مشروع رفع سن التقاعد عقبة بوجه إعادة انتخاب ماكرون

استطلاعات الرأي تظهر تقدماً طفيفاً للرئيس الحالي على لوبن

ملصق ممزق للرئيس ماكرون في باريس أمس (أ.ب)  -  ملصق ممزق لمرشحة اليمين المتطرف مارين في باريس أمس (أ.ب)
ملصق ممزق للرئيس ماكرون في باريس أمس (أ.ب) - ملصق ممزق لمرشحة اليمين المتطرف مارين في باريس أمس (أ.ب)
TT

مشروع رفع سن التقاعد عقبة بوجه إعادة انتخاب ماكرون

ملصق ممزق للرئيس ماكرون في باريس أمس (أ.ب)  -  ملصق ممزق لمرشحة اليمين المتطرف مارين في باريس أمس (أ.ب)
ملصق ممزق للرئيس ماكرون في باريس أمس (أ.ب) - ملصق ممزق لمرشحة اليمين المتطرف مارين في باريس أمس (أ.ب)

قطعاً، تبدو الحملة الرئاسية الفرنسية بالغة الحماوة بين المتأهلَين اللذين أفرزتهما دورتها الأولى: الرئيس إيمانويل ماكرون الساعي لاستنهاض «جبهة جمهورية» عريضة بوجه مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبن من أجل «حماية الدولة والمؤسسات»، في حين الأخيرة تريد تحويل الجولة الحاسمة يوم 24 الحالي «استفتاءً» ضد ماكرون؛ انطلاقاً من اعتبارها أن الـ73 في المائة من الناخبين الفرنسيين الذين لم يصوّتوا للرئيس الحالي الأحد الماضي إنما «صوّتوا ضده»، وبالتالي فإنهم مرحب بهم لإخراجه من قصر الإليزيه.
اليوم، يتراشق الطرفان عن بُعد: اتهامات متبادلة تصل إلى حد التجريح الشخصي. واقتراحات واقتراحات مضادة بشأن الأكثرية الساحقة من الملفات من غير أن يعني ذلك أنهما مختلفان على كل شيء. والطريف، أن لوبن وماكرون متفقان مثلاً على العودة إلى ولاية رئاسية من سبع سنوات (عوض خمس حالياً)، أي كما كانت إبان خمسة عهود رئاسية، وكما نص عليها دستور الجمهورية الخامسة الذي سنّه الجنرال ديغول قبل 64 عاماً. والثابت، أن الاثنين يلقيان بقواهما كافة في المعركة بالنظر للفارق الضئيل في نتائج الجولة الثانية، كما تظهرها استطلاعات الرأي منذ الأحد الماضي.
ورجحت آخر دراسة قامت بها مؤسسة «إيفوب» ونشرت نتائجها أول من أمس، أن ماكرون يتقدم قليلاً على منافسته؛ إذ سيحصل على 52.5 في المائة من الأصوات، بينما ستحصل على لوبن على 47.5 في المائة. والحال أن هامش الخطأ الحسابي المعروف في استطلاعات الرأي يقع في حدود اثنين في المائة؛ ما يعني أن احتمال فوز الأول أو الثانية قائم؛ الأمر الذي يزيد من شراسة المعركة.
وأمس، حذر إدوار فيليب، رئيس الحكومة السابق وأحد الشخصيات المرموقة في فرنسا، في حديث إذاعي من فوز لوبن، وقال لإذاعة «فرانس أنتير»، «إن أي شخص يؤكد أن لوبن، بطبيعة الحال، لا يمكن أن تفوز يخطئ بشكل كبير وهو بلا دراية. نعم، لوبن تستطيع كسب الانتخابات». وخلاصة فيليب، أنه «يتعين التعاطي مع هذه الانتخابات بجدية والتعاطي مع الفرنسيين بجدية، وكذلك التعامل مع الجولة الثانية».
حقيقة الأمر، أن لوبن التي خسرت المنافسة بوجه ماكرون في العام 2017، أحرزت تقدماً كبيراً لدى الرأي العام. والدليل على ذلك، أن الرئيس الحالي تفوق على مرشحة اليمين المتطرف بفارق 32 نقطة؛ الأمر الذي يبين المسافة التي قطعتها لوبن للاقتراب حافة الفوز.
ويبدو قلق المعسكر الرئاسي في الجهد الاستثنائي الذي يبذله ماكرون منذ صباح الاثنين، إن على صعيد القيام بأكبر عدد ممكن من الزيارات الميدانية أو من خلال حرصه على «الاحتكاك» بالجمهور والتحاور معه على الرغم مما تحمله هذه الرغبة من مفاجآت.
أول من أمس، قام ماكرون بجولة من محطات ثلاث في منطقة شرق فرنسا آخرها في مدينة ستراسبوغ، مقر البرلمان الأوروبي. وفي محطته الثانية في مدينة «شاتونوا» في منطقة الألزاس، دار حوار سريالي بينه وبين أحد المواطنين نقلته قنوات التلفزة صوتاً وصورة. فقد بادر هذا الرجل الستيني باتهام ماكرون بأن إدارته لشؤون البلاد بمثابة «فضيحة». وأردف قائلاً «أنت متعجرف، ساخر وتحتقر الناس. أنت قتلت المستشفيات (الحكومية) ولم أر في حياتي أبداً رئيساً للجمهورية الخامسة بهذا القدر من التعاسة». لكن ماكرون حافظ على هدوئه ورد بدعوة منتقده إلى الحوار وإلى عرض حججه، مؤكداً أنه «الوحيد» الذي يقبل هذا التناول. وعلى الرغم من عدوانية منتقده، اختتم ماكرون كلامه، وسط تصفيق المتحلقين حوله، بالتعبير مرة أخرى عن «احترامه» له.
تنم هذه الحادثة عن رغبة الرئيس - المرشح في تحطيم الصورة التي رُسمت له والتي تقدمه مسؤولاً بعيداً عن الناس وعن اهتماماتهم اليومية والمعيشية. ولذا؛ فهو يكثر من تنقلاته ومن التحاور مع الفرنسيين بعكس تعاطيه مع الجولة الأولى حيث كان الأقل حضوراً من بين المرشحين كافة. والسبب في ذلك مثلث: من جهة، انشغاله بإدارة شؤون البلاد ولكن خصوصاً بالحرب الروسية على أوكرانيا والقمم والاتصالات المتلاحقة التي جرت بين القادة الغربيين في الأسابيع الخمسة الماضية. والثاني توقعه، مع فريقه، أن الحملة الرئاسية ستكون بمثابة «نزهة» بالنظر لتواتر الاستطلاعات التي تؤكد فوزه. والثالث، حاجته لشرح برنامجه الانتخابي وإدخال تعديلات عليه خصوصاً في شقه الاجتماعي - الاقتصادي. بيد أنّ عاملاً آخر يبدو الأكثر أهمية؛ إذ إن ماكرون في حاجة ماسة، كما مارين لوبن، إلى اجتذاب الأصوات الإضافية التي يحتاجها لاجتياز حاجز الخمسين في المائة الضرورية للفوز، وهذه الأصوات موجودة بشكل خاص عند مرشح اليسار المتشدد، جان لوك ميلونشون الذي حصد 7.771 مليون صوت، وما يوازي 22 في المائة من الأصوات. لذا؛ فإن ماكرون يجد نفسه مضطراً إلى تعديل برنامجه الانتخابي، خصوصاً اقتراحه رفع سن التقاعد القانوني من 62 عاماً إلى 65 عاماً. والحال، أن ميلونشون كان يدعو إلى خفضه لستين عاماً بينما لوبن تريد إبقاءه حيث هو مع الأخذ في الاعتبار لحالات خاصة تبرر خفضه. وفي كل محطة من محطاته، كان ماكرون يسأل عن هذه المسألة بالذات. ولأنه وجد رفضاً لها خصوصاً من اليسار ومن الفئات الأقل يسراً، فإنه بادر لتليين موقفه، متراجعاً لـ64 عاماً، ومبدياً استعداده لمزيد من الليونة، لا بل لطرح الملف في استفتاء عام، الأمر الذي يظهر تيقنه من أن ملف التقاعد الذي حاول إصلاحه قبل موجة «كوفيد - 19» يمكن أن يقطع عليه طريق الإليزيه. والحال، أن ميلونشون الذي دعا منذ ليل الأحد - الإثنين إلى حرمان لوبن من أي صوت من جمهوره، لم يدع إلى انتخاب ماكرون الذي كان أشد محاربيه في مجلس النواب. وبالمقابل، فإن حزبه بصدد تنظيم استفتاء داخلي يتناول 300 ألف شخص لتقرير ما سيفعله مناصروه ومحازبوه تصويتاً لماكرون أو امتناعاً عن المشاركة.
يفيد الاستطلاع المشار إليه، بأن 25.5 في المائة من الناخبين لن يتوجهوا إلى مراكز الاقتراع في الجولة الحاسمة وهي نسبة مشابهة لما حصل في الجولة الأولى. وتمثل هذه الإشكالية، المعضلة الثانية المستعصية على الناخبين بالنظر لتأثيرها المباشر على النتائج. وحتى اليوم، حظي ماكرون بدعم واسع، إما بالدعوة مباشرة للاقتراع لصالحه، كما فعل الحزب الاشتراكي وحزب الخضر وشخصيات من اليمين واليسار... أو بالامتناع عن التصويت لصالح لوبن التي تحظى بدعم المرشح اليميني الشعبوي إيريك زيمور وحزب «فرنسا الناهضة» ومرشحه نيكولا دوبون دينيان. ويوماً بعد يوم، تتزايد الدعوات لاستبعاد شبح لوبن بغض النظر عن المسار الذي سلكته سياسات ماكرون في السنوات الخمس الماضية التي عدت يمينة المنهج. وأبرز الداعمين له، مؤخراً، الرئيس اليميني الأسبق نيكولا ساركوزي، مؤسس حزب «الجمهوريون» الذي امتنع عن تأييد مرشحة حزبه فاليري بيكريس قبل الدورة الأولى. وعلق ماكرون على ذلك بقبوله أن تأييد ساركوزي «يشرفه» ويشكل دعماً لسياسته، خصوصاً بالنسبة لأوروبا. بيد أنه نفى أن يكون ذلك «نتيجة اتفاق» سياسي مع الرئيس الأسبق الذي لا يخفي قربه من الرئيس الحالي. إلا أن موقف ساركوزي سيزيد التشقق داخل «الجمهوريون» الذي نجح ماكرون في اجتذاب ناخبيه؛ لأن دعوته لـ«مواكبة» ماكرون في السنوات الخمس المقبلة تتناقض مع فلسفة الحزب الذي يريد أن يبقى كياناً مستقلاً ممثلاً لليمين التقليدي وقيمه.
وفي هذا السياق، قال ماكرون، إنه يريد أن يعمل على «جمع القوى السياسية المختلفة للعمل معا على الإصلاحات» التي يريد إدخالها وذلك في إطار بنية سياسية «غير موجودة في الوقت الحاضر». ومنذ ما قبل الانتخابات، يعمل مستشاروه على اجتذاب نواب وشخصيات من اليمين والوسط. أما اليوم، فإن همه الأول إظهار أنه لا ينسى من هم على يسار الخريطة السياسية.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».