بوتين يتعهد مواصلة العملية العسكرية حتى «تطبيع الوضع» في دونباس

مسودة روسية لاتفاق سلام... وتشكيك بجدية كييف في المفاوضات

بوتين مترئساً اجتماعاً في الكرملين أمس (رويترز)
بوتين مترئساً اجتماعاً في الكرملين أمس (رويترز)
TT

بوتين يتعهد مواصلة العملية العسكرية حتى «تطبيع الوضع» في دونباس

بوتين مترئساً اجتماعاً في الكرملين أمس (رويترز)
بوتين مترئساً اجتماعاً في الكرملين أمس (رويترز)

أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أمس، أن العمليات الحربية سوف تتواصل حتى تحقق أهدافها. وقال إن «الأوضاع المأساوية» في دونباس «أجبرتنا على شن العملية العسكرية»، متعهدا بأن تضمن موسكو «إحلال السلام واستئناف الحياة الطبيعية» في المنطقة.
وكان بوتين يتحدث خلال اجتماع لمنظمات غير حكومية دعيت للمشاركة فيه طفلة لجأت من لوغانسك إلى مدينة سيفاستوبول، وتعمد إجراء مقاربات بين الوضع الحالي في دونباس وفي المدينة التي ضمتها روسيا مع القرم في العام 2014. وقال الرئيس الروسي مخاطبا الطفلة اللاجئة: «ذكرت أن حياتك تغيرت بشكل ملموس منذ مغادرتك لوغانسك... وللأسف فقد تغيرت الكثير من الأمور خلال السنوات الماضية في لوغانسك لكن للأسوأ، لأنه على مدى السنوات الثماني تواصلت هناك غارات وعمليات قصف مدفعي وأعمال قتالية، وبطبيعة الحال عاش الناس ظروفا صعبة للغاية». وأشار بوتين إلى أن «حياة سكان شبه جزيرة القرم ومدينة سيفاستوبول تغيرت تماما عن الوضع في دونباس»، مضيفا أن «المأساة في دونباس وخصوصا جمهورية لوغانسك الشعبية هي التي أجبرت روسيا على بدء هذه العملية العسكرية».
وجدد الرئيس الروسي التأكيد على أن هدف العملية العسكرية التي أطلقتها موسكو في 24 فبراير (شباط) الماضي يكمن في «مساعدة مواطنينا في دونباس»، وزاد: «سوف نتصرف تدريجيا وسنحقق وضعا يضمن تطبيع الحياة هناك وتغييرها نحو الأفضل كما حصل في سيفاستوبول».
وفي موضوع آخر، شدد الرئيس الروسي خلال اجتماع مع قادة عسكريين على أهمية اختبار صاروخ «سارمات» الباليستي الروسي العابر للقارات، لأول مرة أمس. وشدد على أن «هذه المنظومة لا نظير لها في العالم حاليا». وكان لافتا تركيز الكرملين على أهمية اختبار هذا الصاروخ الأحدث في ترسانة روسيا الصاروخية، على خلفية تقارير غربية تحدثت عن أن الحرب الأوكرانية أظهرت وجود ثغرات كبيرة في قدرات روسيا العسكرية.
بدورها، أفادت وزارة الدفاع في بيان بأن الصاروخ «سارمات» أطلق بنجاح في الساعة الـ15:12 بتوقيت موسكو من نفق في مطار «بليسيتسك» الفضائي في مقاطعة أرخانغيلسك شمال البلاد. ووفقا للبيان، فقد «تم تحقيق أهداف عملية الإطلاق بالكامل، وتم تأكيد المواصفات المعلنة في كافة مراحل تحليق الصاروخ، ووصلت الرؤوس الحربية التدريبية إلى منطقة محددة في معسكر (كورا) في شبه جزيرة كامتشاتكا (في أقصى شرق البلاد)». وتعد هذه أول عملية إطلاق تجريبي ضمن برنامج اختبارات «سارمات»، والذي ستسلم المنظومة الجديدة منه بعد إتمامه إلى القوات الصاروخية الاستراتيجية للجيش الروسي. وأكدت الوزارة أن الاستعدادات جارية في الجيش الروسي لانتقال الأفواج الصاروخية الرئيسية إلى استخدام «سارمات» بدلا عن صاروخ «فيوفودا».
وهنأ بوتين قادة وزارة الدفاع، خلال اجتماع افتراضي ترأسه بالاختبار الناجح لـ«سارمات»، واصفا هذا الاختبار بأنه «حدث كبير ومهم في تطوير المنظومات الدفاعية المستقبلية للجيش الروسي». ولفت الرئيس الروسي إلى أن المنظومة الصاروخية الجديدة تحظى بـ«أرفع مواصفات تكنولوجية تكتيكية»، مؤكدا قدرة «سارمات» على اختراق كل وسائل الدفاع الصاروخي المعاصرة. وزاد: «ليس هناك أي نظير له في العالم حاليا ولن يظهر على مدى وقت طويل. إنه سلاح فريد في الواقع يعزز القدرات الدفاعية لقواتنا المسلحة ويضمن أمن روسيا بشكل موثوق في مواجهة أي تهديدات خارجية، ويجبر الذين يحاولون تهديد بلدنا في خضم خطاباتهم العدوانية المسعورة على التفكير جيدا».
وشكر بوتين كل من أسهم في تصميم «سارمات»، مشددا على أن ذلك جاء باستخدام المكونات والتكنولوجيات الروسية، ما يسهل الإنتاج المتسلسل لهذه الصواريخ داخل البلاد، ويسرع تسليم المنظومة الجديدة إلى القوات الصاروخية الاستراتيجية الروسية.
ويعد «سارمات» أول صاروخ روسي الصنع بالكامل، إذا لم تستخدم روسيا تقنيات غربية لتطويره. وهذا أمر له أهمية خاصة على خلفية القيود وحزم العقوبات التي حرمت روسيا من واردات مهمة في المجال الدفاعي.
وتتيح مواصفات الصاروخ وفقا للوزارة توسيع قائمة الأسلحة التي يمكن تجهيزه بها، فيما يخص عدد الرؤوس الحربية وأنواعها على حد سواء، بما يشمل خصوصا رؤوسا فرط صوتية. ما يجعله «الصاروخ الأقوى والأبعد مدى على مستوى العالم ويعزز بشكل ملموس القدرات القتالية للقوات النووية الاستراتيجية الروسية».
في غضون ذلك، كشف الناطق باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، أن روسيا سلمت إلى الجانب الأوكراني مسودة وثيقة تتضمن «صيغة واضحة للتوصل لاتفاق»، وقال إن «الكرة الآن في ملعب كييف، وننتظر منها جوابا».
في الوقت ذاته، اتهم الناطق الرئاسي كييف بأنها «تنحرف باستمرار عن الاتفاقات التي سبق أن وافقت عليها، وتقوم بإدخال تعديلات على موقفها باستمرار»، محذرا من أن الموقف الأوكراني «يتسبب بعواقب وخيمة على مسار المفاوضات ومستوى جديتها وفاعليتها». وردا على سؤال حول ما إذا كانت موسكو طرحت مواعيد نهائية لتلقي الرد الأوكراني، قال بيسكوف: «الأمر يعتمد على الجانب الآخر، لكنني أكرر مرة أخرى، أن ديناميكية العمل في الجانب الأوكراني تسير بشكل سيئ، والأوكرانيون لا يظهرون رغبة كبيرة لتنشيط عملية المفاوضات».
ولم يكشف الكرملين تفاصيل عن مضمون الوثيقة التي سلمت إلى كييف، لكنه لمح إلى أن الصياغة الروسية تشكل ردا «يشتمل تفاصيل واضحة ومحددة» عن الملفات المطروحة للنقاش، وعلى الوثيقة الأوكرانية التي كانت كييف سلمتها إلى الجانب الروسي في اجتماع عقد في إسطنبول قبل أسابيع. وكانت الناطقة باسم الخارجية ماريا زاخاروفا قالت في إيجاز أسبوعي أمس، إن «المفاوضات الروسية الأوكرانية تتواصل بخصوص تسوية الوضع في أوكرانيا وضمان وضعها كدولة حيادية غير نووية خارج تكتلات عسكرية، وتشمل أجندة النقاش مسائل نزع السلاح واستئصال النازية واستئناف الوضع القانوني للغة الروسية والاعتراف بالوقائع الحالية على الأرض، منها تبعية شبه جزيرة القرم لروسيا واستقلال جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك». واتهمت زاخاروفا المفاوضين الأوكرانيين بـ«محاولة إطالة أمد العملية التفاوضية من خلال رفض اتخاذ مواقف بناءة إزاء المسائل ذات الأولوية ورفض الرد سريعا في بعض الأحوال على المواد والمقترحات المطروحة من الجانب الروسي». وقالت إنه «إذا كان نظام كييف ملتزما برغبة التفاوض التي عبر عنها علنا، فيتعين عليه الشروع في البحث عن صيغ واقعية للاتفاقات».
واتهمت زاخاروفا القيادة الأوكرانية بـ«فقدان السيطرة على الوضع» وقالت إن «واشنطن والناتو يديران العمليات حاليا وليس (الرئيس فولوديمير) زيلينسكي». وزادت أنه «في السنوات الأخيرة تم بناء نهج كييف للمفاوضات بالطريقة نفسها تماما، ومصير اتفاقيات مينسك معروف ولم يتم تنفيذها. النظام في كييف ليس مستقلا إنه خاضع للرقابة. ويستخدم المفاوضات كعنصر للتشتيت».
على صعيد آخر، قالت الدبلوماسية الروسية إن بلادها حذرت فنلندا والسويد من عواقب الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي «ناتو». وقالت إن «بروكسل، تحت رعاية الولايات المتحدة، عملت على جذب السويد وفنلندا إلى هياكلها منذ فترة طويلة، وتم اتخاذ تدابير مختلفة تحت ستار التدريبات لدمج البلدين فعليا في نشاطات الحلف. لقد حذرنا من ذلك بكل الطرق، سواء بشكل علني أو من خلال قنوات الاتصال الثنائية. إنهم يعرفون ذلك، لذلك لا يوجد ما يدعو للدهشة. تم إبلاغهم بكل شيء، وإلى أين سيؤدي ذلك». وكان نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، دميتري ميدفيديف، قال إن روسيا سوف تتخذ تدابير قوية بينها تعزيز الحدود الغربية عسكريا إذا انضمت السويد وفنلندا إلى الأطلسي.


مقالات ذات صلة

أوروبا ألكسندر غروشكو نائب وزير الخارجية الروسي 12 يناير 2022 (رويترز)

روسيا تحذر الدول الأوروبية من نشر قاذفات قنابل نووية فرنسية

حذرت روسيا من أن أي دولة أوروبية تقبل بنشر قاذفات استراتيجية فرنسية قادرة على حمل أسلحة نووية ستجعل من نفسها هدفاً لهجمات قوات موسكو.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين 14 أبريل الحالي (إ.ب.أ) p-circle

حرب إيران و«استعصاء» أوكرانيا... الكرملين يواجه مخاطر جديدة

بدا أنَّ الكرملين يواجه مخاطر جديدة انعكست في تسريع وتائر عسكرة أوروبا، وتفاقم التهديدات في المجال الحيوي المحيط بروسيا.

رائد جبر (موسكو)
أوروبا وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين 14 أبريل الحالي (إ.ب.أ) p-circle

قمة أوروبية في قبرص بمشاركة زيلينسكي بعد صرف 100 مليار دولار لأوكرانيا

وافق الاتحاد الأوروبي على صرف قرض بقيمة 90 مليار يورو (106 مليارات دولار) لكييف، بعدما تأخر شهوراً بسبب نزاع بين أوكرانيا والمجر على خط أنابيب متضرر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الأمير هاري يصل إلى محطة قطار كييف (رويترز)

الأمير هاري يقوم بزيارة مفاجئة إلى أوكرانيا

زار الأمير البريطاني هاري كييف «لتذكير المواطنين في بلاده والمواطنين في جميع أنحاء العالم» بحرب أوكرانيا مع روسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)

«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
TT

«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)

‌قال مسؤول أميركي إن رسالة بريد إلكتروني داخلية لوزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) احتوت على خيارات أمام الولايات المتحدة لمعاقبة أعضاء في حلف شمال الأطلسي تعتقد ​أنهم لم يدعموا العمليات الأميركية في الحرب مع إيران، بما في ذلك تعليق عضوية إسبانيا في الحلف، ومراجعة موقف الولايات المتحدة بشأن مطالبة بريطانيا بجزر فوكلاند.

وذكر المسؤول، الذي اشترط عدم الكشف عن هويته للتحدث عن محتوى الرسالة، أن الخيارات السياسية مفصلة في مذكرة تصف خيبة الأمل إزاء ما يُنظر إليه على أنه تردد أو رفض من جانب بعض أعضاء الحلف لمنح الولايات المتحدة حقوق الوصول والتمركز ‌العسكري والعبور ‌الجوي في إطار حرب إيران، وفقاً لما نقلته وكالة «رويتر» للأنباء».

وأشار إلى أن ​الرسالة ‌وصفت ⁠حقوق الوصول ​والتمركز العسكري والعبور ⁠الجوي بأنها «مجرد الحد الأدنى المطلق بالنسبة لحلف شمال الأطلسي»، وأضاف أن الخيارات كانت متداولة على مستويات عالية في البنتاغون.

وذكر المسؤول أن أحد الخيارات الواردة في الرسالة يتضمن تعليق عضوية الدول «صعبة المراس» من مناصب مهمة أو مرموقة في حلف الأطلسي.

وانتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشدة أعضاء حلف شمال الأطلسي لعدم إرسال أساطيل بحرية للمساعدة في فتح مضيق هرمز، الذي أُغلق ⁠أمام الملاحة البحرية العالمية عقب اندلاع الحرب ‌الجوية في 28 فبراير (شباط).

كما أشار ترمب ‌إلى أنه يفكر في الانسحاب من ​الحلف. وتساءل ترمب خلال مقابلة مع ‌«رويترز» في أول أبريل (نيسان) قائلاً: «ألم تكونوا لتفعلوا ذلك لو ‌كنتم مكاني؟»، رداً على سؤال حول ما إذا كان انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي مطروحاً.

وقال المسؤول إنه مع ذلك فإن رسالة البريد الإلكتروني لا تشير إلى أن الولايات المتحدة ستفعل ذلك. كما أنها لا ‌تحتوي على اقتراح لإغلاق القواعد الأميركية في أوروبا. ولكن المسؤول رفض الإفصاح عما إذا كانت الخيارات تتضمن ⁠سحب الولايات المتحدة لبعض ⁠قواتها من أوروبا، وهو ما يتوقعه الكثيرون.

ورداً على طلب للتعليق بشأن رسالة البريد الإلكتروني، قالت المتحدثة باسم البنتاغون كينجسلي ويلسون: «مثلما قال الرئيس ترمب، على الرغم من كل ما فعلته الولايات المتحدة لحلفائنا في حلف الأطلسي، فإنهم لم يقفوا إلى جانبنا».

وأضافت ويلسون: «ستضمن وزارة الدفاع أن تكون لدى الرئيس خيارات موثوقة لضمان ألا يكون حلفاؤنا مجرد نمر من ورق (قوة ظاهرية بلا تأثير حقيقي)، بل أن يقوموا بدورهم. ليس لدينا أي تعليق آخر على أي مداولات داخلية بهذا الشأن».

ويقول محللون ودبلوماسيون إن الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران أثارت تساؤلات جدية ​حول مستقبل حلف الأطلسي ​الذي تأسس منذ 76 عاماً، وأثارت قلقاً غير مسبوق من أن الولايات المتحدة قد لا تمد يد العون لحلفائها الأوروبيين إذا تعرضوا لهجوم.


بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
TT

بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)

وسط استمرار الحرب في أوكرانيا وازدياد تداخل المواقف السياسية في هذا الملف، أثارت تصريحات للأمير البريطاني هاري جدلاً، خصوصاً بعد تعليقه على دور الولايات المتحدة في النزاع. وسرعان ما جاءت ردود فعل رسمية، حيث رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب تلك التصريحات وشكّك في صفة تمثيل هاري لبلاده.

فقد انتقد ترمب تصريحات الأمير هاري بشأن الصراع الأوكراني، مؤكداً أنه «لا يتحدث باسم المملكة المتحدة»، وذلك وفقاً لما نقلته صحيفة «إندبندنت».

وجاءت هذه التصريحات عقب خطاب حماسي ألقاه هاري خلال مشاركته في منتدى كييف الأمني يوم الخميس، دعا فيه «القيادة الأميركية» إلى «الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية»، مشدداً على أهمية الدور الأميركي المستمر في حفظ الأمن العالمي.

وفي مداخلة نادرة له حول قضايا دولية، أوضح هاري أنه لا يتحدث بصفته سياسياً، بل «جندي يُدرك معنى الخدمة»، في إشارة إلى خلفيته العسكرية.

ورداً على هذا الخطاب، الذي ألقاه الأمير خلال زيارة مفاجئة لأوكرانيا، قال ترمب للصحافيين: «أعلم أمراً واحداً، وهو أن الأمير هاري لا يتحدث باسم المملكة المتحدة، هذا أمر مؤكد. بل أعتقد أنني أتحدث باسم المملكة المتحدة أكثر منه».

وأضاف ترمب بنبرة لافتة: «لكنني أُقدّر نصيحته كثيراً».

ثم وجّه سؤالاً قال فيه: «كيف حاله؟ وكيف حال زوجته؟ أرجو إبلاغها تحياتي».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وتأتي زيارة الأمير هاري المفاجئة، وهي الثالثة له إلى أوكرانيا منذ اندلاع الحرب عام 2022، بعد أيام قليلة من اختتام جولة قام بها في أستراليا برفقة زوجته ميغان ماركل.

وفي كلمته، شدد هاري على أن للولايات المتحدة دوراً محورياً في هذا الملف، قائلاً: «للولايات المتحدة دور فريد في هذه القضية، ليس فقط بسبب قوتها، بل لأنها كانت جزءاً من ضمان احترام سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها عندما تخلت عن أسلحتها النووية».

وأضاف: «هذه لحظة للقيادة الأميركية، لحظة لأميركا لتُظهر قدرتها على الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية، ليس بدافع الإحسان، بل انطلاقاً من دورها الدائم في تعزيز الأمن العالمي والاستقرار الاستراتيجي».


إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
TT

إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)

دخلت الأزمة بين إثيوبيا وإقليم تيغراي مرحلة جديدة من الصراع، بعد إعلان الحزب السياسي الرئيسي في الإقليم اعتزام استعادة سيطرته على مقاليد الأمور من الحكومة الفيدرالية.

ويعتقد خبير بالشأن الأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط» أن تلك التطورات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام، وقد تعيد مشاهد النزاع مجدداً، بينما يرى برلماني ومحلل سياسي في إثيوبيا إمكانية لحل الخلافات عبر مسار سلمي.

وشهدت إثيوبيا أزمات عديدة، بينها اندلاع حرب بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» والقوات الفيدرالية بين عامَي 2020 و2022 في إقليم تيغراي أودت بحياة مئات الآلاف وتسببت في نزوح نحو مليون نسمة.

و«جبهة تحرير شعب تيغراي» حركة مسلحة تحولت إلى حزب سياسي وهيمنت على الحياة السياسية الإثيوبية لما يقرب من ثلاثة عقود، قبل أن تنتهي تلك الهيمنة مع تولي آبي أحمد رئاسة الوزراء عام 2018.

انتقادات حقوقية دولية

من جهة أخرى، قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية الدولية في تقرير، صدر الأربعاء، إن أبناء إقليم تيغراي، الواقع في شمال إثيوبيا، يتعرّضون «للتمييز والاعتقال التعسفي»، وإن الانتهاكات بحقهم قد ترقى إلى «جرائم ضدّ الإنسانية».

وذكرت لايتيتيا بدر، نائبة مديرة قسم أفريقيا في المنظمة، أن أبناء تيغراي يواجهون «قيوداً قاسية ولا إنسانية على كل جوانب حياتهم»، واتهمت السلطات الإثيوبية وشركاءها بتجاهل هذا الواقع.

وجاءت تلك الانتقادات بعد يومين من تحركات داخلية بالإقليم مناهضة للحكومة الفيدرالية، حيث اتهمتها «جبهة تحرير شعب تيغراي» بانتهاك اتفاقية «بريتوريا» عبر حجب الأموال المخصصة لدفع رواتب موظفي الخدمة المدنية في الإقليم، وأشارت إلى تمديدها ولاية رئيس الإدارة المؤقتة تاديسي ووريدي قبل أيام دون استشارة الحزب. وبحسب الجبهة، فإن الحكومة الفيدرالية تستعجل شن «حرب دامية أخرى».

وقالت الجبهة في بيان إنها تعتزم ممارسة مهامها على كامل الإقليم، وتعهدت بتعزيز الصداقات مع شعوب المناطق الإثيوبية المجاورة ودول الجوار.

وكانت الحكومة الفيدرالية الإثيوبية قد وقَّعت مع «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» اتفاق «بريتوريا للسلام» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 بجنوب أفريقيا، لإنهاء حرب أهلية دامية استمرت عامين. ونص الاتفاق على وقف دائم للأعمال العدائية، وتشكيل إدارة مؤقتة لإدارة الإقليم، عبر حوار بين الطرفين، لتحل محل الهيئات المنتخبة في الإقليم إلى حين تنظيم انتخابات جديدة.

وكررت الحكومة الفيدرالية أكثر من مرة في بيانات رسمية التزامها باتفاقية بريتوريا، واتهمت «جبهة تحرير شعب تيغراي» بالتآمر ضدها مع إريتريا، التي نالت استقلالها عن إثيوبيا عام 1993 وخاض البلدان حرباً حدودية بين عامي 1998 و2000.

مخاوف من صدامات جديدة بين الحكومة الفيدرالية و«جبهة تحرير تيغراي» (رويترز)

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، صلاح حليمة، أن «جبهة تحرير تيغراي» المقربة من إريتريا، ليست وحدها التي تتبنى توجهات ذات نزعة استقلالية، مشيراً إلى منطقة الأورومو، وإقليم أوغادين كذلك.

وأضاف أن هذا النزاع الجاري يشكل تهديداً لاستقرار إثيوبيا ويؤثر على وحدتها وسلامتها الإقليمية، «فضلاً عن أن اتفاق بريتوريا في خطر، ما لم تُعالج الأمور بشكل سليم عبر توافق بين الجبهة والحكومة المركزية بمشاركة إريتريا لكونها طرفاً في هذه المشكلة».

في المقابل، يرى النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الحكومة الإثيوبية تواصل تنفيذ بنود «اتفاقية بريتوريا»، وقال إن «جبهة تحرير تيغراي» حتى لو كانت قد نفذت بعض الالتزامات «فإنها لم تطبق ما ورد في نص الاتفاقية بشكل كامل، حيث يوجد خلل كبير في هذا الجانب».

ويشير المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد إلى حملة عسكرية شنتها «جبهة تحرير تيغراي» قبل بضعة أشهر عبر ثلاثة محاور، سبقتها بأشهر تحركات عبر منطقة شمال عفر على الحدود، وقال إن هذه التحركات «هي جزء من الجهود والضغوط التي تبذلها الجبهة سعياً للحصول على دعم دولي وإعلامي وإقليمي».

تصعيد وسط أجواء حوار

تأتي الأزمة الحالية رغم بدء جولة أولى من «منتدى التشاور» في إثيوبيا أوائل الشهر الحالي بحضور معنيين من إقليم تيغراي، في أجواء وصفتها «وكالة الأنباء الإثيوبية» وقتها بأنها إيجابية.

و«الحوار الوطني» هو عملية أطلقتها الحكومة الإثيوبية عام 2021 وتديرها لجنة وطنية مكونة من 11 مفوضاً، بهدف معالجة جذور النزاعات، وتعزيز السلام والمصالحة المستدامة بعد الحروب والاضطرابات، خاصة في إقليم تيغراي، فيما يأتي الحوار قبل انتخابات مقررة في يونيو (حزيران) المقبل.

لكن الأزمة تأتي بعد أجواء حشد عسكرية في فبراير (شباط) الماضي وكانت متبادلة بين الجيش الإثيوبي الذي حاصر الإقليم، وقوات «تيغراي» التي انتشرت باتجاه حدودها.

ولا يستبعد السفير حليمة احتمال المواجهة العسكرية إذا استمر التصعيد بين الحكومة والجبهة، لافتاً إلى أن الحوار المعلن يبدو أنه لم يقدم نتائج، ولم يُفضِ إلى قبول مطالب الجبهة ورؤيتها، ويؤدي بالضرورة إلى دفع الأمور نحو مزيد من التصعيد.

ولا يعتقد النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الأمور ستصل إلى صدام، خاصة في ظل الحوار الوطني الجاري الذي أوشك على الانتهاء في جميع المناطق والأقاليم الإثيوبية، متهماً بعض لجان الجبهة بمحاولة تخريب الاتفاق.

وقال: «حكومتنا تنظر للأمور بهدوء وعدم استعجال، ولذلك فإننا نتوقع أن تحل هذه المشاكل القائمة قريباً عبر الطرق السلمية».

ويتفق معه عبد الصمد قائلاً إن الجبهة غير قادرة على فعل شيء، خاصة في ظل وجود انقسام داخلي عميق داخل صفوفها، مضيفاً: «أستبعد الصدام العسكري، رغم وجود بعض المساعي الإقليمية والداخلية لمحاولة جر المنطقة إلى هذا الصراع».

واستطرد قائلاً: «الشارع داخل إقليم تيغراي أعلن مراراً وتكراراً أنه قد تعب، ولا يريد الانجرار إلى حرب أخرى. ولذلك، أستبعد خيار الصراع، ونتمنى تلافي ذلك عبر حل سياسي يكون شاملاً».