فصل من رواية «إيلينا تعرف» للكاتبة الأرجنتينية كلاوديا بينيرو

وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة «البوكر» العالمية

كلاوديا بينيرو
كلاوديا بينيرو
TT

فصل من رواية «إيلينا تعرف» للكاتبة الأرجنتينية كلاوديا بينيرو

كلاوديا بينيرو
كلاوديا بينيرو

تصدر قريباً عن دار «العربي» للنشر بالقاهرة الترجمة العربية لرواية «إيلينا تعرف» للكاتبة الأرجنتينية كلاوديا بينيرو والتي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر العالمية. أنجزت الترجمة عن النسخة الإنجليزية لـ«لبوكر»، المترجمة نهى مصطفى. والرواية هي الخامس للكاتبة الذي يصدر عن الدار.
ولدت كلاوديا بالأرجنتين عام 1960، حيث بدأت حياتها بالعمل محاسبة ثم عملت بالصحافة، وفازت عام 1992 بجائزة «بيلياد» الصحافية، ألّفت العديد من الروايات والمسرحيات، وكتبت السيناريو للتلفزيون، وحصل بعض مؤلفاتها الأدبية على جوائز مهمة مثل جائزة «كلارين» الأدبية عن روايتها الأكثر مبيعاً «أرامل الخميس»، وجائزة «سور خوانا إنيس دو لاكروز» عن رواية «شقوق جارار»، وتحولت روايتها «كلي لك» إلى فيلم سينمائي.

وترى المترجمة أن «بينيرو» في معظم أعمالها توظف الجريمة كعدسة مكبرة لتشريح مجتمعها وإلقاء الضوء على تعقيدات النفس البشرية؛ فالجريمة هنا مفتاح لفهم الإنسان بتعقيداته. وفي «إيلينا تعرف»، نجد أنفسنا بإزاء حكاية فريدة تجمع بين خيال الجريمة والحكايات الأخلاقية بحثاً عن الحرية الفردية. بعد العثور على «ريتا» ميتة في برج الجرس بالكنيسة التي اعتادت حضورها، يُغلق التحقيق الرسمي في الحادث بسرعة. لكن الدتها المريضة بمرض «باركنسون» هي الشخص الوحيد الذي ما زال مصمماً على العثور على الجاني. تؤرخ الرواية لرحلة صعبة عبر ضواحي المدينة، وتكشف أسرار شخصياتها والجوانب السلطوية الخفية والنفاق في المجتمع.
هنا فصل من الرواية:
الصباح
تكمن الحيلة في أن ترفع القدم اليمنى بضعة سنتيمترات فقط فوق الأرض، ثم تحركها للأمام في الهواء بما يكفي لتتجاوز القدم اليسرى. عندما تصل إلى أبعد مسافة ممكنة، تنزلها. تفكر «إيلينا» أن هذا كل ما في الأمر. وعلى الرغم من أن مخها يأمرها بالحركة، فإن قدمها اليمنى لا تتحرك. لا ترتفع لفوق، لا تتحرك للأمام في الهواء، ولا تعود لأسفل مرة أخرى. الأمر في غاية البساطة. لكنه لا يحدث.
لذلك؛ تجلس «إيلينا» وتنتظر في مطبخها. عليها أن تستقل القطار إلى المدينة في الساعة العاشرة. القطار الذي يليه سيأتي في الساعة الحادية عشرة، لكن لن ينفع، فهي قد تناولت الحبة في الساعة التاسعة، لذلك تظن؛ بل هي متأكدة من أن عليها أن تأخذ قطار الساعة العاشرة فور أن يتمكن الدواء من إقناع جسدها باتباع أوامر مخها. لن يصلح قطار الساعة الحادية عشرة؛ لأنه بحلول ذلك الوقت سيكون تأثير الدواء قد تلاشى واختفى تقريباً. عندها ستعود إلى ما هي عليه الآن، ولكن دون أي أمل في أن يكون لدواء «ليفودوبا» أي مفعول.
«ليفودوبا» هو اسم المادة الكيميائية التي ستبدأ الانتشار في جسدها بمجرد أن تذوب الحبة. أصبح الاسم مألوفاً لها منذ فترة. هذا ما قاله الطبيب وكتبته على ورقة لأنها تعلم أنها لن تفهم خط الطبيب. إنها تعرف أن «ليفودوبا» يتحرك في جسدها. كل ما يمكنها فعله الآن هو الانتظار.
من الذاكرة، تبدأ في عد الشوارع وتذكُّر أسمائها، من الأول إلى الأخير ومن الأخير إلى الأول:
«لوبو»، «مورينو»، «25 مايو»، «ميتري»، «روكا».
«روكا»، «ميتري»، «25 مايو»، «مورينو»، «لوبو»، «ليفودوبا».
إنها على بعد خمسة شوارع فقط من محطة القطار، وتفكر في أنها ليست بعيدة. تستمر في تلاوة أسماء الشوارع، وتستمر في الانتظار.
خمسة.
لا تستطع إعادة ترتيب هذه الشوارع الخمس، ولكن يمكنها تكرار أسمائها في صمت.
تتمنى ألا تقابل أي شخص تعرفه اليوم. لا تريد أن يسألها أحد عن صحتها أو يعزيها تعزية متأخرة في وفاة ابنتها. كل يوم يظهر شخص جديد لم يستطع حضور الجنازة أو الدفن. أو لم يجرؤ على الحضور أو لم يرد الحضور. عندما يموت شخص مثل «ريتا»، يشعر الجميع بأنهم مدعوون إلى الجنازة. هذا هو السبب في أن موعد الساعة العاشرة صباحاً أسوأ وقت، كما تعتقد؛ لأنها ولكي تصل إلى المحطة عليها أن تمر بجوار البنك، واليوم هو يوم قبض المعاشات؛ لذلك من المحتمل جداً أن تقابل جاراً أو أي شخص آخر أو عدة أشخاص.
على الرغم من أن البنك لا يفتح حتى الساعة العاشرة، في الوقت نفسه بالضبط الذي سيصل فيه قطارها إلى المحطة وستكون هناك جاهزة للصعود، والتذكرة في يدها. لكن، قبل ذلك، تعلم «إيلينا»، أنه سيتعين عليها اجتياز صف أصحاب المعاشات خارج البنك. يقفون وكأنهم يخافون من أن ينفد المال؛ لذلك يفضلون الوصول إلى هناك مبكراً. يمكنها تجنب المرور من أمام البنك إذا سارت حول المبنى، لكنه شيء لا يسمح به مرض «باركنسون»... هذا هو اسمه.
«إيلينا» تعرف أنها لم تعد تتحكم في بعض أجزاء جسدها منذ فترة. قدمها على سبيل المثال، هي المسؤولة عنها أم هي. وتتساءل ما إذا كان مرض «باركنسون» مذكراً أم مؤنثاً؛ لأنه على الرغم من أن الاسم يبدو ذكورياً فإنه لا يزال علة، والعلة مؤنثة. تماماً مثل المصيبة أو النقمة.
شرح لها الدكتور «بينجاس» مرات عدة، لكنها ما زالت لا تفهم. إنها تفهم ما لديها لأنه داخل جسدها، لكنها لا تفهم بعض الكلمات التي يستخدمها الطبيب. كانت «ريتا» معها عندما شرح لها المرض لأول مرة. «ريتا»، التي ماتت الآن. أخبرهما أن مرض «باركنسون» هو تدهور في خلايا الجهاز العصبي. وقد كرهت هي وابنتها تلك الكلمة «تدهور».
لا بد أن الدكتور «بينيجاس» قد لاحظ ذلك لأنه حاول بسرعة أن يشرح قائلاً:
- مرض بالجهاز العصبي المركزي يؤدي إلى تدهور، أو تحور، أو تغيير، أو تعديل الخلايا العصبية بحيث تتوقف عن إنتاج «الدوبامين».
ثم عرفت «إيلينا» أنه عندما يأمر مخها قدمها بالتحرك، على سبيل المثال، فإن الأمر سيصل إلى قدمها، لكن فقط إذا أخذه «الدوبامين» إلى هناك، مثل المرسال، كما فكرت في ذلك اليوم. لأي أنها ممثلة عن مرض «باركنسون»، و«الدوبامين» هو المرسال.
فكرت أن مخها يُعتبر لا شيء؛ لأن قدمها لا تستمع إليه الآن، مثل الملك المخلوع الذي لا يدرك أنه لم يعد مسؤولاً بعد الآن. أو قصة الإمبراطور الذي خرج أمام شعبه بلا ملابس. تلك القصة التي اعتادت أن تحكيها لـ«ريتا» عندما كانت صغيرة. الملك المخلوع، الإمبراطور الأحمق. والآن أصبح هناك: هي... «العلة». ليست «إيلينا»... ولكن مرضها، والمرسال والملك المخلوع.
تكرر «إيلينا» الأسماء مثلما تكرر أسماء الشوارع التي يجب أن تمر بها للوصول إلى المحطة. الأسماء ترافقها أثناء انتظارها. من الأول إلى الأخير ومن الأخير إلى الأول. إنها لا تحب عبارة «إمبراطور بلا ملابس»؛ لأن ذلك يعني أنه عارٍ. تفضل الملك المخلوع. تنتظر، وتكرر، تقسمهم إلى أزواج: العلة والمرسال، المرسال والملك، الملك والعلة. حاولت تحريك قدمها مرة أخرى، لكنها لا تزال غريبة عنها، ليست عاصية فحسب، بل صماء. قدم صماء. كم تحب «إيلينا» أن تصيح فيها «تحركي يا قدماي، أسرعي! اللعنة». أن تصرخ «تحركي وأسرعي، اللعنة». لكنها تعلم أن ذلك بلا فائدة، لأن قدمها لن تستمع إلى صوتها أيضاً.
لذلك هي لا تصرخ؛ إنها تنتظر. تتلو أسماء الشوارع والملوك ثم الشوارع مرة أخرى. تضيف كلمات جديدة: «الدوبأمين”: «ليفودوبا”. تفترض أن الرابط بين كلمتَي «دوبامين» و«ليفودوبا» هو مقطع «دوبا»، يجب أن يكونا مرتبطين، لكنها تخمن فقط، هي لا تعرف على وجه اليقين، تتلو الكلمات وتلعب بها وتترك لسانها يلتوي وتنتظر ولا تهتم. لا تهتم إلا بمرور الوقت وأن الحبة تذوب وتتحرك عبر جسدها إلى قدميها اللتين ستحصلان أخيراً على رسالة تفيد بأنه يتعين عليهما البدء في التحرك.
إنها متوترة، وهذا ليس جيداً؛ لأنها عندما تُصاب بالتوتر فإن الدواء يستغرق وقتاً أطول في إتيان مفعوله. لكنها لا تستطيع أن تفعل أي شيء حيال ذلك. اليوم ستلعب الورقة الأخيرة، ستحاول معرفة من قتل ابنتها. ستتحدث إلى الشخص الوحيد في العالم الذي تعتقد أنها يمكن أن تقنعه بمساعدتها. هناك دين قديم، شيء يكاد أن يُنسى. سوف تستدعي هذا الدين، على الرغم من أنه إذا كانت «ريتا» على قيد الحياة فلن توافق:
- الحياة ليست سوق مقايضة يا أمي، بعض الأشياء تتم لأنها مشيئة الله.
لن يكون الأمر سهلاً، لكنها ستحاول.
«إيزابيل» هو اسم المرأة التي تبحث عنها. إنها غير متأكدة من أن «إيزابيل» ستتذكرها. في الأغلب لا، سوف تتذكر «ريتا»؛ لأنها ظلت ترسل لها بطاقة عيد الميلاد كل عام. ربما لم تعلم بوفاة «ريتا». إذا لم يقل لها أحد، أو لو أنها لم تقرأ النعي الذي نشرته إدارة المدرسة التي عملت فيها «ريتا» بعد يومين من الدفن، يعبرون فيه عن حزن الإدارة والموظفين والطلاب جميعا على رحيلها المفاجئ. إذا لم تجد «إيزابيل» اليوم، فمن شبه المؤكد أنها سترسل بطاقة أخرى في ديسمبر (كانون الأول) المقبل، موجهة إلى امرأة ميتة، تتمنى لها عيد ميلاد مجيداً وسنة جديدة سعيدة.
إنها ستتذكر «ريتا» بالتأكيد، لكن هي، «إيلينا»، ربما لن تتذكرها. وحتى لو تذكرتها فلن تتعرف عليها بعد أن أصبحت محاصرة، منحنية، داخل جسد متدهور لا يتناسب مع عمرها.
عندما تواجه «إيزابيل» ستكون مهمة «إيلينا» هي شرح من هي ولماذا هي هنا. ستخبرها عن «ريتا» وعن وفاتها. أو بالأحرى ستخبرها بالقليل الذي تفهمه من كل ما قالوه لها. تعرف «إيلينا» أين تجد «إيزابيل»، لكنها لا تعرف كيف تصل إلى هناك، على الرغم من أنها ذهبت إلى هناك منذ عشرين عاماً مع «ريتا». إذا وافاها الحظ، أو إذا لم تنتقل «إيزابيل» للسكن في مكان آخر، أو إذا لم تمت مثل ابنتها، فستجدها هناك، في ذلك المنزل القديم في منطقة «بلجرانو». المنزل الذي له باب خشبي ثقيل بإطار برونزي، بجانب بعض عيادات الأطباء.



العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.


رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية
TT

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، التي أنجزها المترجم الفرنسي الدكتور لوك باربلسكو/Loic Barbulsco بعنوان «الرواية المستحيلة للفاضل السيد ك» (L’Impossible roman de l’honorable monsieur K).

صدرت رواية «الثوب» بطبعتها العربية عن «دار المدى» عام 2009.

وتعتمد الرواية تكنيك «التخييل الذاتي»، حيث يحضر الكاتب في أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مع عائلته وأصدقائه ومكان عمله، وحيثيات عيشه.

تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحد الأغنياء، وكيف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبروز سؤال الرواية الأهم: هل يمكن للمال شراء الإبداع الإنساني؟

الاتفاق الذي يُعقد بين الكاتب والمليونير يأتي عبر المرور على السيرة الذاتية الحقيقية للرفاعي، بموقفه من الاتفاق، وموقف المحيطين به من أفراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والمحامي الراحل محمد مساعد الصالح وغيرهما. ويكتب المؤلف أحداث الرواية بوصفه إحدى شخصياتها الروائية إلى جانب كونه المؤلف، وبما يقدّم مستوى ثانياً للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الرواية داخل الرواية، وبذلك يكون القارئ شريكاً حاضراً في النص، وهو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صدور روايته الأولى «ظل الشمس» عام 1998، و«سمر كلمات»، و«الثوب»، و«في الهُنا»، ومجموعته القصصية «الدكتور نازل».

وسبق للدار نفسها «أكت سود» أن نشرت ترجمات لروايات الرفاعي، منها رواية «في الهُنا»، و«ظل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب».

وحصل طالب الرفاعي على وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2022.