طالب الرفاعي: أبقى على مسافة من أبطال رواياتي وأتابعهم كأي قارئ

أصدر روايته الأخيرة «خطف الحبيب» بالتزامن في 15 عاصمة عربية

طالب الرفاعي
طالب الرفاعي
TT

طالب الرفاعي: أبقى على مسافة من أبطال رواياتي وأتابعهم كأي قارئ

طالب الرفاعي
طالب الرفاعي

هل كانت بدعة أم حرصاً على التواصل الأوسع، أن يصدر الروائي الكويتي طالب الرفاعي روايته الجديدة «خطف الحبيب» في 15 عاصمة عربية في وقت واحد وبالتزامن؟ هذا الأمر الذي فاجأ الكثيرين يراه الرفاعي طبيعياً ومحاولة مشروعة لكاتب في إيصال روايته إلى القراء العرب في مختلف بلدانهم؛ لأن «الكاتب العربي يطبع في القاهرة فلا يصل كتابه إلى بيروت». صدر للرفاعي عدد من الأعمال القصصية والروائية اللافتة، منها «أبو عجاج طال عمرك»، و«سرقات صغيرة»، و«ظل الشمس»، و«الثوب»... قام بتأسيس وإطلاق «جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» بالكويت. هنا حوار معه حول روايته الجديدة وهموم الكتابة...

> في روايتك الجديدة «خطف الحبيب» ينجرف «أحمد» الشاب الثري الهادئ المتعلم إلى دوامة العنف والإرهاب، هل قصدت بذلك تحطيم الصورة الذهنية النمطية التي ترى أن المتطرف إفراز البيئات الفقيرة مهمشة؟
- شخصية «أحمد» في الرواية تقدّم صورة فنية تحاكي حياة الواقع، وتؤكد ألا جنسية للعنف، ولا مذهباً، ولا مستوى اقتصادياً. وبالتالي، مثلما يذهب أبناء البيئات الفقيرة والمهمّشة إلى العنف لسبب يخصّهم ويدفعهم، يندفع أبناء الأغنياء، ومن مختلف بلدان العالم، إلى العنف وهم محمولون على القناعات التي تخصّهم أيضاً. أرى أن الواقع الإنساني الراهن يدحض بوضوح فكرة أن المتطرف يأتي دائماً من البيئات الفقيرة، وإذا كان هذا يكسر الصورة الذهنية النمطية عن بيئات التطرف فأنا سعيد بذلك.
> هل كان عنوان الرواية نوعاً من «التمويه» للتغطية على موضوع التطرف الذي يضرب فجأة عائلة خليجية ثرية؟
- الكتابة برمّتها تمويه، تتكئ على جذر من الواقع، والكثير من الخيال وسبك اللغة والمحاكاة، لتبدو للقارئ وكأنها واقع. وهنا لا بد من الإشارة، إلى أن عنوان أي قصة قصيرة أو رواية، هو عنصر صعب ومهم من عناصر الكتابة الإبداعية السردية. وهو في الوقت نفسه، جزء مكمّل لحكاية الرواية؛ لذا فإن العنوان «خطف الحبيب»، هو الحكاية برمتها، وهو واقع الرواية تماماً، مثلما قد يكون تمويهاً قُصد به اصطياد بعض القرّاء، وأظن أن هذا قصد مشروع!
> أليس غريباً أن تصدر الرواية في 15 عاصمة عربية في وقت واحد، ألم تخشَ أن يحدِث ذلك نوعاً من التشتت؟
- نعم، هو شأن غريب على الرواية العربية، فلم يسبق أن صدرت رواية في وقت واحد، وفي جميع العواصم من الخليج إلى المحيط. ولا أدري أي تشتت تقصدين؟ فأنا أرى العكس تماماً، فهي محاولة مشروعة لكاتب في إيصال روايته إلى القراء العرب في مختلف بلدانهم. فتجربتي في نشر أعمالي القصصية والروائية، التي جاوزت العقود الأربعة تقول: بأن الكاتب العربي يطبع في القاهرة فلا يصل كتابه إلى بيروت، ويطبع في بيروت فلا يصل كتابه إلى الرياض، ويطبع في الرياض فلا يصل كتابه إلى الكويت. أقنعت 14 ناشراً عربياً من الصف الأول بطباعة ونشر روايتي في بلدانهم، ولم يكن ذلك أبداً بالأمر الهيّن. نعم، لقد تحقق هدفي الأدبي، فمنذ صدور رواية «خطف الحبيب»، وحتى اللحظة وأنا أتلقى ردود القراء، برسائل في «تويتر» و«فيسبوك» والإيميل، قراء عرب، من مختلف البلدان العربية، تعرّفوا عليّ عبر هذه الرواية، وأتواصل معهم ويدور نقاش بيننا وأسئلة حول عوالم الرواية وأحداثها وما قصدت من نهايتها المفتوحة!
> إلى أي حد حاولت أن تأتي الرواية، على مستوى الشكل والمضمون، مختلفة عن نظيراتها التي تتناول هذا الموضوع؟
- حسب علمي، ليس هناك رواية خليجية أو عربية كشفت عن تورط الأسرة الكويتية - الخليجية، الآباء والأبناء، بحروب الإرهاب، وتحديداً في سوريا، وخاضت في وحلها وعذاباتها وتلوثت به. ولذا؛ حينما كنت أكتب الرواية، لم يكن أمامي مثال بعينه، أو رواية بعينها، وأنني في سباق لتجاوزها والتفوق عليها. كنتُ أكتب حكاية أبطالي على ألسنتهم، وبمشاعرهم وعواطفهم، تاركاً مسافة بيني وبينهم، وكنت كأي قارئ أتابع خطواتهم علّني أصل معهم إلى نهاية الرواية.

> ما بين القصة القصيرة والرواية، تمضي تجربتك الأدبية. على أي أساس تحدد هوية عملك الإبداعي، وكيف تقاوم غواية الرواية بحيث لا تطغى على عالمك؟
- بدأت حياتي كاتب قصة، وكنتُ ولم أزل أعشق فن القصة، وأذهب إليه بفكرة أساسية هي الحفر في زمن رأسي قصير. قصة قصيرة تصطاد وتثبت لحظة إنسانية عابرة، وبالتالي كل من زمن القص، وزمن الحكاية قصير. وهذا يختلف تماماً عن فكرة العمل الروائي الذي يعتمد على فكرة زمن أفقي، زمن طويل بأبطال وأحداث ومصائر قد تمتد لعقود، ومن ثم، هو في حاجة إلى زمن قص يستوعبه. منذ بدأت دراساتي وتدريسي لمادة الكتابة الإبداعية في الولايات المتحدة الأميركية وفي بريطانيا، أصبحت اتجاهات بوصلتي واضحة: القصة لقطة عابرة بحدث رئيسي واحد، والرواية حكاية بأزمان وأبطال، وبالضرورة سلسلة من الأحداث المتداخلة والمتقاطعة.
> تُرجِمت أعمالك الروائية للغات عدة، منها: الإنجليزية، والفرنسية، والإيطالية، والإسبانية، والصينية، والتركية، والهندية، كيف ترى قضية الترجمة... هل تحقق حلم الوصول إلى العالمية ؟
- مؤكد ترجمة أي كاتب في العالم للغة أخرى هو اعتراف، ولو ضمنياً، بأهمية وقيمة ما كتب؛ لذا يسعدني ترجمة أعمالي الروائية للغات عالمية كثيرة، وبما يعني قراءة فئات أجنبية للأدب الكويتي والعربي والتعرف على البيئات التي يتحرك فيها. أما قضية الكاتب العربي وحلم تحقيق العالمية، فهذه عبارة لا معنى لها؛ لأن أي كاتب ولكي يبلغ العالمية، أمامه أن يحصل على اعتراف باتفاق عالمي على قيمة أعماله، وأنا هنا أتكلم عن إنتاج إبداعي معرفي تراكمي، أو أن يحصل على جائزة نوبل. خلاف ذلك، فإن الترجمات العربية هي جهد ممتاز لتقديم الكاتب والرواية لجمهور من القراء على ضفاف العالم الأخرى المختلفة.
> في العام 2002 صدرت لك دراسة بعنوان «المسرح في الكويت... رؤية تاريخية». ما ملاحظاتك حول الواقع المسرحي الكويتي الآن بعد مرور 20 عاماً على تلك الدراسة؟
- الواقع المسرحي في الكويت مؤلم، يراوح مكانه منذ 1991، وحتى اللحظة نجد الجميع: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، والمعهد العالي للفنون المسرحية، والفرق المسرحية الأهلية، الجميع يجتر أشكالاً مسرحية لا جديد فيها، ومعظم عروض مهرجان المسرح المحلي، عروض تجريبية، لا تتجاوز الليلة الواحدة. وربما حالة المسرح في الكويت هي امتداد لحالة المسرح في أقطار الوطن العربي والعالم. فالكتابة المسرحية، والعروض المسرحية في العالم تعاني من تراجع. لسبب أو لآخر، استطاعت فنون أخرى، مثل الرواية والسينما والقصة القصيرة، سحب البساط من العروض المسرحية، وحتى لندن وبرودواي، اكتفتا بتقديم عروض موسيقية استعراضية، بينما انزوت العروض المسرحية الجادة والمؤثرة، التي تحظى بجماهيرية تضمن لها استمرار العرض المسرحي.
> لك دراسة أخرى عن أحد رموز الأدب الكويتي وهو الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، كيف امتدت علاقتك به إبداعياً وإنسانياً؟
- علاقة القربى بيني وبين الروائي إسماعيل فهد إسماعيل هي التي أخذتني لطريق الأدب، وربما لو لم يأخذ بيدي ويسحبني خلفه في دروب القراءة والكتابة والصداقات الإنسانية مع القصاصين والروائيين والمسرحيين والتشكيليين، لكنت شخصاً آخر. أنا درست الهندسة المدنية، وتخرجت وعملت لمدة 15 سنة مهندساً إنشائياً، وبالتالي كان من الممكن أن أكون صاحب شركة مقاولات، أو مكتب هندسي. لكن القراءة، في الرواية والشعر والقصة والفلسفة وعلم النفس، كانت دائماً تأخذني لسواحل جديدة من الحياة، ومن ثم جاءت الكتابة والنشر في منتصف السبعينات، فانعطفت بي الطريق حتى ما عدتُ أعرف لحياتي درباً إلا القراءة والكتابة وتدريس ورش الكتابة الإبداعية.
> لم تكرر تجربتك المسرحية بعد «عرس النار» لماذا؟
- بعد كتابة مسرحيتي «عرس النار» ونشرها عام 2001، اكتشفت أن المسرح ليس ملعبي، وأني أنتمي إلى القصة القصيرة والرواية، وهذا يكفي جداً.
> أنت مؤسس ومدير كل من «الملتقى الثقافي»، و«الملتقى الكويتي»، كما أنك رئيس مجلس أمناء جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة العربية، فماذا كان الهدف من وراء تلك الجائزة؟ ولماذا اقتصر فضاؤها على القصة القصيرة دون غيرها؟
- الهدف من تأسيس وإطلاق جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» هو تشجيع ودعم القصة العربية والقاص العربي، فقد استولت الرواية على اهتمام: الناشر والكاتب وجمهور القراءة والجوائز. ولأني عاشق للقصة القصيرة، ولأنها أحد أجمل الأجناس الأدبية أسست الجائزة، ويكفي أن أقول: إن جامعة الشرق الأوسط الأميركية (AUM)، تتلقى سنوياً ما يزيد على مائتي مجموعة قصصية لكتّاب عرب من كل أنحاء الدنيا، وبما يوحي كم هي القصة القصيرة حية وحاضرة دائماً. وبفضل جائزة الملتقى، أصبحت الكويت حاضنة وعاصمة للقصة القصيرة العربية.
> ترأست لجنة تحكيم جائزة «البوكر» في دورتها عام 2009... كيف ترى الجدل المثار حولها الآن، خاصة أن هناك من يشتهيها سراً ويلعنها جهراً؟
- علينا أن نعترف بأن جائزة «البوكر» العربية صنعت لنفسها مكانة متميّزة ولافتة، وبخصوص الجدل المثار حولها، فهو في المحصلة يقدم لها دعاية إيجابية، ويجدد بين وقت وآخر حضورها الإعلامي. وإجابة عن الشطر الأخير من سؤالك، نعم عدد كبير من الأصدقاء كتّاب الرواية العرب، يشتهيها سراً، ويلعنها جهراً!



الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.


رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد
TT

رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

وهو عبارة عن رحلة شعرية إلى بغداد، المدينة التي لم يرها الشاعر منذ نحو ثلاثين سنة.

يبدأ الكتاب بمفتتح:

«سنة واحدة وأعود» قلت لأمي. بعد عشرين سنة قالت لي من خلال الهاتف «ألم تنتهِ تلك السنة؟» صمتُ. كنت خجلاً لأني أخلفت وعدي. سمعتها تقول «لا بأس سأضيف عليها سنة أخرى، ربما تساعدني الملائكة على تحملها»، لا تدري أمي أنها وضعت في رقبتي جرساً فيما ذهبت بالبقرة إلى مكان خفي».

ومن الكتاب: «يوم كانت بغداد هي المدينة كنت أنعم برؤية مدن العالم. أما حين اختفت بغداد وانفصلت عن جنتها، فلم أعد أثق بالمدن. صرت أمرّ بالمدن كما لو أنها هي التي تمرّ بي. القطار السريع الذي يقلني يحملها هي الأخرى. سنضحك ونبكي حين نلتقي في محطات مهجورة، ولكن أصابعي لا تزال ممسكة بأزقة ضيقة على الخريطة، التي فرشتها على الطاولة. لن أسمح لمطابخ العالم بأن تزيح المطبخ العباسي من البيت. ذلك ما قررته وأنا أعرف أن لا بيت لي. فأنا في الطريق. تلك طريق تقيم على جانبيها مدن تيرنر، وإليوت، وفرجينيا وولف، وجيمس جويس، وكلود مونيه، وشارل بودلير وبروست، وروفائيل، وباخ، وغوته، وفيلاسكز وفليني، ولكن رائحة الباقلاء بالدهن تشد أعصابي. ما أزال طفلاً. المراهق يلعب بأصابعي والشاب هو الذي يعنى بخزانة ثيابي. المشرد الذي صرته لا يزال يقوى على أن يقف في منتصف الطريقة ويعود أدراجه. هناك مسافة للركض في الغابة لن يتمكن الكلب فيها من اللحاق بي ونحن نلعب. لا رغبة لديّ في العودة إلى حطام البيت لأتناول فطوري مثل طفل صحا من النوم، ليكتشف أن الطائرات أبقته حياً من أجل أن يغطي بكاؤه على ضجيجها. لقد سلمت حياتي للفوضى. وحياتي لا ثمن لها».