المبخوت لـ(«الشرق الأوسط»): روايتي توثيق للأحلام الإنسانية وعذاباتها

بمناسبة فوزه بالجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر»

الروائي التونسي شكري المبخوت و غلاف «الطلياني»
الروائي التونسي شكري المبخوت و غلاف «الطلياني»
TT

المبخوت لـ(«الشرق الأوسط»): روايتي توثيق للأحلام الإنسانية وعذاباتها

الروائي التونسي شكري المبخوت و غلاف «الطلياني»
الروائي التونسي شكري المبخوت و غلاف «الطلياني»

لم يكن فوز الأكاديمي والروائي التونسي شكري المبخوت، بجائزة «بوكر» العالمية للرواية العربية عن روايته «الطلياني»، الصادرة عن «دار التنوير» في بيروت، مفاجئا، فروايته كانت من بين الروايات الست التي تم اختيارها. والرواية تتمتع بروح ملحمية، وشخصيات مركبة، وإشكالية، لا تصارع من أجل بقائها بل من أجل المحافظة على القيم والمبادئ التي آمنت بها. فكان طريقها طويلاً ومعقدًا ومليئًا بالعذابات الإنسانية العميقة، كما يؤكد الروائي. والرواية على أي حال، تسجل التحولات الكبرى من عهد بورقيبة وبداية عهد بن علي، حتى صراع الإسلاميين مع اليساريين وانهيار نظام سياسي بكامله، ولكن ليس بطريقة تاريخية خالية من الخيال والفكر والمتعة والعاطفة، فالروائي لم يكن مؤرخًا في «الطلياني»، بل رائيًا يبصر المستقبل بعين الروائي الثاقبة، والمليئة بالعواطف والهواجس والآمال.
بعد فوزه بالجائزة أجرينا معه هذا الحوار:

* هل تعتقد أن روايتك سياسية بالدرجة الأولى، في وقت لا نرى أي تجسيد لهذا الاتجاه إلا فيما ندر، لأن الرواية العربية الحديثة تتجه نحو الذاتية وتبتعد عن تجسيد التحولات الكبرى في العالم العربي، فما رأيك، أيهما سيغلب التاريخي أم الشخصي؟
- لا يُزعجني أن تُعتبر روايتي «الطلياني» سياسية. وفي الوقت ذاته، أعتقد أن اختزالها في الجانب السياسي لا يحيط بتنوّع الحوامل الموجودة في طياتها وأحشائها، لأن هذه الرواية تتقدم في مسارين، اجتماعي ثقافي عام، وشخصي حميمي في الوقت نفسه. بل هناك على الأصح، تشابك بين هذين المسارين بصورة جدلية. لنقل إذن إن الرواية لا تتناول المسألة السياسية في معناها الضيق، بل هناك تحدٍ للرقابة في الإعلام، من خلال تجربة بطل الرواية عبد الناصر في صحيفة حكومية إنما يعبّر عن الهاجس السياسي المتأصل في أعماقه.
* هل يمكن القول إن تجربة عبد الناصر هي تجسيد لآمال وهموم جيلك بالذات أو الجيل الذي عاصرته وعرفت عوالمه الخفيّة؟
- أعتقد أنها سياسية في تذكير جيلي وموقع هذا الجيل من مسار تطور تونس بشيء من الموضوعية المشوبة بشيء من النرجسية. هذا الجيل في رأسي، هو من أهم الأجيال التي عرفتها تونس في تاريخها. شخصيًا أعرف جيل العشرينات الذي غيّر الكثير من المفاهيم، جيل أبو القاسم الشابي والطاهر حداد ومحمد علي الحامدي وغيرهم. والجيل الذي عاش في الثمانينات باعتباره ابنا شرعيا لدولة الاستقلال، وخصوصا لجيل ولمدرسة الجمهورية، بدليل أن أهم الفاعلين السياسيين الموجودين الآن في تونس يمينًا ويسارًا وما بينهما، هم من أبناء هذا الجيل الذي كان يعمّر ساحات الجامعات أفكارا وخطبًا وأحلامًا وعنفًا أيضًا. لا فائدة من ذكر الأسماء. هذا يعرفه كل تونسي متابع للشأن العام. إنه جيل رأى ملجأ مليئا بالحياة والأحلام، ولكنه أيضا جيل الانكسارات والخيبات، وبهذا كانت شخصية عبد الناصر في الرواية تركيبًا وتأليفًا بهذه الخيبات المبهّجة.
* كيف اختمرت فكرة روايتك، هل جاءت من هذه الأتون التي ذكرتها، ما هو اكتشاف الرواية بالنسبة لك؟
- كُتبت هذه الرواية في فترة لم تتجاوز الخمسة أشهر، وكانت في مخطوطها الأصلي ضعف ما هو منشور. خرجت هذه الرواية كالطلقة، مثلما قال يحيى حقي عن روايته، ولم يكن لها من راد إلا الوصول بها إلى الجملة الأخيرة. كتبتها دون تقسيم مسترسلة بلا عناوين. ولك أن تحذف العناوين وتقرأها، فتراها متماسكة. والواقع لم أختر الرواية بل هي التي اختارت أو انتدبت نفسها لتكون مجالاً للقول في الهواجس التي سكنتني، والمخاوف والآمال والخيبات التي انتشرت في كياني وفي نفسي وفي ذهني. كتبت أحلامًا مجهضة وأوضاعا لأفراد وهم يتشوقون لحريتهم ولكن طريقهم إلى الحرية كان مليئًا بالعقبات.
* عندما كتبت روايتك، هل كان في ذهنك بعض النماذج من الروايات العربية أو العالمية أردت أن تحذو حذوها أو تكتب رواية مشابهة لها؟
- صدقًا لم يكن أمامي أي أنموذج ولكن قد تكون النماذج كلها انصهرت من دون أن أكون واعيًا بذلك. ما أعرفه وما أنا متأكد منه أنني كنت حريصًا على أن أكتب رواية بنكهة تونسية صرفة لا يستطيع أي كاتب عربي أن يكتبها. وأظن أن هذا قد تحقق في عملي، وليس ذلك من باب كذبة المحلية، ولا من باب القول الشائع إننا لا نصل إلى العالمية إلا من خلال المحلية، بل بدافع أبسط من ذلك وهو أن التاريخ التونسي والفسيفساء الثقافية التي تنسجها، جديرة بأن تحكي سرديتها خارج عقدة نقص بإزاء المغرب أو المشرق وخارجه، عقدة أننا الأفضل، وما الإنسان التونسي أي إنسان في مكان له خصائصه وسماته وهشاشته وعبقريته وهذا أيضا لا تقوله المفاهيم إلا بصفة محدودة بل تقوله بالخصوص وأساسًا تجليات الإنسان في محيطه وسياقاته ووضعيته المخصوصتين.
* ما قراءاتك في الرواية، عربية كانت أم أجنبية؟
- لست متابعًا جيدًا للرواية. أحب الشعر أكثر، ولكنني لم أنقطع عن قراءة الرواية في نماذج كثيرة أغلبها ما يشتهر على ألسنة الأصدقاء لأنني كنت متفرغًا أن أنتقي. ما يشير به علي أصدقائي أو ما تكشفه الجوائز المحترمة كالبوكر العربية أو الغونكور الفرنسية أو نوبل العالمية. ولكن لا أخفي عليك أنني من النوع البطئ في القراءة، وكل رواية مهما كان اسم كاتبها إذا لم تشعرني بعد قراءة خمس عشرة أو عشرين صفحة، أطرحها بظاهر اليد وأتركها من القراءة. أنا كالطفل الذي ينبغي أن تشده الحكايات، ولكن لست على هذا القدر من السذاجة أن يهمني كثيرًا أن أستكشف الأسئلة الفلسفية التي من أجلها سبقت الرواية. وهذا ما أجده لدى الروائيين الكبار. لا فائدة من ذكر الأسماء لكنني أحب أن أذكر نجيب محفوظ لأنه يجسد في ذهني هذا الصنف من الحكايات الجميلة القائمة على أساس فلسفي، يتسرب في ثنايا الحكاية ليقدم نصوصًا ذات مستويات متعددة يفهم لها القارئ العادي الحبكة السردية، وتفتح لك المجال لتكتشف ما وراء منطق السرد من قضايا إنسانية جوهرية. لست ممن يميل كثيرًا إلى الجماليات الخالصة، أو التجريب الجذري الذي يُسائل إلى حد تهشيم قواعد الجنس الروائي، مع احترامي لبعض الكتابات التجريبية في الرواية، لأنني أعتبر هذه الجماليات صنوًا للالتزام الفكري والأخلاقي بما سميتّه من قبل عذابات الإنسانية. فالكتابة فعل خطير وعلينا أن نأخذه بجدية وإلا أصبح لغوًا وثرثرة تضيف إلى الألم الإنساني ألمًا آخر.
* هل تعتقد أن الرواية التونسية استطاعت أن تعبّر عن تحولات المجتمع التونسي أم أنها نكصّت عنه؟
- أولاً توجد أعمال روائية مهمة في تونس تصدّت إلى تناقضات المجتمع والصراعات والتحولات فنيًا، تتوفر على قدر كبير من النجاح، لكنها للأسف الشديد، لم تنتشر عربيًا بحكم ضعف التوزيع وغيره ذلك من الأسباب المتعلقة بتسويق الكتاب. غير أن السبب الأعمق هو أن قلة قليلة من الكتّاب متفرغة لمشروع أدبي مسترسل متواصل يُراكم الكتابات. والسبب الآخر، هو أن الرواية تتطلب بعدًا تأمليًا لا تنفع معه أن تحكي حكاية جميلة، بل يحتاج إلى معالجة الأحداث والوقائع سرديًا بما يكشف عن المعنى الكامل وراءها، والمغزى الذي يُستخلص منها. ويوجد سبب ثالث بعد هذا، هو أن الرواية التونسية في الثمانينات ولمرحلة قريبة، خاضت مغامرة التجريب الروائي متأثرة بالتيارات الأدبية من الشرق والغرب، راغبة باسم التجديد عما تعتبره بناء كلاسيكيًا في الرواية، وهذه التهمة وُجهت إلى «الطلياني» وكأن الرواية التي تحكي حكاية لها بداية وتحولات تفضي بها إلى منتهاها أو إلى نهايتها توسم بالكلاسيكية. وأعتقد أن هذه الحكاية هي الهيكل العظمي الضروري لصياغة رواية تستطيع أن تعبّر عن الزخم الذي جاء في سؤالك.
* لماذا نجحت «الطلياني» في نظرك، هل لأنها رواية التحولات أم لأنها جمعت بين متعة السرد والتخييل والتسجيل الوثائقي لمرحلة من مراحل تونس الملتهبة؟
- نجاح «الطلياني» في نظري يبرر ليس في الجائزة، فقد حصلت على جائزتين محليتين «الكومار» وجائزة «معرض الكتاب» في تونس، بل يكمن في الحظوة التي وجدتها لدى القراء داخل تونس وخارجها، خصوصًا لدى فئتين لم يخطر ببالي أنهما تهتمان بالرواية، أقصد فئة الشباب أي من عمر الـ18 إلى 25 أو 30 عامًا. كنت أتوهم أنهم لا يعرفون سوى المواقع الاجتماعية و«فيسبوك»، وإذا بهم قراء نبهاء. والفئة الثانية كانت هي فئة القراء الفرانكفونيين في تونس، الذين يَندُر أن تشدهم رواية بالعربية، فوجدوا لغة «الطلياني» يسيرة التناول تسمح لهم بأن ينفذوا إلى عوالمهم. لكن أهم سبب في تقديري وراء هذا النجاح، هو شخصية عبد الناصر «الطلياني» وشخصية زينة. يبدو أنهما نسختان فاتنتان مركبتان تكشفان عن تردد الإنسان، بما يجعل القارئ حين يفرغ من مطالعة الرواية، يتذكر ما حوله، شخصان لم يعودا مصنوعين من الحبر والورق، بل من لحم ودم يتجولان في المجتمع.
* أخيرًا هل هما شخصيتان واقعيتان أم من نسج خيالك الروائي؟
- لا أبدًا شخصيتان من محض الخيال، ولكنهما مصنوعان من ملامح شخصيات كثيرة قد تكون عشتها، ومن حكايات بعضها بلغتني خبرًا وبعضها الآخر أخذت مما عايشته، ولكنني دفعت بنواة تلك الحكايات إلى أبعاد تخييلية قصوى. فليست الأشياء الواقعية صالحة للرواية عكس ما قد نتوهم. وحتى إذا كانت تصلح مادة روائية فلا بد من إدراجها في عالم متناسق متماسك تصنعه بالفكر والخيال. أعتقد أن الرواية تقول الحقيقة ولكنها عاجزة عن قول الواقع، لأن الحقيقة هي الجوهر في هذا الواقع، ويستحيل علينا أن نقول الواقع باللغة الحرفية، نحن نكذب لكي يكون الواقع أصدق وأجمل.



الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني
TT

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً لا يُحتمل وضرورة لا غنى عنها في آنٍ واحد: فمع كل قذيفة تسقط تشعر أن الكلمات تُخذلك، ومع كل ضحية تُدفن تحس أن الصمت خيانة. إن الكاتب في زمن الحرب لا يختار بين الكتابة والصمت، بل بين ضربين من الموت: موت الجسد أو موت الذاكرة».

وفي الملف ذاته، يُسهم الروائي اللبناني شريف مجدلاني بشهادة تستعيد ما كتبه في يومياته «بيروت 2020، يوميات الانهيار» (الصادرة عن دار أكت سود الفرنسية). يقول: «إن الحرب لا تُدمّر المباني وحدها، بل تُدمّر ما هو أشد هشّاشة، ذلك القاموس الداخلي الذي يُقنع به الإنسان نفسه بأن الغد ممكن...» ويذهب مجدلاني إلى أن الكاتب في بيروت المنهكة لم يكن يُدوّن تاريخاً سياسياً، بل كان يُحاول إنقاذ «السرديات الصغيرة» للحياة اليومية: دكّانة الحي وصوت المولِّد، وقصّص سكان الحّي من السمكري إلى عامل الكهرباء وحتى تلك السخافات البيروقراطية التي تثبت بطريقتها المفجعة أن الحياة لا تزال تدور...».

آذر نفيسي

ولفهم عمق هذه المعضلة، الكتابة والحرب، لا بد من الوقوف عند الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين، الذي كتب مقالته «الراوي» عام 1936 أي في خضم صعود الفاشية الأوروبية وعلى مشارف الحرب العالمية الثانية. ولاحظ بنيامين فالتر بأن جنود تلك الحرب الكبرى عادوا من الخنادق صامتين وعاجزين عن وصف ما رأوا، لا لأنهم لم يُعيشوا شيئاً، بل لأنهم عاشوا ما لا يسعه لسان، مضيفاً: «عاد الرجال من ساحة المعركة صامتين، لا أكثر غنى بالتجربة بل أكثر فقراً في القدرة على نقلها». وقد رأى الفيلسوف الألماني في ذلك أزمة حضارية عميقة، لأن الحضارة لا تقوم على المؤسسات وحدها، بل على قدرة الإنسان على نقل تجربته جيلاً بعد جيل، فحين تُدمّر الحرب هذه القدرة، فهي تُدمّر الحضارة في عمقها السّردي قبل أن تُدمّرها في بنيتها المادية. والمقلق أن هذا التشخيص الذي وضعه الفيلسوف الألماني قبل تسعين عاماً يبدو أشد راهنية اليوم، حين تصل الصور من غزة ولبنان وطهران وكييف في ثوانٍ، ومع ذلك تظل التجربة الإنسانية الحقيقية وراء الشاشات عصيّةً على الرواية. تتجلى هذه المعضلة في أقوى صورها عند الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي كتب قصيدته «حالة حصار» عام 2002 وهو يعيش حصار رام الله، حين كانت الدبابات تطوّق البيوت، في تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان سيطرته على المكان وسرديته على الزمن. صاغ درويش عبارته الأكثر دلالة: «كن حاضراً في غيابك» وهي ليست مفارقة شعرية بلاغية، بل وصف دقيق لحالة وجودية يصنعها الحصار: أن تكون جسداً حاضراً في مكانك بينما يتعامل معك المحاصِر على أنك معدوم، غير مرئي، بلا حقوق ولا اسم ولا رواية. وقد وثّق الروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف، وزير الثقافة في السلطة الفلسطينية، هذه الحالة بيومياته التي نشرت مقتطفاتها صحف «نيويورك تايمز» و«الغارديان» وكذالك «لوموند» تحت عنوان: «لا تلتفت يساراً: يوميات الإبادة في غزة»، إذ ظّل خمسة وثمانين يوماً في غزة يُدوّن قوائم الضحايا ورحلات البحث عن الماء و الطعام، وحياة العائلات داخل الخيام، ليصّرح بعدها بمدة في معرض فرانكفورت للكتاب: «كنت أكتب كي أتأكد أني لست ميتاً يسير في قرية من الأموات»

هذه الجملة المرعبة تُحدّد وظيفة الكتابة في سنوات الحرب: الكاتب يكتب كي يُثبت لنفسه أولاً أن الزمن السّردي لم يتوقف.

عاطف أبو سيف

وفي أوكرانيا، تأخذ المسألة بُعداً آخر. فالشاعر والروائي سيرهي جادان أبرز أصوات الأدب الأوكراني المعاصر والحائز على جوائز دولية عديدة، لم يكتفِ بالكتابة عن الحرب، ففي عام 2024 انخرط طوعاً في الخدمة العسكرية ضمن لواء خاركيف المعروف بـ«خارتيا»، وهو لواء اشتُهر بضمه جنوداً من المثقفين والناشطين المدنيين. وقد آثر جادان أن يكون شاهداً بجسده لا بقلمه وحده، حاملاً سلاحاً بيد وقلماً بأخرى، حيث كتب في مجموعته القصّصية «لن يطلب أحد شيئاً» ما يلي: «الشيء الوحيد الذي يملؤنا اليوم هو ضعفنا: كلي، مؤلم... لا نهاية له، في زمن الحرب تصبح الكلمات ناقصة وعاجزة أمام الواقع العنيف».

أما الروائي أندريه كوركوف فقد أفصح في حوار مع مجلة «بوليتيس» الفرنسية بعنوان: «الحرب هي حياتي الآن» بأنه تحول إلى صحافي ونسي عمله الروائي، إذ لم يتمكّن خلال سنتين إلا من كتابة ثلاثين صفحة من روايته المعلّقة، معبراً عن شعوره بأن الكتابة الروائية قد فقدت معناها في زمن الحرب، لأن هذه الحقبة تتطلب من الكاتب أن يكون راوياً للشهادة بدل كونه مبتكراً للقصّص».

الذين يكتبون اليوم من داخل إيران أو من المنفى يؤدّون نفس وظيفة شهرزاد في «ألف ليلة وليلة»... يروون كي يبقوا أحياء

آذر نفيسي

وقد جاءت حرب إيران في فبراير (شباط) 2026 لتُضيف فصلاً جديداً ومؤلماً. ففي ملف لوموند المشار إليه سابقاً تتقاطع شهادتان إيرانيتان من الشتات لتكملة هذه الصورة، حيث تقول ليلى أعظم زنكنه، وهي كاتبة فرنسية من أصل إيراني: «حرب إيران وضعت أبناء الشتات أمام نوع فريد من التمزق، نحن من نكتب، ولا أحد من الداخل يستطيع الكتابة الآن، نحن من يحمل أصواتهم ونتساءل في كل جملة: هل أنا وفيّ لما يُعيشونه؟... وهو تساؤل يحمل في طيّاته خوفاً مزدوجاً: الخوف من الصمت والخوف من الخيانة عبر الكلام...».

وتضيف مواطنتها آذر نفيسي صاحبة رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» على صفحات «لوموند» أيضاً ما يلي: «الإيرانيون الذين يكتبون اليوم من الداخل أو من المنفى يؤدّون نفس الوظيفة التي أدَّتها شهرزاد في (ألف ليلة وليلة) يروون كي يبقوا أحياء....».

تكشف هذه الشهادات المتقاطعة أن ثمة مشتركاً عميقاً يجمع الكتّاب في سنوات الحرب رغم تباين لغاتهم وجغرافياتهم: كلّهم يُشيرون إلى أن الحرب تُهدّد قبل كل شيء القدرات الدنيا على التسمية، أن تقول: كان هذا، وعاش هؤلاء وحدث ذاك، هذه القدرة، وإن بدت عاجزة أمام حجم الكارثة، فهي الحدّ الفاصل بين الذاكرة والمحو، بين الشاهد والانهيار الكامل. وقد وضع الكاتب الكويتي طالب الرفاعي يده على هذه الحقيقة حين قال: «الكتابة هي خلاص للروح، أعيش بها وأعيش لها» وربما كانت هذه الجملة البسيطة في ومضتها الإنسانية الخالصة أكثر دقةً من كل التعريفات الفلسفية: الكتابة في زمن الحرب ليست مُتعةً ولا رفاهيةً ولا نضالاً بالمعنى الكبير، إنها ببساطة ما يُبقي الروح قادرةً على الاستمرار، وهو في نهاية المطاف أكثر ما تحتاجه الحضارة حين تتهدَّدها الحرب.


أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة
TT

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بوصف كارل ساجان، عالم الفلك الأميركي، لمكتبة الإسكندرية القديمة بأنها «عقل ومجد أعظم مدينة على الكوكب وأول مركز للأبحاث العلمية في تاريخ العالم»، لافتاً إلى أن تأكيد الموسوعة البريطانية بأن أغلب الاكتشافات الغربية الحديثة تمت دراستها ووضع أسسها في تلك المكتبة التي شيد لبنتها الأولى زملاء وخلفاء الإسكندر الأكبر في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد.

ويشير إلى أن من قام بإنشاء المكتبة هو ديمتريوس الفاليري سياتسي، وهو فيلسوف أثيني زامل الإسكندر الأكبر في دراسته على يد أرسطو في مدرسة المشائين الفلسفية، لكنها في مرحلة لاحقة اكتسبت أهمية وحجماً كبيرين، وبالتالي أصبح من الضروري إنشاء ملحق لها. ويُعتقد أن الملحق أو المكتبة على هضبة حي «راكيتوس» والمعروف اليوم بحي «كرموز»، بعيداً عن شاطئ البحر المتوسط الذي شيدت المدينة على ضفافه وأصبحت تلقب بـ«عروس المتوسط».

جمع ديمتريوس الفاليري اليوناني نواة مكتبة الإسكندرية من المخطوطات النادرة وهو في بلاد اليونان، كما يمكن أن يطلق عليه مؤسس فكرة المكتبة، بينما كان زينودوتوس الأفيس على الأرجح هو أول أمين للمكتبة وكان على رأس الأشخاص الذين خدموا بالمكان ديمتريوس فاليروس بداية من عام 284 قبل الميلاد.

وكانت لفائف البردي في المكتبة تغطي موضوعات ومجالات القانون والأخلاق والتاريخ والجغرافيا والآداب والفنون من شعر ونثر وقصص وروايات ومسرحيات، فضلاً عن التعبير بالفنون البصرية والتشكيلية مثل النحت والرسم.

وتعددت فروع العلوم في المكتبة لشمل الرياضة والهندسة والميكانيكا والطب والتشريح والجراحة وسائر العلوم البيولوجية وعلم النبات والحيوان وعلوم الطبيعة والكيمياء، إلى جانب التطبيقات العملية لكل تلك العلوم للاستفادة منها في صناعات ذلك العصر وتطويرها.

نجح ديمتريوس فاليروس في اقتناء مجموعة ضخمة من لفائف البردي في مختلف العلوم بلغت نحو 200 ألف لفافة، ولكنه كان يأمل أن يزداد عددها بسرعة ليصل إلى نصف مليون لفافة بردية، وقد تولى خلفه كالماخوس تحقيق هذا الأمل بعد نفي ديمتريوس حيث أوكل إليه بطليموس الثاني مهمة توسيع المكتبة وتزويدها بالكتب الجديدة وعمل الفهارس لها فبلغ عدد لفائف البردي فيها نحو 490 ألف واستمرت مقتنيات المكتبة من المخطوطات في الازدياد حتى وصلت مع نهاية العصر البطلمي إلى نحو 700 ألف لفافة بردية.

ومن أبرز علماء المكتبة «أقليدس»، عالم الرياضيات الشهير، ومن كتبه «المعطيات»، و«عن القسمة»، و«البصريات»، و«الظواهر» وهناك كذلك العالم «هيروفيلوس» الذي ترك إرثاً كبيراً من العلوم الطبية، وكان أول من أثبت أن المخ وليس الكبد أو القلب هو مقر العواطف والذكاء، إلى جانب «أريستاركوس» الذي كان المسمار الأول في نعش نظرية أرسطو القائلة بأن الأرض مركز الكون والكواكب تدول حولها، إذ توصل إلى أن الشمس مركز الكون وليست الأرض، كما أن الكواكب تدور حول الشمس، سابقاً في ذلك كلاً من كوبرنيكوس وغاليليو غاليلي.

ومن أبرز علماء مكتبة الإسكندرية القديمة كذلك «أرازيستراتوس»، الملقب بـ«أبو علم وظائف الأعضاء»، والذي كان أول من اكتشف الفارق بين أعصاب الحركة وأعصاب الإحساس. وهناك أيضاً «أرشميدس» الذي يعد من أعظم علماء الرياضيات في العصور القديمة والملقب بـ«أبو الهندسة» وأعظم اكتشافاته قانون طفو الأجسام داخل المياه، والذي صار يعرف بقانون أرشميدس.


نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

TT

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي، ولم يكتفِ المقال برصد مظاهر الفخر والزهو في القصيدة، بل أشار إلى أن النرجسية ليست ظاهرة عابرة، بل تكاد تكون عنصراً مكوِّناً في طبيعة الشاعر ذاته. فالشاعر، في هذا التصور، لا يقف خارج تجربته بوصفه ناقلاً محايداً، وإنما يتكلم من داخل مركز ذاتي يرى العالم عبره ويعيد ترتيبه وفق حساسيته الخاصة.

استكمالاً للحديث أقول إن الشعر، بطبيعته، يجعل الأنا في الواجهة. القصيدة ليست وصفاً موضوعياً للوقائع، بل تشكيل جديد لها. وعندما يتصدر ضمير المتكلم النص، لا يكون مجرد أداة لغوية، بل إعلاناً عن حضور مركزي تُبنى حوله الرؤية كلها. الذات هنا هي محور تدور حوله الصور والمعاني. ومن ثم تبدو النرجسية في الشعر أكثر انكشافاً، لأنها تتجسد في صوت فردي صريح. ومع ذلك، لا يصح اختزال هذا الاعتداد في مجرد العُجب بالذات. فالفعل الإبداعي يحتاج إلى جرأة داخلية، وإلى إيمان عميق بأن ما يُقال يستحق أن يُقال. الشاعر الذي يشك في قيمة صوته لن يغامر بتجاوز السائد، ولن يحتمل عزلة التجربة.

كل نص شعري كبير يفترض ضمناً أن صاحبه يضيف شيئاً إلى العالم، وأن نبرته ليست تكراراً لما سبق. هذه الثقة قد تقترب من حدود التعالي، لكنها تظل شرطاً للإبداع، لا علامة على خلل بالضرورة.

النرجسية الشعرية، بهذا المعنى، ليست حباً للذات بقدر ما هي شعور طاغٍ بالتميز. الشاعر يشعر بأنه يرى ما لا يُرى بالطريقة نفسها عند غيره، وأن تجربته لا تُنقل إلا عبر صوته الخاص. من هنا تتحول الذات الفردية إلى منفذ يطل منه على المجال الإنساني العام. غير أن المشكلة تنشأ عندما تنقلب هذه القناعة إلى يقين مغلق، فيغدو العالم انعكاساً لصورة واحدة، ولا يعود في الآخر إلا صدى لذلك الصوت.

هذه البنية لا تتوقف عند حدود الشعر. فحين ننتقل إلى الفلسفة، نكتشف أن النرجسية قد تتخذ شكلاً أقل صخباً، لكنه أعمق أثراً. الفيلسوف لا يكتفي بالتعبير عن تجربة، بل يسعى إلى تحديد شروط إمكان التجارب جميعاً. إنه لا يروي ما يحدث، بل يطمح إلى بيان لماذا يحدث، وكيف ينبغي فهمه. وهنا ينتقل مركز الثقل من الصوت إلى المعيار، ومن التفرد إلى الحقيقة.

ليس كل مفكر يسعى إلى بناء نسق شامل، غير أن التاريخ الفلسفي عرف مشروعات حاولت أن تضم الوجود والعقل والتاريخ في حركة واحدة مترابطة. في مثل هذه المشروعات، يتجاوز الاعتداد حدود التعبير الفردي ليصبح ثقة في القدرة على صياغة صورة كلية للعالم. ويُعد هيغل مثالاً بارزاً على هذا الطموح. فمشروعه لم يكن معالجة قضية جزئية، بل سعي إلى فهم كليّ لتطور الفكر الإنساني بأسره ضمن مسار جدلي متكامل. الفكرة لديه ليست عنصراً ثابتاً، بل عملية تاريخية تبلغ وعيها بذاتها عبر التحولات.

هنا تظهر نرجسية الفيلسوف في صورتها الخاصة. فهي لا تتجلى في تباهٍ مباشر، بل في التماهي بين الذات والنسق. حين يشعر المفكر أن تصوره يمثل اللحظة الأكثر نضجاً في مسار الوعي، يغدو مشروعه أكثر من رأي بين آراء، ويقترب من صورة الحقيقة ذاتها. في هذه اللحظة، قد لا يقول الفيلسوف إن «الأعمى نظر إلى أدبه»، لكنه يتصرف كما لو أن رؤيته تمثل الأفق الأوسع للفهم.

ومع أن الجذر في الحالتين واحد، فإن الفارق بين النرجسيتين جوهري. نرجسية الشاعر جمالية وصوتية، تتمحور حول التفرد في التعبير. الشاعر يضخم ذاته ليقول «أنا مختلف»، وليؤكد أن صوته لا يشبه سواه. أما نرجسية الفيلسوف فهي معرفية وبنيوية، تتمحور حول الحقيقة والمعيار. الفيلسوف لا يكتفي بأن يكون مختلفاً، بل قد يميل إلى الاعتقاد بأن فهمه هو الأصح أو الأكمل. الشاعر يطلب الاعتراف بصوته، لا الاعتراف بدقته العلمية، بينما الفيلسوف يقترب من طلب الاعتراف بسلطته المعرفية. خطر الأولى يبقى في دائرة الذوق والجمال، أما الثانية فقد تمتد إلى تضييق أفق التفكير ذاته إذا تحولت الرؤية إلى معيار نهائي.

وتشتد نرجسية الفيلسوف عندما ينسى أن فكره جزء من التاريخ، لا نهايته. حين يتعامل مع نسقه كأنه الحقيقة الأخيرة، يصبح كل اختلاف معه خطأ، وكل نقد له سوء فهم. عندها يُختزل تنوع الآراء في مدى قربها أو بعدها عن فكرته. وغالباً لا يحدث ذلك بدافع عُجب صريح، بل لأن المفكر يندمج تماماً مع مشروعه، فلا يرى حدوده. وهنا تكمن المفارقة، فالفلسفة التي تسعى إلى تحرير العقل قد تنزلق إلى تضييق أفقه إذا أُغلقت على ذاتها.

في النهاية، يلتقي الشاعر والفيلسوف عند نقطة دقيقة لا تخلو من مفارقة. كلاهما يبدأ من الأنا، لكن أحدهما يحولها إلى نبرة، والآخر يحولها إلى نظام. الأنا في الشعر نافذة مفتوحة، قد يختلف معها القارئ لكنه يظل حراً في تأويلها، أما الأنا في الفلسفة فإذا تحولت إلى معيار شامل، فإنها تميل إلى رسم حدود لما ينبغي التفكير فيه.

ومع ذلك، لا يمكن تصور إبداع حقيقي من دون قدر من الجرأة الداخلية التي تضع الذات في مركز الرؤية. السؤال ليس في وجود النرجسية، بل في وعيها بذاتها. حين تدرك الأنا حدودها، تصبح قوة دافعة للخلق والاكتشاف، وحين تنسى تلك الحدود، تتحول إلى مرآة مغلقة لا تعكس إلا صاحبها. بين هذين الحدين تتحدد قيمة الشاعر وقيمة الفيلسوف، ويتحدد أيضاً مقدار انفتاحهما على العالم الذي يزعمان فهمه أو إعادة صياغته.

* كاتب سعودي