مسيرة الحكومات المغربية من مبارك البكاي إلى ابن كيران

كتاب مغربي عن 15 شخصية تولت منصب رئاسة الوزراء

مسيرة الحكومات المغربية من مبارك البكاي إلى ابن كيران
TT

مسيرة الحكومات المغربية من مبارك البكاي إلى ابن كيران

مسيرة الحكومات المغربية من مبارك البكاي إلى ابن كيران

للكاتب والصحافي المغربي مصطفى العراقي، صدر أخيرا عن مكتبة «مرس السلطان» بالدار البيضاء كتابه الجديد «من باحماد إلى ابن كيران: الصدر الأعظم قطيعة أم استمرارية؟»، وفيه يرسم الكاتب عددا من البورتريهات للشخصيات السياسية التي تولت عبر تاريخ المغرب الحديث مسؤولية منصب الوزارة الأولى سابقا، والتي تحولت بعد دستور 2011 إلى مؤسسة رئيس الحكومة.
يشار إلى أن عنوان «الصدر الأعظم» في التاريخ هو الجامع لسلطات متعددة، والماسك بزمام الأمور، و«العلبة السوداء» للسلطان.
لكن، هل هناك قطيعة أم استمرارية لمؤسسة الصدر الأعظم في حكومة ابن كيران؟ يرى المؤلف أنه ما زال هناك صراع مستمر بين قوى تعيد المغرب إلى الماضي بمختلف مرجعياته، وقوى تريد أن تبني مغربا متقدما حداثيا ومتطورا يقوم على دولة الحق والقانون. ويضيف «ما زالت بصمات الصدر الأعظم حاضرة في الممارسة السياسية في المغرب، وهي ليست فقط داخل المؤسسات الملكية، بل أيضا داخل مؤسسات دستورية أخرى بما فيها أحزاب سياسية»، مشيرا إلى أن فكر الصدر الأعظم ما زال جاثما كسلوك وممارسة سياسية.
وأبرز العراقي في كتابه أن البورتريهات التي تناول الحديث عنها هي 14 شخصية تحملت مسؤولية الوزارة الأولى بالمغرب (رئاسة الحكومة حاليا)، واقتسموا العقود الستة الماضية من تاريخ هذه المؤسسة بعد استقلال المملكة المغربية في منتصف عقد الخمسينات من القرن الماضي، مشيرا إلى تفاوت مدد مسؤوليتهم وتنوع مشاربهم، وأن كل واحد منهم جاء إلى المنصب من مسار يختلف في ظروفه وسياقاته عن سابقه وعن لاحقه، مضيفا أن الشخصية الخامسة عشرة جرى تعيينها من طرف الملك محمد السادس عقب نتائج اقتراع 25 نوفمبر (تشرين الثاني) 2011، وعين أعضاء حكومتها يوم الثالث من يناير (كانون الثاني) 2012.
كما أوضح العراقي في كتابه أن ثلاثا من هذه الشخصيات تقلدت المنصب ذاته في عهد الملك محمد الخامس الراحل في فبراير (شباط) 1961، وثماني منها تقلدت المنصب في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، 1999، وأربعا منها تقلدت مناصبها في عهد الملك محمد السادس، وما زال رابعهم (عبد الإله ابن كيران) يمارس مهامه حاليا.
وذكر العرقي أن عبد الرحمن اليوسفي الذي عين في فبراير 1998 هو الوزير الأول الوحيد الذي تحمل هذه المسؤولية بين ملكين وعهدين: نهاية عهد الملك الحسن الثاني وبداية عهد محمد السادس، مدشنا بذلك مرحلة جديدة في تاريخ المغرب تعددت تسمياتها وتنوعت نعوتها.
ينقسم هذا الكتاب إلى جزءين؛ الأول يتناول مؤسسة الوزير الأول (رئيس الوزراء) من خلال الدساتير التي عرفها المغرب منذ 1962، كما يبحث هذا الجزء في العمق التاريخي لهذه المؤسسة الدستورية بالعودة إلى بعض أوجه «الصدر الأعظم» الذي كان بمثابة كبير وزراء السلطان، والمشرف على إدارة بعض شؤون السلطة المركزية وعلاقتها بممثليها في القبائل والمناطق أو بالدول الأجنبية، وكيف قلصت السلطات الاستعمارية من المجالات الإدارية والسياسية للصدر الأعظم، وللسلطان المغربي، ومنحتها لمقيمها العام.
أما الجزء الثاني من هذا الكتاب فهو محاولة رسم بورتريهات للشخصيات التي تحملت مسؤولية رئاسة الحكومة أو الوزارة الأولى منذ استقلال المغرب منتصف عقد الخمسينات من القرن الماضي إلى اليوم، من مبارك البكاي الهبيل إلى ابن كيران، والوقوف عند أبرز محطات حياة هذه الشخصيات الخمس عشرة، وما تميزت به المرحلة التي قضتها في المسؤولية، وما طبعها من تضاريس سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية.
ومن بين الأسئلة التي سعى العراقي إلى الإجابة عنها في كتابه: هل تخلص الوزير الأول رئيس الحكومة من صورة الصدر الأعظم، أم أن ثقل هذه الحمولة التاريخية ما زال جاثما على مجالات اختصاص رأس التشكيلة الحكومية؟.. وهل استطاع الحقل السياسي المغربي، في سيرورة دسترته وممارسته، تطوير هذه المؤسسة، أم أنه حافظ على الجوهر وأجرى فقط بعض إصلاحات الواجهة؟.. وهل هناك استمرار للصدر الأعظم أم قطيعة معه؟
ويقول المؤلف إنه تعرف عن قرب على ثلاث شخصيات من هؤلاء الذين تقلدوا منصب الوزير الأول؛ الأول هو عبد الله إبراهيم، الذي عرفه وهو طالب في كلية الحقوق بالدار البيضاء، حيث درس عنده مدة سنتين متتاليتين في شعبة العلوم السياسية، أما الثاني فهو عبد الرحمن اليوسفي، الذي عرفه وهو مناضل بحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والثالث هو عباس الفاسي، الذي عرفه أثناء ممارسته الصحافة، وسافر معه وهو وزير ثم وزير أول، وحاوره في أحد البرامج التلفزيونية بالقناة الثانية.
وتجدر الإشارة إلى أنه فارق الحياة من بين الأربعة عشر وزيرا أول ثماني شخصيات، هم مبارك البكاي الهبيل، وأحمد بلافريج، وعبد الله إبراهيم، وأحمد باحنيني، ومحمد بنهيمة، والمعطي بوعبيد، وعز الدين العراقي، وعبد اللطيف الفيلالي. وأصغرهم سنا في تقلد هذا المنصب هو مبارك البكاي الهبيل، وكان عمره 48 سنة، أما أكبرهم سنا فهو عبد الرحمن اليوسفي الذي تبوأ المسؤولية وهو في سن الـ74.
وأفاد العراقي بأن كريم العمراني قضى في الوزارة الأولى ما يقارب 13 سنة موزعة على ست ولايات، أطولها الحكومة العاشرة التي قضى فيها سبع سنوات ونصف سنة، وهي أطول مدة يقضيها وزير أول على رأس الحكومة، وأقصر مدة كانت تلك التي قضاها أحمد بلافريج، سبعة أشهر و12 يوما فقط، مضيفا أن ثلاثا من هذه الشخصيات فقط أنيط بها المنصب استنادا إلى صناديق الاقتراع، وتصدر تشكيلاتهم السياسية التي قادوها المرتبة الأولى في نتائج الانتخابات، ويتعلق الأمر بعبد الرحمن اليوسفي، وعباس الفاسي، وعبد الإله ابن كيران، أما الباقون فجاءوا بإرادة من القصر.



الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

إبراهيم الكوني
إبراهيم الكوني
TT

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

إبراهيم الكوني
إبراهيم الكوني

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها، ويبدأ العالم قبل أن يُحكى. هناك يكتشف الإنسان أن الصمت ليس حدّ اللغة، إنما ذروتها القصوى، وليس فراغاً، بل كثافةً بدئيّة للوجود، وليس غياباً للكلام، هو حضوره الأقصى قبل التسمية.

من هذا الأفق المترع بالصمت يأتي كتاب «في صحراء إبراهيم الكوني - 2025» نص مغرق في شاعريته يتجاوز منطق الحوار الصحافي التقليدي بين روائي وقارئ ليستحيل «مكاشفة» وجودية بين طرفين اعتصم أحدهما بصمت الحكمة، والآخر بجدوى السؤال. إن هذا العمل، الذي صاغ محاوره العشرة الصحافي والكاتب السعودي علي مكي، يمثل نموذجاً تطبيقياً في فضاء الأدب العربي المعاصر لـ«جماليات التلقي» عند هانس روبرت ياوس؛ حيث لا يعود القارئ (المحاور هنا) مجرد مستهلك سلبي لنصوص الروائي الليبي الأهم، إبراهيم الكوني، بل شريكاً مكتمل الشراكة في إنتاج الدلالة، يسعى لردم فجوات النص الإبداعي المترع بالرمز والميثولوجيا.

غلاف الكتاب

يظهر مكي في هذا الكتاب بوصفه «مستنطقاً» لا مجرّد سائل؛ ابن جازان الذي تشرَّب من تهامة موسيقاها البلاغية، ومن الصحراء صبرها، ويحمل في حقيبته المهنية تاريخاً طويلاً من المشاكسة الفكرية والعمق الأدبي الذي صُقل عبر عقود في الصحافة الثقافية السعودية والعربية. لم يكن غريباً عن عوالم الكوني؛ فهو من اعتاد مطاردة الخرافة الكامنة في ثنايا الواقع، ومساءلة العارفين عمّا يعجز الغارقون في يومياتهم الباهتة عن رؤيته.

في هذا الكتاب يخلع مكي رداء الصحافي ليكتسي عباءة المحاور المتشكّك؛ لا ليتحدّى الكوني، بل ليقترب منه، مستخدماً أدواته النقدية ليطوّق «سلطان الصحراء» بأسئلة تمسّ لبّ الوجود ذاته. هكذا يتحوّل الحوار إلى تجربة استبصارية عميقة، أشبه برحلة سالكٍ يصعد مدارج العرفان، حيث السؤال بحث عن معنى، والجواب ليس حقيقةً نهائية، وإنما عتبةً لكشفٍ أوسع.

تنطلق رؤية الكوني في مجموع أعماله من اعتبار الصحراء «مسقط رأس التكوين»، ومختبراً أزلياً لقيم الحرية. وفي هذا الحوار، نجد تقاطعاً عميقاً مع مفهوم «شعرية الفضاء/ المكان» لغاستون باشلار؛ فالصحراء عند الروائي الليبي ليست محض حيز جغرافي، إنها «فردوس الروح» و«محراب الصمت». هي الفضاء الذي يلقن الإنسان دروس الزهد الوجودي، محولاً تجربة «التيه» من قدر مفروض بحكم البيئة إلى «خيار وجودي» يكتمل به جوهر الإنسان.

إن التلقي عنده هنا يتجاوز إدراك المكان إلى تذوقه، حيث يستحث على كشف المفارقة: كيف يمكن لمكان يتسم بـ«العدم» الظاهري أن يكون مانحاً لـ«الوجود» الحقيقي؟ ويثبت الحوار أن الصحراء - مكانياً وميثولوجياً معاً - ليست رمالاً، بل هي (لوغوس) كوني، ولغة قائمة بذاتها لا يفهمها إلا من تجرد من أوهام العمران.

تتجلى في إجابات الكوني وحدةٌ عضوية عميقة تربط الكائنات بعضها ببعض؛ إذ ينتقل بالعلاقة من أفق «وحدة الكائنات» التقليدية إلى مرتبة «وحدة الوجود»، مستعيداً حكمةً بدئية تسبق نشوء الحضارات وخطابها العقلاني. ويقدّم الإنسان بوصفه شريكاً للحيوان والطبيعة في «غنيمة الوجود» لا سيداً عليها، مانحاً نصوصه صبغةً أحيائية تعيد النبض إلى كل مظاهر العالم الطبيعي.

وفي استنطاقه لهذه المنطقة، يتفعل في النص ما يمكن تسميته بـ«النقد البيئي»، إذ يتحول السرد إلى صرخة أخلاقية ضد توحّش الحداثة التي قطعت صلة الإنسان برحم الكون، ويقودنا بيدٍ حازمة إلى طفولة العالم الأولى، حيث يتكلم الجبل، ويحمل الودان «الغزال الصحراوي» أسرار السماء، ويغدو الشجر تجسيداً لصلاةٍ لا تنقطع.

يؤكد الكوني في مكاشفاته أن «الأسطورة هي المرشد الأعلى للسردية»، معتبراً إياها الترياق الوحيد لداء الفناء. ومن خلال استلهام الرموز التوراتية والقرآنية والميثولوجيا الأمازيغية، يصوغ نصاً يتخطى حدود الزمن الخطي (ماضٍ - حاضر - مستقبل)، ليقيم في الزمن الأسطوري السرمدي المفتوح بلا بداية ولا نهاية.

يلاحق المحاور بطل الكوني في تحوّلاته الوجودية، ويسأله عن «الخطيئة الأولى» التي جعلت من الصحراء عقاباً وجنّة في آن؛ فضاءً للعقوبة وملاذاً للخلاص في اللحظة نفسها. ويكشف الحوار أن الأسطورة عنده ليست حنيناً إلى الماضي، ولا متحفاً للذاكرة، لكنها أداة حيّة لتفسير «الآن»؛ فالإنسان ما زال يطارد السراب ذاته، والشهوة ما زالت هي الخطيئة التي تُخرجنا من فردوس الصمت إلى جحيم الكلام.

أما اللغة عنده فهي «لغة فوق اللغة»، لا تُريد أن تُسمّى الأشياء بقدر ما تريد أن تُصغي إلى ما قبل التسمية. إنها لغة تسعى إلى فكّ شيفرة الوجود عبر الصمت، لأن الصمت - في منظوره - ليس فراغاً، بقدر ما هو أعلى درجات المعرفة وذروة الامتلاء الروحي في مواجهة لغو الحرف وضجيجه.

يخلع مكي رداء الصحافي ليكتسي عباءة المحاور المتشكّك لا ليتحدّى الكوني بل ليقترب منه

بهذا المعنى يتحوّل فعل الرواية إلى معراجٍ أخير للإنسان في مواجهة العدم؛ معراجٍ يصعد فيه الوعي لا الجسد، وترتفع فيه العبارة لا الرؤية، فتغدو الكلمة فرمان تشريف وجودي يهب الإنسان حقّ الانتماء إلى المعنى.

يغوص مكي في هذا البحر اللدني، متسائلاً عن جدوى الكتابة إذا كان الصمت هو الغاية القصوى. وهنا يبدع الكوني في تفكيك مفارقة «الكتابة بالصمت»، فالحرف عنده ليس غاية، بل جسر ضرورة يعبر عليه الإنسان نحو ضفّة الحقيقة. هذه اللغة التي ينحتها الروائي، والتي يستجليها محاوره بذكاء، هي لغة «تطهرية» بالمعنى الأرسطي، تهدف إلى تخليص الروح من أدران المادة.

في هذا الأفق تغدو تجربة المنفى في حياة الكوني رحلة تنوير لا مفرّ منها لبعث الروح من «رماد الحرف». فالمنافي المتعددة - من روسيا إلى سويسرا وإسبانيا - كانت منازل في معراج الهجرة، اكتشف فيها أن «صحراء الباطن أقوى حجة من صحراء الحرف».

بذلك تتجاوز الهوية عنده حدود الانتماء العرقي الضيق، لتصبح هويةً ذات أبعاد مشحونة بقلق وجودي يبحث عن فردوس مفقود بين الذاكرة والضياع.

عند هذه العتبة يلتقي الروائي ومحاوره عند تخوم ما بعد الاستعمار وفلسفة نقد الهوية؛ فالكوني يرفض أن يُحبس داخل هوية جغرافية مغلقة، ويرى في المنفى تحرراً من أسر الطين، لا مجرد اغتراب مكاني. ومكي، بوعيه الصحافي المثقّف، يكشف كيف انتقل الكوني من كاتب «محلي» يروي عالم الطوارق إلى مفكر يتأمل مصير الإنسان بوصفه كائناً كونياً يتجاوز الحدود والأزمنة.

لذلك لا يمكن قراءة كتاب «في صحراء إبراهيم الكوني» كإضافة نوعية فحسب إلى مكتبة الأدب العربي؛ إنه «مانيفستو» جمالي يعيد للحوار الأدبي كرامته بوصفه جنساً إبداعياً مستقلاً لا ملحقاً بالصحافة الثقافية. لقد نجح مكي في أن يكون الخيميائي الذي استخلص من ذهب الكوني خلاصات التجربة الإنسانية بما فيها مرارتها ونبلها في آن واحد.

عندما يعجز الكلام عن الإحاطة بالوجود، ويتراجع أمام اتساع الصمت، يتكشّف أن صحراء الكوني تجربة تُعاش قبل أن تكون مشهداً يُرى، أفقٌ للوعي قبل أن تكون حدوداً للجغرافيا، ومرآةٌ لقلق الإنسان بقدر ما هي مسرح الطبيعة. هنا تتكثّف خيوط الكتاب جميعها - الصمت، التيه، الأسطورة، المنفى، والهوية - في مفارقة واحدة شاهقة: الضياع مسارٌ خفيّ نحو المعنى، والفراغ الظاهر امتلاءٌ من نوعٍ آخر.

هذا العمل يأخذ بالقارئ إلى قلب «المكاشفة»، ويقوده لاكتشاف أن الصحراء التي يتحدث عنها الكوني قريبة منّا؛ كامنة في دواخلنا، في ذلك الصمت الذي نرتجف أمامه، وفي تلك الحرية التي نتردّد أمام ثمنها.

لقد نجح علي مكي في تحويل الكوني إلى مرآةٍ لنا جميعاً، ونجح الكوني في البرهنة على أن الأدب - حين يبلغ ذروته - ممارسةُ خشوعٍ في محراب الوجود؛ لحظةٌ يذوب فيها الاسم، ويخفت فيها الضجيج، ويبقى وجه الحقيقة وحده مشرقاً كشمس الظهيرة وهي تشقّ المدى حتى أقصاه.


بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل
TT

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة. أسلوب الرواية نفسه هو نسج في اللغة، وكأنما الكاتبة تحوك خيوط كلماتها كما تفعل شخصياتها على نولهن. فالنساء في الرواية الصادرة حديثاً عن «دار الآداب» في بيروت، يحكن الأثواب وبسمة الخطيب تغزل الأحداث بقلمها، في حفر عميق في الذات النسائية الجمعية، من خلال تتبع سلالة واحدة، بحيث تتقصى حياة الجدّات واحدة تلو الأخرى، وصولاً إلى الوريثة الأخيرة ندى التي تعيش في عزلة بسبب وباء «كوفيد» وتحاول رتق النسيج الممزق الذي ورثته لتفهم تاريخها.

شجرة العائلة نسائية

على عكس شجرة العائلة التقليدية التي تحتفظ بأسماء الذكور وتسقط الإناث من الاعتبار الجينيالوجي، تذهب الخطيب إلى اقتفاء سيرة عائلة من خلال تجارب نسلها الأنثوي. هذا لا يعني أن الشخصيات الأخرى غير موجودة، بل على العكس الرواية تعجّ بأناس يصنعون هذا العالم الممتد مثل آمال ووالدتها، وهن من جيران الوادي الذي سكنته السلالة، لكن الربط الأساسي في الرواية يظل متمحوراً حول الحائكات اللواتي تنحدر من صلبهن ندى، وبينهن تانيس ومهجة وحسينة وأميرة وصولاً إلى ندى.

الحكاية تبدأ من الحفيدة الأخيرة ندى، معاصرتنا التي توفيت والدتها أميرة، وها هي تعود إلى بيتها، وتغرق في تفاصيل العزلة والحداد. «هل أمّها محظوظة لأنها عاشت للثمانين؟ تشكّ ندى في ذلك. فغالبية أيّام عمر الأمّ كانت تعيسة، قضتها في انتظار أحلام لن تتحقّق». تأتي المفاجأة لندى من حيث لم تكن تنتظر، من امرأة غريبة لا تعرفها، تطرق الباب وتطالبها باستعادة «أمانة» كانت قد أودعتها عند والدتها أميرة. هذه الأخيرة كانت «داية» تولد النساء وتدفن «خلاص» مواليدهن في الوادي، وهي التي حفظت «الأمانة» أو النسيج القديم، الذي نفهم بعد ذلك أنه الرابط الذي تتناقله السلالة النسائية.

خط زمني واحد يمتد من ماضٍ سحيق إلى حاضر الوباء الجديد، تتوارث النساء خلاله الألم ذاته وتقاومنه بالصبر والحياكة، والغزل والطبخ والتحايل وتجديل الشعر. ليس انتظاراً مجانياً، إنما هو تفاعل بطيء، لكنه متواصل وحثيث وفيه إصرار على بلوغ الهدف النهائي، وهو تغيير هذا المصير الذي يبدو لثقله أنه قدر لا مجال لزحزحته.

لا استخدام لكلمات ممجوجة كـ«الحقوق» أو «الحرية» أو «المساواة» التي ترفعها جمعيات تحرير المرأة، بل على العكس تماماً، هو سرد لمسارات متلاحقة لنساء يتلحفن بالصبر ويقتتن على العمل الصامت الذي لا يكلّ.

الاستعاضة عن الكلام بالنسج

ننتقل مع الكاتبة إلى زمن الجدة تانيس، المرأة البكماء الصماء التي نفيت إلى «قصر الهجران» المنحوت في صخور الوادي، ليكون سجناً تودع فيه النساء لعاقبهن. وهو منفى خُصص للنساء «العاصيات» أو «الموبوءات». في هذا القصر، بدلاً من أن تستسلم تانيس للموت، تُحوّل هي والنساء الأخريات في القصر الحياكة إلى أداتهن المتبقية للاستمرار والتغلب على العزلة. بهذا تصبح تانيس هي الغازلة التي افتتحت مسار الاستعاضة عن الكلام بالنسج. وعندما تولد ابنتها ليلان في «القصر الملعون» ترث عن أمها هذا الغزل، ومعه الصبر ورحلة العذاب الطويل. هكذا تتناسل النساء ويتوارثن الوجع؛ إذ من بعدهن تأتي الحفيدة أثاليا، التي تهرب بها تانيس لتبدأ رحلة على طول بلاد الصدع الزلزالي التي تمتد من تركيا إلى مصر. هناك على هذا الصدع ستولد مهجة الكبرى التي واجهت الطاعون والظلم الأسري. ومن السلالة نفسها تولد ضحى ومن ثم حسينة اللتان تابعتا بدورهما الغزل على النول، أمينات لتراث جدتهن تانيس.

اللعبة الروائية التي تنقلنا بين الحاضر (ندى) والماضي (الجدّات) تظهر لنا من خلال الأحداث أن الزلازل النفسية لهؤلاء النسوة المعذبات والمصرّات على الكدح، كأنما هي انعكاس للصدع الزلزالي الذي يمزق الأرض، وتأتي الحياكة التي لا يتوقفن عن ممارستها وسيلةً لرتق جروحهن.

فالرتق عند النسّاجات له وظائف عدّة لأن «قطبة واحدة ضالّة قد تطيح النسيج أو تجبر الحائكة الدؤوبة على إعادة العمل». ولكن «الرتق» أو «الرثو» أو «الوصل» هو الحيلة المنقذة. «حين تعلّمت ندى حياكة الصوف، كان يعجبها أن تسحب خيطاً من آخر، وتشبكهما، ثمّ تعقدهما، وإن أفلتت منها قطبة تسارع إلى إنقاذها وربطها بأخواتها بقطبة مخفية». المهم هنا «أنّ قفا أقمشة النول تُظهِر بوضوح ما رُمّم ووصِّل واُصلِح. وإنّ القفا هو دليل رحلة الأخطاء والعثرات التي قطعها الحائك وسوء الحظّ أيضاً».

الرموز تحمل الرواية

اعتمدت الأديبة الأسلوب الملحمي في القص الذي تتداخل فيه الرومانسية مع القسوة، والتاريخ بالتخييل، والسيرة الفردية لكل امرأة بالحكاية الأسرية. تبدو الأجواء وكأنها محاطة بهالة ضبابية مليئة بالرموز رغم أنها تحدثنا عن نساء يمارسن حياة اعتيادية من طبخ وتنظيف وغزل وولادة وكفاح مستمر. الخطيب في العودة إلى قصص النساء وتناسلهن المتخم بميراث ثقيل وموجع، جعلت الترميز وسيلتها لكتابة سيرة جماعية فيها من النضال الصامت ما يجعلها أسطورية النكهة.

الكاتبة تنسج مع تانيس وكأنها تشاركها نولها وخيوط تفاصيل مرارة سجنها، وصبرها وصمتها، وتتحدث عوضاً عنها، لتقول المسكوت عنه بطريقتها الترميزية. فالأمراض الجينية كالصدفية التي تنتقل مع الميراث الأنثوي لسلالة تانيس، من أسبابها أيضاً الضغط النفسي، والكبت. والصدع الزلزالي الجغرافي مكان الحدث يتوازى مع التصدع السيكولوجي الذي تخضع له الشخصيات. كذلك هناك رمزية «صدق القفا» التي تحدثنا عنها. فوجه النسيج المنتظم الخيوط، ليس كقفاه المليء بالعقد والوصلات، ومقابل التاريخ الذي نقرأه للنساء هناك الوجه الآخر، الذي يخفي كل الخلفيات بجروحها ودموعها وآهاتها التي يحكيها «قصر الهجران».

تطرح الرواية فكرة أن هؤلاء النساء، رغم اختلاف شخصياتهن وأزمانهن، يمثلن وجوداً واحداً تصعب تجزئته. «الأسماء كلها واحدة» كما تقول المرأة الغريبة، وندى هي آخر خيط في رداء نسجته النساء في عمل متواصل.

عندما يموت زوج ندى يبدو وكأن السماء تنقشع، ويأتي الفرج. مأساوي أن يكون موت الزوج هو الحلّ السعيد الوحيد للمرأة. لكن الوفاة هنا هي الباب الذي يفتح لندى لتعثر على حريتها، وربما تثأر لجداتها. زوجها الذي لم يتمكن من الإنجاب كل ما فعله أنه كتب الشقّة الزوجيّة وأرضاً باسمها تعويضاً تكفيراً عن ذنبه، أو هكذا ظن. لكنه في المقابل تزوج مرتين محاولاً أن يثبت لنفسه بأنه كامل ولا تشوب رجولته النقصان. محاولة ندى حل مشكلة الإنجاب بتبني «آدم» لم تحل المشكلة بل زادتها تعقيداً؛ إذ أصبحت العلاقة المتوترة بين زوجها وابنها باباً لعواصف جديدة.

«لم يتقبّل الزوج أن تنبت لآدم (والاسم له رمزيته حتماً) لحية، حتّى أنّه جاهر بسخريته من (شنب الفئران) الذي بدأ ينمو تحت أنفه، فكيف سيتقبّل أن يحلق آدم ذقنه؟ كيف سيعبّر عن حنقه حين يدخل حمّام آدم ويرى معجون الحلاقة والشفرة؟».

لم تتخل ندى عن الغزل، لكنها في الوقت نفسه حصلت على الماجستير، وعثرت على وظيفة في مكتبة إحدى الجامعات، في غفلة من زوجها.

انكشاف كل هذا أمام أعين الزوج لن يغضبه فقط، بل سيودي بحياته كلياً إثر الصدمة. فهو «لا يروق له أن تفرح، فكيف بأن تكون سعيدة. لا بل لا يروق له أن يفرح أحد وهو محروم من الإنجاب ومشكوك في رجولته رغم كل محاولاته إثبات العكس».

في الصفحات الأخيرة من الرواية، تظهر امرأة غريبة لندى تمسك برداء يطول ويتمدد، تنكشف عليه زخارف وأسماء، كل أولئك اللواتي شاركن في صنعه: «اسمي مكتوب في هذا الرداء، أسمائي، أسماؤنا». تلبسه الحفيدة الأخيرة، بصفته صنيعة نساء السلالة كلها، بحيث إنه حين يلتف حول جسدها يصبح جزءاً منه، وتجسيداً حياً لتراثها وكل من سبقنها.

هي الآن الحارسة المؤتمنة على إرث عائلتها النسوي، ولا نعرف ما سيكون مصير الرداء من بعدها لأنها لم تنجب ذكراً ولا أنثى، وإنما تنحصر آمالها في ابنها بالتبني: «آدم»، ولربما سلالة ذكورية جديدة.


أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا
TT

أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

صدر أخيراً عن مجموعة «كلمات» للنشر بالشارقة، ديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا بترجمة عربية أنجزها الشاعر والمترجم السعودي غسان الخنيزي. ويقدّم هذا الإصدار أول ترجمة عربية كاملة لديوان «Arte de Pájaros»، أحد أهم أعمال نيرودا المتأخرة وأكثرها تأملاً.

ويعود الديوان إلى عام 1966، حين نُشر في موطنه تشيلي مصحوباً برسومات لفنانين بارزين، قبل أن يُدرج في الأعمال الكاملة ويُترجم إلى لغات عدة. ويُنظر إليه نقدياً بوصفه محطة أسلوبية فارقة تتراجع فيها النبرة الخطابية لصالح كتابة مكثفة تُصغي للطبيعة. في هذا العمل، لا يتعامل نيرودا مع الطيور بوصفها موضوعاً زخرفياً أو استعارياً مباشراً، بل بوصفها كائنات لغوية وحسية، تتيح إعادة التفكير في العلاقة بين الإنسان والطبيعة، وبين اللغة والحركة والزمن.

كتب نيرودا هذه القصائد بعد جولات ربيعية على الساحل التشيلي برفقة زوجته ماتيلدا أوروتيا، وهو ما يظهر في حضور البحر والرياح وهجرات الطيور بوصفها عناصر بنائية في الصورة الشعرية.

يتألف الديوان من 53 قصيدة موزعة على قسمين: الأول مكرّس لطيور حقيقية من البيئة التشيلية، والثاني يتجه نحو طيورٍ متخيلة، تُصاغ ضمن بنية لغزية تجعل من التسمية فعلاً شعرياً. وتتخلل الديوان ثلاث قصائد طوال تمنحه تماسكاً بنيوياً يجمع بين الجانبين: الوصفي والتأملي.

ويفتتح نيرودا الديوان بمشهد جماعي تتبدى فيه هجرة الطيور بوصفها حركةً كونيةً صارمةً، تقودها غريزةٌ لا تعرف التردّد:

زاويةٌ من الطيور

باتجاه

خط عرضٍ، من حديدٍ وثلجٍ،

تتقدّم دونما هوادةٍ

في نهجها المستقيم:

استقامةٌ ساغبةٌ

كسهمٍ مصوَّبٍ،

لجموعٍ سماويةٍ تشق طريقها

للتكاثر، مجبولةً

بحبٍ وهندسةٍ قاهرين...

ومن مشهدية الأسراب وحركتها في السماء، ينتقل الشاعر إلى سلسةٍ من القصائد يتأمل فيها طيوراً مفردةً في موائلها، مثل طائر أبو منجل ليربط بين الماء والذاكرة، وبين الجسد وصمت الغابة:

المياه النهرية، أعرفها

وبسابغٍ من ماء العشق وترابه

انضوت في جسدي

الأصوات السرية للغابة

...

وحتى في إغفاءتي

أحيا ذلك الصمت الجهوري،

وأستيقظ، أو توقظني

أسراب طيور أبو منجل الهائلة، المتئدة،

وقد تمكّثت في حلمي.

وفي مواجهة هذا القرب الحميم من الطبيعة، يتحوّل اللون في قصيدة «قُبّرة المروج حمراء الصدر» إلى سؤال، والجمال إلى أثر عنفٍ خفي:

لماذا تُريني كل يوم

قلبكِ الدامي؟

أي خطيئةٍ ترتدينها،

أي قبلةٍ من الدم لا تمّحى،

وأي رمية صيادٍ دهمتك؟

ويبتكر نيرودا طيوراً متخيّلة تُصاغ من الريش واللغة معاً، مثل «الطائر الهيروغليفي»:

متداخلٌ ريشه، ريشةً جنب أخرى،

يبسط جناحيه في ميادين العمل.

طائر المتاهة، طائر البر والبحر،

والألغاز...

وفي ختام الديوان، يعود الشاعر إلى ذاته، معلناً وداعاً لا يخلو من الامتنان، ليغدو الطيران استعارة لحياةٍ كاملة:

شاعرٌ ريفيٌّ ومحبٌّ للطيور.

آتي وأذهب طائفاً العالم،

بلا عتاد،

أُصفّر، بلا هدف، حيثما ذهبت.

أستسلم

للشمس وحقيقتها،

وللمطر، ولغة قيثارته...

وقد اعتمدت الترجمة العربية على ترجمة وسيطة بالإنجليزية مع الرجوع المنهجي إلى النص الإسباني الأصلي، بإشراف من الأديبة والأكاديمية الدكتورة خديجة قضّوم أستاذة اللغات الرومانسية وآداب أميركا اللاتينية، التي يسّرت تدقيق الترجمة لضمان مطابقة المعنى والاقتراب من الخصوصيات البيئية والثقافية للنص، خصوصاً ما يتعلق بالأسماء المحلية والحمولات الدلالية المرتبطة بطيور تشيلي وإقليم باتاغونيا في أطراف أميركا الجنوبية.

ويتيح هذا الإصدار لقرّاء الشعر الاطلاع على جانب تأمّلي أقل تداولاً من تجربة نيرودا، حيث تتقاطع الحساسية الشعرية مع الطبيعة وعناصرها المختلفة، ويقدّم نصاً يوسّع أفق المطالعة الشعرية من خلال تجربة لغوية وبيئية مختلفة.