فصل من رواية «إيلينا تعرف» للكاتبة الأرجنتينية كلاوديا بينيرو

وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة «البوكر» العالمية

كلاوديا بينيرو
كلاوديا بينيرو
TT

فصل من رواية «إيلينا تعرف» للكاتبة الأرجنتينية كلاوديا بينيرو

كلاوديا بينيرو
كلاوديا بينيرو

تصدر قريباً عن دار «العربي» للنشر بالقاهرة الترجمة العربية لرواية «إيلينا تعرف» للكاتبة الأرجنتينية كلاوديا بينيرو والتي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر العالمية. أنجزت الترجمة عن النسخة الإنجليزية لـ«لبوكر»، المترجمة نهى مصطفى. والرواية هي الخامس للكاتبة الذي يصدر عن الدار.
ولدت كلاوديا بالأرجنتين عام 1960، حيث بدأت حياتها بالعمل محاسبة ثم عملت بالصحافة، وفازت عام 1992 بجائزة «بيلياد» الصحافية، ألّفت العديد من الروايات والمسرحيات، وكتبت السيناريو للتلفزيون، وحصل بعض مؤلفاتها الأدبية على جوائز مهمة مثل جائزة «كلارين» الأدبية عن روايتها الأكثر مبيعاً «أرامل الخميس»، وجائزة «سور خوانا إنيس دو لاكروز» عن رواية «شقوق جارار»، وتحولت روايتها «كلي لك» إلى فيلم سينمائي.

وترى المترجمة أن «بينيرو» في معظم أعمالها توظف الجريمة كعدسة مكبرة لتشريح مجتمعها وإلقاء الضوء على تعقيدات النفس البشرية؛ فالجريمة هنا مفتاح لفهم الإنسان بتعقيداته. وفي «إيلينا تعرف»، نجد أنفسنا بإزاء حكاية فريدة تجمع بين خيال الجريمة والحكايات الأخلاقية بحثاً عن الحرية الفردية. بعد العثور على «ريتا» ميتة في برج الجرس بالكنيسة التي اعتادت حضورها، يُغلق التحقيق الرسمي في الحادث بسرعة. لكن الدتها المريضة بمرض «باركنسون» هي الشخص الوحيد الذي ما زال مصمماً على العثور على الجاني. تؤرخ الرواية لرحلة صعبة عبر ضواحي المدينة، وتكشف أسرار شخصياتها والجوانب السلطوية الخفية والنفاق في المجتمع.
هنا فصل من الرواية:
الصباح
تكمن الحيلة في أن ترفع القدم اليمنى بضعة سنتيمترات فقط فوق الأرض، ثم تحركها للأمام في الهواء بما يكفي لتتجاوز القدم اليسرى. عندما تصل إلى أبعد مسافة ممكنة، تنزلها. تفكر «إيلينا» أن هذا كل ما في الأمر. وعلى الرغم من أن مخها يأمرها بالحركة، فإن قدمها اليمنى لا تتحرك. لا ترتفع لفوق، لا تتحرك للأمام في الهواء، ولا تعود لأسفل مرة أخرى. الأمر في غاية البساطة. لكنه لا يحدث.
لذلك؛ تجلس «إيلينا» وتنتظر في مطبخها. عليها أن تستقل القطار إلى المدينة في الساعة العاشرة. القطار الذي يليه سيأتي في الساعة الحادية عشرة، لكن لن ينفع، فهي قد تناولت الحبة في الساعة التاسعة، لذلك تظن؛ بل هي متأكدة من أن عليها أن تأخذ قطار الساعة العاشرة فور أن يتمكن الدواء من إقناع جسدها باتباع أوامر مخها. لن يصلح قطار الساعة الحادية عشرة؛ لأنه بحلول ذلك الوقت سيكون تأثير الدواء قد تلاشى واختفى تقريباً. عندها ستعود إلى ما هي عليه الآن، ولكن دون أي أمل في أن يكون لدواء «ليفودوبا» أي مفعول.
«ليفودوبا» هو اسم المادة الكيميائية التي ستبدأ الانتشار في جسدها بمجرد أن تذوب الحبة. أصبح الاسم مألوفاً لها منذ فترة. هذا ما قاله الطبيب وكتبته على ورقة لأنها تعلم أنها لن تفهم خط الطبيب. إنها تعرف أن «ليفودوبا» يتحرك في جسدها. كل ما يمكنها فعله الآن هو الانتظار.
من الذاكرة، تبدأ في عد الشوارع وتذكُّر أسمائها، من الأول إلى الأخير ومن الأخير إلى الأول:
«لوبو»، «مورينو»، «25 مايو»، «ميتري»، «روكا».
«روكا»، «ميتري»، «25 مايو»، «مورينو»، «لوبو»، «ليفودوبا».
إنها على بعد خمسة شوارع فقط من محطة القطار، وتفكر في أنها ليست بعيدة. تستمر في تلاوة أسماء الشوارع، وتستمر في الانتظار.
خمسة.
لا تستطع إعادة ترتيب هذه الشوارع الخمس، ولكن يمكنها تكرار أسمائها في صمت.
تتمنى ألا تقابل أي شخص تعرفه اليوم. لا تريد أن يسألها أحد عن صحتها أو يعزيها تعزية متأخرة في وفاة ابنتها. كل يوم يظهر شخص جديد لم يستطع حضور الجنازة أو الدفن. أو لم يجرؤ على الحضور أو لم يرد الحضور. عندما يموت شخص مثل «ريتا»، يشعر الجميع بأنهم مدعوون إلى الجنازة. هذا هو السبب في أن موعد الساعة العاشرة صباحاً أسوأ وقت، كما تعتقد؛ لأنها ولكي تصل إلى المحطة عليها أن تمر بجوار البنك، واليوم هو يوم قبض المعاشات؛ لذلك من المحتمل جداً أن تقابل جاراً أو أي شخص آخر أو عدة أشخاص.
على الرغم من أن البنك لا يفتح حتى الساعة العاشرة، في الوقت نفسه بالضبط الذي سيصل فيه قطارها إلى المحطة وستكون هناك جاهزة للصعود، والتذكرة في يدها. لكن، قبل ذلك، تعلم «إيلينا»، أنه سيتعين عليها اجتياز صف أصحاب المعاشات خارج البنك. يقفون وكأنهم يخافون من أن ينفد المال؛ لذلك يفضلون الوصول إلى هناك مبكراً. يمكنها تجنب المرور من أمام البنك إذا سارت حول المبنى، لكنه شيء لا يسمح به مرض «باركنسون»... هذا هو اسمه.
«إيلينا» تعرف أنها لم تعد تتحكم في بعض أجزاء جسدها منذ فترة. قدمها على سبيل المثال، هي المسؤولة عنها أم هي. وتتساءل ما إذا كان مرض «باركنسون» مذكراً أم مؤنثاً؛ لأنه على الرغم من أن الاسم يبدو ذكورياً فإنه لا يزال علة، والعلة مؤنثة. تماماً مثل المصيبة أو النقمة.
شرح لها الدكتور «بينجاس» مرات عدة، لكنها ما زالت لا تفهم. إنها تفهم ما لديها لأنه داخل جسدها، لكنها لا تفهم بعض الكلمات التي يستخدمها الطبيب. كانت «ريتا» معها عندما شرح لها المرض لأول مرة. «ريتا»، التي ماتت الآن. أخبرهما أن مرض «باركنسون» هو تدهور في خلايا الجهاز العصبي. وقد كرهت هي وابنتها تلك الكلمة «تدهور».
لا بد أن الدكتور «بينيجاس» قد لاحظ ذلك لأنه حاول بسرعة أن يشرح قائلاً:
- مرض بالجهاز العصبي المركزي يؤدي إلى تدهور، أو تحور، أو تغيير، أو تعديل الخلايا العصبية بحيث تتوقف عن إنتاج «الدوبامين».
ثم عرفت «إيلينا» أنه عندما يأمر مخها قدمها بالتحرك، على سبيل المثال، فإن الأمر سيصل إلى قدمها، لكن فقط إذا أخذه «الدوبامين» إلى هناك، مثل المرسال، كما فكرت في ذلك اليوم. لأي أنها ممثلة عن مرض «باركنسون»، و«الدوبامين» هو المرسال.
فكرت أن مخها يُعتبر لا شيء؛ لأن قدمها لا تستمع إليه الآن، مثل الملك المخلوع الذي لا يدرك أنه لم يعد مسؤولاً بعد الآن. أو قصة الإمبراطور الذي خرج أمام شعبه بلا ملابس. تلك القصة التي اعتادت أن تحكيها لـ«ريتا» عندما كانت صغيرة. الملك المخلوع، الإمبراطور الأحمق. والآن أصبح هناك: هي... «العلة». ليست «إيلينا»... ولكن مرضها، والمرسال والملك المخلوع.
تكرر «إيلينا» الأسماء مثلما تكرر أسماء الشوارع التي يجب أن تمر بها للوصول إلى المحطة. الأسماء ترافقها أثناء انتظارها. من الأول إلى الأخير ومن الأخير إلى الأول. إنها لا تحب عبارة «إمبراطور بلا ملابس»؛ لأن ذلك يعني أنه عارٍ. تفضل الملك المخلوع. تنتظر، وتكرر، تقسمهم إلى أزواج: العلة والمرسال، المرسال والملك، الملك والعلة. حاولت تحريك قدمها مرة أخرى، لكنها لا تزال غريبة عنها، ليست عاصية فحسب، بل صماء. قدم صماء. كم تحب «إيلينا» أن تصيح فيها «تحركي يا قدماي، أسرعي! اللعنة». أن تصرخ «تحركي وأسرعي، اللعنة». لكنها تعلم أن ذلك بلا فائدة، لأن قدمها لن تستمع إلى صوتها أيضاً.
لذلك هي لا تصرخ؛ إنها تنتظر. تتلو أسماء الشوارع والملوك ثم الشوارع مرة أخرى. تضيف كلمات جديدة: «الدوبأمين”: «ليفودوبا”. تفترض أن الرابط بين كلمتَي «دوبامين» و«ليفودوبا» هو مقطع «دوبا»، يجب أن يكونا مرتبطين، لكنها تخمن فقط، هي لا تعرف على وجه اليقين، تتلو الكلمات وتلعب بها وتترك لسانها يلتوي وتنتظر ولا تهتم. لا تهتم إلا بمرور الوقت وأن الحبة تذوب وتتحرك عبر جسدها إلى قدميها اللتين ستحصلان أخيراً على رسالة تفيد بأنه يتعين عليهما البدء في التحرك.
إنها متوترة، وهذا ليس جيداً؛ لأنها عندما تُصاب بالتوتر فإن الدواء يستغرق وقتاً أطول في إتيان مفعوله. لكنها لا تستطيع أن تفعل أي شيء حيال ذلك. اليوم ستلعب الورقة الأخيرة، ستحاول معرفة من قتل ابنتها. ستتحدث إلى الشخص الوحيد في العالم الذي تعتقد أنها يمكن أن تقنعه بمساعدتها. هناك دين قديم، شيء يكاد أن يُنسى. سوف تستدعي هذا الدين، على الرغم من أنه إذا كانت «ريتا» على قيد الحياة فلن توافق:
- الحياة ليست سوق مقايضة يا أمي، بعض الأشياء تتم لأنها مشيئة الله.
لن يكون الأمر سهلاً، لكنها ستحاول.
«إيزابيل» هو اسم المرأة التي تبحث عنها. إنها غير متأكدة من أن «إيزابيل» ستتذكرها. في الأغلب لا، سوف تتذكر «ريتا»؛ لأنها ظلت ترسل لها بطاقة عيد الميلاد كل عام. ربما لم تعلم بوفاة «ريتا». إذا لم يقل لها أحد، أو لو أنها لم تقرأ النعي الذي نشرته إدارة المدرسة التي عملت فيها «ريتا» بعد يومين من الدفن، يعبرون فيه عن حزن الإدارة والموظفين والطلاب جميعا على رحيلها المفاجئ. إذا لم تجد «إيزابيل» اليوم، فمن شبه المؤكد أنها سترسل بطاقة أخرى في ديسمبر (كانون الأول) المقبل، موجهة إلى امرأة ميتة، تتمنى لها عيد ميلاد مجيداً وسنة جديدة سعيدة.
إنها ستتذكر «ريتا» بالتأكيد، لكن هي، «إيلينا»، ربما لن تتذكرها. وحتى لو تذكرتها فلن تتعرف عليها بعد أن أصبحت محاصرة، منحنية، داخل جسد متدهور لا يتناسب مع عمرها.
عندما تواجه «إيزابيل» ستكون مهمة «إيلينا» هي شرح من هي ولماذا هي هنا. ستخبرها عن «ريتا» وعن وفاتها. أو بالأحرى ستخبرها بالقليل الذي تفهمه من كل ما قالوه لها. تعرف «إيلينا» أين تجد «إيزابيل»، لكنها لا تعرف كيف تصل إلى هناك، على الرغم من أنها ذهبت إلى هناك منذ عشرين عاماً مع «ريتا». إذا وافاها الحظ، أو إذا لم تنتقل «إيزابيل» للسكن في مكان آخر، أو إذا لم تمت مثل ابنتها، فستجدها هناك، في ذلك المنزل القديم في منطقة «بلجرانو». المنزل الذي له باب خشبي ثقيل بإطار برونزي، بجانب بعض عيادات الأطباء.



الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري
TT

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

تنهض مقامات الحريري على نسقٍ سرديٍّ ثلاثيٍّ يتوزّع بين المؤلف الخارجي، والراوي الشاهد، والبطل المركزي؛ إذ يتولى القاسم بن علي الحريري (446هـ/1054م - 516هـ/1122م) بناء النص، ويؤدّي الحارث بن همّام وظيفة الراوي الشاهد، في حين يشغل أبو زيد السروجي موقع الشخصية المحورية التي تنتظم حولها المقامات.

صاغ الحريري 50 مقامة، أي 50 حكاية عن أبي زيد السروجي، ورسم لنا شخصية ساحرة ببلاغتها وتصرّفها في فنون الكلام، وساخرة من النخب والعوام، ومتهكّمة على المهن والمؤسسات، وهامزة هازئة بالتسلسل الهرمي الاجتماعي من مختلف الفئات.

شخصية متعدِّدة الأدوار والأطوار؛ متسلّقة اجتماعياً، ومخادعة مراوغة دهيّة ظريفة. تتفوّق على القاضي، وتقلّد الواعظ، وتتوسل المرأة العجوز لاستدرار شفقة الناس وعطفهم ورِفْدِهم.

لقد ركّزت الدراسات النقدية التي تناولت مقامات الحريري على المؤلف، بل ورأى بعض الدارسين أن شخصية المقامة هي شخصية المؤلف لا شخصية بطلها، في حين ركّزت دراسات أخرى على أبي زيد، فألّفت حوله الكتب والمقالات، بينما لم تحظ شخصية الحارث بن همام بعناية مماثلة، ولم يُلتفت إليها بدراسة مستقلة على الرغم من كونها تدخل في صلب الوقائع الحكائية المبثوثة في المقامات بحيث تمثّل نقطة التوازن بين السرد والتأمل، وبين الإعجاب والنقد، وبين الأخلاق والجمال.

وأول مظاهر الفروق في الاهتمام المنصبّ على أبي زيد دون الحارث بن همام، البحث في حقيقة أبي زيد هل هو شخصية حقيقية أم شخصية خيالية، حيث مالت نصوص النقد الأدبي القديم إلى الحديث عن الأصل الحقيقي لهذه الشخصية في حين أن النقد الأدبي المعاصر أنكر ذلك. أما الحارث بن همام فلم يبحث أحد عن حقيقته، بل تسالم الجميع على كونه ناطقاً باسم الحريري، مع العلم أنّ أبا زيد لا يعدو هذه المرتبة أيضاً.

لقد انصبّ الاهتمام فقط على سبب اختيار اسم الحارث، وفسّره ياقوت الحموي بأنّ الحريري عنى نفسه بهذا الاسم أخذاً من قوله صلى الله عليه وسلم: «كلكم حارث وكلكم همّام»، فالحارث الكاسب، والهمّام كثير الاهتمام بأموره، وكان بإمكان النقد الأدبي أن يستغل هذه الإشارة ليوضّح لنا كيف غدا الراوي حارثاً وهمّاماً في هذه المقامات؟ غير أنّه غفل عن طبيعة تكوين الحارث الذي لا يقلّ ثراءً وتعقيداً وبلاغةً عن أبي زيد، إذ لم يلحظ النّقاد أنّه ليس مجرد ناقل للأحداث، بل عين القارئ وضميره ووسيطه الجمالي والأخلاقي في آن واحد.

إنّه جوّاب آفاق، وهي صفة يشترك فيها مع أبي زيد، غير أنه يختلف معه في أسبابها، فأبو زيد له سبب واحد هو الكدية والحصول على المال، أما الحارث فهو يرحل سعياً للرزق مرة، وابتغاءً للمتعة واللهو مرة أخرى، وطلباً للعلم والمعرفة مرة ثالثة، وهو في كلّ رحلة من هذه الرحلات التي يطوّف فيها من بلد لآخر يلتقي بأبي زيد في مظهر مختلف، ويكتشف حيلة جديدة، فيسردها علينا ويقدمها لنا، وتتجاوز مهمته مجرد السرد، فيمهّد للمشهد، ويخلق الإطار الحكائي، لبطل يبدّل صوره وشخصياته، كما يبدّل المحموم وسائده.

تبدأ علاقة الحارث بأبي زيد في أول مقامة من لقاءٍ عابرٍ في صنعاء حين يرى واعظاً «يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه»، فيتتبّعه بعد انفضاض المجلس، ويراه يأوي إلى مغارة يأكل مع تلميذٍ فيها الحنيذ، ويشرب النبيذ، فيكتشف زيف هذا الواعظ، ويسأل التلميذ عن اسم شيخه فيجيبه: «هذا أبو زيد السروجي: سراج الغرباء وتاج الأدباء». من هنا تبدأ هذه العلاقة، ثم تتطور وتمرّ في عدة مراحل متداخلة: مرحلة الدهشة والانخداع في البدايات، إذ ينجذب الحارث إلى بلاغة أبي زيد بسهولة، ويقع في خداعه دون مقاومة، وتبدأ مرحلة الاكتشاف عندما يدرك نمط أبي زيد المتكرّر، ومرحلة التواطؤ، فقد بات يعرف حقيقته، لكنّه يستمر في المتابعة بدافع الإعجاب بل الافتتان، ومرحلة التوتّر الأخلاقي عندما يحاول التوفيق بين رفضه الأخلاقي ومتعة السرد، وأخيراً مرحلة النضج، إذ يصبح واعياً ببنية المقامة نفسها، ويدرك أنّه داخل لعبة أدبية، غير أنّ هذه المراحل لا تسير في خطٍّ تصاعدي واضح، فالمقامات في بنيتها تقوم على إعادة إنتاج موقف الخداع البلاغي في صور متعدِّدة، فتتكرّر الحيلة وتتنوّع الصيغ، دون أن يُبنى ذلك وفق نموٍّ تدريجيٍّ ثابت، فأبو زيد لا يظهر إلا في صورة جديدة، ولا يتكلم إلا بلسان مختلف، ولا يتحرك إلا داخل لعبة تمويهٍ واسعة. هنا يتحول الحارث من ضحيةٍ إلى شاهدٍ واعٍ، وإن ظلّ متورطاً عاطفياً وجمالياً، وبذلك يتّضح أنَّ وظيفة الحارث ليست محايدة. فهو يشارك في تشكيل المعنى ويعيش حالةً دائمةً من التذبذب بين الإعجاب والرفض. حين يسمع خطب أبي زيد المؤثرة، ينجذب إليه جماليّاً، لكنّه حين يكتشف الخديعة ينفر منه أخلاقيّاً. هذا التناقض هو جوهر شخصيته: مبدأ يرفض الكذب، وذائقة جمالية تنجذب إلى براعة الكذب، لذلك نراه أحياناً يوبّخ ضمنياً، وأحياناً يسوّغ، وأحياناً يكتفي بالمشاهدة. وإذا كان أبو زيد متلوّناً، متحوّلاً، مراوغاً، فإن الحارث ثابت نسبياً، ويمثّل نوعاً من «المرجع الأخلاقي»، وهذا التضاد مقصود فنياً: فأبو زيد يعبّر عن الحركة والخداع والتحوّل، والحارث يرمز إلى الثبات والملاحظة والتأمّل.

تتعمّق هذه العلاقة فتغدو نوعاً من الصحبة الفكرية. ينتقل الحارث من موقع المشاهدة إلى تتبّع أبي زيد عبر المدن، ويتحوّل هذا الترحال تدريجياً إلى مدخل لفهم الخداع نفسه: كيف يُبنى؟ كيف يُصدَّق؟ ولماذا ينجذب الناس إليه رغم إدراكهم أنه زيف؟

في بعض المقامات، يتحوّل الحارث من مجرد شاهد على ما يجري إلى دائرة الفعل، فيطلب أحياناً من أبي زيد أداءً بلاغيّاً معيّناً، أو يختبر قدرته على الإقناع، أو يغضّ الطرف عن بعض خداعه. ومع ذلك، لا يمكن وصفه بالمشارك الكامل، إذ يبدو كأنّه يقف في منطقة رمادية بين الحياد والتورّط، يستمتع بالمشهد على الرغم من إدراكه أنّه قائم على الخداع.

ومع تتابع التجربة، يبدأ الحارث في اكتساب وعي أعمق بطبيعة ما يراه؛ ويتحول من ضحيَّةٍ إلى مشارك ضمنيٍّ في إنتاج المتعة السردية. يتعلم كيف يتأرجح بين التصديق والتأويل، وبين الانخداع باللغة والوعي بآلياتها. وهكذا لا يصل إلى يقين نهائيّ، بل إلى وعيٍّ متوتّر يزداد تعقيداً مع كل مقامة، حتى يصبح جزءاً من إنتاج المتعة السردية نفسها، لا مجرد شاهد عليها.

في المقامة الأخيرة، يحدث التحول الأهم: يقرّر أبو زيد التوبة وترك الحيل، ويتجه إلى العبادة والوعظ. هنا ينقلب موقف الحارث بشكل مفاجئ. بدلاً من الفرح، يشعر بخيبة أمل. فالتوبة، رغم قيمتها الأخلاقية، تعني نهاية اللعبة التي كانت تغذي فضوله ومتعة المراقبة لديه، ويبدو أنّ الحارث كان يظن أنه يبحث عن الحقيقة الأخلاقية، لكنّه يكتشف أنّه كان يستمتع بالبنية الجمالية للخداع أكثر من اهتمامه بالحقيقة نفسها.

في المشهد الأخير يحدثنا الحارث عن آخر ما دار بينهما من حوار، إذ يدنو منه «كما يدنو المصافح، وقلت: أوصني أيها الناصح. فقال: اجعل الموت نصب عينك، وهذا فراق بيني وبينك، فودّعته وعبراتي يتحدّرن من المآقي، وزفراتي يتصعّدن من التراقي، وكانت هذه خاتمة التلاقي». 

 

 


«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية
TT

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

لم يكن غريباً أن تفوز رواية «مخبز السعادة» للكاتبة هيلين هولمستروم بجائزة «أفضل كتاب رومانسي» في السويد، حيث تقوم حبكتها الرئيسية على قصة حب غير متوقعة بين طرفين، بدأ كل شيء بينهما بالنفور قبل أن يتحول إلى مشاعر مشتعلة في سردية تميزت باستبطان الانفعالات الداخلية للمرأة على نحو لافت.

صدرت الرواية أخيراً عن دار «العربي» بالقاهرة، ترجمة نهى مصطفى، وفيها تجد الشخصية الرئيسية «نورا يانسون» نفسها مضطرة لاتخاذ خطوة يائسة لإنقاذ مخبز والديها من الإفلاس فتضطر لقبول المشاركة في برنامج تلفزيوني واقعي، الذي من خلاله يدخل إلى حياتها الشيف الشهير «هنريك إكلوند» ببروده المهني وانتقاداته القاسية.

وبين رائحة الخبز الدافئ وأمسيات الشتاء الطويلة تبدأ المسافة بينهما في التلاشي ويتحول الصدام إلى انجذاب غير متوقع، لكن مع تزايد الضغوط بين ما تفرضه الكاميرا وما يمليه القلب تدرك «نورا» أن المعركة الحقيقية ليست من أجل إنقاذ المخبز فقط، بل من أجل استعادة ثقتها بنفسها وفتح قلبها من جديد، عبر نص ينبض بالدفء، ويحتفي بحرارة البدايات ويبرز قوة الشغف الذي قد يولد في أكثر اللحظات غير المتوقعة.

وُلدت هيلين هولمستروم عام 1984 في السويد وتخرجت في كلية الحقوق وعملت محامية لبعض الوقت لكن شغفها بالكتابة دفعها لترك مهنة المحاماة والتفرغ لكتابة الروايات، حيث صدر أول أعمالها عام 2018 تحت عنوان «العمل بعد الساعات الرسمية»، كما اشتُهرت بكتابة نصوص عاطفية ذات حبكات مشوقة وشخصيات نسائية مثيرة للاهتمام.

ومن أجواء الرواية نقرأ: «وصل هنريك بالقطار في المساء نفسه، كان الثلج يتساقط وبدا المكان أشبه بعالم من الخيال، حاول الاتصال بـ(نورا) ليخبرها أنه في طريقه إليها، لكنها لم تجب بالتأكيد. توجه مباشرة من المحطة إلى شقتها، حيث كان مخبز الحلويات قد أغلق أبوابه في وقت مبكر جداً والباب المؤدي إلى شقتها مغلقاً. حاول الاتصال برقمها مرة أخرى لكنه تحول مباشرة إلى البريد الصوتي.

تنهد وقرر أن يتنزه قليلاً ثم يحاول مرة أخرى، عندما عاد رأي أن نوافذ الشقة مظلمة، نظر حوله وقرر أنه لا خيار أمامه. انحنى وجمع بعض الثلج وشكّل كرة ثلج كبيرة... تراجع بضع خطوات إلى الوراء وصوّب نحو النافذة، أصاب الهدف بلا رد فعل. رمى كرة ثلج أخرى ثم أخرى ثم اثنتين أخريين. فجأة أضيئت الأنوار اقتربت نورا من النافذة ونظرت إليه هزت رأسها واختفت. رن تليفونه برسالة نصية: أنا نائمة لا أريد التحدث الآن ربما غداً. هاتان الكلمتان الأخيرتان جعلتا قلبه ينبض بقوة (ربما غداً)، كانتا الموعد. استيقظت نورا على صوت المنبه. لم تنم نوماً هانئاً بسبب مكالمات هنريك المتكررة ثم ارتطام كرات الثلج بنافذتها، الآن باتت مدينة له بقلب مكسور وإهانة علنية وليلة نوم مضطربة، لكن هناك شيئاً ما في تلك الكرات الثلجية كما لو أنهما بطلا فيلم رومانسي والأفلام الرومانسية لها دائماً نهاية سعيدة.

فكرت أنه ما كان ينبغي أن يكون الأمر هكذا، لم يكن عليها أن تشعر بالغضب أو الألم أو الخذلان، ربما يستحق هنريك فرصة لتبرير موقفه. نهضت من سريرها، شغلت آلة القهوة. كان الأمر معقداً لكليهما والآن ها هو قد جاء إلى هنا يرمى كرات الثلج على نافذتها ومن الواضح أنه مستعد للقتال من أجلها».


احتفاء سوري بالبحتري في مدينته منبج

ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)
ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)
TT

احتفاء سوري بالبحتري في مدينته منبج

ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)
ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)

أعلنت وزارة الثقافة أن المركز الثقافي في مدينة منبج بريف حلب سيشهد انطلاق فعاليات «مهرجان البحتري 2026» في 20 و21 مايو (أيار) الحالي، بمشاركة نخبة من الشعراء والباحثين والمثقفين السوريين.

ويتضمن المهرجان برنامجاً ثقافياً متنوعاً يضم أمسيات شعرية ومحاضرات فكرية وفقرات إنشادية، في إطار احتفاء يجمع بين الأصالة الأدبية والحضور الثقافي المعاصر، حسب ما أوردته وزارة الثقافة عبر معرفاتها.

وتسعى الفعاليات إلى إحياء الموروث الشعري وتعزيز الحراك الثقافي، عبر تقديم أعمال أدبية وفكرية تبرز مكانة الشعر العربي ودوره في بناء الوعي الثقافي والجمالي.

ويشهد المهرجان مشاركة عدد من الشعراء والباحثين الذين يقدمون قراءات نقدية وأدبية، إلى جانب فقرات إنشادية تستحضر جماليات اللغة وروح التراث العربي.

ويأتي تنظيم «مهرجان البحتري» ضمن سلسلة الفعاليات الثقافية التي تعمل وزارة الثقافة على إطلاقها؛ بهدف تنشيط المشهد الأدبي والفني في مختلف المحافظات.

وكانت الوزارة قد أطلقت أواخر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي مهرجان «أيام البُردة الدولي» في دار الأوبرا بدمشق، بمشاركة واسعة من شعراء ومثقفين عرب وسوريين.

وهدف مهرجان «أيام البُردة الدولي» إلى تعزيز التواصل الثقافي والاحتفاء بالتراث الأدبي، عبر برنامج جمع الشعر والفكر والفن في فضاء ثقافي متنوع.

وشارك في المهرجان شعراء من فلسطين، والعراق، والأردن، والبحرين، والسعودية، والكويت، وتونس، وليبيا وسلطنة عمان، إلى جانب نخبة من الشعراء السوريين.

وتوزعت فعاليات «أيام البُردة الدولي» بين دمشق، وحمص، واللاذقية وحلب، في ظاهرة ثقافية احتفت بالشعر العربي ومديح الرسول الكريم ضمن أجواء فكرية وفنية متنوعة.