محمود درويش ورنا قباني: السقف المنخفض للمؤسسة والسقف العالي للأحلام

محمود درويش ورنا قباني
محمود درويش ورنا قباني
TT

محمود درويش ورنا قباني: السقف المنخفض للمؤسسة والسقف العالي للأحلام

محمود درويش ورنا قباني
محمود درويش ورنا قباني

كان درويش أكثر تحفظاً من رنا قباني فهي لم تتردد في الكشف عن المطبات الصعبة التي دفعت الطرفين إلى الانفصال
قل أن ترددت في تناول الحياة العاطفية والزوجية لأحد من الكتاب، كما هو الحال مع محمود درويش. ليس فقط لقلة المصادر المدونة التي تناولت علاقة درويش بالمرأة، بالقدر الكافي من الوثوقية والعمق، بل لأن شاعر «ورد أقل» لم يشأ من جهته أن يسرب إلى الخارج، باستثناء قلة من أصدقائه الأقربين، سوى النزر القليل من مغامراته العاطفية مع نساء حياته «الكثر». ربما بسبب تحفظ سلوكي مرتبط بنشأته الريفية، أو خجل مقيم في أعماقه، كما وصفه صديقه الأثير غانم زريقات، وربما رغبة منه في مواراة شؤونه الحميمة خلف سياج شائك، لكي يوفر لأسطورته الشخصية ما يلزمها من الغموض والكتمان. أما السبب الآخر للتردد، فيتمثل بحاجة الفلسطينيين والعرب، إلى مجموعة من الرموز الأيقونية التي تحتاج إليها الأمة المأزومة للانعتاق من واقعها السوداوي وصورتها «الأرضية» القاتمة. والأرجح أن مثل هذه العملية التحويلية لا تستقيم إلا من خلال إلباس الرموز المعنية لباس المقدس نفسه، وإحاطتها بالتالي بهالة ميتا - جسدية لا يجوز انتهاكها والمس بها. على أن هذه ظاهرة الأيقونة تلك لم تقتصر على درويش وحده، بل هي تطال رموزاً أخرى مماثلة من طراز أسمهان وأم كلثوم وفيروز وغسان كنفاني، وآخرين غيرهم، حيث كانت الأعمال الفنية والأدبية المتصلة بسيرهم الشخصية، محلاً للرفض والتوجس والاستنكار.
والواقع أن محمود درويش كان على امتداد حياته موضع إعجاب الكثير من النساء، لا بسبب شاعريته المرهفة والعالية فحسب، بل لما كان يمتلكه من وسامة وذكاء حاد وكاريزما شخصية لافتة. ومع ذلك فلم يكن محمود من النوع الاستعراضي في علاقته بالنساء، ولم يذكر في قصائده عنهن أي واحدة بالاسم، خلافاً لما هو حال الكثير من شعراء العالم ومبدعيه. ومع أن البعض يعتقدون أن قصائد الحب التي كتبها صاحب «سرير الغريبة» لم تكن تتمحور حول امرأة بعينها، بل هي طريقته المواربة في التعبير عن حبه لفلسطين، فإن الشاعر ينفي ذلك بشكل قاطع، مؤكداً، في حواره مع عبده وازن، أن المرأة ليست مجرد أداة للكناية والترميز الوطني والنضالي، بل يحق لها أن تمتلك كينونتها القائمة بذاتها، ثم يضيف: «كل ما أكتبه في الحب أو سواه، ناجم عن تجارب حية، حتى لو أخذت الكتابة مجرى آخر يخرج عن سياق حادثة الحب».
ومع أن ريتا التي ذكرها محمود بالاسم في غير قصيدة له، كانت استثناء القاعدة، فقد تبين لاحقاً أن هذا الاسم ليس حقيقياً، وأن ملهمة الشاعر في مطالع صباه، لم تكن سوى الفتاة اليهودية تامار بن عامي، التي ربطته بها علاقة عاطفية قصيرة، قبل أن تجبرهما حرب حزيران عام 1967على العودة إلى معسكريهما المتصارعين بشكل لا هوادة فيه. ورغم أن شاعر فلسطين الأبرز لم يكن يرغب في إسقاط القضايا السياسية والوطنية الكبرى على علاقته المرأة، فإن هذه العلاقة قد تجاوزت بُعدها العاطفي الثنائي لتتلمس رمزيتها الدالة في المنطقة الملتبسة بين الأسطورة والتاريخ، ولتصبح مع تبادل الأدوار، نسخة أخرى معاصرة عن العلاقة الصعبة بين شمشون اليهودي ودليلة الفلسطينية. وحتى لو لم تكن ريتا الحقيقية هي تامار، بل الكاتبة اليسارية تانيا ريهارت كما يذهب البعض، أو الشاعرة الإسرائيلية داليا ريبكوفيتش، كما يذهب البعض الآخر، فإن ذلك لا يلغي «الواقعة» العاطفية التي أقر الشاعر نفسه بحدوثها. ولا أستبعد من جهتي أن تكون ريتا - القصيدة مزيجاً من هؤلاء جميعهن، خصوصاً أن درويش قد أشار في غير موضع إلى مثل هذا التداخل، تماماً كما كان شأن بابلو نيرودا، الذي يكن له محمود إعجاباً كبيراً، مع نساء قصائده.
إلا أن نظرة متفحصة إلى علاقات درويش العاطفية، لا بد أن تقودنا إلى الاستنتاج بأن علاقته بالكاتبة والباحثة السورية رنا قباني، هي بينها الأبرز والأعمق والأكثر اتصالاً بقلبه وعقله. أما واقعة لقائهما الغريبة فقد كشفت قباني بنفسها عن تفاصيلها المؤثرة عبر سلسلة من المقالات التي نشرت في إحدى الصحف العربية قبل سنوات. فقد التقى الطرفان عن طريق الصدفة، حين كانت رنا بعد على مقاعد الدراسة في واشنطن، وقررت بعد إلحاح من صديقة لها حضور الأمسية التي دعي الشاعر لإحيائها في جامعة جورج تاون. ورغم إعجاب قباني الفائق بشعر درويش فقد قررت أن تجلس في الصفوف الخلفية للقاعة، لأن الصفوف الأمامية تكون في العادة محط أنظار المشاهير من السياسيين والفنانين والكتاب المخضرمين، فيما الفتاة اليافعة التي تأنف من الرسميات، وتنتعل صندلاً مخملياً بكعب عالٍ وتطلي أصابع قدميها بالأسود، كانت تجد في المقاعد الخلفية ضالتها المناسبة. ولم يكن يدور في خلد ابنة السفير المثقف صباح قباني، شقيق الشاعر نزار، أن المفكر السياسي كلوفيس مقصود حين جرها من يدها إلى الصف الأول من القاعة وقدمها لدرويش، بدا وكأنه يقود حياتها نحو مصير آخر ووجهة مختلفة.
«هل تتزوجينني؟»، قال الشاعر الثلاثيني للفتاة الدمشقية الياسمينية ذات التسعة عشر ربيعاً، متخطياً فارق السن والظروف الاجتماعية من جهة، وخوفه المرَضي من قيود المؤسسة الزوجية من جهة أخرى. وبقدر ما كان السؤال صادماً لرنا، كان الجواب بالموافقة مفاجئاً لمحمود، الذي أقدر أنه كان في أعماقه يرغب في أن تكون الصبية الحسناء منجم إلهامه الشعري، لا امرأة الواقع «المسفوح» على مذبح الرتابة والتفاصيل اليومية النثرية. وقبل أن يتاح لكل من الطرفين أن يعود إلى عقله، وإلى تحليله المنطقي لمجريات الأمور، راحت الأحداث تجري بسرعة قياسية، بدءاً من التشريع العاجل للزواج، مروراً بالمحطة الباريسية واللقاء بعز الدين القلق، ووصولاً إلى المنزل الزوجي الواقع في الطابق الثامن من أحد مباني بيروت، الذي كان عليها أن تحمل حقيبتها الثقيلة، وتصعد إليه بسبب انقطاع الكهرباء سيراً على القدمين. وفي ظل انقطاع المياه وغياب التدفئة وتحول العاصمة اللبنانية إلى مدينة للأشباح، كان الجانب الرومانسي من العلاقة يخلي مكانه لمشاعر أخرى أكثر تعقيداً وأقل وردية من ذي قبل.
ومع أن العلاقة بين الزوجين الطافحين بالأحلام، بدت على مستوى السطوح الظاهرة مثالية ومتناغمة ومترعة بالأمل، وسط شقاء بيروت الرازحة تحت وطأة حربها الأهلية المدمرة، إلا أن الأعماق كانت تستبطن مآلات للأمور مغايرة تماماً. لا لأن نيران الافتتان تحتاج لكي تظل قيد الاشتعال إلى حطب المسافة ووقود الشغف فحسب، بل لأن المسرح الضيق للعلاقة، أتاح للفروق الشخصية الواسعة التي حجبها وهج المغامرة الجريئة، أن تكشف عن نفسها دون مواربة أو تمويه. وإذا كان محمود أكثر تحفظاً من رنا قباني في الكتابة عن تلك التجربة، فهي لم تتردد في الكشف عن المطبات الصعبة التي دفعت الطرفين إلى الانفصال بعد تسعة أشهر من الزواج، قبل أن يعطيا نفسيهما فرصة ثانية استمرت لسنتين اثنتين، ثم آلت بعد ذلك إلى انفصال بائن.
تقر رنا قباني في غير مناسبة، أن ظروف نشأتها المدينية والعائلية التي وفرت لها أسباب اليسر المادي والتحصيل الثقافي والمعرفي المتنوع والتحرر النسبي من التقاليد، تختلف اختلافاً بيناً عن نشأة درويش الفقيرة والشائكة التي أتاحت له أن يتكيف، بخلافها، مع كل أنماط الحياة وأكثرها شظفاً وقسوة. ومع أنها كانت تتشاطر مع محمود شغفه بالقراءة والاطلاع، مع ولع خاص بالرواية والشعر والدراسات التاريخية والدينية والفكرية، فهي لم تخفِ عجزها عن التأقلم مع واقعها الجديد المكتنه بالقلق والخوف والتواضع المادي، الذي يفتقر إلى الخصوصية والأمان وهدوء النفس.
أما العامل الآخر الذي أسهم في تقويض العلاقة ومنعها من الاستمرار فيتمثل على الأرجح في إقبال رنا على الزواج في عمر صغير، وقبل أن تمتلك النضج والخبرة الحياتية الكافية للوصول بهذه المغامرة نحو خواتيمها السعيدة. ومن يتابع مسيرة قباني اللاحقة لا بد أن يلاحظ مدى النضج والخبرة الحياتية، اللذين لم يكونا ليتوفرا لها في مقتبل العمر. لكن درويش من جهته، لم يبذل الجهد الكافي لاستيعاب وضع زوجته الصعب والإشكالي، بل كان هو الآخر مسكوناً بمخاوف من نوع آخر تتعلق ببساط الحرية الذي بدأت تسحبه من تحت رجليه الموجبات الباهظة للمؤسسة الزوجية. وقد نقل عنه أحد أصدقائه الأقربين أنه لدى شروع زوجته في تعليق ملابسها في خزانة ثيابه، انتبه فجأة إلى تناقص الهواء من حوله، وإلى انكماش المساحة المخصصة لمزاولة طقوسه اليومية الصغيرة، فلم يجد ما يعبر به عن خوفه من المجهول، سوى الذهاب إلى مكان خلفي والاستغراق في نشيج مكتوم.
«كانت علاقتي بمحمود بركانية وعاصفة»، تقول رنا في أحد حواراتها المتلفزة. إلا أنها إذ تقر من ناحيتها بأن للعلاقة وجوهها الإيجابية المتمثلة بالمتعة الفائقة التي وفرتها لها الأسفار العديدة مع زوجها الشاعر، وإسهام محمود في تعميق وعيها السياسي والنضالي، تعترف في الوقت نفسه بحصتها من المآل المأزقي لعلاقتهما المتداعية، فتقول «الكاتب إنسان مريض ومضطرب، وهو ما أنا عليه أيضاً. وقد اخترت من اخترت لأنه يشبهني، إذ يصعب زواجي من صيرفي على سبيل المثال». وإذ تؤكد قباني أن محمود قد خصها بغير نص شعري من نصوص تلك الفترة، ومن بينها «قصيدة الرمل»، تنوه في الوقت بأناقة زوجها الباذخة وسخائه الاستثنائي، وبأنها اعتادت بشكل يومي على تلقي وروده وهداياه. إلا أن كل ذلك لم يمنعها من الاعتراف بأن درويش لم يخلص في قرارته إلا لقصيدته، وبأنه «لم يُخلق ليكون أباً وزوجاً ورب أسرة. إنه شاعر رائع ولكنه زوج فاشل».
إلا أن وضْع ما قالته رنا عن محمود في موضع التجني على الشاعر، هو افتئات على الحقيقة التي يعرفها الجميع، والتي كان درويش يجاهر بها أمام أصدقائه الأقربين دون أي شعور بالتحفظ أو الحرج. لا بل إن درويش لم يتردد، أثناء لقاء جمعني به وبممدوح عدوان في القاهرة، في التحدث عن الزواج بوصفه المحاولة المثلى لاغتيال الإبداع. على أن ما لفتنا يومها كان موقفه الأكثر سلبية من الإنجاب، الذي اعتبره محمود أخطر على الكاتب من الزواج نفسه، لأن بوسع الرجل أن يطلق امرأته متى شاء، ولكن ليس بوسعه التخلص من أطفاله. وحيث تحدث مستطرداً عن إكراه زوجته الحامل رنا قباني على التخلص من الجنين، كان يلح على التوضيح بأنه لم يفعل ذلك بتأثير من أنانيته العالية أو بسبب كرهه للأطفال، بل لأنه أوهن من أن يتعايش، ولو في الخيال، مع ما يمكن أن يواجهه طفله المرتقب من احتمالات الألم أو المرض أو الموت المبكر.
لم يكن بالأمر المفاجئ تبعاً لذلك أن يجد الزوجان المتشابهان في التكوين المزاجي، والمختلفان في طريقة العيش وأنماط السلوك والرؤية إلى الأشياء أمام خيار الانفصال، الذي لم يتأخرا عن تنفيذه قبل أن ينهيا العام الأول من حياتهما المشتركة. كما لم تفلح الفرصة الثانية التي منحاها لنفسيهما، والتي استمرت لسنتين إضافيتين، في تضييق ما بينهما من فروق وتباينات. ولهذا كان انفصالهما نهائياً هذه المرة، حيث اختارت رنا أن تكمل دراستها في أوكسفورد، لترتبط بعد سنوات بالصحافي البريطاني المعروف باتريك سيل، الذي ما لبثت أن انفصلت عنه بفعل قراءتهما المتغايرة للثورة السورية. ولم يكن نصيب محمود من زواجه الثاني بالكاتبة والمترجمة المصرية حياة الهيني، بأفضل من نصيبه من زواجه الأول، رغم أنه سقط في الحالتين بسرعة قياسية، وبما يمكن أن نسميه «ضربة الجمال المفرط». وإذا لم نكن قادرين على التأكيد أو النفي أن درويش قد خص زوجته الثانية بقصيدته الشهيرة «يطير الحمام»، ما دام يجانب على عادته ذكر نسائه بأسمائهن، فإن المؤكد بالقطع هو عجز الشاعر الملول عن الركون لفترة طويلة إلى قيود المؤسسات وتبعاتها، سواء كانت هذه الأخيرة سياسية أو اجتماعية أو زوجية. وهو ما يؤكده قول الشاعر بعد انفصاله السريع وبلا ضجيج عن زوجته المصرية: «انفصلنا بسلام. لم أتزوج مرة ثالثة ولن أتزوج. إنني مدمن على الوحدة، ولم أشأ أبداً أن يكون لي أولاد. قد أكون خائفاً من المسؤولية، والشعر هو محور حياتي، فما يساعد شعري أفعله، وما يضره أتجنبه».



جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط

بدايةً سوف أخاطر بالأطروحة التالية، وأقول: بما أن الشعر الحديث تحرَّر من الوزن والقافية، فإنه أصبح مجبراً على التعويض عن ذلك بشيء آخر. بما أنه حرم القراء العرب وغير العرب من متعة الوزن والقافية وكل الطرب العظيم الناتج عنهما، فإنه مضطر لافتراع صور شاذة غير مألوفة، لكي يكفّر عن ذنبه. إنه مضطر لاختراع مجازات إبداعية خارقة تعوِّض عن كل ذلك حتى من خلال لغة نثرية، ولكن ملتهبة أو متشظية في كل الاتجاهات. هذا ما نلاحظه في شعر الحداثة الفرنسية، أي شعر بودلير ورامبو وملارميه ولوتريامون والسرياليين. وهذا ما نجده أيضاً في شعر الحداثة العربية، أي شعر أدونيس ومحمد الماغوط وأنسي الحاج وسواهم من الرواد. كلهم اخترعوا مجازات غريبة شاذة، ولكن ممتعة وناجحة جداً، بغية التعويض عن متعة الشعر العمودي الذي حرمونا منه بعد أن تركوه وهجروه وملوا منه. أو قل إن التاريخ العربي ذاته هو الذي تعب من حاله، ويئس، ووصل إلى الجدار المسدود. ولذلك ليس من المبالغة القول إن أهم خاصية للحداثة الشعرية (فرنسية كانت أم عربية) هي النزعة اللامنطقية والعبثية واللامعقولية. وهي نزعة مرفوضة في كل مجال آخر، ما عدا الشعر.

لوتريامون

هل تريدون أمثلة على ذلك؟ لنستمع إلى هذا المقطع من محمد الماغوط:

«سئمتك أيها الشعر... أيها الجيفة الخالدة!».

للوهلة الأولى قد نشعر بانزعاج شديد لأنه شبه الشعر بالجيفة. فالشعر بالنسبة لنا هو المثال الأعلى الوردي السماوي الأبعد ما يكون عن الجيفة المرعبة. ولولا أنه أضاف كلمة الخالدة لكان بيته الشعري قد فشل تماماً، وأسقط في يده ويدنا. بمعنى آخر لولاها لكانت الشحنة الشعرية لم تنقدح ولم تحصل أبداً. ولكنا اعتبرنا الماغوط شاعراً فاشلاً، بل ورديئاً من الدرجة العاشرة.

وهذا يثبت صحة أطروحة الناقد الفرنسي جان كوهين الذي أتيحت لي مقابلته في باريس يوماً ما أيام زمان... وهو في رأيي أهم ناقد نفذ إلى أعماق الشعر، إلى كيمياء اللغة الشعرية حيث تغلغل إلى سر أسرارها. انظروا كتابيه: «بنية اللغة الشعرية»، ثم «اللغة العليا»، أي لغة الشعر، أي اللغة التي تعلو ولا يُعلى عليها. ماذا تقول أطروحته الشهيرة؟ إنها تقول لنا ما معناه: الشعر يبتدئ أولاً بخرق نظام اللغة المعتاد. الشعر يبتدئ أولاً بانتهاك منطقية المعنى وتمزيقها بشكل فج وصادم ومزعج ولا مسؤول. الشعر هو اغتصاب بالمعنى الحرفي للكلمة: أي اغتصاب منتظم ومقصود لمعاني اللغة العادية التي نعرفها. ولكنه في الحركة الثانية يخفف من حدة هذا الانتهاك أو الاغتصاب عن طريق إضافة كلمة أخرى تقلص منه أو تخفف منه، وبالتالي تعزينا وتواسينا وتقنعنا. وهذا ما فعله الماغوط عندما أضاف كلمة «الخالدة» بعد الجيفة. وهذا يعني أنه شاعر حقيقي. ولكن المؤسف هو أن العديد من شعراء الحداثة العربية لا يستطيعون تقليص الانتهاك اللغوي الحاصل. إنهم ينتهكون المعاني ويغتصبونها على مدار الساعة ظانين أنهم كتبوا شعراً. ولكنها انتهاكات مجانية فاشلة لا تعطي أي نتيجة. ولا تؤدي إلى انقداح اللغة الشعرية أو الشحنات الشعرية. وبالتالي فهناك انتهاكات وانتهاكات. هناك اغتصابات واغتصابات. هناك انتهاكات عبقرية مقنعة تقفز بك إلى أعلى السماوات، وهناك انتهاكات فاشلة ومجانية لا تحرك فيك ساكناً. بمعنى آخر، فإنها عاجزة عن قدح الشرارة الشعرية. لا داعي لضرب الأمثلة لأن عشرات الدواوين مليئة بهذه المجازات الميتة. ولذلك قلت لأحدهم مرة: رجاء لا تُهدِني ديوانك الجديد، ولا حتى القديم. رجاء ارحمني وأشفق عليّ. إني في حالة يُرثى لها. إني أكره الشعر كره النجوس.

أعود إلى الماغوط لكي أستشهد بهذا المقطع من قصيدة «في رثاء السياب»:

«ولكن أي وطن هو الذي

يجرفه الكنَّاسون مع القمامات

في آخر الليل؟

تشبث بموتك أيها المغفل

ودافع عنه بالحجارة والأسنان والمخالب

فما الذي تريد أن تراه؟

وعكازك أصبح بيد الوطن

أيها التعس في حياته وفي موته

قبرك البطيء كالسلحفاة

لن يبلغ الجنة أبداً».

ظاهرياً يبدو وكأن الماغوط يهجو السياب ويقرّعه، بل ويشن عليه حملة شعواء. ما هذا الرثاء؟ ما هذه الفضيحة؟ ولكن في الواقع هذا أجمل رثاء وأقوى رثاء، لأنه استخدم لغة جنونية ومجازات اعتباطية وصوراً عبثية. وأنتج قصيدة شعرية حقيقية. وهذا هو المهم في نهاية المطاف. لو أنه رثاه على الطريقة التقليدية التراثية والمعاني المنطقية المحترمة الموزونة لماتت القصيدة في أرضها، ولفقدت مفعولها تماماً.

لننتقل الآن إلى الشعر الفرنسي. وأنا حياتي كلها متوزّعة بشكل متراوح بين الآداب الفرنسية والآداب العربية تماماً مثل طه حسين. (اسمحوا لي بهذه الفخفخة الفارغة). من المعلوم أن غيوم أبولينير كان هو الرائد الذي مهَّد الطريق للسرياليين. بل وكلمة سريالية بالذات مِن اختراعه، أو قُلْ من اختراع جيراردو نيرفال قبله. وقد كتب عام 1908 قصيدة نثرية جنونية ما قرأتها مرة وإلا كدتُ أموت من الضحك، تماماً كما حصل لي مع الماغوط، وربما أكثر؛ ما قرأتها مرة إلا وكدت أموت من الفرح والانشراح والابتهاج. أكاد أقوم وأقعد وأعيش كل حالاتي. لنستمع إليها فوراً:

«كان فحم السماء قريباً جداً إلى درجة أني خفت من اضطرابه ولهبه. وكان على وشك أن يحرقني... كانت هناك حيوانات متنافرة... وكانت هناك أشجار ورد تدفن كرمة العريشة التي تثقلها عناقيد من الأقمار. وخرجت من عنق القرد سياط اللهب التي تزهر العالم... وعشرون خياطاً أعمى جاءوا بغية تفصيل وتخييط حجاب موجه لتغطية حجر اليمان الأسمر. وقدتهم أنا شخصياً القهقرى.

وفي المساء راحت الأشجار تطير، وأصبحت القرود جامدة لا تتحرك، ووجدت نفسي أضعافاً مضاعفة. والقطيع الذي كنتُه جلس على شاطئ البحر... وهذا السيف روى عطشي... ثم استقبلني مائة بحار واقتادوني إلى قصر وقتلوني تسعاً وتسعين مرة»... إلخ.

ما هذا العبث؟ ما هذا الجنون؟ ما هذا الشعر؟ ربما قال قائل: يا أخي أين هو المنطق في هذه القصيدة؟ أين هو العقل المتماسك؟ ولكن هل الشعر بحاجة إلى منطق وعقل متماسك أم أنه بحاجة إلى العكس تماماً؟ هكذا نجد أن ما يبدو سلبياً للوهلة الأولى يتحول إلى ميزة إيجابية خارقة. تكاد تقول: يعيش الشعر، يموت الشعر!

ولكن جنون الشعر لا يبلغ ذروته العليا إلا عند ذلك الوحش الهائل المدعو لوتريامون. لقد تجاوز رامبو بأضعاف مضاعفة من حيث الانتهاكات والاغتصابات والاقتحامات. هناك مقاطع عديدة لا أستطيع ذكرها من «أناشيد مالدورور». ولو قطعوا رأسي لن أذكر منها حرفاً واحداً. وأصلاً لا يمكن أن تُنشر. ولكني سأخاطر بهذا المقطع:

«عقدتُ حلفاً مع الساقطات بغية زرع الفوضى في العائلات. أتذكر جيداً الليلة التي سبقت هذا التحالف الشيطاني الخطر. رأيت أمامي قبراً. سمعت دودة ساطعة كبيرة بحجم منزل تقول لي: سوف أخبرك. اقرأ هذا النقش. هذا الأمر الأعلى ليس صادراً عني. رأيت أمامي نوراً وهَّاجاً ساطعاً بلون الدم. أمامه اصطكت أفكاكي وسقطت ذراعاي هامدتين. سمعت صوتاً ينتشر في الهواء حتى الأفق. اتكأت على جدار متهدم لأني كنت على وشك السقوط. قرأت النقش أمامي: هنا يرقد طفل مات مسلولاً. تعرفون الآن لماذا مات. لا تترحموا عليه، ولا تصلوا من أجله»... إلخ.


بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله
TT

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

ثمة شيء مثير خفي في فن بابلو بيكاسو (1881 - 1973) هو ما يدفع بالمتاحف العالمية لإقامة معارض سنوية لأعماله. وبغض النظر عن المنطلقات النظرية لمنسقي تلك المعارض والتي يحاولون من خلالها صنع مناسبات، لكي تتخطى المتاحف أزماتها المالية من خلال الإقبال الجماهيري فإن رؤية واحدة من لوحات بيكاسو تكفي لكي تكون سبباً لمتعة جمالية لا توصف. ومنها على سبيل المثال الوقوف أمام لوحة البهلوان التي ضمها المعرض المقام حالياً في «تيت موديرن» بلندن تحت عنوان «مسرح بيكاسو». في تلك اللوحة التي رُسمت عام 1930 والمُعارة من متحف بيكاسو في باريس، يتحوَّل جسدٌ بلا جنس مُحدد إلى لغزٍ مُعقَّد، ساقٌ تنبت في الظهر، رأسٌ مُغلق العينين، ساقٌ أخرى مُستقرة على الأرض، متوازنة بذراعٍ تعمل يدها كقدم، بينما تنحني الذراع الأخرى، بقبضةٍ مُحكمة، كذيل. بهذه الطريقة، قلب بيكاسو الإنسان رأساً على عقب، وشوَّهه بشكلٍ لا يُمكن التعرف عليه، ومع ذلك جعله أكثر جاذبيةً وإنسانيةً وعاطفية. المخترع وهو اللقب الذي رافقه لم يكن مقتنعاً بطريقة النظر التقليدية إلى صورة الإنسان كما هو. ذلك ما دفعه إلى اختراع صور جديدة تتناسب مع وظيفة الإنسان وتنسجم مع مزاجه وتعبِّر عن حالته الروحية، باعتباره لغزاً يمكن النظر إليه من جهات مختلفة وإعادة تشكيله كما لو أنه لم يتخذ هيئته النهائية بعد. من بين كل فناني الحداثة الفنية في القرن العشرين انفرد ابن مالقة بتلك الصفة المتوحشة التي تذكر بولعه بمصارعة الثيران، ذلك التقليد الإسباني الذي اعتبره بيكاسو فناً واستحضره في لوحاته.

سليل فنانين مسرحوا العالم

لم يعتمد منسقو المعرض سياقاً زمنياً يمكن أن يُهتدى به تاريخياً. فكرتهم عن بيكاسو باعتباره رجل مسرح أيضاً كانت هي الأساس. وهي ليست فكرة جديدة. هناك معرضان سبقا هذا المعرض كان الغرض منهما تسليط الضوء على تلك العلاقة التي بدأت عام 1917 يوم صمم الرسام الشاب ستارة وأزياء وديكورات باليه كتبه صديقه الشاعر جان كوكتو وأخرجه الروسي دياغيليف. الأول أقيم عام 1960 وكان بيكاسو يومها حياً والثاني في فرانكفورت عام 2006. وإذا ما كان صاحب غورنيكا قد استمر في عمله المباشر في المسرح وبالأخص في العروض الراقصة فإن نقاد الفن الذين تخصصوا بفنه يصرون على أنه كان مسرحياً في تصويره للمشاهد في أعماله الكبرى. كان كما يقولون يتخيل مسرحاً تجري عليه الوقائع التي يصورها ويتخذون من «غورنيكا» و«حرب كوريا» و«الراقصات الثلاث» وأعمال كبيرة وصغيرة أخرى أمثلة على صحة نظريتهم التي تقول «إن بيكاسو كان يرسم وعينه على المسرح» وفي العودة إلى سيرته التي تتخللها طريقته في تصفية حساباته مع الفنانين الذين أُعجب وتأثر بهم يمكن القول إن البعد المسرحي في أعمالهم لم يفُتْه، فقرر أن يتفوق عليهم جميعاً، وتلك هي عادته التي انتبه إليها رسامان ارتبط بهما بصداقة عميقة هما هنري روسو وجورج براك اللذان كانا يخفيان أعمالهما الجديدة عنه خشية أن يلتهمها. في علاقته بالمسرح حاول بيكاسو أن يتفوق على الرسام الانطباعي تولوز لوتريك مثلاً الذي كان ملهى الطاحونة الحمراء مسرحاً لفنه وحياته معاً.

الشقاء الإنساني في صورة

لا أتذكر عدد المرات التي رأيت فيها «المرأة الباكية» اللوحة التي رسمها بيكاسو عام 1937 وهي السنة نفسها التي رسم فيها رائعته «غورنيكا». وعلى الرغم من أنها لوحة صغيرة ولا يخرج موضوعها عن نطاق كونه صورة شخصية لدورا مار، المصورة وصديقة الفنان في تلك المرحلة فإنها لا تقل قيمة من غورنيكا على المستويين التاريخي والفني. الحزن الذي تنطوي عليه تلك اللوحة يختزل قوة الفتك التي ظهرت في اللوحة الشهيرة التي وضعت البلدة الإسبانية التي قصفها النازيون على خريطة الشقاء الإنساني. ولأن جلب غورنيكا باعتبارها محاولة لمسرحة حدث مأساوي إلى لندن لتكون جزءاً من المعرض كان صعباً فقد حلَّت «المرأة الباكية» محلها كونها قرينتها الأكثر قرباً. وكما أرى فإن ذلك الاستبدال عبر عن ذكاء منسقي المعرض وهم يسعون إلى تقديم الجوانب المختلفة لبانوراما بيكاسو التي أحاط من خلالها العالم مسرحياً. لقد حوَّل الرجل الذي أحدث انقلاباً جذرياً في الرؤية الفنية منذ لوحته «فتيات أفنينون» التي رسمها عام 1907 العالم مسرحاً، وهو ما سيلقي بظلاله على الاحتفالات المتكررة بعبقريته. وقد يكون مفيداً هنا أن أقول إن الوقوف أمام لوحة «المرأة الباكية» يمكنه أن يعطينا فكرة مهمة مزدوجة عن قيمة بيكاسو على المستويين الفني والإنساني. فمن جهة تقنية يمكن اعتبار تلك اللوحة واحدة من أهم اللوحات التي أعلنت الحداثة الفنية فيها عن واحدة من أهم لحظات قطيعتها مع الماضي من خلال ابتكار طريقة جديدة في النظر إلى الوجه البشري. في الوقت نفسه فإن قوة التعبير عن الشقاء الإنساني التي انطوت عليها اللوحة ستكون دائماً بمثابة النافذة الخيالية التي ما كان لها أن تُفتح لولا بيكاسو.

سر بيكاسو في غموضه

«جمال آسر وغموض لا ينفد» هما قطبا المعادلة التي لا تزال تضع بابلو بيكاسو في مكانة لا ينافسه عليها أحد باستثناء فنسنت فان غوخ على مستوى جذب الجمهور إلى معارضه الاستعادية العالمية التي لم يترك منسقوها مرحلة من مراحله الأسلوبية المتعددة إلا وسلطوا عليها الضوء، وهو ما يكشف عن غنى تجربته الفنية والإنسانية التي استطاع بعبقرية موهبته الاستثنائية أن يغوص من خلالها في عمق المعاني الخالدة للحياة.

ولأن بيكاسو رسم كل شيء فإن فنه لا يعد مرآة لعصره فحسب، بل اتسع أيضاً للأسئلة التي تتعلق بمسألة علاقة المتلقي بالعمل الفني وهي علاقة شائكة تتعرض للكثير من الانقلابات التي يتحكم بها مزاج العصر. وهنا بالضبط يكمن سر مقاومة أعمال بيكاسو من خلال عدم تعرضها لاهتزازات معادلة القديم والجديد. فن بيكاسو جديد دائماً لأن مبدعه نجا من التنميط المدرسي من خلال تجدده المرتبط بأصالة شخصية لا علاقة لها بما يجري من حوله.

في معرض «مسرح بيكاسو» هناك لوحات تعود إلى مراحل وأزمنة مختلفة. المرحلة الزرقاء التي ترتبط بالسنوات الأولى من القرن العشرين وهي السنوات التي قضاها بيكاسو في باريس جائعاً. المرحلة التكعيبية التي بدأت عام 1912. وأخيراً مرحلة ثلاثينات القرن العشرين التي أثمرت عن لوحته الشهيرة غورنيكا. تلك مرحلة خصبة كان بيكاسو فيها غزير الإنتاج متعدد الأساليب والموضوعات، وهو ما أغرى المتاحف العالمية بأن تخصها بغير معرض استعادي كبير، منها ذلك المعرض الضخم الذي أقامه تيت موديرن عام 2018.

إعادة النظر في الشكل البشري

واحدة من أجمل المفارقات التي تتعلق بسيرة بابلو بيكاسو أن شهرته تفوق شهرة أعماله، بضمنها غورنيكا. في المقابل فإن لوحة موناليزا التي تحل ملايين البشر في باريس سنوياً من أجل رؤيتها هي أكثر شهرة من رسامها ليوناردو دافنشي التي يدين له الرسم في القرون الخمس الأخيرة بالكثير من الكشوفات التقنية والأسلوبية.

«مسرح بيكاسو» الذي يُحتفى به الآن هو جزيئة من عالم الفنان الذي ألهمته صلته بفلسفة وعلوم عصره التفكير بصرياً بما لا يُرى من شخصية الإنسان، فكان ذلك دافعاً لإعادة النظر في الشكل البشري لا كما يُرى في الواقع بل كما هو عليه في حقيقة جوهره. حين رسم لوحته لشهيرة «فتيات أفنيون» عام 1907 صار ذلك الشارع الصغير في برشلونة مسرحاً للأفكار المتدفقة التي مزجت الرغبة في إعادة النظر في المفاهيم الاجتماعية السائدة بالتحولات الأسلوبية التي كان على الرسم الحديث أن يخوض مغامرتها في ظل تبدُّل طريقة النظر العلمية إلى الإنسان.


رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية
TT

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «سيثيسيون فيرلاغ» الألمانية السويسرية المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العالمي الحديث، ترجمة لرواية «مكان اسمه كميت» للروائي العراقي نجم والي، التي أنجزتها المترجمة الألمانية إيمكه آلف فين. الرواية التي صدرت طبعتها الأولى عن دار شرقيات القاهرة 1997 وطبعتها الثانية عن دار الرافدين في بغداد - كان بيروت عام 2018، وهي تاسع رواية تصدر له مترجمة إلى الألمانية.

وتدور أحداث الرواية في المنتصف الثاني من أعوام السبعينات.

عشية الحرب العراقية الإيرانية، في أواخر صيف عام 1980، ينفصل صالح سلطان، مدرس التاريخ والشاعر البالغ من العمر ثلاثين عاماً، عن زوجته، وهي ناشطة شيوعية سابقة، ويغادر بغداد هرباً من السجن. كان يأمل في بدء حياة جديدة في البلدة الصغيرة «كميت»، الواقعة جنوب العراق. وعندما يقع في غرام الطالبة الجميلة ماجدة، ذات التسعة عشر عاماً، التي انضم شقيقها رعد إلى صفوف الأنصار الشيوعيين، تبدأ رحلته المحفوفة بالمخاطر كخصم لعصام محمود، حاكم كميت المستبد، الذي يرغب هو الآخر في ماجدة.

الفتاة الشابة تنجذب إلى الرجلين؛ إلى صالح لكونه ضعيفاً، حساساً، مثقفاً، وكئيباً، يذكرها بأخيها الهارب رعد، وإلى عصام لأنه يمثل تحدياً مثيراً للاهتمام، وحماية لأهلها من التعرض للملاحقة.

كانت ذكريات طفولته الجميلة مع جدته، ماتينراد، التي لا تزال تعيش في كميت وتكسب رزقها من صناعة العباءات، هي ما قادت صالح سلطان إلى تلك الناحية النائية، ورغم أنه لم ينضم إلى حزب البعث، فقد وقّع على تعهدٍ بالابتعاد عن السياسة في الريف. إلا أن كميت لم تعد ملاذاً ريفياً هادئاً، كما ظن صالح، بل أصبحت أشبه بدولة بوليسية مصغرة يحكمها عصام ماهود.

وسبق أن صدرت ترجمة فرنسية للرواية نفسها عام 1999 أنجزتها المستعربة الفرنسية ماريانا، وستصدر ترجمتها إلى الانجليزية التي أنجزها المترجم وليم هيتشنيز العام المقبل.