الضاحية.. «السجن» مقابل الأمن

لم تخفّف عبارة «لسلامة الأهل والوطن» الصفراء، التي تتصدر حواجز حزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت، من انزعاج قسم من سكان الضاحية.. كما لم تخفِ اعتذارات رجال أمن الحزب المتكررة، استياء بعض السكان وزائريها، نتيجة الحواجز المتكررة والمكثفة على مداخل المنطقة. التدابير الأمنية المكثفة في المنطقة، تؤ...
لم تخفّف عبارة «لسلامة الأهل والوطن» الصفراء، التي تتصدر حواجز حزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت، من انزعاج قسم من سكان الضاحية.. كما لم تخفِ اعتذارات رجال أمن الحزب المتكررة، استياء بعض السكان وزائريها، نتيجة الحواجز المتكررة والمكثفة على مداخل المنطقة. التدابير الأمنية المكثفة في المنطقة، تؤ...
TT

الضاحية.. «السجن» مقابل الأمن

لم تخفّف عبارة «لسلامة الأهل والوطن» الصفراء، التي تتصدر حواجز حزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت، من انزعاج قسم من سكان الضاحية.. كما لم تخفِ اعتذارات رجال أمن الحزب المتكررة، استياء بعض السكان وزائريها، نتيجة الحواجز المتكررة والمكثفة على مداخل المنطقة. التدابير الأمنية المكثفة في المنطقة، تؤ...
لم تخفّف عبارة «لسلامة الأهل والوطن» الصفراء، التي تتصدر حواجز حزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت، من انزعاج قسم من سكان الضاحية.. كما لم تخفِ اعتذارات رجال أمن الحزب المتكررة، استياء بعض السكان وزائريها، نتيجة الحواجز المتكررة والمكثفة على مداخل المنطقة. التدابير الأمنية المكثفة في المنطقة، تؤ...

لم تخفّف عبارة «لسلامة الأهل والوطن» الصفراء، التي تتصدر حواجز حزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت، من انزعاج قسم من سكان الضاحية.. كما لم تخفِ اعتذارات رجال أمن الحزب المتكررة، استياء بعض السكان وزائريها، نتيجة الحواجز المتكررة والمكثفة على مداخل المنطقة. التدابير الأمنية المكثفة في المنطقة، تؤكد أن الحزب أجبر على ارتداء قميص الأمن، وهو قميص، بحسب المقولة اللبنانية الشهيرة، «قميص متسخ»، يضع من يرتديه في الشارع على تماس مباشر مع الناس وما يستتبع ذلك من مشكلات و«تجاوزات». فالتجربة برهنت على أن من يمسك بملف الأمن في الشارع معرض للأخطاء، التي بدأت تظهر تباشيرها مع تجاوزات بحق صحافيين، واشتباكات مع عائلات وعشائر، بالإضافة إلى اشتباكات مع الحلفاء على غرار ما جرى مع مخيم برج البراجنة الفلسطيني.
في الضاحية اليوم، حيث معقل حزب الله، تمتد طوابير السيارات وقت الذروة، بعد الظهر، أكثر من 150 مترا قبل الحواجز التي يجري فيها تفتيش دقيق للسيارات، وتدقيق ببطاقات السائقين الشخصية. ويعيد مشهد الشوارع المغلقة في الضاحية، وانتشار رجال الأمن على حواجز ثابتة ومتنقلة، إلى الأذهان صورة المربع الأمني الذي دمرّته إسرائيل في حرب يوليو (تموز) 2006.
اليوم، باتت المنطقة بأكملها مقفلة، ولم تعد محصورة في نطاق جغرافي محدّد كان محصورا بمراكز حزب الله السياسية ومنازل قياديه. لقد رسم الحزب بإجراءاته التي اتخذها بعد تفجير الرويس في أغسطس (آب) الماضي حدود منطقته جغرافيا، بنشره حواجز أمنية تدقق في حمولة السيارات وهويات العابرين إلى المنطقة الخاضعة لنفوذه، وذلك لأول مرة منذ تأسيسه في عام 1982.
وعلى حدّ وصف رجل ستيني يقيم في المنطقة، فإن الضاحية باتت بأكملها «أشبه بمربع أمنيّ»، بعد انفجار بئر العبد الذي أسفر عن وقوع 54 جريحا في 9 يوليو (تموز) الماضي، وانفجار الرويس في 15 أغسطس (آب) الذي أسفر عن وقوع نحو 30 قتيلا وأكثر من 300 جريح. وإذا كان تدقيق حزب الله قبل حرب تموز محصورا بمربعه الأمني في حارة حريك، نتيجة تهديدات قيادييه، فإن «الضاحية بأكملها اليوم باتت تحت التهديد، وتستدعي هذه الجهود والتدابير»، يقول الرجل نفسه.
ويلقى حزب الله معارضة كبيرة على تطبيقه الأمن الذاتي في منطقته، وهو ما رفضه معظم المسؤولين في لبنان، وأبرزهم وزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال مروان شربل، فضلا عن معارضي الحزب، بصفته خرقا لسياسة لبنان، في وقت تعتبر فيه مهام الأمن من اختصاص الدولة. لكن للحزب، ما يبرّر إجراءاته المشددة. ويقول عضو كتلة «الوفاء للمقاومة»، التي تضم حزب الله وحلفاءه في البرلمان اللبناني النائب وليد سكرية لـ«الشرق الأوسط» إن عمل حزب الله الأمني «لم ولن يكون بديلا عن عمل القوى الأمنية إذا قامت الأخيرة بدورها على أكمل وجه»، موضحا أن «هذا الأمن لن يكون موجودا في أي حال من الحالات إذا كانت الدولة قادرة على تأمين الأمن بشكل كامل والقيام بكل المهمات بما فيها تأمين حماية عناصر المقاومة وحزب الله، لكن أمام عجز الدولة وأنظمتها عن القيام بدورها، فمن الطبيعي أن يتولى الحزب هذه المهمة». ويشير إلى أنه «طالما أن إسرائيل وجهات أخرى تستهدفه، لا بد لحزب الله أن يستنفر أحاسيسه وعيونه وتنفيذ كل الخطط الأمنية الوقائية التي تضمن أمنه وأمن من معه». وانطلاقا من هذا الواقع، يضيف سكرية، «لا يمكن القول إن حزب الله هو دولة خارج الدولة اللبنانية، لا في الضاحية ولا في الجنوب ولا في البقاع ولا في أي منطقة أخرى، ولا سيما حيث تقوم القوى الأمنية بمهماتها والجهات المختصة بأعمالها».
وتولى حزب الله مهمة أمن المنطقة، بشكل علني، بعد انفجاري بئر العبد والرويس في الضاحية. باتت إجراءاته علنية، واتسعت لتشمل كافة مناطق الضاحية، وتتميز بقدر كبير من التنظيم، إذ منح كل حاجز رقما خاصا مدونا على العارضة الحديدية الصفراء المكتوب عليها «لسلامة الأهل والوطن». غير أن تبريراته، لا تقنع معارضي الحزب. ويرى القيادي في تيار المستقبل مصطفى علوش لـ«الشرق الأوسط» أن حزب الله «لم يقلع» القميص الأمني «الوسخ أصلا». ويقول إن «الجزء الأساسي من عمله، هو أمني، بحيث تتخطى نسبة مهامه الأمنية الـ80 في المائة من عمله السياسي والدبلوماسي والاجتماعي، وهي غطاء لأعماله الأمنية، وصولا إلى عمله المقاوم»، معتبرا أن الحزب، بإجراءاته الأمنية، «يقوم بدوره الطبيعي».
ولا يخفي علوش أن حزب الله يواجه تحديات على صعيد الاحتفاظ بجمهوره، ويخوض اختبار الحفاظ عليه، نظرا لحساسية التجربة. ويرى أن الحزب، بخياراته العسكرية والأمنية، «يخوض معركة حياة أو موت، وسط أسئلة عن قدرته على حماية جمهوره، في وقت يواصل فيه عناده وتدخله بالمعركة في سوريا». كما يلفت علوش إلى أسئلة عن قدرته على «تغطية الخسائر البشرية والمادية في صفوف جمهوره»، لافتا إلى أن «كل تلك الأسئلة مطروحة، بانتظار أن تتضح الإجابات عليها».
ولجأ حزب الله إلى الأمن الذاتي، «مجبرا»، علما أنه استفاد إلى حد كبير من تجربة منظمة التحرير الفلسطينية الأمنية في لبنان، وانعكاساتها على جمهوره. ونفذ تلك الدروس طوال مسيرته منعا لإثارة معارضة السكان ضده. وقبل انفجاري الضاحية، كانت الإجراءات مقتصرة على بعض مباني الحزب والشوارع المعروفة أمنيا، قبل أن تتسع لتشمل جميع طرقات الضاحية. أمام الشوارع المؤدية إلى المقار الدينية، فإنها تقفل بشكل كامل في أوقات المناسبات، ويتولى عناصر بلباس مدني إقفالها بالسواتر الحديدية.
وينقسم سكان الضاحية بين مؤيد للتدابير المشددة التي يتخذها حزب الله إلى جانب الجيش اللبناني، منعا لوقوع تفجيرات مماثلة، وآخرين يعارضون المبالغة بالإجراءات. وينتقد أحمد (33 عاما) الإجراءات المكثفة «وغير المدروسة»، التي تؤدي إلى زحمة سير خانقة أثناء وقت الذروة. يقول: «لا أفهم الغرض من تفتيش دراجتي النارية مرتين، الأولى على حاجز الجيش اللبناني، والثانية على حاجز لحزب الله على بعد 100 متر من حاجز الجيش.. هل حملت المتفجرات خلال هذه المسافة؟» ويبدو الرجل، مثل آخرين، غاضبا من عمليات تفتيش للآليات، والتدقيق ببطاقته، والسؤال عن أوراق السيارة. يضيف: «صحيح أنهم يتعاطون مع المارة بلطف واحترام، ويكثرون من عبارات الاعتذار، لكن مسافة الطريق من العمل إلى المنزل، باتت تستغرق 45 دقيقة، عوضا عن 15 دقيقة كنت أحتاجها للوصول إلى المنزل قبل الإجراءات الأمنية».
وتنتشر حواجز تفتيش للجيش اللبناني على أربعة مداخل رئيسة للضاحية، على الأقل، في منطقة الغبيري، مدخل أوتوستراد هادي نصر الله الشمالي، وعلى مدخل جادة عماد مغنية، وهي مدخل الضاحية الغربي، وعلى رأس الطريق السريع الذي يربط منطقة بعبدا بطريق المطار على مدخل الضاحية الشرقي، فضلا عن حاجز في منطقة الكفاءات - الحدث. وعلى مسافة قريبة من حواجز الجيش، ينتشر رجال أمن حزب الله، حيث يقيمون الحواجز على المسارب الرئيسة للضاحية، فيما يغلقون مداخل الشوارع التي تتضمن مراكز دينية وأمنية، ويظهرون بلباس مدني ويحملون أجهزة كشف عن المتفجرات، كما يقوم آخرون بدوريات في سيارات مغلقة بزجاج داكن، بين الشوارع.
وكانت الإجراءات، قبل مطلع الأسبوع الماضي، مقبولة إلى حد كبير، قبل أن تصل إلى إغلاق جوانب الطرق حيث تركن سيارات السكان، بالأعمدة الحديدية والجنازير المعدنية. وعوضا عن أن يكون عرض الطريق 10 أمتار، بات أقل من ستة أمتار، بالكاد يتسع لمرور سيارتين. وأكثر ما أزعج السكان، إقفال أماكن ركون سياراتهم. يسأل قاسم (55 عاما): «أين أركن سيارتي؟ إذا كانوا يريدون اتخاذ تلك الإجراءات، بالتعاون مع بلديات الضاحية، عليهم تأمين البديل». ويضيف: «ليس منطقيا السيطرة على مواقف سياراتنا بحجة الضرورات الأمنية من غير توفير أماكن ركن أخرى».
ويذهب رجل آخر إلى أبعد من ذلك، بالسؤال عن كيفية استقبال الزائرين إذا أوجدوا حلا لسيارات السكان. يقول: «بفضل هذه الإجراءات، بات من الصعوبة أن نستقبل ضيوفا، ذلك أن الضيف المقبل لزيارتنا بات عاجزا عن إيجاد موقف لسياراته»، معربا عن خوفه «من أن نصبح معزولين عن الناس».
واستفاق السكان الأسبوع الماضي على ورشة عمل في الشارع، حيث يحفر العمال في الطرق، ويزرعون أعمدة حديدية قصيرة على جانبي الطريق في مناطق بئر العبد، حارة حريك، الشارع العريض، الرويس، ما لبثوا أن أضافوا إليها الجنازير المعدنية التي تمنع ركن السيارات. وتعد هذه الشوارع تجارية، وتشهد اكتظاظا على مدار العام، ومن شأنها أن تقوّض الحركة التجارية فيها.
وإذا كانت هذه الإجراءات تقوّض الحركة المرورية والاقتصادية في أكثر المناطق اللبنانية حركة تجارية نشطة، فإن الحزب يولي أهمية للأمن. ويقول النائب سكرية: «ما يقوم به حزب الله في الضاحية، لا يخرج عن إطار تأمين الأمن لهذه المنطقة المستهدفة، حيث من الطبيعي أن يكون له أعين أمنية ساهرة على حماية قياداته وعناصره من أي اختراق أو أي عمل تخريبي كمثل التفجيرين اللذين استهدفا المنطقة الشهر الماضي وأوقعا مئات الجرحى والقتلى. لذا، فإن عمل الحزب هو لمؤازرة القوى الأمنية وليس بديلا عنها». ويؤكد أن «الأولى هي التي تقوم بمهمة التفتيش حيث تكون موجودة في الطرق الرئيسة، بينما عناصر الحزب يحمون بأعينهم وبلباسهم المدني وليس بسلاحهم». وبالتالي، يضيف سكرية، «لا تختلف مهمة حزب الله الأمنية لحماية (بيته)، عن الحماية التي يقوم بها أي شخص لحماية منزله من أي استهداف أو اختراق. ونحن بكل تأكيد نثق بالقوى الأمنية، لكن علينا أن نكون واقعيين في هذا المجال، ونعلم أن سرية من القوى الأمنية، وإن وصل عددها إلى 300 عنصر، لن تكون قادرة على حماية أمن الضاحية بشكل كامل. حواجز القوى الأمنية تقوم بواجبها على الطرقات الرئيسة من دون تدخل أي جهة، لكن من يضبط أمن الطرقات الفرعية». وتتفاوت التقديرات بشأن المهام التي يقوم بها الحزب، إذ يرفض المقربون منه أن يقوم الحزب بمهام الأمن الذاتي. ويقول الخبير الاستراتيجي المقرب من الحزب أمين حطيط لـ«الشرق الأوسط» إن «اتهام الحزب بالأمن الذاتي، هو من أكبر الأكاذيب»، موضحا أنه «وجد في منطقة مستهدفة من قبل مجموعات إرهابية، فقام في ظل عدم قيام الدولة بواجباتها، بتعيين أهالي من المنطقة بمهام تفتيش السيارات، تحت إشرافه، وذلك لا يعد أمنا ذاتيا»، ويشير حطيط، وهو عميد متقاعد من الجيش اللبناني، إلى أن ما يقوم به الشبان «يعتبر يقظة اجتماعية وشعبية للحفاظ على المنطقة، وعلى السلامة العامة»، مؤكدا أن «الأمن هو حلقة شاملة، وما يتم تنفيذه لا يتعدى «1 من 40» إجراء يتمم المهام الأمنية، كون الشبان يراقبون السيارات حيث استهدفت المنطقة».
وضاعفت الإجراءات المكثفة، القلق في الضاحية من أن التهديد لا يزال قائما، كما قيّدت إلى حد بعيد حرية التنقل والعيش في منطقة تعرف باكتظاظ سكاني بالغ. وعشية بدء موسم المدارس، حيث يزداد الازدحام، يرتفع منسوب القلق من تأثير الإجراءات على حركة الناس. وفي المقابل، بدأ سكان الضاحية بخطوات جدية للرحيل منها، حيث تدفق المتمكنون منهم ماديا باتجاه مناطق الأشرفية وعين الرمانة وبعبدا والحازمية ذات الأغلبية المسيحية، بالإضافة إلى مناطق بيروت الإدارية. وازدادت لافتات البيوت المعروضة للإيجار في المنطقة، بعدما أخلاها عدد من السكان بسبب الإجراءات الأمنية والقلق والمخاوف من تفجيرات جديدة، وامتداد تداعيات الضربة الأميركية المحتملة على سوريا، على الضاحية.
وكانت هذه المنطقة شهدت إقبالا كثيرا على المنازل المعروضة للإيجار بعد حرب يوليو (تموز) 2006، وكان، حتى مطلع الصيف، من الصعب العثور على منازل شاغرة للإيجار، رغم ارتفاع قيمة الإيجارات بشكل جنوني. كما أثرت الإجراءات على الحركة التجارية، إذ تقلصت أكثر من 50 في المائة. ويقول صاحب مطعم لـ«الشرق الأوسط» إن إنتاجه «تدنى إلى حد كبير بفعل الإجراءات أمام المحال التجارية، حيث يتسبب إقفال مواقف السيارات بزحمة سير خانقة، تمنع الزبائن من الركون أمام المتجر».
والى جانب التداعيات الاجتماعية والاقتصادية على الضاحية، حصلت عدة إشكالات بين عناصر الحزب الموكلين مهام الأمن، وبعض السكان، إذ سجل إطلاق نار على حاجز في الكفاءات من قبل أفراد من عشيرة لبنانية، قبل أن يحصل إشكال آخر مع عناصر فلسطينية كانوا على متن سيارات في زفة فرح، أدى إلى سقوط قتيل فلسطيني. وبعدها، سُجل إطلاق نار على حاجز للحزب في منطقة مار مخايل من قبل عناصر من عشيرة آل شمص، ردا على توقيف الصحافي حسين شمص على الحاجز. وقبل عدة أيام، اشتكت الصحافية اللبنانية مها الرفاعي من إهانتها على حاجز في منطقة غاليري سمعان.
هذه المشكلات، يضعها العميد المتقاعد حطيط في إطار «المفتعلة»، معتبرا أن «بعض العناصر الموتورة من لبنانيين وفلسطينيين، التي تستغلها أجهزة المخابرات، تفتعل المشكلات لإبرازها إعلاميا». ويرى أن التحديات الاقتصادية «فرضتها المتفجرات والعمليات الإرهابية وليس الإجراءات الأمنية الآيلة إلى مراقبة الداخلين، بهدف منع المتفجرات».
ووسط تلك التحديات، كان الشيخ نعيم قاسم نائب الأمين العام لحزب الله أعلن أن الأجهزة الأمنية أبلغت الحزب عجزها عن حماية الضاحية الجنوبية لبيروت، مؤكدا أنه «ليس لدينا أمن ذاتي ولا نؤمن بالأمن الذاتي»، وذلك على خلفية إثارة أطراف سياسية ووسائل إعلامية قضية الحواجز الأمنية التي يقيمها حزب الله على مداخل الضاحية لحمايتها إثر استهدافها مرتين بسيارات مفخخة في الأشهر القليلة الماضية.
ورد قاسم على الاتهامات بشأن حلول حزب الله مكان الدولة وأجهزتها في مناطق نفوذه بالقول: «لم نعمل يوما لنكون مكان الدولة لا في المسألة الأمنية ولا في المسألة السياسية ولا الاجتماعية ولا في أي مسألة أخرى»، موضحا أن «الأمن مسؤولية الأجهزة الأمنية اللبنانية، ونحن نؤمن بأن القضاء مسؤولية القضاء اللبناني، وإدارة الدولة مسؤولية أجهزة الدولة، وهذا ما مارسناه وقمنا به بشكل عملي».



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.