يزرعون أكثر من 3 آلاف نوع من البطاطا المحلية. وقد أصبحت البطاطا حاليا رابع أهم المحاصيل في العالم وخصوصا في روسيا.
وقد استخدم الإسبان البطاطا ونبتة الكوكا لإطعام عمال مناجم الفضة وإبقائهم أحياء، وبعد أن جلبوها إلى إسبانيا انتشرت في أوروبا ووصل انتشارها أخيرا إلى أكثر من 130 بلدا.



مطاعم لندن تستوحي أطباقها من العروض الفنية

من مسرحية «كينكي بوتس» (الشرق الأوسط)
من مسرحية «كينكي بوتس» (الشرق الأوسط)
TT

مطاعم لندن تستوحي أطباقها من العروض الفنية

من مسرحية «كينكي بوتس» (الشرق الأوسط)
من مسرحية «كينكي بوتس» (الشرق الأوسط)

تُعدّ لندن واحدة من أبرز العواصم الثقافية في العالم، ويحتل المسرح مكانة مركزية في هويتها الفنية والتاريخية. فمنذ قرون، شكّلت المدينة مسرحاً حياً للإبداع، احتضنت أعمال كبار الكتّاب مثل ويليام شكسبير، وأسهمت في تطور الفنون الأدائية لتصبح مقصداً عالمياً لعشاق المسرح من مختلف أنحاء العالم.

طبق «غوتي فانكايا» (الشرق الأوسط)

وتبرز منطقة كوفنت غاردن بوصفها قلباً نابضاً لهذا المشهد المسرحي، حيث تمتزج العراقة بالحداثة في فضاء يعجّ بالمسارح التاريخية والعروض المتنوعة.

شهرة لندن في مجال المسرح لا تقتصر على عدد مسارحها أو تنوع عروضها فحسب، بل تمتد لتشمل تأثيرها العالمي ودورها في دعم الإبداع وصناعة النجوم، لتبقى واحدة من أهم المراكز المسرحية التي ترسم ملامح الفن الحي على مستوى العالم.

ولم يعد المسرح في لندن تجربة فنية بحتة فحسب، بل أصبح جزءاً من أسلوب حياة متكامل يمزج بين الثقافة والترفيه والطعام، حيث برز في السنوات الأخيرة توجه لدمج تجربة الأكل مع العروض المسرحية.

حلوى أناناس جاليبي (الشرق الأوسط)

باتت الكثير من المطاعم والمقاهي تتعاون مع المسارح لتقديم عروض مشتركة، تشمل وجبات قبل العرض أو بعده، أو حتى تجارب طعام مستوحاة من موضوع المسرحية نفسها.

هذا التداخل بين فنون الطهي والمسرح يمنح الجمهور تجربة حسّية متكاملة، تعزز من جاذبية المشهد الثقافي في لندن، وتكرّس مكانتها بوصفها مدينة لا تكتفي بتقديم الفن، بل تعيشه بكل تفاصيله.َ

ومن الأمثلة اللافتة على هذا التقارب بين الفن والطعام، يقوم حالياً مطعم «كولونيل صعب» Colonel Saab بتقديم تجربة طعام هندية في فرعه في «ترافالغر سكوير» من خلال ابتكار لائحة طعام استوحى أسماءها من شخصيات بارزة في مسرحية «كينكي بوتس» البريطانية العالمية، ويتعاون المطعم مع العرض المسرحي الذي يُعرَض في مسرح «لندن كوليسيوم» في شارع سانت مارتنز لاين مع اهتمام خاص باستقبال رواد المسرح في أجواء مناسبة لما قبل العروض.

دجاج بالكاري (الشرق الأوسط)

ويقدم المطعم هذه التجربة فترة النهار والليل، اخترنا مشاهدة العرض المسرحي الليلي عند الساعة السابعة والنصف مساءً، فتم حجز العشاء الباكر عند الساعة الخامسة بعد الظهر.

لـ«كولونيل صعب» فرعان الأول في «هولبورن» والآخر في «ترافالغر سكوير» وكلاهما يتميز بالديكورات الرائعة والتحف الفنية التي جاء بها صاحب المطعم رجل الأعمال روب بارتاب شوداري من منزل أهله في الهند.

عند وصولك إلى المطعم ستكون لائحة الطعام الخاصة بالعرض المسرحي بانتظارك، رُسم عليها من الخارج صورة الحذاء الأحمر الذي تدور أحداث المسرحية حوله، واللافت أن أسماء جميع الأطباق لها علاقة بأسماء أبطال العرض المسرحي أو مستوحاة من أغانيه.

لحم بقري مشوي على الطريقة الهندية (الشرق الأوسط)

تتألف القائمة من أربعة أطباق بسعر 75 جنيهاً إسترلينياً، تبدأ بمشروب لذيذ يحمل اسم «كينكي بوتس» بممزوج بأزهار البيلسان والرمان والتوت ومقبل صغير بطعم الجوافة على شكل كعب، وصلصة التوت الأحمر، وصلصة التمر الهندي، وكريمة متبلة، ونودلز مقرمشة.

يمكنك اختيار أحد المقبلات من بين طبقين، مثل «لاند أوف لولا» وطبقين رئيسيين مثل Everybody Say Yeah (لحم بقري مقلي بالفلفل)، وHold Me In Your Heart، وهو كاري الباذنجان الصغير بطعم حامض.

وتُختتم هذه التجربة بلمسة حلوة تحمل اسم Raise You Up، وتتكون من كريمة، وجيلي الأناناس (جليابّي)، والفستق.

لقطة من مسرحية كينكي بوتس (الشرق الأوسط)

المعروف عن المطعم أن هدفه هو تعريف ذواقة لندن بالنكهات الأصلية والمتنوعة في الهند وتقديم ما يأكله الهنود في منازلهم والشوارع ، بالإضافة إلى الأكل الذي يقدم في القصور أيضاً.

وبعد تناول ألذ الأطباق ستفصلك دقيقة واحدة مشياً على الأقدام عن المسرح لتبدأ بالاستمتاع بقصة العرض المبهجة احتفالاً بالإنتاج الجديد لهذا العمل الموسيقي الفائز بجوائز «توني» و«غرامي» و«أوليفييه» الذي يجمع نجم برنامج «Strictly Come Dancing» يوهانس راديبي والمغني مات كاردل، وتدور أحداث القصة حول مالك معمل للأحذية يكوّن شراكة غير متوقعة مع شخصية مثيرة للجدل تدعى «لولا» لإنقاذ المصنع الذي ورثه عن أبيه من الإفلاس والإقفال.


ماذا تأكل في زيارتك الأولى لأذربيجان؟

أطباق تقليدية مليئة بالنكهات (أفضل 50 مطعماً)
أطباق تقليدية مليئة بالنكهات (أفضل 50 مطعماً)
TT

ماذا تأكل في زيارتك الأولى لأذربيجان؟

أطباق تقليدية مليئة بالنكهات (أفضل 50 مطعماً)
أطباق تقليدية مليئة بالنكهات (أفضل 50 مطعماً)

إذا كان هناك بلد يستحق لقب «أرض التناقضات»، فهو أذربيجان؛ إذ يجمع بين استضافة مؤتمرات الذكاء الاصطناعي الحديثة وقمم المناخ العالمية من جهة، والحفاظ على تقاليد الرعي البدوية من جهة أخرى، لتبدو كمساحة يلتقي فيها طموح المستقبل مع جذور الماضي في تفاعل يومي مستمر.

أما ثقافة الطهي الأذربيجانية، فلا تزال ترتكز على عادات متوارثة ومكونات محلية أصيلة؛ مع انتشار اللحوم المشوية على الأسياخ، وأطباق الأرز الغنية بالتوابل، والخبز المسطّح المحشو بالأعشاب، إلى جانب التين والرمان، والزعفران. وقد تأثرت هذه الأطباق تاريخياً بطرق التجارة التي عبرت «طريق الحرير». ويعكس هذا التنوع شغفاً واضحاً لدى المزارعين والطهاة، ما برز خلال رحلة «أفضل 50 مطعماً» مع الشيف فيليم هيليه، صاحب المطعم الذي يحمل اسمه في أوستند البلجيكية، والمصنف في المرتبة 62 ضمن القائمة الموسعة لأفضل 50 مطعماً في العالم لعام 2025، وذلك في أثناء تصوير فيلم وثائقي عن المشهد الطهوي في البلاد.

الشيف فيليم هيليه يتعرف على المطبخ الأذربيجانية (أفضل 50 مطعما)

هذا الشغف، إلى جانب الإرث الطهوي العريق وتنوع النكهات، يشكّلان مصدر إلهام لافت، ولا سيما لدى الطهاة العالميين. وفي هذا السياق، يقول هيليه: «أذربيجان تجسّد الضيافة في أبهى صورها. ثمة قوة كامنة في أهلها، وطريقة فريدة في تواصل بعضهم مع بعض. إن ما تختزنه من تقاليد وحِرفية يستحق أن يكتشفه العالم».

ومن العاصمة باكو إلى قرية باسغال التاريخية، وصولاً إلى لانكاران في أقصى الجنوب، تبرز مجموعة من الأطباق، التي تختصر هوية المطبخ الأذربيجاني الغني بالنكهات، والعميق في أساليب الطهي البطيئة.

يدخل لحم الضأن في الكثير من الأطباق (أفضل 50 مطعما)

غوتاب

على طول أزقة «إتشري شهر» (المدينة القديمة في باكو)، تنتشر أكشاك تقدّم خبز الغوتاب الساخن المُحضّر في الحال. وتجري العملية بسرعة لافتة؛ إذ يُفرد العجين ويُحشى بالأعشاب المفرومة أو اليقطين أو الجبن أو اللحم، ثم يُطوى على هيئة نصف دائرة ويُخبز على صاج محدّب يُعرف بـ«الساج». ويقول هيليه، بينما كان يعجن داخل أحد الأكشاك: «من اللافت كم الوصفات، التي يمكن ابتكارها من مكونات بسيطة مثل الدقيق والملح والماء». ويضيف: «مذاقه يجمع بين الملوحة والطزاجة، والحموضة والحلاوة في وقت واحد». ويُفضَّل تناول الغوتاب ساخناً، إما مع قليل من الزبادي أو مرشوشاً بالسماق كوجبة خفيفة بين الوجبات.

أطباق تقليدية مليئة بالنكهات (أفضل 50 مطعما)

حلوى باسغال

تُشبه هذه الحلوى لوح طاقة كثيفاً بلون أخضر لافت، وتُعد من الأطعمة التقليدية الراسخة في منطقة باسغال منذ قرون. تُحضَّر بصورة أساسية من القمح المُنبت، الذي يُحمَّص لنحو ثماني ساعات، قبل أن يُطحن إلى مسحوق ناعم. ثم تُضاف إليه حبات الجوز، إلى جانب الشمر والقرنفل والكركم المطحون، لتتكوّن عجينة غنية ومفتتة، تُربط بالعسل أو الدبس. ويؤكد السكان المحليون أن قطعة واحدة منها تكفي لإمداد الجسم بالطاقة طوال اليوم.

يأتي هذا الطبق بمثابة تمهيد للأطباق الدسمة، على المائدة الأذربيجانية التقليدية، ويُقدّم في مرق عظام خفيف. وتتكون دوشبارا من قطع صغيرة جداً من العجين المحشو بلحم الضأن، تشبه «الوانتون» أو «التورتيليني». ولا يتجاوز حجم القطعة فص ثوم، وتكفي ست أو سبع قطع لفتح الشهية.

دولما

أحد أشكال ورق العنب المحشي، وقد أدرجتها «اليونيسكو» ضمن التراث الثقافي غير المادي. ويعود اسمها إلى الكلمة الأذربيجانية «دولدورماك»، وتعني «محشو». تُحشى أوراق العنب أو شجر الزان أو الكرنب بلحم الضأن المفروم والأرز والأعشاب، ثم تُطهى ببطء حتى تنضج، مع اختلاف النكهات بحسب كل منطقة.

الشيف فيليم هيليه أثناء تصويره برنامجه في أذربيجان (أفضل 50 مطعما )

كباب

يُعد الكباب مألوفاً لدى كثيرين: أسياخ من لحم الضأن أو البقر أو الدجاج تُشوى على الفحم. وفي أذربيجان، غالباً ما يُكتفى بالملح والفلفل، دون تتبيل إضافي. وعن ذلك، يقول هيليه: «الأمر يتعلق بنقاء نكهة اللحم»، مشيراً إلى سلالة خراف كاراباخ ذات الذيل الدهني المحلية. ويُلف اللحم في خبز «لافاش» الرقيق، لإبراز طعمه الطبيعي.

الشيف فيليم هيليه (أفضل 50 مطعما)

بلوف

ربما يعد هذا الطبق الأهم في أذربيجان. وتختلف أنواعه بحسب المناطق، لكن مكوناته الأساسية تشمل أرز «سادري» المطهو على البخار والمُعطر بالزعفران، مع طبقات من المشمش المجفف والخوخ والكستناء، ولحم الضأن أو البقر أو السمك المطهو ببطء. وفي بعض المناطق، يُلف الأرز بحواف من الخبز ليشكّل قشرة مقرمشة بعد الخَبز، بينما تُضاف في مناطق أخرى الزبادي والزبدة والبيض لتكوين طبقة تشبه البودينغ. في هذا السياق، يقول هيليه في أثناء تذوق «شاه بلوف»: «هناك توازن رائع بين حلاوة الزبيب وملوحة الأرز، إلى جانب نكهة العجين المحمص ـ إنه طعام الروح بحق».

أطباق مليئة بالنكهات (أفضل 50 مطعما)

شكي بيتي

يُعد هذا الطبق المطهو ببطء من لحم الضأن، أحد أعمدة المطبخ الأذربيجاني. يُحضّر «شكي بيتي» في أوانٍ فخارية صغيرة أسطوانية، تُعرف باسم «دوبو»، حيث تُرص طبقات من اللحم والحمص والكستناء والخوخ، وتُغطى بالبصل المفروم ومرق الزعفران، ثم تُخبز في فرن حجري لمدة تصل إلى ست ساعات. ويُؤكل على مرحلتين: يُسكب المرق أولاً ويُؤكل مع الخبز، ثم يجري تناول بقية المكونات الطرية، أحياناً مع السماق. ويقول هيليه: «تكمن قوته في بساطته، إذ يمكنك تذوق جودة اللحم، ومع القليل من المكونات الإضافية تتحول بفضل الطهي البطيء إلى طبق رائع».

سمك مشوي على الطريقة الأذربيجانية (أفضل 50 مطعما)

خبز التندير

نادراً ما تخلو مائدة في أذربيجان من الخبز. وقد أدرجت «اليونيسكو» خبز التندير ضمن التراث غير المادي. تُلصق أقراص العجين بجدران فرن طيني عميق، يُعرف باسم «تندير»، حيث تلتصق وتنتفخ قبل أن تُسحب قبل الاحتراق. والنتيجة خبز مقرمش من الخارج وطري من الداخل، يُؤكل مع كل شيء، من مختلف أنواع الجبن والمربى أو مع الكباب واليخنات. يُمزّق خبز التندر وهو ساخن، ويُستخدم لامتصاص المرق أو لف قطع اللحم الطرية.

لافانغي

يُعد هذا الطبق من أبرز أطباق جنوب أذربيجان، حيث يُحشى الدجاج أو السمك أو الباذنجان، بخليط من الجوز المطحون ومعجون البرقوق والبصل والملح والفلفل، ثم يُخبز ببطء في فرن «تندير» لعدة ساعات. يتميز الطبق بتنوع كبير في النكهات والقوام، من القشرة المدخنة والمكسرات المحمصة إلى الحشوة الحلوة الحامضة، ويبرز بشكل خاص عند تحضيره مع السمك. ويقول هيليه: «كانت النكهة غنية جداً، مع قشرة مقرمشة واضحة. والحشوة كانت مبتكرة في رأيي، بمزيج الجوز وحموضة البرقوق، ما منح الطبق حيوية مميزة».


الشيف عمر السيف: المطبخ السعودي كنز لم يُستثمر بعد

رز باللحم على الطريقة السعودية (إنستغرام)
رز باللحم على الطريقة السعودية (إنستغرام)
TT

الشيف عمر السيف: المطبخ السعودي كنز لم يُستثمر بعد

رز باللحم على الطريقة السعودية (إنستغرام)
رز باللحم على الطريقة السعودية (إنستغرام)

في كل مرة تُعرض فيها صورة طبق على الشاشة، تمرّ سريعاً... تُرى، تُعجب، ثمَّ تُنسى. لكن ما يقدّمه الشيف عمر السيف لا يمرّ بهذه السرعة؛ لأن ما يضعه أمامك ليس طعاماً فقط، بل تجربة كاملة محمّلة بالشعور.

يقول السيف لـ«الشرق الأوسط»: «لا أريد للناس أن يكتفوا بالمشاهدة... أريدهم أن يشعروا». بهذه الفكرة تبدأ حكايته.

لم يدخل السيف هذا العالم من بوابة الطهي التقليدي، ولا عبر وصفات محفوظة أو مسار واضح، بل كانت البداية فضولاً، وتجربة، ورغبة في الابتكار. ثم جاءت اللحظة التي أعادت تعريف كل شيء: «اكتشفت أن الطبخ ليس مجرد أكل... بل هو لغة وثقافة وهوية». من هنا تغيّر الاتجاه، وبدأ البحث في مساحة أقرب إليه... الثقافة السعودية. ويضيف: «لدينا كنز ثقافي كبير، لكنه لم يُستثمر بالشكل الذي يستحقه».

محاكاة صندوق أفندي كامل بكيك الأفندي (إنستغرام)

حين تصبح المبخرة قطعة تُؤكل في إحدى تجاربه، لم يقدّم طبقاً تقليدياً، بل صنع مشهداً كاملاً من الذاكرة: مبخرة سعودية مصنوعة من الشوكولاته، وطفل يحمل الحلوى... أيضاً من الشوكولاته. المشهد بسيط في ظاهره، لكنه مشبع بالدلالات: رائحة البيوت، وتفاصيل الضيافة، وصورة «ولد الحارة» بكل ما تحمله من دفء وعفوية. يقول: «لم تكن مجرد تصاميم... كانت تحكي قصة: من نحن؟ وما قيمنا؟ وكيف كنا نعيش؟».

هندسة الطبق... أو كيف يُبنى الإحساس

يعتمد في عمله على ما يسميه «هندسة الطبق»: تفكير دقيق في الشكل، وتوزيع العناصر، وتوازن الألوان، واستخدام الفراغ. كل ذلك لا يأتي لإبهار العين فقط، بل لتهيئة تجربة تبدأ بصرياً وتستمر شعورياً.

فالطبق، في هذه الحالة، يتحول إلى مساحة تعبير، لا إلى مجرد وجبة.

مبخرة بالشوكولاته (إنستغرام)

الصحراء... حيث يصبح الطبق صادقاً

لا يقدّم أعماله داخل استوديوهات مغلقة، بل يخرج بها إلى الصحراء، وإلى الخيام، وإلى البيوت القديمة.

هناك، حيث التفاصيل حقيقية، يتكوّن المشهد. يقول: «لا أختار المكان لأنه جميل فقط بل لأنه يحمل شعوراً». ويضيف: «إذا أردت أن تنقل إحساساً حقيقياً، فلا بد أن تضعه في بيئة صادقة». في هذه المساحات، لا يكون الطبق عنصراً منفصلاً، بل يصبح امتداداً للمكان.

ضد السرعة... وضد «الترند»

في عالم اعتاد على استهلاك الطعام بوصفه محتوى سريعاً، يطرح رؤية مختلفة تماماً: «الناس اعتادت أن ترى الطبخ كشيء سريع وعابر... بينما أراه قصة وهوية». هذا الطرح خلق تحدياً واضحاً: كيف يمكن إبطاء عين اعتادت السرعة؟ الحل جاء عبر التوازن: محتوى بصري جذاب يحمل في داخله رسالة أعمق.

مُجسَّم ولد الحارة بالشوكولاتة (إنستغرام)

ما بعد المشاهدة... اللحظة الأهم

بالنسبة له، لا يُقاس النجاح بعدد المشاهدات، بل بما يبقى بعد انتهاء المشهد؛ في اللحظة التي يدرك فيها المتلقي أن التراث ليس ماضياً جامداً، بل مادة يمكن تطويرها وتحويلها إلى مشاريع معاصرة. يقول: «يمكن أن تنسى كلمات كثيرة، لكن من الصعب أن تنسى طعماً أو شعوراً». هنا تكمن قوة الطعام.

فهو يدخل إلى الذاكرة مباشرة، ومن خلاله تنتقل القيم: الكرم، والعادات، وتفاصيل الحياة اليومية، دون حاجة إلى شرح.

ولا يفصل بين الإبداع والاستدامة: «الإبداع يجذب، والاستمرار يحتاج إلى فكر اقتصادي». لهذا يعمل على تطوير محتوى يمكن أن يتحول إلى تجربة أو منتج، يضمن بقاء الفكرة وانتشارها.

ما يخطط له يتجاوز حدود الشاشة. يسعى إلى تقديم تجربة متكاملة يعيشها المتلقي بكل حواسه؛ فلا يرى القصة فقط، بل يكون جزءاً منها. «أبغى الشخص يعيش القصة، مو بس يشوفها».

في النهاية، ما يقدّمه عمر السيف لا يتوقف عند حدود الطبخ، بل يفتح سؤالاً أعمق: ماذا يحدث عندما تُقدَّم الهوية على طبق؟