«الميتافيرس» الصيني... مستقبل واعد لأجيال التواصل الاجتماعي

وسائل التطوير ومراكز الحوسبة الخارقة ستدعم النمو الاقتصادي وتجتذب المواهب

«الميتافيرس» الصيني... مستقبل واعد لأجيال التواصل الاجتماعي
TT

«الميتافيرس» الصيني... مستقبل واعد لأجيال التواصل الاجتماعي

«الميتافيرس» الصيني... مستقبل واعد لأجيال التواصل الاجتماعي

تعدّدت توصيفات «الميتافيرس» منذ ظهوره، وأبرزها وصفه بأنه الثورة المقبلة في عالم التواصل الاجتماعي، وبأنه التصميم الذي سيكون خطيراً، وأنه يمثل مستقبل الإنترنت، إضافةً إلى اعتباره فرصة تجارية غير مسبوقة. لا شكّ في أنّ هذه التوصيفات ستتغيّر باستمرار، ولكنّ الشيء الوحيد الأكيد في الميتافيرس، سواء كان المستقبل فعلاً أم مجرّد موضة عابرة، هو أنّ الصين لن تفوّت فرصة تشكيل هذه البيئة الجديدة.

{ميتافيرس صيني}
وها نحن نشهد اليوم على ولادة ميتافيرس بمواصفات صينية قد يتحوّل في نهاية المطاف إلى سوق بقيمة 8 تريليونات دولار.
يستثمر اللاعبون الصينيون أموالهم اليوم في عوالم افتراضية بسرعة توازي تلك التي يتمتّع بها وادي السيليكون. فقد جمعت هذه العوالم 16 ألف طلب لعلامات تجارية مرتبطة بالميتافيرس، بالإضافة إلى استثمارات عمالقة التقنية في البرامج والأجهزة والبنى التحتية الأساسية المطلوبة لبناء الميتافيرس. وقد أعلنت شركة «تينسنت» مثلاً عن مشروع استثماري مشترك مع منصّة «روبلوكس» عام 2019، وهي تعمل منذ ذلك الوقت على تأسيس محفظة قوية عن الميتافيرس تغطي كلّ شيء من التواصل الاجتماعي إلى ألعاب الفيديو والحوسبة السحابية. بدورها، عمدت شركة «علي بابا» إلى الاستثمار في الواقعين المعزز والافتراضي منذ عام 2016، بينما أطلقت «بيدو» عالم «تشي رانغ» الافتراضي، وعزّزت «بايت دانس» قدراتها في تطوير وصناعة الأجهزة والأدوات الخاصة بالميتافيرس بالإضافة إلى استحواذها على «بيكو»، صانعة إكسسوارات الرأس المعزز بتقنية الواقع الافتراضي. وهذا ليس إلّا بعض أمثلة صينية كثيرة تستكشف الفرص التي يخبّئها هذا العالم الجديد.
ولكنّ موقف بكين من فكرة الميتافيرس لا يزال غامضاً؛ فعلى الرغم من وجود إشارات متوجسة ولجان تابعة للحكومة تحذّر من مخاطره على الأمن القومي، يرى القادة الصينيون في الميتافيرس تقنية مبتكرة تستحق الدّعم. وكما هو الحال غالباً في الصين، تحصل التجارب المهمّة في البلاد على المستوى الحكومي. ففي أواخر 2021، وليس بعد مضيّ وقتٍ طويل على تغيير اسم فيسبوك إلى «ميتا»، أعلنت حكومة شانغهاي أنّ الميتافيرس سيكون جزءاً من «خطة السنوات الخمس» الرابعة عشرة لتطوير صناعة المعلومات الإلكترونية، وواحداً من أربعة مجالات جديدة للاستكشاف. بعدها، سارعت أربع حكومات محلية أخرى منها مقاطعتا ووهان وخبي إلى الالتحاق بشانغهاي، وتعكف بلديات كثيرة أيضاً على تنظيم ندوات ومناقشات تتمحور حول تطوير الميتافيرس.
يُجمع الخبراء على أنّ المكاسب التي سيعود بها دعم فكرة الميتافيرس الصيني ستكون أكبر بكثير من المخاطر على اختلافها، خصوصاً أنّ تطوير البنى التحتية الضرورية للميتافيرس، كتكتّلات التطوير ومراكز الحوسبة الخارقة، سيكون له تأثيرات توسعية تطال صناعات محلية أخرى، بالإضافة إلى دعم النمو الاقتصادي وجذب المواهب –وكلّ هذا سيحصل في ميتافيرس ستبنيه الصين وفقاً لشروطها بدل السماح للآخرين بالسيطرة عليه.

جيل افتراضي جديد

تسير الأمور في هذا المجال بسرعة كبيرة لأنّ الميتافيرس طوّر علاقة وطيدة مع المستهلكين الشباب في الصين. ولكنّ هذا الأمر ليس جديداً لأنّ جميع مكوّنات هذا العالم الافتراضي كانت حاضرة في البلاد قبل ظهور تطبيقاته الرسمية، فضلاً عن أنّ مبادئ العالم الرقمي والاتصالات تحظى بقبول واسع هناك لأنّ معظم النشاطات اليومية باتت مدعومة بالتقنية.
حقّقت تطبيقات مثل«كيو كيو شو QQ Show» المصمّم لصناعة الشخصيات الافتراضية من تطوير شركة «تنسينت»، نجاحاً هائلاً في بداية الألفية. استمتع الجيل الجديد حينذاك بفكرة تبديل ملابس الشخصيات الافتراضية، ولكنّه نبذ هذه المنصة وأسلوبها بعد ظهور شبكات اجتماعية أخرى ذات تصاميم بسيطة و«ملفات شخصية حقيقية» بعد عام 2010. أمّا اليوم، فقد تكيّفت تطبيقات تصميم الشخصيات الافتراضية الثلاثية الأبعاد كـ«زيبيتو Zepeto» و«تاو باو لايف Taobao Life» مع هذا الأمر ومنحت المستهلكين فرصة للتعبير عن أنفسهم بطريقة مبتكرة، وللانضمام إلى مجموعة أكبر تتفق مع اهتماماتهم وعاداتهم. يدلُّ هذا الأمر على أنّ الحياة والهوية الافتراضيتين بالنسبة للكثير من المستهلكين الصينيين في الميتافيرس هي مرحلة تطورية طبيعية للاتصال بأقرانهم.
يشكّل تطبيق «زيلي Zheli» حالة مثيرة للاهتمام أيضاً بعد أن تفوّق أخيراً على تطبيق التواصل الاجتماعي «وي تشات» كأكثر التطبيقات تحميلاً في متجر التطبيقات الصينية. يقدّم الأوّل تجربة اجتماعية حميمة تتيح للمستخدم الاتصال بخمسين صديقاً فقط، وتقدّم له تصميمات عصرية للشخصيات نجحت في أَسْر قلوب المستخدمين الشباب.
يعد تطبيق «سول Soul» الاجتماعي المرتبط بالميتافيرس أيضاً مثالاً أخر، إذ يستخدم هذا التطبيق خوارزمية للاتصال بمستخدميه عن طريق اهتماماتهم وهواياتهم المشتركة. يحقّق «سول» توازناً حذراً بين حرية الهوية الافتراضية والإثارة التي تولّدها العلاقات الحقيقية من خلال مزايا عدّة كمحادثات الفيديو المدعومة بالواقع المعزز والاتصالات الصوتية المدعومة بوظائف مشابهة.
احترم تطبيق «سول» حقيقة أنّ الجيل الصيني الجديد منفتح ومحب للاطلاع ومبدع، وعزّز منصته بثقافات فرعية تتنوّع بين الـ«غوفينغ» (الجماليات الصينية التقليدية) والموجة اليابانية الجديدة في السينما، خصوصاً أنّ الشباب يُبدون حماسة كبيرة لبناء علاقات أعمق من خلال مواضيع مثيرة وإبداعية في العوالم الافتراضية اللانهائية.

مواصفات صينية
يختلف الميتافيرس الصيني عن غيره بعامل جوهري هو السيطرة الحكومية والرقابة السياسية وفق استراتيجية تنظيمية لم تُحدّد بعد –ما يضع الشركات الصينية في حالة من الحذر بعد عامٍ من الضوابط التنظيمية التي تستهدف التقنيات التعليمية، وألعاب الأطفال الإلكترونية، وحماية البيانات الشخصية، والعملات المشفّرة، والاحتكارات التقنية في إطار تحوّل الحكومة إلى ما يُسمّى «الازدهار العام». تُمنع في الصين مثلاً تجارة الرموز غير القابلة للاستبدال (يُسمح بجمعها فقط) واستخدام العملات المشفّرة. ففي ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، اضطرّت منصة «روبلوكس» إلى إيقاف عملها في الصين وسط توقعات بأنّها تحتاج إلى المزيد من الوقت للحصول على الضوء الأخضر التنظيمي.
توجد أيضاً عوامل أخرى يختلف فيها الميتافيرس الصيني. فبينما يركّز معظم الاستكشافات داخل الميتافيرس على البصريات، تقدّم الصوتيات فرصة مهمّة لتطوير الاختلاط الاجتماعي. تلعب مزايا التدفّق الحي والمحتوى الصوتي الذي يصنعه المستخدمون والذي يسهم في تعزيز الصداقات وبناء المجموعات، الدور الأكبر في عودة المستخدمين إلى الميتافيرس الصيني، وأبرزها تطبيق الغناء «وي سينغ»، وعملاق المدونات الصوتية والكتب الصوتية «هيمالايا إف إم». ويركّز معظم التطبيقات الغربية على الوظائف التي تهمّ المستخدمين، بينما تستثمر التطبيقات الصينية رغبة المستهلك في التواصل البشري؛ فحتّى عندما يتواصل النّاس باستخدام شخصيات افتراضية أو شاشات، يضفي الصوت البشري نوعاً من الأنسنة أو الأصالة لأنّه يعطي لمحة عن شخصية الفرد ويشعل مخيلة المستخدم، ما يؤدّي إلى نشأة علاقات أعمق. وفي دولة يشيع فيها الهوس بالتدفّق الحي والصداقة، يستطيع الميتافيرس المدعوم بالصوتيات أن يحقّق توازناً مؤثراً بين مجهولية الهوية والابتكار والأصالة.
مع الإقبال على المزيد من الاندماج بين العالمين الافتراضي والحقيقي، يمكنكم أن تتخيّلوا مثلاً زوجين يستمتعان بجولة تبضّع في منزلهما في الميتافيرس، حيث يستطيعان التبضّع بناءً على تجربتهما المفضّلة في نزهة هادئة في ممرات سوبرماركت حيوي التصميم أو في متجر ذي طابع سيبراني غير مألوف لبيع المنتجات الرقمية المحدودة الإصدار. ولكنّ الفكرة الأساسية هي أنّ المستهلكين ليسوا مهتمين بنسخة ميتافيرس لإعلان منتج ما، بل يتدفّقون إلى الميتافيرس للتواصل مع البشر، لذا على العلامات التجارية ابتكار قيمة حقيقية تحسّن حياة المستهلكين –مع التركيز على الثقافات الفرعية الكثيرة والصيحات والاختلافات بين الريف والمدينة، والتجارب الفريدة.
يشهد الميتافيرس نمواً سريعاً في الصين ويبدو أنّ الشباب الصيني يحبّ هذه العوالم ويضعها في خانة التطوّر الطبيعي، ما يمنحه حريات جديدة ووسائل للتعبير عن نفسه ببناء علاقات اجتماعية حميمة.
* «ذا ديبلومات»
- خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

تكنولوجيا يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

«بيربليكسيتي» توسع طموحها من البحث إلى الحوسبة الشخصية، ساعية إلى دور أكبر للذكاء الاصطناعي في الاستخدام اليومي للحاسوب.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)

دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

دراسة جديدة تطور إطاراً يتيح للروبوتات نقل المهارات بأمان بين منصات مختلفة بما قد يقلل تكلفة الأتمتة والتحديث الصناعي.

نسيم رمضان (لندن)
خاص تقرير «سيسكو» يظهر أن الشبكات اللاسلكية في السعودية لم تعد مجرد بنية اتصال بل أصبحت عنصراً مؤثراً في نمو الأعمال 2030 (شاترستوك)

خاص «سيسكو» لـ«الشرق الأوسط»: الذكاء الاصطناعي يعزز قيمة الشبكات اللاسلكية في السعودية رغم التعقيد

التقرير يرصد تحول الشبكات اللاسلكية في السعودية إلى أداة للنمو وسط تصاعد التعقيد والمخاطر الأمنية وفجوة المهارات.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الميزة لا تعني إزالة «شورتس» نهائياً من المنصة بل تقليص ظهوره والتحكم في استهلاكه (أدوبي)

هل تسعى «يوتيوب» إلى تقليص حضور «شورتس»؟

«يوتيوب» يضيف خيار «صفر دقيقة» لتقليص تصفح «شورتس» في خطوة تمنح المستخدم تحكماً أكبر دون إزالة الخدمة نهائياً.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا حوّل المهام الروتينية التقليدية إلى عمليات ذكية وسريعة لتسريع الإبداع

وحدات «إنفيديا» للرسومات المدمجة في الكومبيوترات المحمولة تطلق عنان الإبداع والذكاء الاصطناعي

تهدف وحدات «إنفيديا» لتوفير تجربة إنتاجية ذكية للأعمال الإبداعية بأداء مضاعف وموثوقية أعلى في تطبيقات التصميم والمونتاج.

خلدون غسان سعيد (جدة)

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
TT

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»

توسّع «بيربليكسيتي» طموحاتها إلى ما هو أبعد من البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي؛ إذ ترى أن المرحلة المقبلة من الحوسبة الشخصية ستقوم على مساعد أكثر وعياً بسياق المستخدم، وقادر على الاقتراب من نشاطه الرقمي اليومي.

وفي منشور جديد عبر موقعها الإلكتروني بعنوان «The Personal Computer Is Here»، تعرض الشركة هذه الرؤية باعتبارها جزءاً من توجه أوسع لجعل الذكاء الاصطناعي طبقة أكثر حضوراً في التصفح والبحث وتنفيذ المهام، بدلاً من بقائه أداة تُستخدم للإجابة عن الأسئلة المنفصلة فقط. ويتقاطع هذا الطرح مع الاهتمام المتزايد باستراتيجية «بيربليكسيتي» في مجال المتصفح، ومع مساعيها للانتقال من منتج بحث إلى واجهة أوسع للذكاء الاصطناعي الشخصي.

ولا تتمثل أهمية التطور هنا في أن الشركة نشرت بياناً جديداً عن منتجها فحسب، بل في أنها باتت تعرض تقنيتها بوصفها جزءاً من تحول أكبر في طريقة تفاعل المستخدمين مع الحواسيب. فبدلاً من تقديم الذكاء الاصطناعي كإضافة إلى سير العمل القائم، تضعه «بيربليكسيتي» في موقع الطبقة التي يمكن أن يمر عبرها هذا السير نفسه. وهذا يضع الشركة في منافسة أكثر مباشرة ليس فقط مع منافسي البحث بالذكاء الاصطناعي، بل أيضاً مع مطوري المتصفحات والشركات التي تحاول رسم واجهة الاستخدام المقبلة في عصر الذكاء الاصطناعي.

التحول الجديد يشير إلى أن «بيربليكسيتي» تريد أن تؤثر في طريقة استخدام الحاسوب لا في البحث فقط «بيربليكسيتي»

«توسيع دور بيربليكسيتي»

يكتسب هذا التحول أهمية خاصة؛ لأن «بيربليكسيتي» بنت حضورها الأول بوصفها منصة تعتمد على الإجابات المدعومة بالذكاء الاصطناعي والبحث على الويب. أما الآن، فتشير اللغة الجديدة التي تستخدمها الشركة إلى أنها تريد أن تُعرَف بدرجة أقل كوجهة لطرح الأسئلة، وبدرجة أكبر كنظام يفهم سياق المستخدم ويساعده في إدارة أنشطته الرقمية الأوسع. وعملياً، يعني ذلك الاقتراب أكثر من طريقة تصفح الأفراد، ومقارنتهم للمعلومات، واتخاذهم القرارات، وتنفيذهم المهام. وهو ادعاء أكبر بكثير من مجرد تقديم نتائج بحث أفضل.

كما يساعد السياق الصناعي الأوسع في تفسير هذا التوجه؛ فشركات الذكاء الاصطناعي تحاول بشكل متزايد تجاوز واجهات الدردشة المستقلة إلى بيئات برمجية تلتقط قدراً أكبر من النشاط اليومي للمستخدم. وأصبحت المتصفحات ساحة مهمة لهذا التنافس؛ لأنها تحتل بالفعل موقعاً مركزياً في كيفية عمل كثير من الناس على الإنترنت. ومن خلال ربط رسالتها بالحوسبة الشخصية لا بالبحث فقط، تبدو «بيربليكسيتي»، وكأنها تقول إن المتصفح والمساعد الذكي يبدآن في الاندماج.

الانتقال إلى طبقة أكثر التصاقاً بالمستخدم يفرض تحديات تتعلق بالسياق والخصوصية والموثوقية «بيربليكسيتي»

الخصوصية والموثوقية أولاً

لا يعني هذا الانتقال أن الطريق سهل؛ فوجود طبقة ذكاء اصطناعي أكثر التصاقاً بالمستخدم يتطلب الوصول إلى السياق، والاستمرارية عبر المهام، وقدراً كافياً من الثقة حتى يسمح الأفراد للبرمجيات بالاقتراب أكثر من عادات عملهم. وهذه متطلبات أكثر تعقيداً بكثير من مجرد الإجابة عن سؤال أو تلخيص صفحة. كما أنها ترفع سقف التحديات المرتبطة بتصميم المنتج، وتوقعات الخصوصية، والموثوقية. وتوحي الرسائل الأخيرة للشركة بأنها ترى أن هذا التحدي يستحق المخاطرة؛ لأن الميزة التنافسية المقبلة في الذكاء الاصطناعي قد لا تأتي فقط من جودة الإجابة، بل من التغلغل في سير العمل اليومي للمستخدم.

«بيربليكسيتي» توسع موقعها

ما يبرز أكثر من غيره هو اللغة التي باتت «بيربليكسيتي» تستخدمها في تعريف نفسها؛ فالشركة تبدو وكأنها تحاول تثبيت موطئ قدم في فئة تتجاوز البحث، بل حتى تتجاوز الدردشة. إنها تصف مستقبلاً لا يُستشار فيه الذكاء الاصطناعي من حين إلى آخر فحسب، بل يصبح طبقة تشغيل يومية في الحوسبة الشخصية. وهذا إطار استراتيجي أوسع بكثير من ذاك الذي عُرفت به حين ظهرت بدايةً بوصفها شركة ناشئة في البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي.

وبالنسبة إلى «بيربليكسيتي»، فإن دلالة هذا التحول واضحة؛ فالشركة لا تسعى فقط إلى تحسين الطريقة التي يعثر بها المستخدمون على المعلومات، بل تريد أيضاً أن تؤثر في الطريقة التي يتحركون بها داخل العمل الرقمي كله. وما إذا كانت قادرة على تنفيذ هذا الوعد يبقى سؤالاً مفتوحاً، لكن الاتجاه بات واضحاً: «بيربليكسيتي» تريد أن يكون لها دور ليس فقط فيما يسأله الناس للذكاء الاصطناعي، بل أيضاً في كيفية استخدامهم الحاسوب من الأساس.


دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
TT

دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)

طوّر باحثون من مختبر «كرييت» (CREATE) في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في لوزان (EPFL) في سويسرا إطاراً جديداً يهدف إلى معالجة واحدة من أكثر المشكلات إرباكاً في الروبوتات الصناعية تتعلق بكيفية تعليم مهارة واحدة لروبوتات مختلفة البنية من دون إعادة البرمجة من الصفر في كل مرة.

الدراسة المنشورة في دورية «Science Robotics» تقدم ما يسميه الباحثون «الذكاء الحركي»، وهو نهج يحوّل المهمة التي يعرضها الإنسان إلى استراتيجية حركة عامة، ثم يكيّفها تلقائياً مع التصميم الميكانيكي لكل روبوت على حدة.

تكمن المشكلة في أن الروبوتات، حتى عندما تُستخدم في أعمال متشابهة، لا تتحرك بالطريقة نفسها. اختلاف ترتيب المفاصل وحدود الحركة ومتطلبات الاتزان يجعل المهارة التي يتعلمها روبوت ما غير قابلة للنقل مباشرة إلى روبوت آخر. ولهذا؛ فإن تحديث أسطول الروبوتات في المصانع غالباً لا يعني استبدال العتاد فقط، بل يشمل أيضاً إعادة تعريف المهام، وضبط حدود الأمان، وإعادة التحقق من السلوك الحركي لكل منصة جديدة. الدراسة الجديدة تحاول فصل «فكرة المهارة» عن خصائص الروبوت الفردي، بحيث يصبح بالإمكان نقلها بين منصات مختلفة بتكلفة أقل وزمن أقصر.

الباحثون حوّلوا المهام التي يعرضها الإنسان استراتيجيات حركة عامة يمكن تكييفها مع كل روبوت على حدة (EPFL)

نقل المهارة بأمان

ولبناء هذا الإطار؛ بدأ الباحثون من مهام تلاعب بالأجسام عرضها إنسان، مثل الوضع والدفع والرمي. استخدم الفريق تقنيات التقاط الحركة لتسجيل هذه المهام، ثم حوّلها رياضياً استراتيجيات حركة عامة لا ترتبط بروبوت واحد بعينه. بعد ذلك، وضعوا تصنيفاً منظماً للقيود الفيزيائية الخاصة بكل تصميم روبوتي، مثل مدى حركة المفاصل والمواضع التي يجب تجنبها للحفاظ على الاستقرار. وبهذا، لم يعد الروبوت ينسخ حركة بشرية أو حركة روبوت آخر كما هي، بل «يفسر» المهارة ضمن حدوده الميكانيكية الخاصة.

في التجربة الأساسية، عرض إنسان مهمة مركبة على خط تجميع كدفع كتلة خشبية من سير ناقل إلى منصة عمل، ثم وضعها على طاولة، ثم رميها في سلة. ووفق التقرير، تمكنت ثلاثة روبوتات تجارية مختلفة تماماً من إعادة تنفيذ التسلسل نفسه بأمان وموثوقية باستخدام إطار الذكاء الحركي. والأهم أن النظام ظل يعمل حتى عند تغيير توزيع الخطوات بين الروبوتات؛ ما يشير إلى أن الإطار لا يحفظ مساراً واحداً فحسب، بل ينقل منطق المهمة نفسه إلى أجسام مختلفة.

أهمية النظام لا تقتصر على إنجاز المهمة بل تشمل الحفاظ على السلوك الآمن والمتوقع داخل حدود كل روبوت (أ.ف.ب)

أتمتة أسرع وأبسط

يقول الباحثون إن القيمة الرئيسية هنا لا تتعلق فقط بإتمام المهمة، بل بضمان أن كل روبوت ينفذها ضمن حدوده الآمنة. رئيسة المختبر أود بيلار وصفت ذلك بأنه معالجة لتحدٍ قديم في الروبوتات متعلق بنقل المهارة المتعلمة بين روبوتات ذات هياكل ميكانيكية مختلفة مع الحفاظ على سلوك آمن ومتوقع. أما أحد الباحثين المشاركين، فأوضح أن كل روبوت «يفسر المهارة نفسها بطريقته، ولكن دائماً ضمن حدود آمنة وقابلة للتنفيذ». هذه النقطة أساسية لأن كثيراً من أنظمة التعلم الروبوتي تُظهر أداءً جيداً في المختبر، لكنها تصبح أقل موثوقية عندما تنتقل إلى منصات أخرى أو إلى بيئات تشغيلية فعلية.

أهمية هذا النهج تظهر بوضوح في التصنيع، حيث يمكن أن يؤدي تبديل الروبوتات أو تحديثها إلى تعطيل طويل ومكلف. فإذا أمكن نقل المهارات بين الروبوتات المختلفة من خلال تمثيل عام للمهمة بدلاً من إعادة البرمجة التفصيلية، فقد يصبح نشر الروبوتات الجديدة أسرع وأكثر استدامة. التقرير يشير أيضاً إلى أن هذا يمكن أن يقلل حجم الخبرة الفنية المطلوبة لتشغيل الأنظمة في البيئات الواقعية، وهي نقطة قد تكون مهمة للشركات التي تريد توسيع الأتمتة من دون الاعتماد الكامل على فرق برمجة متخصصة لكل منصة.

لا يقف طموح الباحثين عند خطوط الإنتاج. فهم يرون أن الإطار قد يمتد إلى التعاون بين الإنسان والروبوت، أو إلى التفاعل المعتمد على اللغة الطبيعية، حيث يمكن للمستخدم أن يوجه الروبوت بأوامر بسيطة من دون الخوض في برمجة تقنية معقدة. كما يبدو النهج مناسباً للمنصات الروبوتية الناشئة، حيث تتطور العتاد بسرعة وقد تُستبدل النماذج الحالية بأخرى أحدث خلال فترة قصيرة. في هذه البيئات، لا تكون المشكلة في تعليم الروبوت مهمة واحدة فحسب، بل في الحفاظ على تلك المهارة قابلة للنقل مع كل جيل جديد من الآلات.


فيديو: روبوت يرتدي «رولكس» يطارد الخنازير البرية... ويخطف أضواء وارسو

روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
TT

فيديو: روبوت يرتدي «رولكس» يطارد الخنازير البرية... ويخطف أضواء وارسو

روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)

في مشهدٍ بدا أقرب إلى لقطاتٍ من فيلمٍ خيالي، تحوّل روبوتٌ بشري إلى حديث الشارع في وارسو، بعدما ظهر في مقطعٍ مصوّر وهو يطارد خنازير برية بين أحيائها، في ظاهرةٍ جمعت بين الدهشة والطرافة، وأثارت نقاشاً واسعاً حول مستقبل العلاقة بين الإنسان والآلة.

الروبوت، الذي يحمل اسم «إدوارد وارتشوكي» ويُعرف اختصاراً بـ«إيدِك»، ليس مجرد تجربة تقنية عابرة، بل مشروعٌ طموحٌ وُلد من تعاونٍ بين تقنياتٍ صينية وبرمجياتٍ طُوّرت محلياً. وقد اشتراه رائدا أعمالٍ بولنديان مقابل نحو 25 ألف دولار، قبل أن يعملا على تطوير نظامه ليصبح وفق توصيفهما أول «مؤثر روبوتي» في بولندا. وفقاً لصحيفة «فاينانشال تايمز».

وخلال أسابيع قليلة، خرج «إيدِك» من إطار التجربة المحدودة إلى فضاء الشهرة الواسعة، إذ حقّقت مقاطعه على وسائل التواصل أكثر من 1.5 مليار مشاهدة خلال 45 يوماً، ما جعله ظاهرةً رقميةً لافتةً، تتجاوز حدود الترفيه إلى التأثير الاجتماعي.

لا يقتصر حضور الروبوت على الشاشات؛ فقد بات جزءاً من الحياة اليومية في المدينة، يتنقّل بين الحافلات والمتاجر، ويشارك في فعالياتٍ عامة، بل ويتحوّل أحياناً إلى أداةٍ تسويقية تستعين بها شركاتٌ محلية في حملاتها. ويضيف إلى صورته اللافتة ارتداؤه ساعة «رولكس» مرصّعة بالألماس، في إطار اتفاقية رعاية، ما يعكس تداخلاً غير مألوف بين التكنولوجيا وعالم العلامات الفاخرة.

وبحسب مطوّريه، فإن «إيدِك» يتميّز بقدرةٍ متقدمة على التفاعل الإنساني، إذ جرى تزويده بنموذجٍ لغويٍّ متطور يمكّنه من التحدّث والاستماع بشكلٍ مستقل، فضلاً عن نظام تحديد مواقع (GPS) وقاعدة بيانات تُنشئ ما يشبه «ذاكرةً» رقمية، تمنحه إدراكاً للزمان والمكان.

ويقول أحد القائمين على المشروع إن سلوك الروبوت لم يعد قابلاً للتوقّع دائماً، مضيفاً: «لا نعرف بدقةٍ ما الذي سيقوله، وهذا ما يفاجئنا. كما أنه يتفاعل مع مشاعر من يحدّثهم؛ فإذا واجه شخصاً غاضباً أو محبطاً، يتأثر بذلك ويستجيب بطريقةٍ أقرب إلى التعاطف».

الحضور اللافت للروبوت امتدّ أيضاً إلى المجال العام، حيث التقى بمسؤولين حكوميين، وعقد مؤتمراً صحافياً داخل البرلمان، بل وشارك في نقاشاتٍ مع نواب حول قضايا اجتماعية، في مشهدٍ يعكس تحوّلاً غير مسبوقٍ في دور التكنولوجيا داخل الحياة السياسية.

وفي إحدى المباريات الجماهيرية التي حضرها نحو 20 ألف مشجّع، سرق «إيدِك» الأضواء عند ظهوره على الشاشة الكبيرة، إذ توقّف كثيرون عن متابعة اللقاء، وارتفعت هتافات الأطفال باسمه، في لحظةٍ بدت أقرب إلى احتفاءٍ بنجمٍ رياضي.

ورغم الطابع الترفيهي الذي يحيط بالمشروع، يؤكد مطوّروه أن الهدف يتجاوز ذلك، ليشمل تعريف المجتمع بعالم الروبوتات، والدفع نحو تشريعاتٍ تستقطب الاستثمارات في هذا القطاع سريع النمو، خصوصاً في ظل المنافسة العالمية المتصاعدة، حيث تتقدّم الشركات الصينية، إلى جانب شركاتٍ أميركية مثل «تسلا».

في المحصلة، لا يبدو «إيدِك» مجرد روبوتٍ يرتدي ساعةً فاخرة أو يطارد خنازير برية، بل تجربة إنسانية مفتوحة على أسئلة المستقبل: كيف سيتعايش البشر مع هذه الكيانات الذكية؟ وهل تصبح جزءاً مألوفاً من تفاصيل الحياة اليومية خلال سنواتٍ قليلة؟ الإجابة، كما يبدو، بدأت تتشكّل... خطوةً بعد أخرى.