قاآني يتوعد بـ«تسريع إزالة» إسرائيل ويدافع عن إطلاق الباليستي على أربيل

فؤاد حسين لرئيسي: العراق لن يكون منطلقاً للاعتداء على أمن إيران أو أي دولة

قاآني يلقي كلمة في طهران أمس (رويترز)
قاآني يلقي كلمة في طهران أمس (رويترز)
TT

قاآني يتوعد بـ«تسريع إزالة» إسرائيل ويدافع عن إطلاق الباليستي على أربيل

قاآني يلقي كلمة في طهران أمس (رويترز)
قاآني يلقي كلمة في طهران أمس (رويترز)

بعد غياب من المنابر، عاد قائد «فيلق القدس» الذراع الخارجية لـ«الحرس الثوري» الإيراني، إسماعيل قاآني إلى الواجهة من بوابة التهديد بإزالة إسرائيل ودافع عن إطلاق الصواريخ الباليستية على أربيل، في حين تواجه إيران شروطا أميركية بخفض التصعيد الإقليمي لتخطي القضايا العالقة في محادثات فيينا.
ونقلت وكالات رسمية إيرانية عن قاآني قوله إن «وتيرة إزالة الكيان الصهيوني وتدميره تتسارع» معتبرا بلاده «في طليعة القتال ضد الهيمنة العالمية والصهيونية».
وكان قاآني يتحدث أمس في مراسم الذكرى الأولى لنائبه في «فيلق القدس» الذي أعلن عن وفاته قبل عام في ظروف غامضة. وبينما قال «الحرس الثوري» إنه توفي نتيجة إصابة كيماوية تعود إلى معركة هور الحويزة في الحرب الإيرانية - العراقية، لمح حينها مغردون مقربون من «الحرس الثوري» إلى أسباب أخرى على خلاف السبب المعلن.

رئيسي يجري مشاورات مع فؤاد حسين في طهران أمس (د.ب.أ)

وتفاخر قاآني ضمنا بنشاط قواته انطلاقا من إسرائيل ولبنان ومرورا باليمن والعراق. وأعرب عن تأييده لسلسلة العلميات في قلب إسرائيل، سقط خلالها 14 إسرائيليا في غضون الأسابيع الأخيرة. ونقلت «رويترز» عن قاآني قوله في هذا السياق «ندعم كل جماعة تناضل وتتصدى للكيان الصهيوني في العالم وسنواصل هذا الدعم». ووصف إسرائيل بـ«الثكنة العسكرية المليئة بكاميرات المراقبة وأدوات التحكم» وقال إنه «نظام صهيوني وبوليسي يراقب كل خطوة».
وقال قاآني «لم نبقَ مكتوفي الأيدي، سنأخذ زمام المبادرة في أي وقت تطلب ذلك». وقال «في الآونة الأخيرة أراد الكيان الصهيوني أن يقوم بأعمال، لقد قال النظام (...) لهم إذا تهددت مصالحه في أي منطقة من العالم، سنرد عليكم في أي مكان نعثر عليكم». وقال «بطبيعة الحال، نعلم جيدا أين أنتم، على سبيل المثال أربيل».
وأضاف في هذا السياق «لم يعلم كثيرون في أربيل العراق بأن هناك قاعدة للموساد لكن النظام الإسلامي بقوته وإشرافه، يتتبع عدوه جيداً ويفهم كيفية التعامل معه».
وفي 13 مارس (آذار) ، أطلق «الحرس الثوري» 10 صواريخ باليستية قصيرة المدى على ضواحي أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق، معلنا استهداف «قواعد سرية إسرائيلية»، لكن حكومة كردستان قالت إنها مناطق سكنية.
في 23 من مارس (آذار) قال قائد «الحرس الثوري» حسين سلامي إن قواته «ستنتقم من إسرائيل على الفور لمقتل أي من قواته. وقال «هذه رسالة حقيقية وجادة. إذا تكرر الأذى فستشهدون مرة أخرى هجماتنا، وتعانون المذاق المر لضرباتنا الصاروخية».
وانقسمت وسائل الإعلام حول الهدف من الهجوم، وقالت بعضها إن الهدف كان الثأر بعد ضربات جوية إسرائيلية قتلت عنصرين من «فيلق القدس» في سوريا، فيما ذكرت شبكات مقربة من «الحرس الثوري» على شبكة تلغرام، أن الهجوم جاء ردا على تعرض قاعدة طائرات مسيرة لـ«الحرس الثوري» في محافظة كرمانشاه غرب البلاد، لقصف مدمر من طائرات درون إسرائيلية، وهو الهجوم الذي كشفت تفاصيله لاحقا صحف إسرائيلية.
وكان الهجوم على أربيل، أحد محاور مشاورات وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين مع كبار المسؤولين الإيرانيين في طهران خلال اليومين الماضيين.
وفي ثاني أيام زيارته، أكد فؤاد حسين خلال لقائه الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي أن «العراق لن يكون منطلقاً للاعتداء على أمن إيران أو أي دولة»، مؤكداً «استعداد العراق لتعاون واسع النطاق، بما في ذلك المجال الأمني، لمنع أي تهديد لمصالح إيران» حسبما أوردت وكالة الأنباء العراقية.
من جانبه، قال الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي إن «لطهران وبغداد أمناً ومصالح مشتركة متشابكة، ولا يمكن للأعداء التدخل في هذا الصدد»، مضيفا أن «طهران تتوقع جدياً من دول الجوار، وخاصةً العراق، عدم السماح بأي وجود أجنبي يستهدف الجمهورية الإسلامية الإيرانية، سواء في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة الفيدرالية أو في المناطق التي يسيطر عليها إقليم كردستان (...) نتوقع أن تكون دول الجوار على دراية بمؤامرات الأعداء».
بدوره، نقل موقع الرئاسة الإيرانية عن رئيسي قوله إن «هناك إهمالا من الإقليم لكن الجمهورية الإسلامية تراقب تحركات النظام الصهيوني عن كثب، لا يمكن إخفاء التعاون مع هذا النظام (...) ولن نسمح لهم بتعريض أمن المنطقة للخطر من خلال أي بلد بما في ذلك العراق».
وضم الوفد العراقي إلى طهران مستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي. وكان فؤاد حسين قد دعا في مؤتمر صحافي مع نظيره الإيراني حسين أمير عبد اللهيان إلى حل القضايا الأمنية بين البلدين عبر السبل الدبلوماسية والحوار، واصفا محادثاتهما بـ«المهمة» و«الصريحة». وقال إن «طرق الحوار مفتوحة في بغداد» معربا عن أمله أن تكون كذلك في طهران.
وتعارض إسرائيل إحياء الاتفاق النووي لعام 2015، وأعربت الحكومة الإسرائيلية عن قلقها من توجه واشنطن لرفع «الحرس الثوري» من القائمة الأميركية للمنظمات الإرهابية.
وتعثرت المفاوضات الرامية لأحياء الاتفاق النووي مطلع الشهر الماضي، بعد طلب روسي مفاجئ بالحصول على ضمانات أميركية، قبل أن ترهن طهران التوصل إلى «اتفاق جيد»، بمراعاة خطوطها الحمراء، مطالبة بإسقاط تصنيف الإرهاب من جهاز «الحرس الثوري» الموازي للجيش النظامي.
ورهنت الولايات المتحدة بحسب العديد من المصادر بخفض الأنشطة الإقليمية لـ«الحرس الثوري» وهو ما رفضته طهران، وكشفت تقارير أن أحد الشروط الأساسية لإبعاد الحرس من قائمة الإرهاب، هو تخلي إيران أي خطط مستقبلية للثأر لمقتل قاسم سليماني.
ونسبت «رويترز» إلى دبلوماسي إيراني الأسبوع الماضي أن إيران رفضت اقتراحا أميركيا للتغلب على هذه النقطة الشائكة بالإبقاء على «فيلق القدس» ضمن العقوبات المفروضة على المنظمات الإرهابية الأجنبية في حين يتم رفع «الحرس الثوري» ككيان من القائمة.
وقال مسؤول كبير في الإدارة الأميركية، لصحيفة «واشنطن بوست» إن الرئيس جو بايدن لا يعتزم استبعاد «الحرس الثوري» من قائمة المنظمات المصنفة إرهابية. وذلك بعد أيام إعلان الجنرال مارك ميلي معارضته لرفع «فيلق القدس» من لائحة الإرهاب.
وبعد التأكيد الأميركي، قال قائد القوة البرية في «الحرس الثوري» أول من أمس إن «قتل جميع الأميركيين لن يكون كافيا لمقتل قاسم سليماني». وأضاف «علينا أن نثأر له بالسير على دربه وبأساليب أخرى».
وردا على سؤال حول موقف الإدارة الأميركية من هذه التصريحات، قال المتحدث باسم الخارجية، نيد برايس في مؤتمره الصحافي الأربعاء «أوضحنا باستمرار أننا سنحمي مواطنينا وندافع عنهم، وهذا يشمل أولئك الذين يخدمون الولايات المتحدة الآن، وأولئك الذين خدموا الولايات المتحدة في الماضي».
ونوه برايس بأنه «رغم أن هناك خلافات كثيرة بشأن قضية إيران، لكننا متحدون في عزمنا ضد التهديدات والاستفزازات، وسنعمل مع شركاء وحلفاء حول العالم وفي المنطقة لردع أي هجمات قد تشنها إيران والرد عليها»، معربا عن استعداد الإدارة الأميركية لاستخدام كل أداة مناسبة من أجل ردع النشاط الضار الذي ينخرط فيه «الحرس الثوري».
إلى ذلك، وجهت مجموعة من النواب الجمهوريين في الكونغرس الأميركي، رسالة إلى نظرائهم في البرلمان الإيراني، تتوعد بعرقلة إحياء الاتفاق النووي، إذا ما سيطر الجمهوريون على الغالبية في الانتخابات النصفية في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.
وكتب حساب لجنة الأبحاث الجمهورية في تغريدة باللغة الفارسية «نضمن لنواب البرلمان الإيراني عندما نتولى نحن الجمهوريين السيطرة على مجلس النواب، سنفعل كل ما في وسعنا لعرقلة إحياء الاتفاق النووي وإعادة العمل بالضغوط القصوى».



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.