قراءة في تعاطي الإعلام المغربي مع تحوّل موقف إسبانيا من قضية الصحراء

يأمل أن تتجاوز مدريد نظرتها النمطية السلبية للمغاربة

يونس مجاهد
يونس مجاهد
TT

قراءة في تعاطي الإعلام المغربي مع تحوّل موقف إسبانيا من قضية الصحراء

يونس مجاهد
يونس مجاهد

إذا كانت وسائل الإعلام المغربية، ومعها الطبقة السياسية، قد أجمعت على وصف التحوّل في الموقف الإسباني من قضية الصحراء، بـ«التاريخي وغير المسبوق»، بعدما أعلنت مدريد أن المقترح المغربي حول الحكم الذاتي هو «الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية»، من أجل تسوية نزاع الصحراء، فإنها ما زالت ترى أن هناك حاجة ملحَّة إلى «معركة إعلامية» حتى تتجاوز إسبانيا نظرتها النمطية السلبية للمغرب والمغاربة وقضاياهم، التي تكرست خلال المرحلة الاستعمارية، واستمرت في تعاطي وسائل إعلامها مع المغرب وقضاياه حتى اليوم.
ورغم ذلك، سجّل الإعلام المغربي إيجابية القرار الإسباني الذي من شأنه أن يساهم في انطلاقة جديدة للعلاقات الثنائية، وتجاوز الأزمة التي اندلعت نتيجة استضافة زعيم جبهة «البوليساريو» الانفصالية، إبراهيم غالي، في 23 أبريل (نيسان) 2021، لتلقي العلاج في إسبانيا، بوثائق مزورة وهوية منتحلة. وتفاقمت هذه الأزمة حينما تدفق في مايو (أيار) الماضي نحو 10 آلاف مهاجر، غالبيتهم مغاربة، نحو مدينة سبتة المحتلة شمال المغرب.
وفي معرض مقاربته لمستوى معالجة وسائل الإعلام المغربية لاعتراف إسبانيا بمخطط الحكم الذاتي في الصحراء، قال نبيل دريوش الإعلامي والكاتب المغربي المتخصص في الشأن الإسباني لـ«الشرق الأوسط»، إنها «تنوعت وتراوحت بين نشر وبث مواد خبرية صرفة متعلقة بمستجدات هذه الخطوة وتطوراتها، وتحليل هذه الأخبار التي تنوعت باختلاف طبيعة وسائل الإعلام؛ من نشر افتتاحيات في الصحف ومقالات تركيبية تستحضر رأي الخبراء في العلاقات الدولية والعلاقات المغربية - الإسبانية».

نبيل دريوش

جوانب إيجابية وآفاق واعدة

وأوضح دريوش أن المحطات الإذاعية زاوجت بين التوسع في الخبر خلال نشراتها، وإدراج تصريحات لخبراء ومحللين، وتخصيص برامج لهذا الموضوع تنوعت زوايا معالجتها له من تأثير هذا القرار على «ملف الصحراء» إلى تأثيره على التعاون الاقتصادي بين البلدين وتأثيره على الربط البحري بينهما، وعبور الجالية المغربية المقيمة بأوروبا نحو المغرب، في الوقت الذي سارت فيه القنوات التلفزيونية على النهج ذاته تقريباً، مع إدراجها لتصريحات مسؤولين سياسيين داعمين للخطوة الإسبانية، إضافة إلى صحافيين إسبان وكتّاب رأي في صحف ومنابر إسبانية. إلا أنه، ورغم اختلاف المعالجة الإعلامية للحدث، حسب كل وسيلة إعلامية على حدة، ومراوحتها بين الأجناس الخبرية وأجناس الرأي، إلا أنها تلتقي في عكس الجوانب الإيجابية للقرار والآفاق الواعدة لهذه المصالحة على الشعبين والبلدين.
من جهته، يذهب عبد الحميد جماهري، مدير نشر صحيفة «الاتحاد الاشتراكي»، إلى القول لـ«الشرق الأوسط»، إن القرار الإسباني «شجاع ورصين، ومن أقوى المواقف إنصافاً للمغرب، بعد الاعتراف الأميركي بسيادة المغرب على صحرائه، وفتح تمثيليات قنصلية في التراب الوطني بالصحراء». واعتبر جماهري أن إسبانيا قامت بقراءة ذكية للتغيرات الحاصلة منذ ديسمبر (كانون الأول) 2020 لدى اعتراف واشنطن بمغربية الصحراء، وما تلا ذلك من تطورات في غرب المتوسط، ثم في التصور الأوروبي الجديد للمنطقة، شرقاً وغرباً، وهو ما قادها إلى قياس المصلحة، من زاوية استمرار السلم والاستقرار في المنطقة.
ويتفق دريوش وجماهري، كما هو شأن غالبية وسائل الإعلام المغربية، على أن الخطوة الإسبانية «سيكون لها صدى وتداعيات داخل الاتحاد الأوروبي». لكن مدير نشر «الاتحاد الاشتراكي» يعتقد أن تأثير موقف مدريد سيمتد كذلك إلى دائرة النفوذ الجيو - استراتيجي في أميركا اللاتينية، وداخل حلف «الناتو»، الذي تحتضن إسبانيا مؤتمره في يونيو (حزيران) المقبل، وإلى «مجموعة أصدقاء الصحراء»، التي تُعدّ غرفة استشارية دولية بخصوص قرارات مجلس الأمن حول الصحراء. كما يوضح جماهري أن «الفاعل الانفصالي سيفقد جراء القرار الإسباني، ساحة حيوية بالنسبة له، ومساعدات مهمة».


عبد الحميد جماهري

تجاوز النظرة النمطية عن المغرب

بيد أن يونس مجاهد، رئيس المجلس الوطني للصحافة في المغرب، أثار، في حديثه مع «الشرق الأوسط»، الانتباه إلى أن «المعركة الإعلامية مهمة جداً»، في هذه المرحلة، داعياً إلى «فتح نقاش صريح حول المسألة الاستعمارية»، للمساهمة في تجاوز النظرة النمطية عن المغرب، الناجمة عن مخلفات ثقافية عميقة تجد تربتها في الماضي الاستعماري الإسباني، وذلك رغم التحول المهم في تعامل مدريد مع قضية الوحدة الترابية للمملكة، الذي يشكل حدثاً تاريخياً، لكون إسبانيا كانت البلد الذي استعمر الصحراء.
وإذا كانت وسائل إعلام إسبانية قد وصفت قرار حكومة مدريد بخصوص قضية الصحراء بأنه «تاريخي»، فإن مجاهد أشار إلى أن العديد من مكونات الطبقة السياسية والإعلامية الإسبانية، سواء كانت محسوبة على اليسار أو على اليمين، تنطلق من «مواقف جاهزة وبنظرة استعلائية واستعمارية» غير مبالية بالأهمية الجيو - استراتيجية للعلاقات بين البلدين والتعاون القائم بينهما، خاصة على المستويين الاقتصادي والأمني.
وبالمقابل، لاحظ محمد المودن، الأستاذ بجامعة إشبيلية، المختص في الاتصال السياسي، لـ«الشرق الأوسط»، أن «هذا البلد الإيبيري بات خلال هذا التاريخ الحديث موضوعاً حيوياً في المعالجات الإعلامية لوسائل الإعلام المغربية البارزة والمؤثرة في صناعة الرأي العام المغاربي والمتوسطي، في حين يشكل المغرب شأناً داخلياً في إسبانيا، وذلك نتيجة المصالح المشتركة، وبسبب القضايا الخلافية بين البلدين، وجرت العادة أن يكون المغرب، في المعالجات الإعلامية الإسبانية، خاضعاً لتجاذبات سياسية داخلية، ومحكوماً بشكل قوي بهذه الدينامية. وقوة التجاذب والدينامية هذه (كما يوضح المودن) تجعل وسائل الإعلام الإسبانية مؤثرة في مسار العلاقة بين البلدين، بل هي تكون أحياناً، وبشكل واضح، مصدر استقرار هذه العلاقة أو اضطرابها.
وإذا كانت وسائل الإعلام التي تصنع الرأي العام، تفرض أجندتها على سياسة البلدين، بل يكون بيدها أحياناً أمر الحل والعقد، فإن المودن يشير، في هذا السياق، إلى أن ذلك «يظهر بشكل واضح، ليس في الأزمة الدبلوماسية الأخيرة بين البلدين، وهي واحدة من أسوأ الأزمات التي عاشتها الرباط ومدريد، بل في كل الأزمات السابقة».


محمد المودن

سقوط عقيدة قديمة

وعودة إلى جماهري الذي قال إن «ربح المغرب لم يقتصر على موقف مدريد الجديد، بل يشمل سقوط عقيدة قديمة كانت الجارة الشرقية للمغرب (في إشارة إلى الجزائر) تهدف من خلالها إلى عزل المملكة المغربية شمالاً، عبر تأزيم علاقاتها مع إسبانيا، وجنوباً عبر التشويش على وقف إطلاق النار وتلغيم معبر (الكركرات) على الحدود مع موريتانيا. وبهذا يكون الطوق الذي أرادته جيوش الجيران قد سقط، وربما انقلب السحر على الساحر».
وأضاف جماهري أن مدريد «تدرك أنها ربحت من المغرب صلابةً في وجه الإرهاب والهجرة غير المنظمة والجريمة الدولية، إضافة إلى وسادة المصالح الاقتصادية التي تجعل منها الشريك الأوروبي الأول للمغرب».
وهذا ما يجعل «طريق تطبيع العلاقات الحضارية مع إسبانيا طويلاً وشاقاً»، حسب مجاهد الذي يرى أن ذلك «يبدأ من الثقافة والإعلام. وعلى الإسبان، بالخصوص، أن يراجعوا نظرتهم للمغرب والمغاربة، لأن لهم أولاً مصلحة في ذلك على مختلف الأصعدة، بخاصة الاقتصادية»، معرباً عن اعتقاده الراسخ بأن إصلاح العلاقات مع المغرب «يتطلب التصالح مع التاريخ والجغرافيا، ويحتم عليهم أن يدفنوا الماضي استعماري بكل تجلياته وتلاوينه».

لغة التعالي لم تعد تطاق

ويتماشى رأي مجاهد هذا مع رأي كثير من المراقبين؛ ذلك أنهم يرون أن ما لم يعد يطاق فعلاً هو لغة التعالي والعجرفة التي يمارسها كثير من الإسبان ساعة الحديث عن دولة ومواطنين يوجدون على مسافة 14 كلم جنوباً. ويرى آخرون أن قليلاً من الاحترام للمغرب أصبح مرغوباً فيه «بل بات مطلوباً... إذا كنا نريد تفعيل خارطة طريق جديدة في ترسيم علاقات البلدين».
لكن المودن يؤكد أنه، وإن كانت وسائل الإعلام المغربية والإسبانية (خصوصاً الإسبانية، نتيجة بنيتها، وتجربتها التاريخية)، تمثّل لاعباً حاسماً في دينامية العلاقة بين البلدين، لكن الطرفين معاً يحتاجان إلى تطوير المعرفة بالآخر، موضحاً أنه ما زالت هناك حاجة إلى الاشتغال على المعرفة العميقة بالآخر، خصوصاً في بُعديها الثقافي والاجتماعي، لا سيما أن ظهور تكنولوجيا الاتصال منح مساحة أخرى لبناء خطاب إعلامي حول الآخر، للتأثير أيضاً في مسار العلاقات بين البلدين.
وبقدر ما تكون هذه المساحة الرقمية مصدر «تغليط وتأثير سلبي»، فإنها تكون أيضاً «مجال انفتاح على دوائر الصور غير المغلقة تجاه الآخر».



البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
TT

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)

مع تزايد الاعتماد على منصّات التواصل مصدراً للمعلومات، وفي ظل دراسات تتحدث عن سعي الجمهور لمتابعة الأحداث بشكل لحظي، باتت تقنية «البث المباشر» إحدى الأدوات الرئيسة التي تعتمدها وسائل الإعلام العالمية والعربية لتحقيق الانتشار الجماهيري وزيادة العوائد المالية. وحقاً، «تشير دراسات عدة إلى أن خدمات البث المباشر توفر فرصة لتحقيق الربح، لا سيما في مجالات التغطية الإخبارية الحية والمقابلات والفعاليات»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس»، حيث «تسمح منصات مثل (يوتيوب) و(فيسبوك) للمؤسسات الإخبارية ببث الأحداث في وقتها الفعلي، وغالباً ما يكون ذلك مدعوماً بالرعايات أو تبرّعات المشاهدين». وأفادت «أسوشييتد برس» بأن «منصّات التواصل أصبحت قنوات حيوية لتوزيع الفيديو وتحقيق العائدات المادية؛ إذ يمكن للمؤسسات الإخبارية توليد أرباح من مشاركة محتوى فيديو على منصات مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(إكس)».

عربياً، تزايد اعتماد مؤسسات إعلامية وصحافية كبرى على خدمات «البث المباشر» لا سيما مع الأحداث الكبرى، ما عدّه خبراء وسيلة لتحقيق الانتشار وزيادة العوائد المالية، والتي تؤثر على جودة المحتوى ودقة المعلومات.

ولقد أكدت الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر في الصحافة الرقمية العربية أصبح نموذجاً ربحياً متكاملاً وأداة للهيمنة الخوارزمية ضمن ما يُعرف باقتصاد التفاعل اللحظي». ولفتت إلى أن «البث المباشر وفّر مسارات ربحية بديلة للإعلانات التقليدية مع خفض النفقات التشغيلية بنسبة 60 في المائة خلال البث السحابي».

تقرير «معهد رويترز»

كذلك أوضحت عبد الغني أنه «على صعيد الانتشار، فإن البث المباشر يستمد قوته من الانحياز الخوارزمي للمنصات التي تمنحه أولوية الظهور العضوي». وفي هذا الصدد، أشارت إلى تقرير «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، العام الماضي، وتقرير «الابتكار الإعلامي» لعام 2026 بشأن «دور الآنية في تعزيز الموثوقية والمكاسب الرأسمالية للمؤسسات الإعلامية». وأردفت أن «نماذج عربية تتصدر المشهد، إضافة إلى مواقع صحافية عدة على النطاق العربي تتبارى في استخدام البث المباشر لتحقيق مكاسب».

وتابعت عبد الغني أنه رغم مزايا «البث المباشر» وقدرته على «نقل الأحداث بشكل آني، وزيادة التفاعل مع الجمهور وتعزيز المصداقية، فإن البث المباشر يواجه تحديات جوهرية تبدأ بخطر انتشار المحتوى المضلل نتيجة تغليب سرعة النشر على حساب الدقة وعمليات التحقق». كذلك تطرّقت إلى أن «ثمة تبعات أخلاقية وقانونية أيضاً، حيث يتسبب البث المباشر في أزمات تتعلق بانتهاك الخصوصية، كما يزيد من الضغوط النفسية على الصحافيين، ويؤدي لتراجع العمق الصحافي وتآكل الاستقلالية التحريرية لصالح معايير الانتشار اللحظي».

من جهة ثانية، أطلقت منصة «فيسبوك» خدمة البث المباشر في أبريل (نيسان) عام 2016، وكانت الخدمة في البداية متوافرة لمجموعات معينة قبل أن تتيحها للجميع. ومنذ إطلاقها بدأت المواقع الصحافية والإعلامية على مستوى العالم استخدامها، وتزايد استخدام النطاق العربي مع «فيسبوك» نهاية عام 2020، عندما منحت عائدات مالية لناشري فيديوهات البث المباشر نظير بيعه إعلانات تظهر في أثناء البث.

وحول هذا الموضوع، تحدث مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عن «صعود واضح للبث المباشر على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل العديد من الوسائل الإعلامية... وهذا الصعود طبيعي بسبب اعتماد معظم الناس حالياً على استقاء المعلومات من منصات التواصل».

وفي حين أكّد كيالي مزايا البث المباشر، فإنه أشار إلى «مشكلة أساسية وهي أن بعض البلدان لا تمتلك سرعات إنترنت كافية تسمح بمتابعة البث المباشر دون تقطيع، ما يؤثر على تجربة المشاهدة بشكل كبير».

شعار "غوغل" (رويترز)

أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات

أما الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، محمد فتحي، فذكر أن «البث المباشر عبر المنصات لم يعد مجرد خيار تحريري، بل أصبح أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات الإعلامية، بسبب تغيّر سلوك الجمهور من شاشات التلفزيون إلى الهواتف الذكية». وأضاف: «البث المباشر يسهّل الوصول للجمهور ويحقّق عوائد مادية مباشرة من خلال الإعلانات المدمجة، والرّعايات وميزات الدعم المباشر من المتابعين مثل نظام النجوم في (فيسبوك)، أو الهدايا في (تيك توك)».

ولفت فتحي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «الإحصائيات تشير إلى أن المستخدمين يمضون وقتاً أطول بـ3 أضعاف في مشاهدة الفيديوهات المباشرة مقارنة بالفيديوهات المسجلة»، غير أن هذه الميزة «تكتنفها عيوب وتحديات، على رأسها غياب السيطرة التحريرية، والاعتماد المفرط على التقنيات الذكية، بالإضافة إلى خطر نشر الشائعات على حساب الدقة والتحقق الكافي، والوقوع تحت رهن الخوارزميات الخاصة بالمنصات، ما قد يتسبب في تغيير السياسات التحريرية والمهنية».

من جهته، أوضح الصحافي اللبناني محمود غزيل، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر بات أداة قوية لسرعة الوصول للمستخدمين، وإحدى أبرز الأدوات التي أعادت تشكيل العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور»، مضيفاً أن «معظم المؤسسات الإعلامية تعتمد بشكل متزايد على البث المباشر عبر منصّاتها الرقمية، إلى جانب البث التلفزيوني».

وأرجع غزيل ذلك إلى «تنبّه تلك المؤسسات إلى أن المشاهد لم يعُد جالساً أمام شاشة، كما كانت العادة في السابق، كما أن الجمهور العربي بات أكثر انتقائية؛ إذ يبحث عن المواد التي يراها أكثر قرباً من تطلعاته، ويرغب في متابعة الأحداث لحظة بلحظة وحتى أحياناً التفاعل معها».

ووفق غزيل، يحقق البث المباشر مزايا عدّة، لخصها بـ«إتاحة التواصل الفوري مع الجمهور، وإيصال المعلومة إلى جمهور عالمي من دون قيود جغرافية»، ولكن في الوقت نفسه «يحدّ من قدرة المؤسسات على مراجعة أو تعديل المحتوى، ما يزيد من مخاطر الأخطاء، كما أنه يتأثر بقوة الإنترنت، ويعرض المؤسسة لتبعات قانونية حال انتهاك الخصوصية».

وبحسب غزيل، «البث المباشر، هو أحد أهم محركات التحول في الإعلام العربي، وأداة لا غنى عنها لتعزيز التفاعل، والمصداقية، والابتكار، بشرط أن يُدار بمهنية، ومسؤولية، ووعي بالتحديات والفرص التي يفرضها العصر الرقمي».

وراهناً، يقدّر حجم سوق البث المباشر العالمي، وفق ما نشره موقع «غراند فيو ريسيرش»، بنحو 87.55 مليار دولار أميركي في عام 2023. ومن المتوقع أن يصل إلى345.13 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب قدره 23.0 في المائة خلال الفترة من 2024 إلى 2030.


كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

أصدرت شركة «ميتا»، مالكة منصة «فيسبوك»، تحديثات جديدة «تهدف إلى مساعدة منشئي المحتوى لتعميق استفادتهم من أدوات تحقيق الربح المتطورة على المنصة»، وذلك بالتزامن مع سعي الشركة إلى «زيادة معدلات التفاعل داخل التطبيق في خضم المنافسة المحتدمة مع منصات أخرى».

هذا الأمر، أثار تساؤلات حول كيفية استغلال المؤسسات الإعلامية للنموذج الربحي الجديد من المنصة لتعزيز عوائد مستدامة. وللعلم، كانت «ميتا» قد أكدت نهاية مارس (آذار) الماضي أنها «تهدف إلى دعم صُناَّع المحتوى من خلال تحقيق مزيد من الأرباح، كما تسعى لمكافأة المحتوى الأصلي، عبر تخصيص عوائد متدفقة تشمل أنماطاً متعددة من المحتوى، مثل الفيديو القصير، والصور، وكذلك المنشورات النصية وحتى القصص التي لها إطار زمني».

الشركة قدَّمت توصيات عدة، عدّتها شروطاً لتعزيز عوائد مستدامة لصناع المحتوى، إذ أوصت بتجربة أنواع مختلفة من المنشورات، بما في ذلك الصور والنصوص والقصص، لفهم ما يفضِّله الجمهور. إلا أنَّها وضعت الفيديو القصير «الريلز» في صدارة الاهتمامات. وأشارت أيضاً، إلى أنَّ «أصالة المحتوى» عامل مهم لتحقيق أرباح. وفي المقابل، حذَّرت في إرشاداتها من محاولات الوصول التي تعتمد على التلاعب بالخوارزميات، مثل الجمل التحفيزية على شاكلة «شاهد حتى النهاية»، ما لم يكن المحتوى يُقدِّم قيمةً حقيقيةً وملموسةً للمشاهد.

«ميتا» تفيد بأنَّ مقاطع «الريلز» هي المُحرِّك الأساسي للأرباح في الوقت الراهن، فمن بين نحو 3 مليارات دولار دفعها موقع «فيسبوك» لمنشئي المحتوى في عام 2025، استحوذت مقاطع «الريلز» وحدها على 60 في المائة من إجمالي هذه المدفوعات.

محمد الفياض، الباحث في الإعلام الرقمي، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ التحوُّل الأساسي هو الانتقال من «اقتصاد الإحالة» إلى «اقتصاد المنصة». وأردف: «غرف الأخبار لم تعد تُصمِّم محتواها ليدفع المستخدم للنقر ومغادرة فيسبوك نحو موقعها؛ بل صارت تعيد هيكلة فرقها لإنتاج محتوى أصيل يُستهلك بالكامل داخل المنصة، وتحديداً عبر الفيديو القصير».

وشدَّد الفياض على أنَّ «المعايير الآن أصبحت تقنية وإحصائية أكثر منها صحافية تقليدية لتحقيق الربح. إذ يجب أن يتجاوز المحتوى عتبة القيمة المضافة، أي أنَّ مجرد نقل الخبر لم يعد كافياً، بل يجب أن يتضمَّن رؤية أو تحليلاً خاصاً بالمؤسسة». وتابع إن «الخوارزمية الآن تقيس الجودة من خلال معدل الإكمال، أي عدد مشاهدة الفيديو، والتفاعل النوعي - أو النقاشات في التعليقات -، ببساطة، الجودة التي تدرّ مالاً هي التي تبقي المستخدم أطول فترة ممكنة داخل التطبيق».

وعن جدّية المنصة في دعم المحتوى الأصلي، قال الفياض: «تاريخياً تحرّكت فيسبوك وفق البراغماتية الاقتصادية»، واهتمامها الحالي بالمحتوى الأصلي «يندرج تحت بند التنافسية الاستراتيجية للبقاء في سوق المنصات أمام المنافسين، وهو قرار يرتبط بجدوى الأعمال ومسار السوق».

من جهة ثانية، قال عبد الله جمعة، الباحث في التسويق الرقمي، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ «فيسبوك» تنتهج مساراً جديداً فيما يتعلق بتعزيز الأرباح منذ أواخر العام الماضي. وأوضح أن هذا المسار ظهر من خلال دعم أشكال الفيديو، حيث منحت المنصة الأولوية للفيديوهات القصيرة (الريلز) من خلال تمديد الإطار الزمني. وهكذا لم تعد مقيدة بعدد دقائق، كما اتجهت لتحويل أنماط الفيديو الأخرى لنمط الريلز، مستفيدة من النجاح الكبير الذي حققه هذا النوع خلال السنوات الماضية، في ظلِّ المنافسة مع باقي المنصات.

وأضاف جمعة: «هذا التغيير أتاح لصالات الأخبار ميزةً مهمةً، وهي عدم التقيُّد بمدة محددة، ما منح الفيديوهات الأطول فرصةً أكبر لظهور الإعلانات، وبالتالي تحقيق أرباح أعلى». واستطرد شارحاً أن دعم «فيسبوك» لهذا البرنامج غيَّر خريطة الأرباح إلى حد ما، و«زادت عوائد الصور بشكل ملحوظ، بينما تراجعت أرباح الفيديو مقارنة بالسابق، في إطار تنويع مصادر الدخل داخل المنصة».

وبحسب جمعة «تعمل فيسبوك حالياً على وضع قيود كبيرة على المحتوى السطحي أو المعاد، في مقابل دعم المحتوى الأصلي غير المكرَّر الذي يقدِّم قيمةً حقيقيةً مثل التحليل أو المعلومات، مع الحفاظ على تفاعل الجمهور ومدة مشاهدة جيدة».

ثم أشار إلى سبيل آخر يمكن للمؤسسات أن تحقِّق من خلاله أرباحاً مستدامة اعتماداً على المسار المستحدث لمنصة «فيسبوك»، قائلاً: «المنصة تتجه حالياً لخلق مسارات جديدة لتحقيق الأرباح، من بينها دعم المعجبين والاشتراكات، التي بوشر بتطبيقها في بعض الدول الأوروبية بوصفها تجربةً قبل التعميم». وأضاف: «بالنسبة للعالم العربي، فإنه يمكن للمؤسسات تحقيق أرباح ثابتة من هذا المسار، لكن بشروط واضحة، أهمها، تقديم محتوى بنّاء، والاعتماد على شخصيات موثوقة ومحببة للجمهور، وتقديم مزايا حقيقية للمشتركين. وفي هذه الحالة يتحوَّل الجمهور من مجرد متابع إلى داعم حقيقي».


استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
TT

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية، دون تسجيل إصابات.

وأوضح مراسل القناة، أنه نجا بأعجوبة من القصف الإسرائيلي بعد سقوط القذيفة المدفعية بجانبه وما ألحقته من تناثر الشظايا في المكان، إضافة لنجاة بقية الإعلاميين الذين كانوا موجودين في المنطقة المستهدفة.

وأضاف المراسل أن الجيش الإسرائيلي أطلق قذائف هاون بين قرية الصمدانية الغربية وسدّ المنطرة في ريف القنيطرة الأوسط، دون ورود معلومات عن إصابات إضافية.

وفي 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي عند أطراف مدخل قرية الصمدانية الشرقية، ضمن سلسلة انتهاكات مستمرة جنوب البلاد. وأقامت القوات وفق ما أفاد مراسل «الإخبارية» حاجزاً عند مفرق الصمدانية - العجرف مؤلفاً من ثلاث آليات عسكرية.

وتستمر قوات الاحتلال في اعتداءاتها وتوغلاتها داخل الأراضي السورية، ولا سيما في ريفي القنيطرة ودرعا، وتنفذ اعتداءات بحق المدنيين واعتقالات وتخريب.

الباحث السوري نوار شعبان، وصف ما جرى في القنيطرة بأنه لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثة عابرة، بل يمثل تطوراً خطيراً، لأنه لا يتعلق فقط باعتداء عسكري، بل باستهداف مباشر لعمل إعلامي وصحافي.

وأضاف في تغريدة على منصة «إكس»، أن الإعلاميين كانوا يقومون بعملهم الطبيعي في نقل ما يجري على الأرض، وهو عمل يفترض أن يكون محمياً وفق القوانين الدولية التي تحمي الصحافيين أثناء النزاعات. مشدداً على أن استهدافهم بهذا الشكل يفتح سؤالاً كبيراً حول سلامة العمل الإعلامي في الجنوب السوري، خاصة في ظل تكرار القصف والتوغلات الإسرائيلية في ريف القنيطرة خلال الفترة الأخيرة.

صورة للقصف الإسرائيلي على موقع تجمع الصحافيين السوريين في القنيطرة (متداولة)

وطالب شعيب وزارة الخارجية السورية بإصدار بيان رسمي واضح يدين هذا الاعتداء ويستنكره، ويضعه في إطاره الصحيح كونه استهدافاً لحرية العمل الإعلامي وسيادة الأراضي السورية، معتبراً أن ترك مثل هذه الحوادث دون موقف رسمي يعني تحويلها إلى أمر اعتيادي.

عناصر من قوات الأمم المتحدة تتفقد بقايا الصاروخ في قرية الحيران بريف القنيطرة (سانا)

وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي قد توغلت، الثلاثاء، على الطريق الواصل بين قرية نبع الفوار في ريف القنيطرة الشمالي، وقرية حرفا في ريف دمشق الغربي.

وذكر مراسل «سانا» في القنيطرة، أن قوة للاحتلال مؤلفة من عدة آليات عسكرية توغلت على الطريق الواصل بين القريتين، ونصبت حاجزاً مؤقتاً في المنطقة، وعمدت إلى تفتيش المارة، دون ورود أنباء عن أي حالات اعتقال.

ويواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاته وخرقه اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 عبر التوغلات المتكررة في جنوب سوريا، والاعتداء على المواطنين بالمداهمات والاعتقالات التعسفية والتهجير القسري وتدمير الممتلكات وتجريف الأراضي الزراعية.