«فساد الأمكنة»... جعلت من الصحراء فضاءً روائياً

دراسة عن الروائي المصري صبري موسى

«فساد الأمكنة»... جعلت من الصحراء فضاءً روائياً
TT

«فساد الأمكنة»... جعلت من الصحراء فضاءً روائياً

«فساد الأمكنة»... جعلت من الصحراء فضاءً روائياً

تحتل رواية «فساد الأمكنة» للكاتب المصري صبري موسى مكانة خاصة في مسيرة الأدب المصري الحديث، إذ تعد أول عمل فني تدور أحداثه بالكامل في الصحراء بعد عقود طويلة ظلت فيها السردية الأدبية المصرية رهينة الثنائية التقليدية، الريف والمدينة، من دون انفتاح على بيئات وعوالم مكانية أخرى كحياة الصيادين والحياة الساحلية فضلاً عن البدو وقبائل الصحراء. وتتناول الرواية فكرة الصراع الأبدي بين الإنسان بجشعه والطبيعة بنقائها، وذلك عبر شركات التعدين والسياح المستهترين وكيف يصطدم هؤلاء بالسكان الأصليين من البدو والقبائل التي لا تزال على فطرتها.
من هنا تأتي أهمية هذه الدراسة «وظائف المكان وجمالياته في رواية فساد الأمكنة» للباحث الأكاديمي د. جمال الجزيري الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب. وكانت الرواية المذكرة أن الرواية صدرت في طبعتها الأولى بداية سبعينات القرن العشرين. إنها «رواية مكانية» بامتياز بدءاً من عنوانها ثم متنها الذي يبرز المكان بوصفه شخصية درامية فاعلة ومشكلة لأحداث النص. وحسب المؤلف، فإن صبري موسى (1932 - 2018) هو كاتب مكان في المقام الأول، فمعظم أعماله تتناول المكان بوصفه شخصية مؤثرة في حياة الشخصيات، وكان موسى قد نشر أيضاً عدة كتب عن رحلاته في صحراء مصر الغربية والشرقية.
تبرز «فساد الأمكنة» حضور «جبل الدرهيب» والصحراء الشرقية والحدود مع السودان، وكلها مناطق كانت شبه مجهولة بالنسبة للقارئ المصري، لأن النصوص الأدبية آنذاك كانت محصورة في إطار المدن والقرى وتكاد لا تخرج عن نطاق الوادي. ويمكن أن نبصر في الأسماء المكانية دلالات إضافية غير الدلالات الجغرافية، فإذا حذفنا على سبيل المثال حرف الدال من «الدرهيب» صار «الرهيب»، أي ما يوحى بالرهبة والجلال والعظمة. وحين حصل مؤلف الرواية على منحة وزارة الثقافة في الفترة من نوفمبر (تشرين الثاني) 1966 إلى نوفمبر 1967 للإقامة في الصحراء وفي «الدرهيب» تحديداً، جاءت أول جملة وصفية لهذا الجبل بالشكل التالي: «يحتضن - الجبل - بذراعيه الضخمتين الهلاليتين شبه وادٍ غير ذي زرع»، وهو وصف يعضد العلاقة بين السماء والأرض، والعلاقة الطبيعية بين الأرض والإنسان شاغل المكان، وليس المنتفعون الذين سيأتون إلى المكان لنهب موارده واغتصاب فطرته سواء عبر شركات التعدين أو السياح الذين سيخدشون صمته وجلاله بلهوهم ومحركات سياراتهم التي لا تكاد تهدأ ليلاً أو نهاراً.
تصف الرواية الجبل بأنه يعود إلى «آلاف السنين من تأثيرات الرياح وعوامل التعرية»، ويرى الباحث أنها إشارة تحقق هدفين في سياق النص، فهذا المكان قديم جداً قدم الأرض ذاتها، كما أن تأثير آلاف السنين لا يتعدى إحداث نتوءات صخرية وتجاويف، في حين أن سنوات معدودة من حياة الاستعماريين والاستغلاليين والطامعين في هذا الجبل فجرت فيه من خلال المواد المتفجرة سراديب وحفراً بطول آلاف الأمتار، وهو الأمر الذي يبرز تعارضاً أو تبايناً بين أثر الطبيعة الهين على مدار آلاف السنين وأثر الإنسان المدمر على مدار سنوات معدودة.
وتصف الرواية شخصية بطل العمل (الراهب نيكولا) بأنه «لا وطن له»، وهو وصف يقوم على المفارقة لأن نيكولا ليس معدوم الجذور ولا الهوية المكانية، فأصله من بلدة في القوقاز واستقر في تركيا حيث يعمل أبوه، وفي إيطاليا حيث عمل هو لبعض الوقت وتزوج وأنجب ابنته. وجاء إلى جبل «الدرهيب» في البداية بغرض التعدين والبحث عن المعادن النفيسة ومادة «التلك»، ثم سحره المكان وأساطيره وطبيعة القبائل المستوطنة فيه والتي يعود أصلها إلى منطقة القوقاز. وبذلك تصير عبارة «لا وطن له» تأكيداً لفكرة قيام نيكولا بتعذيب نفسه يومياً، لأنه يريد أن يتطهر وحتى أن يصير صخرة ومعلماً من معالم المكان، كما استطاع جده الأكبر «كوكا لونكا» أن يتحول إلى صخرة من قبل ويحقق أسطورته الخاصة.
يستعمل موسى «الفراغ» في الرواية بمعنى المكان الذي تنظر إليه العين نظرة بانورامية إجمالية أو شمولية، فلا تنظر إلى المكان في حد ذاته، وإنما تبحث عن شيء محدد فيه. يقول الراوي عن محاولات البحث عن نيكولا بعد اختفائه واختفاء حفيده الرضيع: «وأخذ بعضهم يتلمس بعينيه نيكولا في ذلك الفراغ الصحراوي المترامي البعد من هذا الارتفاع المناسب، وهز بعضهم رأسه وهو يلوح تجاه بحر الرمال الخطير والمخيف، مؤكداً أن نيكولا هناك الآن». في هذا السياق، يظهر أفراد قبائل البشارية، وهم السكان الأصليون للمكان، الذين يرفضون هؤلاء «الغرباء»، رفضاً رومانتيكياً، فيدير البشاري رأسه تجاه الفضاء إذا رأى واحداً منهم، ما اضطر هؤلاء الغرباء من مسؤولي شركات التعدين والسياحة إلى استقدام «الغرباء» الذين يتناثرون عبر فضاء النص؛ وهم المستثمرون المصريون الذي ينتمون للمكان على سبيل المجاز المرسل، والأجانب المغامرون الذي جاءوا للتنقيب عن المعادن النفيسة وكل ما يمكنهم من أن يكوّنوا ثروة عظيمة وتحميهم سلطات الاحتلال الإنجليزي التي يتممون إليها حقيقة أو على سبيل المجاز أيضاً. وكلا الفريقين اللذين تجمعهما المصلحة الواحدة ينظر إلى المكان على أنه نكرة بلا صاحب وبلا جماعات أو قبائل تعيش فيه منذ مئات وربما آلاف السنين، وبالتالي يعتبرونه عديم الانتماء ويقومون بالاستيلاء عليه بتفويض من السلطات التي تنظر إلى أهل المكان الأصليين على أنهم مجرد هامش من هوامش الدولة لا قيمة له ولا حق له في المكان أو في انتساب المكان إليه.
وكثيراً ما يستخدم المكان بمعنى الموضع المتنازع عليه بين البشر وغيرهم من الكائنات، كما في هذا المشهد «لقد أزعج موتور السيارة تلك الثعابين فأرهفت رؤوسها تتسمع وسكنت حركتها حيناً ما، فانحدر السائق في سرعة وأخذ يدور بالعربة يساراً، ثم يرتد ويدور يميناً، كأنه يطارد الثعابين بالعجلات فبدأت تتقلص وتتلوى على نفسها وتتدفع مبتعدة عن المكان، حتى خلا السفح منها كأنما ابتلعها الجبل». هنا تنظر الثعابين للمكان باعتباره ملكية خاصة أو على الأقل امتداداً لمكانها، فلقد كانت تتخذ قاع البئر المهجورة ملاذاً واعتدت على من كان يريد أن يخرجها منه، قتلت «أيسا» ورفيقيه اللذين نزلا البئر لتطهيرها ثم خرجت منها بعد أن تعفنت جثثهم.
من بين الأساطير المؤسسة للمكان في الفضاء الروائي أسطورة «كوكا لوانكا» التي يسبق وجودها زمن أحداث الرواية، يقول الراوي: «من بين هذه الصخور الحادة والمدببة شديدة القسوة والجفوة كان الماء العذب يسيل زلالاً على المساقط الجنوبية والغربية للجبل ثم ينساب في وادي عيذاب ليروي تلك الغابة الكثيفة التي لم يقدر على اختراقها إنسان للآن، حيث تعتقد قبائل البجاة أنها مغلقة على روح جدهم الأكبر القديم كوكا لوانكا ذلك الذي أمضى عمره في كهف عميق داخل الجبل الأبيض يصلي ويتعبد حتى تحول جسمه بفعل الزمن وكثرة العبادة إلى صخرة من صخوره، بينما انطلقت روحه تحفر القمم وتفجر منها ينابيع الماء لتنشئ لها غابة في الوادي تحتويها».
ومع اقتراب الرواية من نهايتها، تتراجع معظم الشخصيات وتغادر فضاء النص لسب أو لآخر، ويبقى «الدرهيب» باعتباره الشخصية الأساسية التي تحتل مكانة كبرى في العمل. ويبدي الجبل نوعاً من الانسجام والتناغم مع شخصية أخرى تتسم بالفطرة النقية والبراءة هى «إيليا الصغرى» ابنة نيكولا التي ترمز إلى الطبيعة الجميلة والبسيطة والسليمة المزهوة بنفسها والتي لا تبخل على أحبابها بالحب والعطاء، كما أنها الشخصية الوحيدة التي حققت أسطورتها الكونية دون أن تكون واعية بها. أما أهل المكان من البدو فتفرض عليهم الصحراء تحديات متواصلة عليهم مواجهتها بقوة حتى يكونوا أهلاً للعيش هنا عن جدارة واستحقاق، فالصحراء تقسو عليهم لتختبرهم وتخرج أفضل ما فيهم، لكنها أحياناً تمزج بين القسوة والحنو، فتنير بصائرهم وتبعث فيهم حياة دائمة تجعلهم قادرين على تحمل الحزن والفقد.



هل الذاكرة عقلانية؟

بلند الحيدري
بلند الحيدري
TT

هل الذاكرة عقلانية؟

بلند الحيدري
بلند الحيدري

حين فاتحني الصديق الدكتور عارف الساعدي برغبته في أن أشارك في ذكرى مرور مائة عام على ميلاد الشعراء الثلاثة (السياب والبياتي وبلند الحيدري) أذهلتني الفكرة من حيث قيمة الوفاء لذاكرة الثقافة، ثم من حيث تحريك ذهني لمعنى الحديث عن ميلاد أي أحد بعد مائة عام من الحدث؛ ذاك الحدث الذي كان من حقه الأفول كما هي حال كل مواليد ذاك العام البعيد عنا زمناّ ومكاناّ ومعنى. وهذه لعبة مخاتلةٌ من ألاعيب الذاكرة التي تبتكر احتيالاتها الخاصة فتختار واحداً منا لكي يتذكر وهذا ليس اختياراّ عشوائياّ بدليل أن الذاكرة اختارت هذا الواحد لأمرٍ توسمته فيه وهو أن يحترم هدية الذاكرة، من حيث هي ذاكرةٌ ثقافيةً تحمل برهانها الخاص وعلامة ذلك هي الدهشة التي تختالنا مع مثل هذه الحالة العجائبية، وكيف اختارني عارف ليطلب مني طلباّ كهذا، وماذا لو اعتذرت منه بحجة ما، مثل أن أبتكر أي كذبةٍ يسمونها عادة بالبيضاء كي أتخلص.

بدر شاكر السياب

ولكني لم أبحث عن عذر، وكل ما قلته له هو «أبشر»، ولم أزد عليها، ولم أتردد عن استخدام كلمةٍ هي من موروثي الخاص فأنا أعيش في بيئة إذا قال أحدنا كلمة «أبشر» فهو يعلن الاحتفال بالوعد وهو وعدٌ محملٌ ببهجة البذل دون منةٍ ولا تسويف. وليس من عادتي أن أطلق «أبشر» بسهولةٍ لأنها كلمةٌ ذات حمولةٍ قيميةٍ عالية المعنى، والتراخي معها يحدث وحشةّ روحية لا تدع لحظاتك تمر دون أن تشعر بخجلٍ يحاصر معانيك وهذا ميثاق وفاء للذاكرة، تلك الذاكرة التي حركت الساعدي ومن ثم حركت الغذامي، وقد لا تكون الذاكرة هنا غريبةّ على الساعدي لأنه عراقي ولأنه شاعرٌ ولأنه معروف بالوفاء لذاكرة الثقافة العراقية ولشعراء العراق.

أما أنا فمحبٌّ للعراق وللذاكرة العراقية وهذا أكيدٌ عندي ولا شك، ولكن أن تتحرك ذاكرة مائة عام فهذه مسألة لها دواعيها الأخرى، وهي دواعٍ لن أحاول تحديدها لأني أرى أن الذاكرة تختارنا ولسنا من يختارها، وإذا هي اختارتنا دفعتنا للقبول دون تفكر، وهل تفكر الذاكرة...؟!، لن أقول نعم لأن الذاكرة تشتغل بشروطها الخاصة وشرطها غير عقلاني، إنه يحدث فقط. وإذا حدث تحقق، وستعتري الدهشة كل واحدٍ يتلقى خبراً عن ميلاد ثلاثةٍ سيكونون شعراء وسيمرون بحياة صاخبة، فيها نورٌ ونارٌ، وفيها بهجةٌ وانتصار بمثل ما فيها من وجعٍ، ولكنها ستصنع خريطةّ ثقافيةّ تلونها بألوانها الخاصة وهي ألوانٌ لا يمكن محوها وكلما غفلنا عنها أو نسيناها عادت لنا عبر سفراء لها مثل الساعدي.

وهنا نفتح صفحات الزمن ونقف نتبصر بحال مواليدَ دخلوا الدنيا غرباء وعاديين كغيرهم من أبناء جغرافيتهم، ولكنهم خرجوا من الدنيا بأصوات مدويةٍ تكتب أثرهم وتروي قصصهم، وتكتب لهم شهادات ميلاد غير تلك التي كانت لهم، وإنما هي شهاداتٌ كتبوها بدمهم وأرقهم وقلقهم وبمعانيهم التي احترقوا بها فأنضجتهم بمقدار ما أوجعتهم، وكل وجعٍ هو قصيدةٌ انتزعتها الروح من سكون النفس المكلومة لكي تتحول لقصيدةٍ ينشغل بها النقاد كما ستكون ميراثاّ إبداعياّ يوقع أجيالاّ بحبائل حيله عليهم لكي يوقعهم بصحبةٍ مع أشقياء الحياة ونسميهم صناع الحياة، أولئك الذين يموتون قبل غيرهم لأنهم كالسيف في غمده يأكل بعضه بعضاّ، كما وصف الفيلسوف الكندي أبا تمام وتوقع له موتاّ مبكراّ.

عبد الوهاب البياتي

وبعض الثلاثة عاش أطول من بعض، والسياب أسرعهم للموت وكأنه كان مستعجلاّ أكثر من رفيقيه، ولكنهم كلهم ماتوا مكفنين بالقصائد ووجع القصائد منذ صرختهم الأولى حتى صرختهم الأخيرة، أو بالأحرى صرخة الثقافة عليهم حين رحلوا وصار الكل يحبهم، وفي حياتهم كان الكل يلعنهم. هؤلاء الجنس البشري العجيب الذي لا يعيش إلا بالشقاء ولا يموت إلا تحت الشقاء، وكلهم تعرضوا للتشرد وكان لا بد لهم أن يتشردوا كي يبرهنوا على استحقاقهم الشعري، واستحقاقهم لمكانٍ أثيرٍ في الذاكرة ولكي نتحرك نحن لنتذكر أنهم ولدوا قبل مائة عام من هذه الوقفة التي نقفها عليهم وعلى صورهم في أذهاننا وأبيات قصيدهم في رؤوس أقلامنا نحن النقاد، وفي أشعار أجيالٍ من شعراء العرب ورثوا الشعر عنهم واستداموا شعلته بعد غيابهم.


رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين

رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين
TT

رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين

رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين

تلعب رواية «صيف مختلف... مذكرات سالم» للكاتبة الأردنية روند الكفارنة على وتر التنمية الذاتية لليافعين، وتخاطب فيهم الوجدان والعقل معاً.

اختارت الكاتبة أن تجعل روايتها الصادرة حديثاً عن «الآن ناشرون وموزعون» في الأردن، على صورة يوميات على لسان سالم؛ بطل القصة، إذ يبدأ حديثه باليوم الأخير في المدرسة فيقول: «هذا هو آخر يوم لنا في المدرسة، كنت أراقب السَّاعة على حائط الصفِّ وهي تقترب من آخر اختبار، رنَّ الجرس، قفزتُ من دَرجي، وناولت الأستاذ ورقة الاختبار، وانطلقتُ مُسرعاً تجاه الباب؛ مُعلناً أنَّ العطلة بدأت».

ولمجرد أن العطلة قد بدأت فلا يشغل بال سالم سوى اللعب والحلوى واللهو والنوم، معلناً أنه سيمارس هواية النَّوم حتَّى الظُّهر: «أسهَرُ حتَّى الصَّباح، فلا مدرسة، ولا مزيد من الطَّوابير الصباحيَّة. لا وجود للمدير الذي يصرُّ على انضباط الصفِّ، ورياضة الصَّباح، دون الاهتمام إن كان الطَّقس بارداً وماطراً، أو كانت حرارة شهر آب الذي يشبه خليَّة نحل، أو مُحرِّك درَّاجة ناريَّة، ودون أصوات الطَّلبة العالية، وحتَّى أستاذ الأحياء (فرج الله) بنظَّارته السَّميكة، وإشاراته الحمراء الكثيرة على دفتري، ثُمَّ من أخبره أنَّني أحبُّ مادَّتي الأحياء والجغرافيا؟».

وككثيرين من أبناء هذا الجيل فكل ما يشغل سالم هو اللعب واللهو والركض مع الرفاق، ولكن ليس كل شيء يتمناه الفرد يجده، فحين راودت سالم فكرة الراحة في الإجازة تذكر أن أمه ستدعو عمته وأبناءها لقضاء أسبوع في بيتهم، وبدأ يشكو من أبناء عمته وما يسببونه من إزعاج، كما أنه يشعر أن أمه لن تتركه دون أن تكلفه بمهام كثيرة، فيقول سالم: «عندما تكون الولد الأكبر، وتبدأ العطلة سيكون هنالك مهام كثيرة، ستستغلُّني أمِّي بعمل أشياء كثيرة لاعتقادها بأنَّ هذا يصنَعُ منِّي ولداً صالحاً، وهكذا أخبرتني أنَّه يترتَّبُ عليَّ تنظيف العِليَّة، فالعِليَّةُ تُشكِّل المخزن الرَّسميّ للعائلة، بها كلّ ما لا ترغب أمِّي في رؤيته، كانت جدَّتي ترفضُ رفضاً قاطعاً أن نقترب منها، لم تخبرني أبداً... ما المانع من عدم السَّماح لي أتجوَّل فيها ومُعاينة ما فيها؟».

وعندما بدأ سالم في تنظيف العِلّيّة لفت نظره مظروف مغلق يمكن القول إنه قد تسبب في تغيير أشياء كثيرة في شخصية سالم، وفي أحداث أيامه خلال فترة الإجازة الصيفية.

وعندما شاهد سالم رسائل كثيرة وحكى له أبوه عن الوقت الذي كانت تستغرقه المخاطبات والرسائل بين الناس، وأنهم كانوا ينتظرون أحياناً لشهر أو أكثر حتى تصلهم أخبار الغائبين أو المسافرين أخذ يفكر: «تأكَّدتُ أنَّنا نملك كثيراً من النّعَم بين أيدينا، إذا أحسنَّا ورشَّدنا استخدام التكنولوجيا، بما ينفعنا في حياتنا ومُستقبلنا. حقيقة هي نعمة كبيرة جدّاً يجب أن نشكر الله عليها».

وتختتم الكفارنة روايتها على لسان سالم الذي توصَّل إلى حكمة بعد كل ما رآه وعاشه، تُعدُّ خلاصة تجربته: «أظنُّ أنَّ الكُنوز تتعلّق بكيف تجعلنا سعداء وأنا اليوم سعيد، سعيد جدّاً، ولكنَّني توقَّفتُ عن العبث بمُكوِّنات أيّ عِليَّة في أيِّ مكان، يكفيني كلُّ ذلك، والغريب أنَّ ذلك لم يُعفِني من لعب الكاراتيه أبداً، وعندما عُدنا أخبرتني أمِّي أنَّ الدروس التي سآخذها ستكون مضاعفة لألحق بالطلَّاب الآخرين».

وللمؤلفة مجموعتان قصصيتان: «للأشياء أسماء أخرى»، و«ذاكرة متكسرة»، ورواية بعنوان «فستان أحمر».


«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية
TT

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

في الوقت الذي تحتفي فيه وسائل الإعلام العالمية بالنمو التكنولوجي الهائل للعملاق الصيني ومعدلات نموه القياسية، تأتي رواية «حياتي كعامل توصيل في بكين» للصيني «هو أنيان» لتعرض الجانب المظلم من المعجزة الاقتصادية الصينية. الكتاب ليس مجرد سيرة ذاتية لعامل بسيط قضى عقدين من الزمن، وهو في صراع من أجل لقمة العيش، بل هو صرخة الأيادي العاملة الصغيرة ضد قسوة النظام العالمي.

يستعرض الكاتب بأسلوب واقعي، يمزج بين الدقة السردية والعمق الفلسفي، تجربته كعامل توصيل للطرود، عانى من ظروف عمل قاسية، قبل أن يصبح كاتباً مشهوراً بعد نشر كتاباته على منصّات صينية، حيث وصل حجم مبيعات الكتاب في الصين إلى 3 ملايين نسخة، وهو ما يفسر وصوله إلى أرفف المكتبات العالمية، حيث طُرحت الترجمة الفرنسية للكتاب في الأسواق الفرنسية في 7 يناير (كانون الثاني) الحالي عن دار «أوترومون» في 320 صفحة، وكانت مسبوقة بالنسخة الإنجليزية التي نشرت في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، كما تم الإعلان عن صدور قريب للنسخة الألمانية.

«حياتي كعامل توصيل في بكين» توثّق بدقة ظروف العمل القاسية التي مّر بها هو أنيان كعامل توصيل للطرود، واصفاً تلك الفترة بأنها «استنزاف للروح قبل الجسد»، حيث يجد الإنسان نفسه مجرداً من هويته، لا ينظر إليه إلا كـ«رقم تتبع» في تطبيق إلكتروني. الكاتب وصف الدوام الذي يمتد لـ12 ساعة متتالية، والفترات التجريبية بلا أجر، والبرد القارس والحرارة الخانقة والضغط المتواصل لإتمام مهام توصيل الطرود، كما وصف أيضاً كيف يعيش عمال التوصيل في غرف مقسمة إلى حجرات بلا نوافذ، أو في «بيوت القواقع»، وهي وحدات محمولة لا تتجاوز حجم السرير. الكتاب قُسم لفصول قدمت كـ«يوميات معركة»، ففي الفصل الأول «سباق ضد الزمن» يستعرض هو أنيان الضغط النفسي الهائل الذي تفرضه الشركات لتوصيل الطرود في مدة زمنية مستحيلة، وكيف تتحول الشوارع إلى حلبة صراع للبقاء. ثم يتعرض في الفصل الثاني «المدينة غير المرئية» إلى علاقة العامل بالمدينة، كيف يراها خلف الأبواب المغلقة وفي الممرات الخلفية، وكيف يشعر بالغربة رغم كونه المحرك الأساسي لحياة سكانها. وفي الفصل الثالث الذي يحمل عنوان «فلسفة الطرود»، ينتقل الكاتب من الرصد الواقعي إلى التأمل الفلسفي، متسائلاً عن قيمة العمل والكرامة الإنسانية في عصر يتم فيه تشييء البشر.

في واحد من أكثر المقاطع تأثيراً، يكتب أنيان ما يلي: «لم أكن أقود دراجتي، كنت أقود قدري المترنح بين زحام السيارات. في عيون الزبائن، أنا لست بشراً، أنا مجرد مهمة يجب أن تنتهي بسرعة. ولكن في أعماقي، كنت أخزّن كل نظرة ازدراء لأصنع منها درعاً من الكلمات». وفي مقطع آخر، يحلّل الكاتب علاقته بالخوارزمية التي تتحكم في جهده وفي أنفاسه. فيكتب: «الخوارزمية لا تعرف التعب، ولا تعرف أنني أب أو أنني مريض. إنها تطلب مزيداً من السرعة مقابل سنتات قليلة. لقد اكتشفت أن الحرية في بكين هي المسافة القصيرة بين طردين».

يتجاوز الكتاب حدود السيرة الذاتية ليصبح بياناً ضد توحش اقتصاد العمل الحر

صحيفة «لوموند»

حظي الكتاب بترحيب نقدي واسع في الدوائر الإعلامية الأنجلوسكسونية والفرنسية، حيث وُصف «هو أنيان» بأنه أحد أبرز المواهب الأدبية الصينية الجديدة من قبل صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية. وقد اختار ثلاث من أبرز المنابر الثقافية: «الغارديان»، و«صنداي تايمز»، و«الإيكونوميست»، «حياتي كعامل توصيل في بكين» ضمن أفضل كتب عام 2025. في صحيفة «الغارديان» أشارت الناقدة ريبيكا ليو إلى أن الكتاب يتناول موضوع الطبقة الاجتماعية، وتحديداً القوة العاملة منخفضة الأجر التي لا تحظى بالاعتراف، والتي تتعرض للاستغلال، والتي كانت وقود الطفرة الاقتصادية في الصين، بل العالم أجمع، في ظل العولمة. وفي مراجعتها بصحيفة «نيويورك تايمز»، اعتبرت الناقدة ليا غرينبلات أن الكتاب يقدم شهادة حية من خطوط المواجهة الأمامية لاقتصاد العمل الحر، وأن رحلة الكاتب من عامل متنقل بين الوظائف منخفضة الأجر إلى مؤلف مشهور عالمياً تحمل طابعاً استثنائياً.

أما صحيفة «لوموند» فقد خصّصت لمراجعة هذا العمل مساحة مطوّلة، واصفة إياه بأنه «مرآة كاشفة للاغتراب المعاصر»، حيث رأى نقّادها أن قوة «هو أنيان» لا تكمن في كونه ضحية لنظام اقتصادي جائر فقط، بل في امتلاكه تلك «النظرة السوسيولوجية» الثاقبة التي تحلل الطبقة الاجتماعية الصينية الجديدة. واعتبرت الصحيفة أن الكتاب يتجاوز حدود السيرة الذاتية ليصبح بياناً أو «مانيفستو» ضد توحش اقتصاد العمل الحر، مشيدةً بقدرة الكاتب على وصف «استنزاف الروح» الذي يسبق انهيار الجسد، وكيف يتحول الفرد في شوارع بكين إلى مجرد «رقم» في عالم افتراضي لا يعترف بالبشر. أما صحيفة «لفيغارو»، فقد ركّزت في قراءتها على الجانب الجمالي والأخلاقي للنصّ، واصفة أسلوب «أنيان» بـ«الواقعية العارية» التي لا تهدف إلى استدرار العطف، بل إلى إثارة التأمل الفلسفي حول قيمة الكرامة الإنسانية. وأشارت الصحيفة إلى أن الرحلة الاستثنائية للكاتب، من العيش في «بيوت القواقع» ووحدات الحاويات الضيقة إلى منصات التوقيع في كبرى دور النشر العالمية، تمثل انتصاراً للوعي على المادة. وذهبت «لفيغارو» إلى أن «أنيان» نجح في فضح زيف «الحرية» في المدن الكبرى، تلك الحرية التي اختزلها الكاتب ببراعة في «المسافة القصيرة بين طردين».