محمود درويش ورنا قباني: السقف المنخفض للمؤسسة والسقف العالي للأحلام

محمود درويش ورنا قباني
محمود درويش ورنا قباني
TT

محمود درويش ورنا قباني: السقف المنخفض للمؤسسة والسقف العالي للأحلام

محمود درويش ورنا قباني
محمود درويش ورنا قباني

كان درويش أكثر تحفظاً من رنا قباني فهي لم تتردد في الكشف عن المطبات الصعبة التي دفعت الطرفين إلى الانفصال
قل أن ترددت في تناول الحياة العاطفية والزوجية لأحد من الكتاب، كما هو الحال مع محمود درويش. ليس فقط لقلة المصادر المدونة التي تناولت علاقة درويش بالمرأة، بالقدر الكافي من الوثوقية والعمق، بل لأن شاعر «ورد أقل» لم يشأ من جهته أن يسرب إلى الخارج، باستثناء قلة من أصدقائه الأقربين، سوى النزر القليل من مغامراته العاطفية مع نساء حياته «الكثر». ربما بسبب تحفظ سلوكي مرتبط بنشأته الريفية، أو خجل مقيم في أعماقه، كما وصفه صديقه الأثير غانم زريقات، وربما رغبة منه في مواراة شؤونه الحميمة خلف سياج شائك، لكي يوفر لأسطورته الشخصية ما يلزمها من الغموض والكتمان. أما السبب الآخر للتردد، فيتمثل بحاجة الفلسطينيين والعرب، إلى مجموعة من الرموز الأيقونية التي تحتاج إليها الأمة المأزومة للانعتاق من واقعها السوداوي وصورتها «الأرضية» القاتمة. والأرجح أن مثل هذه العملية التحويلية لا تستقيم إلا من خلال إلباس الرموز المعنية لباس المقدس نفسه، وإحاطتها بالتالي بهالة ميتا - جسدية لا يجوز انتهاكها والمس بها. على أن هذه ظاهرة الأيقونة تلك لم تقتصر على درويش وحده، بل هي تطال رموزاً أخرى مماثلة من طراز أسمهان وأم كلثوم وفيروز وغسان كنفاني، وآخرين غيرهم، حيث كانت الأعمال الفنية والأدبية المتصلة بسيرهم الشخصية، محلاً للرفض والتوجس والاستنكار.
والواقع أن محمود درويش كان على امتداد حياته موضع إعجاب الكثير من النساء، لا بسبب شاعريته المرهفة والعالية فحسب، بل لما كان يمتلكه من وسامة وذكاء حاد وكاريزما شخصية لافتة. ومع ذلك فلم يكن محمود من النوع الاستعراضي في علاقته بالنساء، ولم يذكر في قصائده عنهن أي واحدة بالاسم، خلافاً لما هو حال الكثير من شعراء العالم ومبدعيه. ومع أن البعض يعتقدون أن قصائد الحب التي كتبها صاحب «سرير الغريبة» لم تكن تتمحور حول امرأة بعينها، بل هي طريقته المواربة في التعبير عن حبه لفلسطين، فإن الشاعر ينفي ذلك بشكل قاطع، مؤكداً، في حواره مع عبده وازن، أن المرأة ليست مجرد أداة للكناية والترميز الوطني والنضالي، بل يحق لها أن تمتلك كينونتها القائمة بذاتها، ثم يضيف: «كل ما أكتبه في الحب أو سواه، ناجم عن تجارب حية، حتى لو أخذت الكتابة مجرى آخر يخرج عن سياق حادثة الحب».
ومع أن ريتا التي ذكرها محمود بالاسم في غير قصيدة له، كانت استثناء القاعدة، فقد تبين لاحقاً أن هذا الاسم ليس حقيقياً، وأن ملهمة الشاعر في مطالع صباه، لم تكن سوى الفتاة اليهودية تامار بن عامي، التي ربطته بها علاقة عاطفية قصيرة، قبل أن تجبرهما حرب حزيران عام 1967على العودة إلى معسكريهما المتصارعين بشكل لا هوادة فيه. ورغم أن شاعر فلسطين الأبرز لم يكن يرغب في إسقاط القضايا السياسية والوطنية الكبرى على علاقته المرأة، فإن هذه العلاقة قد تجاوزت بُعدها العاطفي الثنائي لتتلمس رمزيتها الدالة في المنطقة الملتبسة بين الأسطورة والتاريخ، ولتصبح مع تبادل الأدوار، نسخة أخرى معاصرة عن العلاقة الصعبة بين شمشون اليهودي ودليلة الفلسطينية. وحتى لو لم تكن ريتا الحقيقية هي تامار، بل الكاتبة اليسارية تانيا ريهارت كما يذهب البعض، أو الشاعرة الإسرائيلية داليا ريبكوفيتش، كما يذهب البعض الآخر، فإن ذلك لا يلغي «الواقعة» العاطفية التي أقر الشاعر نفسه بحدوثها. ولا أستبعد من جهتي أن تكون ريتا - القصيدة مزيجاً من هؤلاء جميعهن، خصوصاً أن درويش قد أشار في غير موضع إلى مثل هذا التداخل، تماماً كما كان شأن بابلو نيرودا، الذي يكن له محمود إعجاباً كبيراً، مع نساء قصائده.
إلا أن نظرة متفحصة إلى علاقات درويش العاطفية، لا بد أن تقودنا إلى الاستنتاج بأن علاقته بالكاتبة والباحثة السورية رنا قباني، هي بينها الأبرز والأعمق والأكثر اتصالاً بقلبه وعقله. أما واقعة لقائهما الغريبة فقد كشفت قباني بنفسها عن تفاصيلها المؤثرة عبر سلسلة من المقالات التي نشرت في إحدى الصحف العربية قبل سنوات. فقد التقى الطرفان عن طريق الصدفة، حين كانت رنا بعد على مقاعد الدراسة في واشنطن، وقررت بعد إلحاح من صديقة لها حضور الأمسية التي دعي الشاعر لإحيائها في جامعة جورج تاون. ورغم إعجاب قباني الفائق بشعر درويش فقد قررت أن تجلس في الصفوف الخلفية للقاعة، لأن الصفوف الأمامية تكون في العادة محط أنظار المشاهير من السياسيين والفنانين والكتاب المخضرمين، فيما الفتاة اليافعة التي تأنف من الرسميات، وتنتعل صندلاً مخملياً بكعب عالٍ وتطلي أصابع قدميها بالأسود، كانت تجد في المقاعد الخلفية ضالتها المناسبة. ولم يكن يدور في خلد ابنة السفير المثقف صباح قباني، شقيق الشاعر نزار، أن المفكر السياسي كلوفيس مقصود حين جرها من يدها إلى الصف الأول من القاعة وقدمها لدرويش، بدا وكأنه يقود حياتها نحو مصير آخر ووجهة مختلفة.
«هل تتزوجينني؟»، قال الشاعر الثلاثيني للفتاة الدمشقية الياسمينية ذات التسعة عشر ربيعاً، متخطياً فارق السن والظروف الاجتماعية من جهة، وخوفه المرَضي من قيود المؤسسة الزوجية من جهة أخرى. وبقدر ما كان السؤال صادماً لرنا، كان الجواب بالموافقة مفاجئاً لمحمود، الذي أقدر أنه كان في أعماقه يرغب في أن تكون الصبية الحسناء منجم إلهامه الشعري، لا امرأة الواقع «المسفوح» على مذبح الرتابة والتفاصيل اليومية النثرية. وقبل أن يتاح لكل من الطرفين أن يعود إلى عقله، وإلى تحليله المنطقي لمجريات الأمور، راحت الأحداث تجري بسرعة قياسية، بدءاً من التشريع العاجل للزواج، مروراً بالمحطة الباريسية واللقاء بعز الدين القلق، ووصولاً إلى المنزل الزوجي الواقع في الطابق الثامن من أحد مباني بيروت، الذي كان عليها أن تحمل حقيبتها الثقيلة، وتصعد إليه بسبب انقطاع الكهرباء سيراً على القدمين. وفي ظل انقطاع المياه وغياب التدفئة وتحول العاصمة اللبنانية إلى مدينة للأشباح، كان الجانب الرومانسي من العلاقة يخلي مكانه لمشاعر أخرى أكثر تعقيداً وأقل وردية من ذي قبل.
ومع أن العلاقة بين الزوجين الطافحين بالأحلام، بدت على مستوى السطوح الظاهرة مثالية ومتناغمة ومترعة بالأمل، وسط شقاء بيروت الرازحة تحت وطأة حربها الأهلية المدمرة، إلا أن الأعماق كانت تستبطن مآلات للأمور مغايرة تماماً. لا لأن نيران الافتتان تحتاج لكي تظل قيد الاشتعال إلى حطب المسافة ووقود الشغف فحسب، بل لأن المسرح الضيق للعلاقة، أتاح للفروق الشخصية الواسعة التي حجبها وهج المغامرة الجريئة، أن تكشف عن نفسها دون مواربة أو تمويه. وإذا كان محمود أكثر تحفظاً من رنا قباني في الكتابة عن تلك التجربة، فهي لم تتردد في الكشف عن المطبات الصعبة التي دفعت الطرفين إلى الانفصال بعد تسعة أشهر من الزواج، قبل أن يعطيا نفسيهما فرصة ثانية استمرت لسنتين اثنتين، ثم آلت بعد ذلك إلى انفصال بائن.
تقر رنا قباني في غير مناسبة، أن ظروف نشأتها المدينية والعائلية التي وفرت لها أسباب اليسر المادي والتحصيل الثقافي والمعرفي المتنوع والتحرر النسبي من التقاليد، تختلف اختلافاً بيناً عن نشأة درويش الفقيرة والشائكة التي أتاحت له أن يتكيف، بخلافها، مع كل أنماط الحياة وأكثرها شظفاً وقسوة. ومع أنها كانت تتشاطر مع محمود شغفه بالقراءة والاطلاع، مع ولع خاص بالرواية والشعر والدراسات التاريخية والدينية والفكرية، فهي لم تخفِ عجزها عن التأقلم مع واقعها الجديد المكتنه بالقلق والخوف والتواضع المادي، الذي يفتقر إلى الخصوصية والأمان وهدوء النفس.
أما العامل الآخر الذي أسهم في تقويض العلاقة ومنعها من الاستمرار فيتمثل على الأرجح في إقبال رنا على الزواج في عمر صغير، وقبل أن تمتلك النضج والخبرة الحياتية الكافية للوصول بهذه المغامرة نحو خواتيمها السعيدة. ومن يتابع مسيرة قباني اللاحقة لا بد أن يلاحظ مدى النضج والخبرة الحياتية، اللذين لم يكونا ليتوفرا لها في مقتبل العمر. لكن درويش من جهته، لم يبذل الجهد الكافي لاستيعاب وضع زوجته الصعب والإشكالي، بل كان هو الآخر مسكوناً بمخاوف من نوع آخر تتعلق ببساط الحرية الذي بدأت تسحبه من تحت رجليه الموجبات الباهظة للمؤسسة الزوجية. وقد نقل عنه أحد أصدقائه الأقربين أنه لدى شروع زوجته في تعليق ملابسها في خزانة ثيابه، انتبه فجأة إلى تناقص الهواء من حوله، وإلى انكماش المساحة المخصصة لمزاولة طقوسه اليومية الصغيرة، فلم يجد ما يعبر به عن خوفه من المجهول، سوى الذهاب إلى مكان خلفي والاستغراق في نشيج مكتوم.
«كانت علاقتي بمحمود بركانية وعاصفة»، تقول رنا في أحد حواراتها المتلفزة. إلا أنها إذ تقر من ناحيتها بأن للعلاقة وجوهها الإيجابية المتمثلة بالمتعة الفائقة التي وفرتها لها الأسفار العديدة مع زوجها الشاعر، وإسهام محمود في تعميق وعيها السياسي والنضالي، تعترف في الوقت نفسه بحصتها من المآل المأزقي لعلاقتهما المتداعية، فتقول «الكاتب إنسان مريض ومضطرب، وهو ما أنا عليه أيضاً. وقد اخترت من اخترت لأنه يشبهني، إذ يصعب زواجي من صيرفي على سبيل المثال». وإذ تؤكد قباني أن محمود قد خصها بغير نص شعري من نصوص تلك الفترة، ومن بينها «قصيدة الرمل»، تنوه في الوقت بأناقة زوجها الباذخة وسخائه الاستثنائي، وبأنها اعتادت بشكل يومي على تلقي وروده وهداياه. إلا أن كل ذلك لم يمنعها من الاعتراف بأن درويش لم يخلص في قرارته إلا لقصيدته، وبأنه «لم يُخلق ليكون أباً وزوجاً ورب أسرة. إنه شاعر رائع ولكنه زوج فاشل».
إلا أن وضْع ما قالته رنا عن محمود في موضع التجني على الشاعر، هو افتئات على الحقيقة التي يعرفها الجميع، والتي كان درويش يجاهر بها أمام أصدقائه الأقربين دون أي شعور بالتحفظ أو الحرج. لا بل إن درويش لم يتردد، أثناء لقاء جمعني به وبممدوح عدوان في القاهرة، في التحدث عن الزواج بوصفه المحاولة المثلى لاغتيال الإبداع. على أن ما لفتنا يومها كان موقفه الأكثر سلبية من الإنجاب، الذي اعتبره محمود أخطر على الكاتب من الزواج نفسه، لأن بوسع الرجل أن يطلق امرأته متى شاء، ولكن ليس بوسعه التخلص من أطفاله. وحيث تحدث مستطرداً عن إكراه زوجته الحامل رنا قباني على التخلص من الجنين، كان يلح على التوضيح بأنه لم يفعل ذلك بتأثير من أنانيته العالية أو بسبب كرهه للأطفال، بل لأنه أوهن من أن يتعايش، ولو في الخيال، مع ما يمكن أن يواجهه طفله المرتقب من احتمالات الألم أو المرض أو الموت المبكر.
لم يكن بالأمر المفاجئ تبعاً لذلك أن يجد الزوجان المتشابهان في التكوين المزاجي، والمختلفان في طريقة العيش وأنماط السلوك والرؤية إلى الأشياء أمام خيار الانفصال، الذي لم يتأخرا عن تنفيذه قبل أن ينهيا العام الأول من حياتهما المشتركة. كما لم تفلح الفرصة الثانية التي منحاها لنفسيهما، والتي استمرت لسنتين إضافيتين، في تضييق ما بينهما من فروق وتباينات. ولهذا كان انفصالهما نهائياً هذه المرة، حيث اختارت رنا أن تكمل دراستها في أوكسفورد، لترتبط بعد سنوات بالصحافي البريطاني المعروف باتريك سيل، الذي ما لبثت أن انفصلت عنه بفعل قراءتهما المتغايرة للثورة السورية. ولم يكن نصيب محمود من زواجه الثاني بالكاتبة والمترجمة المصرية حياة الهيني، بأفضل من نصيبه من زواجه الأول، رغم أنه سقط في الحالتين بسرعة قياسية، وبما يمكن أن نسميه «ضربة الجمال المفرط». وإذا لم نكن قادرين على التأكيد أو النفي أن درويش قد خص زوجته الثانية بقصيدته الشهيرة «يطير الحمام»، ما دام يجانب على عادته ذكر نسائه بأسمائهن، فإن المؤكد بالقطع هو عجز الشاعر الملول عن الركون لفترة طويلة إلى قيود المؤسسات وتبعاتها، سواء كانت هذه الأخيرة سياسية أو اجتماعية أو زوجية. وهو ما يؤكده قول الشاعر بعد انفصاله السريع وبلا ضجيج عن زوجته المصرية: «انفصلنا بسلام. لم أتزوج مرة ثالثة ولن أتزوج. إنني مدمن على الوحدة، ولم أشأ أبداً أن يكون لي أولاد. قد أكون خائفاً من المسؤولية، والشعر هو محور حياتي، فما يساعد شعري أفعله، وما يضره أتجنبه».



الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.


رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد
TT

رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

وهو عبارة عن رحلة شعرية إلى بغداد، المدينة التي لم يرها الشاعر منذ نحو ثلاثين سنة.

يبدأ الكتاب بمفتتح:

«سنة واحدة وأعود» قلت لأمي. بعد عشرين سنة قالت لي من خلال الهاتف «ألم تنتهِ تلك السنة؟» صمتُ. كنت خجلاً لأني أخلفت وعدي. سمعتها تقول «لا بأس سأضيف عليها سنة أخرى، ربما تساعدني الملائكة على تحملها»، لا تدري أمي أنها وضعت في رقبتي جرساً فيما ذهبت بالبقرة إلى مكان خفي».

ومن الكتاب: «يوم كانت بغداد هي المدينة كنت أنعم برؤية مدن العالم. أما حين اختفت بغداد وانفصلت عن جنتها، فلم أعد أثق بالمدن. صرت أمرّ بالمدن كما لو أنها هي التي تمرّ بي. القطار السريع الذي يقلني يحملها هي الأخرى. سنضحك ونبكي حين نلتقي في محطات مهجورة، ولكن أصابعي لا تزال ممسكة بأزقة ضيقة على الخريطة، التي فرشتها على الطاولة. لن أسمح لمطابخ العالم بأن تزيح المطبخ العباسي من البيت. ذلك ما قررته وأنا أعرف أن لا بيت لي. فأنا في الطريق. تلك طريق تقيم على جانبيها مدن تيرنر، وإليوت، وفرجينيا وولف، وجيمس جويس، وكلود مونيه، وشارل بودلير وبروست، وروفائيل، وباخ، وغوته، وفيلاسكز وفليني، ولكن رائحة الباقلاء بالدهن تشد أعصابي. ما أزال طفلاً. المراهق يلعب بأصابعي والشاب هو الذي يعنى بخزانة ثيابي. المشرد الذي صرته لا يزال يقوى على أن يقف في منتصف الطريقة ويعود أدراجه. هناك مسافة للركض في الغابة لن يتمكن الكلب فيها من اللحاق بي ونحن نلعب. لا رغبة لديّ في العودة إلى حطام البيت لأتناول فطوري مثل طفل صحا من النوم، ليكتشف أن الطائرات أبقته حياً من أجل أن يغطي بكاؤه على ضجيجها. لقد سلمت حياتي للفوضى. وحياتي لا ثمن لها».