قاآني يتوعد بـ«تسريع إزالة» إسرائيل ويدافع عن إطلاق الباليستي على أربيل

فؤاد حسين لرئيسي: العراق لن يكون منطلقاً للاعتداء على أمن إيران أو أي دولة

قاآني يلقي كلمة في طهران أمس (رويترز)
قاآني يلقي كلمة في طهران أمس (رويترز)
TT

قاآني يتوعد بـ«تسريع إزالة» إسرائيل ويدافع عن إطلاق الباليستي على أربيل

قاآني يلقي كلمة في طهران أمس (رويترز)
قاآني يلقي كلمة في طهران أمس (رويترز)

بعد غياب من المنابر، عاد قائد «فيلق القدس» الذراع الخارجية لـ«الحرس الثوري» الإيراني، إسماعيل قاآني إلى الواجهة من بوابة التهديد بإزالة إسرائيل ودافع عن إطلاق الصواريخ الباليستية على أربيل، في حين تواجه إيران شروطا أميركية بخفض التصعيد الإقليمي لتخطي القضايا العالقة في محادثات فيينا.
ونقلت وكالات رسمية إيرانية عن قاآني قوله إن «وتيرة إزالة الكيان الصهيوني وتدميره تتسارع» معتبرا بلاده «في طليعة القتال ضد الهيمنة العالمية والصهيونية».
وكان قاآني يتحدث أمس في مراسم الذكرى الأولى لنائبه في «فيلق القدس» الذي أعلن عن وفاته قبل عام في ظروف غامضة. وبينما قال «الحرس الثوري» إنه توفي نتيجة إصابة كيماوية تعود إلى معركة هور الحويزة في الحرب الإيرانية - العراقية، لمح حينها مغردون مقربون من «الحرس الثوري» إلى أسباب أخرى على خلاف السبب المعلن.

رئيسي يجري مشاورات مع فؤاد حسين في طهران أمس (د.ب.أ)

وتفاخر قاآني ضمنا بنشاط قواته انطلاقا من إسرائيل ولبنان ومرورا باليمن والعراق. وأعرب عن تأييده لسلسلة العلميات في قلب إسرائيل، سقط خلالها 14 إسرائيليا في غضون الأسابيع الأخيرة. ونقلت «رويترز» عن قاآني قوله في هذا السياق «ندعم كل جماعة تناضل وتتصدى للكيان الصهيوني في العالم وسنواصل هذا الدعم». ووصف إسرائيل بـ«الثكنة العسكرية المليئة بكاميرات المراقبة وأدوات التحكم» وقال إنه «نظام صهيوني وبوليسي يراقب كل خطوة».
وقال قاآني «لم نبقَ مكتوفي الأيدي، سنأخذ زمام المبادرة في أي وقت تطلب ذلك». وقال «في الآونة الأخيرة أراد الكيان الصهيوني أن يقوم بأعمال، لقد قال النظام (...) لهم إذا تهددت مصالحه في أي منطقة من العالم، سنرد عليكم في أي مكان نعثر عليكم». وقال «بطبيعة الحال، نعلم جيدا أين أنتم، على سبيل المثال أربيل».
وأضاف في هذا السياق «لم يعلم كثيرون في أربيل العراق بأن هناك قاعدة للموساد لكن النظام الإسلامي بقوته وإشرافه، يتتبع عدوه جيداً ويفهم كيفية التعامل معه».
وفي 13 مارس (آذار) ، أطلق «الحرس الثوري» 10 صواريخ باليستية قصيرة المدى على ضواحي أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق، معلنا استهداف «قواعد سرية إسرائيلية»، لكن حكومة كردستان قالت إنها مناطق سكنية.
في 23 من مارس (آذار) قال قائد «الحرس الثوري» حسين سلامي إن قواته «ستنتقم من إسرائيل على الفور لمقتل أي من قواته. وقال «هذه رسالة حقيقية وجادة. إذا تكرر الأذى فستشهدون مرة أخرى هجماتنا، وتعانون المذاق المر لضرباتنا الصاروخية».
وانقسمت وسائل الإعلام حول الهدف من الهجوم، وقالت بعضها إن الهدف كان الثأر بعد ضربات جوية إسرائيلية قتلت عنصرين من «فيلق القدس» في سوريا، فيما ذكرت شبكات مقربة من «الحرس الثوري» على شبكة تلغرام، أن الهجوم جاء ردا على تعرض قاعدة طائرات مسيرة لـ«الحرس الثوري» في محافظة كرمانشاه غرب البلاد، لقصف مدمر من طائرات درون إسرائيلية، وهو الهجوم الذي كشفت تفاصيله لاحقا صحف إسرائيلية.
وكان الهجوم على أربيل، أحد محاور مشاورات وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين مع كبار المسؤولين الإيرانيين في طهران خلال اليومين الماضيين.
وفي ثاني أيام زيارته، أكد فؤاد حسين خلال لقائه الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي أن «العراق لن يكون منطلقاً للاعتداء على أمن إيران أو أي دولة»، مؤكداً «استعداد العراق لتعاون واسع النطاق، بما في ذلك المجال الأمني، لمنع أي تهديد لمصالح إيران» حسبما أوردت وكالة الأنباء العراقية.
من جانبه، قال الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي إن «لطهران وبغداد أمناً ومصالح مشتركة متشابكة، ولا يمكن للأعداء التدخل في هذا الصدد»، مضيفا أن «طهران تتوقع جدياً من دول الجوار، وخاصةً العراق، عدم السماح بأي وجود أجنبي يستهدف الجمهورية الإسلامية الإيرانية، سواء في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة الفيدرالية أو في المناطق التي يسيطر عليها إقليم كردستان (...) نتوقع أن تكون دول الجوار على دراية بمؤامرات الأعداء».
بدوره، نقل موقع الرئاسة الإيرانية عن رئيسي قوله إن «هناك إهمالا من الإقليم لكن الجمهورية الإسلامية تراقب تحركات النظام الصهيوني عن كثب، لا يمكن إخفاء التعاون مع هذا النظام (...) ولن نسمح لهم بتعريض أمن المنطقة للخطر من خلال أي بلد بما في ذلك العراق».
وضم الوفد العراقي إلى طهران مستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي. وكان فؤاد حسين قد دعا في مؤتمر صحافي مع نظيره الإيراني حسين أمير عبد اللهيان إلى حل القضايا الأمنية بين البلدين عبر السبل الدبلوماسية والحوار، واصفا محادثاتهما بـ«المهمة» و«الصريحة». وقال إن «طرق الحوار مفتوحة في بغداد» معربا عن أمله أن تكون كذلك في طهران.
وتعارض إسرائيل إحياء الاتفاق النووي لعام 2015، وأعربت الحكومة الإسرائيلية عن قلقها من توجه واشنطن لرفع «الحرس الثوري» من القائمة الأميركية للمنظمات الإرهابية.
وتعثرت المفاوضات الرامية لأحياء الاتفاق النووي مطلع الشهر الماضي، بعد طلب روسي مفاجئ بالحصول على ضمانات أميركية، قبل أن ترهن طهران التوصل إلى «اتفاق جيد»، بمراعاة خطوطها الحمراء، مطالبة بإسقاط تصنيف الإرهاب من جهاز «الحرس الثوري» الموازي للجيش النظامي.
ورهنت الولايات المتحدة بحسب العديد من المصادر بخفض الأنشطة الإقليمية لـ«الحرس الثوري» وهو ما رفضته طهران، وكشفت تقارير أن أحد الشروط الأساسية لإبعاد الحرس من قائمة الإرهاب، هو تخلي إيران أي خطط مستقبلية للثأر لمقتل قاسم سليماني.
ونسبت «رويترز» إلى دبلوماسي إيراني الأسبوع الماضي أن إيران رفضت اقتراحا أميركيا للتغلب على هذه النقطة الشائكة بالإبقاء على «فيلق القدس» ضمن العقوبات المفروضة على المنظمات الإرهابية الأجنبية في حين يتم رفع «الحرس الثوري» ككيان من القائمة.
وقال مسؤول كبير في الإدارة الأميركية، لصحيفة «واشنطن بوست» إن الرئيس جو بايدن لا يعتزم استبعاد «الحرس الثوري» من قائمة المنظمات المصنفة إرهابية. وذلك بعد أيام إعلان الجنرال مارك ميلي معارضته لرفع «فيلق القدس» من لائحة الإرهاب.
وبعد التأكيد الأميركي، قال قائد القوة البرية في «الحرس الثوري» أول من أمس إن «قتل جميع الأميركيين لن يكون كافيا لمقتل قاسم سليماني». وأضاف «علينا أن نثأر له بالسير على دربه وبأساليب أخرى».
وردا على سؤال حول موقف الإدارة الأميركية من هذه التصريحات، قال المتحدث باسم الخارجية، نيد برايس في مؤتمره الصحافي الأربعاء «أوضحنا باستمرار أننا سنحمي مواطنينا وندافع عنهم، وهذا يشمل أولئك الذين يخدمون الولايات المتحدة الآن، وأولئك الذين خدموا الولايات المتحدة في الماضي».
ونوه برايس بأنه «رغم أن هناك خلافات كثيرة بشأن قضية إيران، لكننا متحدون في عزمنا ضد التهديدات والاستفزازات، وسنعمل مع شركاء وحلفاء حول العالم وفي المنطقة لردع أي هجمات قد تشنها إيران والرد عليها»، معربا عن استعداد الإدارة الأميركية لاستخدام كل أداة مناسبة من أجل ردع النشاط الضار الذي ينخرط فيه «الحرس الثوري».
إلى ذلك، وجهت مجموعة من النواب الجمهوريين في الكونغرس الأميركي، رسالة إلى نظرائهم في البرلمان الإيراني، تتوعد بعرقلة إحياء الاتفاق النووي، إذا ما سيطر الجمهوريون على الغالبية في الانتخابات النصفية في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.
وكتب حساب لجنة الأبحاث الجمهورية في تغريدة باللغة الفارسية «نضمن لنواب البرلمان الإيراني عندما نتولى نحن الجمهوريين السيطرة على مجلس النواب، سنفعل كل ما في وسعنا لعرقلة إحياء الاتفاق النووي وإعادة العمل بالضغوط القصوى».



لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.


اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
TT

اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)

تتصاعد المخاوف الإنسانية في محافظة الحديدة الساحلية غرب اليمن، مع استمرار قطع التيار الكهربائي عن مراكز الغسيل الكلوي، في خطوة تُنذر بعواقب كارثية على حياة مئات المرضى الذين يعتمدون بشكل كامل على هذه الخدمات للبقاء على قيد الحياة.

وأثار هذا الإجراء، الذي تنفذه الجهة الحوثية المسيطرة على قطاع الكهرباء في المحافظة، موجة واسعة من الاستياء في الأوساط الطبية والإنسانية، وسط تحذيرات من ارتفاع وشيك في معدلات الوفيات.

تأتي هذه التطورات في ظل أوضاع صحية ومعيشية بالغة التعقيد، تعيشها الحديدة وبقية المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث يواجه القطاع الصحي انهياراً كبيراً نتيجة نقص التمويل وشح الموارد، مما يجعل أي خلل إضافي، مثل انقطاع الكهرباء، عاملاً مباشراً في تهديد حياة المرضى، خصوصاً أولئك المصابين بالفشل الكلوي.

طفلة يمنية مريضة بفشل كلوي بمركز خاضع للحوثيين في الحديدة (إكس)

وأفادت مصادر طبية بأن استمرار انقطاع الكهرباء أدى إلى تعطيل عدد كبير من جلسات الغسيل الكلوي، وتأجيل أخرى، في وقت يعجز فيه الطاقم الطبي عن توفير بدائل مناسبة لتشغيل الأجهزة الحيوية.

وتزداد خطورة الوضع مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، مما يضاعف من معاناة المرضى ويزيد من احتمالات تدهور حالتهم الصحية.

نقص حاد

أكدت المصادر الصحية أن مراكز الغسيل في الحديدة تعاني أصلاً من نقص حاد في الإمكانات، سواء من حيث عدد الأجهزة أو توفر المحاليل الطبية، فضلاً عن غياب مولدات كهربائية كافية أو توفر الوقود اللازم لتشغيلها بشكل مستمر.

ويُعد التيار الكهربائي عنصراً أساسياً لا غنى عنه لتشغيل أجهزة الغسيل، حيث تستغرق الجلسة الواحدة ما بين ثلاث إلى خمس ساعات، ويحتاج كل مريض إلى ثلاث جلسات أسبوعياً على الأقل.

صالة مركز الغسيل الكلوي في مدينة الحديدة خلال توقفه عن العمل (إكس)

في المقابل، تبرر الجهة الحوثية المسؤولة عن الكهرباء قرارها بتراكم فواتير الاستهلاك وعدم سدادها من إدارات المراكز الطبية، وهو ما يرفضه العاملون في القطاع الصحي، مؤكدين أن هذه المرافق تقدم خدمات إنسانية منقذة للحياة، ولا ينبغي إخضاعها لمثل هذه الإجراءات التي تتجاهل طبيعة عملها الحساسة.

كما كشف عاملون في أحد مراكز الغسيل عن توافد أعداد كبيرة من المرضى يومياً من مختلف مديريات الحديدة، إضافةً إلى مناطق مجاورة، مثل حجة والمحويت وريمة وذمار، مما يؤدي إلى ازدحام شديد أمام المراكز، في ظل محدودية القدرة الاستيعابية وتراجع مستوى الخدمات.

معاناة إنسانية

في ظل هذه الظروف، عبّر مرضى وأهاليهم عن استيائهم الشديد من استمرار انقطاع الكهرباء، مؤكدين أن هذا الإجراء يفاقم معاناتهم اليومية ويضع حياة ذويهم في دائرة الخطر المباشر.

وأوضحت المصادر أن المرضى يواجهون آلاماً متزايدة نتيجة تأخر جلسات الغسيل أو توقفها، وهو ما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، تصل في بعض الحالات إلى الوفاة.

وأشار الأهالي إلى أن فرض تحصيل الفواتير بهذه الطريقة لا يراعي الأوضاع الإنسانية الصعبة، ولا يأخذ في الاعتبار طبيعة الخدمات التي تقدمها هذه المراكز، مطالبين بتدخل عاجل لإعادة التيار الكهربائي وضمان استمرارية العمل دون انقطاع.

من جهتهم، حذر ناشطون في المجال الإنساني من خطورة استخدام الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء، وسيلةَ ضغط، معتبرين أن ذلك يمثل انتهاكاً واضحاً للحقوق الإنسانية، ويزيد من تعقيد الأزمة التي تعيشها المحافظة.

وأكد الناشطون أن استهداف مراكز الغسيل الكلوي، التي تقدم خدمات حيوية، يعكس غياب الاعتبارات الإنسانية، وينذر بتداعيات خطيرة على حياة مئات المرضى.