تغير المناخ يربك إيقاع الطبيعة ويهدد النظم البيئية

تغير المناخ يربك إيقاع الطبيعة ويهدد النظم البيئية
TT

تغير المناخ يربك إيقاع الطبيعة ويهدد النظم البيئية

تغير المناخ يربك إيقاع الطبيعة ويهدد النظم البيئية

تتعرض بلاد الشام، منذ منتصف مارس (آذار) الماضي، إلى منخفضات قطبية متتالية غير معتادة في مثل هذا الوقت من السنة. وتقترن هذه الفترة في الموروث الشعبي للمنطقة بانتهاء فصل الأمطار وارتفاع درجات الحرارة وإزهار النباتات وانتهاء السُبات الشتوي، حيث يُقال: «إذا طلع سعد السعود، ذاب كل جمود، واخضرّ كل عود، وانتشر كل مبرود»، كما يُقال أيضاً: «بسعد الخبايا، بتطلع الحيايا، وبتتفتَّل الصبايا».
وبحسب الموروث الشعبي، يمتد فصل الشتاء في بلاد الشام إلى خمسين يوماً، تتوزع على أربع فترات زمنية متساوية (سعد الذابح، سعد بلع، سعد السعود، سعد الخبايا)، تصف المشاهدات المعتادة لأحوال الجو ودورة الطبيعة والكائنات الحية. ولجميع الشعوب خبراتها وتجاربها الخاصة التي تصف مظاهر الحياة المقترنة بالمناخ؛ ففي الولايات المتحدة يُقال مثلاً: «عندما ترى الحور يُزهر في جبال روكي، احذر الدببة الرمادية التي تنهض من سباتها».
المناخ ودورة حياة الكائناتيدرس الفينولوجيا، أو علم الظواهر الطبيعية (Phenology) العلاقة بين المناخ والظواهر الأحيائية الدورية، كتاريخ ظهور الأوراق والزهور، وبدء الطيور هجرتها، وتوقيت تغيُّر ألوان أوراق الأشجار وتساقطها، وفترة وضع الطيور والبرمائيات لبيضها، وموعد تكاثر الحيوانات.
ونظراً لأن العديد من هذه الظواهر حساسة جداً للتغيُّرات الصغيرة في المناخ، خاصة درجات الحرارة، يمكن للسجلات الفينولوجية أن تكون بديلاً مفيداً لبيانات درجة الحرارة في علم المناخ التاريخي، لا سيما في دراسة تغيُّر المناخ والاحترار العالمي. فمنذ سنوات، جرى استخدام سجلات زراعة الكروم في أوروبا، التي تعود إلى أكثر من 500 سنة، لإعادة تكوين سجل لدرجات حرارة موسم النمو الصيفي.
وفي اليابان، يعلن إزهار الكرز البري (ساكورا) عن بدء فصل الربيع، وهو حدث رئيسي في الثقافة اليابانية. ويعود تاريخ الاحتفال بإزهار الكرز إلى نحو عام 712 الميلادي، حيث تحتفظ اليوميات والسجلات القديمة في مدينة كيوتو بمواعيد ومشاهدات الإزهار منذ عام 812. وعلى مدى 1200 سنة، كان الإزهار يبدأ من أواخر مارس (آذار) ويمتد حتى أوائل مايو (أيار). ولكن منذ ثلاثينات القرن التاسع عشر، أصبح الإزهار يحصل في مواعيد أبكر بسبب ارتفاع درجات الحرارة.
ويتسبب تغيُّر المناخ في إبطاء أو تسريع إيقاع الطبيعة على نحو قد يهدد التنوُّع البيولوجي. ففي تقريره عن القضايا الناشئة ذات الاهتمام البيئي الذي صدر قبل أسابيع، يلفت برنامج الأمم المتحدة للبيئة (يونيب) النظر إلى دور تغيُّر المناخ في إرباك أنماط دورة حياة الأنواع النباتية والحيوانية، ويدعو إلى معالجة هذه المشكلة من خلال استعادة التواصل البيئي والتنوُّع البيولوجي وخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.
ويشير التقرير إلى أهمية التوقيت في الطبيعة، إذ يُفترض بصغار الطيور أن تفقس عندما يكون هناك طعام متاح لتغذيتها، وتصبح الحشرات نشطة عندما تزهر النباتات المضيفة، وتغيّر الأرانب الثلجية لونها من الأبيض إلى البني مع ذوبان الثلوج. ونظراً لأن درجات الحرارة لها تأثير واضح على هذه الإشارات، فإن التحولات الفينولوجية طيلة العقود الماضية هي من بين أكثر نتائج تغيُّر المناخ العالمي وضوحاً، خاصة في المناطق المعتدلة والقطبية.
ولا تعدّ درجات الحرارة المتغيّر البيئي الوحيد الذي يؤثر على الفينولوجيا، فعند خطوط العرض العليا هناك متغيّر حرج آخر هو الفترة الضوئية أو طول النهار، الذي يتباين كثيراً بتغيُّر المواسم. ففي المناطق الواقعة عند هذه الخطوط تحتاج بعض النباتات والحشرات إلى موجة من درجات الحرارة المنخفضة (تبريد شتوي) للاستجابة جيداً لدرجات الحرارة الأكثر دفئاً. كما ترتبط هجرة الأسماك بدرجة حرارة الماء وفترة الضوء. وتُبدي الأنواع الحية في المناطق الاستوائية استراتيجيات فينولوجية متنوعة، حيث يمكن أن تؤدي العوامل المختلفة، بما في ذلك المطر والجفاف وتوافر الرطوبة والتعرض الغزير لأشعة الشمس، إلى بدء دورة حياة جديدة تقل عن 12 شهراً. استجابات متباينةمما يثير القلق حول التغيُّرات الفينولوجية والاستجابة لتغيُّر المناخ أن الأنواع المترابطة في نظام بيئي معيّن قد لا تتحول في الاتجاه ذاته أو المعدل نفسه. وكانت دراسات تفصيلية حول مراحل دورة الحياة المختلفة عبر مجموعة واسعة من الأنواع النباتية والحيوانية كشفت عن وجود تفاوتات فينولوجية كبيرة. وعلى سبيل المثال، يؤثر عدم التطابق بين المفترس والفريسة داخل شبكة الغذاء على نمو الأفراد وتكاثرهم ومعدلات بقائهم، وينعكس ذلك على تعداد الأنواع الحية وسلامة النظم البيئية ككل.
تم الكشف عن التحولات الفينولوجية بسبب تغيُّر المناخ في مجموعة متنوعة من دورة حياة الكائنات، بما فيها التكاثر والإزهار والبرعمة والإيراق والانسلاخ والسبات والهجرة وغيرها. وتأتي البيانات الداعمة من الدراسات التي تقارن التحولات الفينولوجية بين مجموعات كبيرة من الأنواع الحية التي تم تسجيل الأحداث الفينولوجية الخاصة بها على فترة زمنية طويلة في نصفي الكرة الأرضية.
وتقدم الدراسات التي أجريت على الطيور دليلاً وافياً على عدم التطابق الذي يؤثر على التكاثر الناجح. فعلى سبيل المثال، تحتاج أنواع من الطيور، مثل خطّاف الذباب الأبقع والقرقف الكبير، إلى أن تفقس فراخها عندما تكون إمداداتها الغذائية من اليرقات أكثر وفرة. وعندما تكون فترة ذروة الإمداد الغذائي قصيرة تمتد لبضعة أسابيع، يصبح التوقيت الصحيح بالغ الأهمية. وتحتاج طيور أخرى إلى تحديد توقيت تكاثرها بدقة مع الهجرة الشاطئية لفرائسها الرئيسية، مثل أسماك الطُعم الصغيرة.
وتُظهر الأبحاث أن الاستجابات الفينولوجية لتغيُّر المناخ تحدث بشكل أسرع في البيئات البحرية منها على اليابسة. وتستجيب المجموعات البحرية المختلفة، من العوالق إلى المفترسات الأعلى، للتغيُّرات الفينولوجية بمعدلات مختلفة، مما يشير إلى أن تغيُّر المناخ قد يسبب عدم تطابق في مجتمعات المحيط الحية بأكملها.
ويؤثر الاحترار عبر النظم البيئية الأرضية ونظم المياه العذبة والبحرية، مما ينعكس في نهاية المطاف على الأنواع الحية التي تعتمد على النظم البيئية المختلفة، مثل الأسماك المهاجرة بين الأنهار والبحار والعديد من الحشرات والبرمائيات والطيور، التي تعتمد مراحل دورة حياتها على كل من النظم الأرضية والمائية.
وفي حين أن الاستجابات لتغيُّر إيقاع الطبيعة بفعل تغيُّر المناخ موثقة إلى حدٍ بعيد، فإن آثارها على تعداد المجموعات الحية وعواقبها على النظم البيئية تتطلب اهتماماً أكبر. ففي القطب الشمالي، مثلاً، تسبب الاحترار في تسريع ذوبان الجليد وتبكير ظهور الغطاء النباتي الذي تتغذى عليه إناث وصغار الوعول، ومع ولادة الإناث في موسمها الاعتيادي تراجعت أعداد الوعول بنسبة 75 في المائة لقلّة الغذاء.
وتشكّل الاستجابات الفينولوجية في المحاصيل للتغيُّرات الموسمية تحدياً لإنتاج الغذاء في مواجهة تغيُّر المناخ. وعلى سبيل المثال، يؤدي إزهار أشجار الفاكهة في موعد مبكر ثم تعرضها للصقيع في آخر الموسم إلى خسائر اقتصادية كبيرة لأصحاب البساتين. كما تؤدي التحولات الفينولوجية إلى تعقيد التكيُّف الزراعي الذكي مناخياً للمحاصيل الرئيسية في جميع أنحاء العالم.
لا يمكن تحديد التحولات الفينولوجية إلا من السجلات طويلة الأجل. وتعمل مؤسسات علمية وجامعات وحكومات ومنظمات غير حكومية على جمع البيانات الفينولوجية، التي تسمح بتحديد الأنواع الحية والمواقع الأكثر عرضة للخطر. كما توفر البيانات نظرة استشرافية حول معدلات الاحترار المسموح بها للنظم الإيكولوجية من أجل دعم الأهداف المعلنة في اتفاقية باريس لمواجهة تغيُّر المناخ.
إن الحفاظ على سلامة التنوُّع الحيوي وإيقاف تدمير الموائل ومتابعة استعادة النُظم البيئية، كلها عوامل تساعد في دعم الموارد الطبيعية التي نعتمد عليها. ولن تؤتي تدابير الحفظ هذه ثمارها ما لم يكن هناك عمل مؤثر في الحدّ من انبعاثات غازات الدفيئة، وإعطاء الطبيعة وقتاً كي تسترجع إيقاعها وتحقق تناغمات جديدة.



السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
TT

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)

تستضيف السعودية خلال الربع الأخير من العام الحالي أعمال «القمة العالمية الأولى للشعب المرجانية»؛ تأكيداً لريادتها الدولية في مجال حماية النظم البيئية البحرية، وإبراز مكانتها المتقدمة في قيادة الجهود الدولية لمواجهة التحديات البيئية حول العالم.

وأعلنت عن استضافة القمة الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان السفيرة السعودية لدى الولايات المتحدة، خلال فعاليات «البيت السعودي» المنعقدة على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.

من جانبه، أكّد المهندس عبد الرحمن الفضلي وزير البيئة والمياه والزراعة السعودي، أن هذه الاستضافة تُجسّد جهود بلاده محلياً ودولياً في حماية وحفظ النظم البيئية البحرية، عبر تبنّي أفضل البرامج والتقنيات المبتكرة، والممارسات العالمية؛ للإسهام في تحقيق مستهدفات التنمية المُستدامة، من خلال إعادة تأهيل الشُعب المرجانية، واستعادة التوازن البيئي، وتحسين جودة الحياة.

بدوره، أوضح الدكتور خالد الأصفهاني، الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة المحافظة على الشعب المرجانية والسلاحف في البحر الأحمر»، أن أعمال القمة ستركز على 3 محاور رئيسية، هي السياسات، والبحث العلمي، والتمويل، منوهاً بأنها تسعى لطرح إطار عملي وموجّه للسياسات والتشريعات، يُمكّن من تحقيق الاستدامة المالية للشعب المرجانية والأنظمة البحرية المرتبطة بها، مع رسم مسار واضح للانتقال من الحوار إلى التنفيذ.

وأضاف الأصفهاني أن القمة تهدف أيضاً إلى إبراز الشعب المرجانية كأصول اقتصادية ضمن استراتيجيات الاقتصاد الأزرق، واستحداث آليات تمويل مستدامة وقابلة للتوسع، كذلك إشراك القادة وصنّاع ومتخذي القرار؛ لتطوير نماذج استثمارية قابلة للتنفيذ عبر السياسات والتشريعات، وإنشاء مسار تعبئة دولي منظم يقود إلى مخرجات ملموسة وقابلة للقياس.

وتتولى السعودية تنظيم هذه القمة العالمية، من خلال المؤسسة، وذلك بصفتها رئيساً للمبادرة الدولية للشعاب المرجانية (ICRI)، التي تضم في عضويتها 45 دولة، ما يعكس الثقة الدولية في دور المملكة القيادي في حماية الشعب المرجانية حول العالم.


2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
TT

2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)

أعلن مرصد «كوبرنيكوس» الأوروبي ومعهد «بيركلي إيرث» الأميركي، الأربعاء، أن 2025 كان ثالث أحرّ الأعوام المسجلة على مستوى العالم، متوقعاً أن يبقى 2026 عند مستويات مرتفعة تاريخياً.

وأشار مرصد «كوبرنيكوس» في تقريره السنوي إلى أن درجات الحرارة العالمية لا تزال منذ ثلاث سنوات عند مستويات لم يسبق لها مثيل في التاريخ البشري، إذ تجاوز معدل درجات الحرارة خلال هذه الفترة مستويات ما قبل الثورة الصناعية (1850-1900) بمقدار 1,5 درجة مئوية، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وفي سياق منفصل، قال علماء من معهد «بيركلي إيرث» في الولايات المتحدة إن «الارتفاع الحاد المسجل بين عامي 2023 و2025 كان استثنائياً، ويشير إلى تسارع وتيرة الاحترار المناخي».

وأقرّ العديد من علماء المناخ والقادة السياسيين، بالإضافة إلى الأمم المتحدة، علناً منذ العام الماضي بأن الاحترار سيتواصل بمعدل 1,5 درجة مئوية، وهو الحد الذي طمحت اتفاقية باريس الموقعة عام 2015 إلى عدم تجاوزه.

ومع بلوغ هذه العتبة منذ ثلاث سنوات، يرجّح برنامج «كوبرنيكوس» أن يتم الإعلان رسمياً عن تجاوز الحد المستدام بحلول نهاية هذا العقد، أي قبل أكثر من عقد من الموعد المتوقع أساساً.

ويثير هذا التسارع قلقاً متزايداً نظراً لأن الولايات المتحدة، ثاني أكبر مصدر لانبعاثات غازات الدفيئة، تتخلى عن التعاون المناخي العالمي في عهد رئيسها دونالد ترمب.

صورة أرشيفية من طوكيو عاصمة اليابان لأشخاص يحملون الشماسي للوقاية من حرارة الشمس (أ.ف.ب)

منحى مشابه في 2026

في الوقت نفسه، تفقد الجهود المبذولة للجم انبعاثات غازات الدفيئة زخمها في الدول الغنية. ففي فرنسا وألمانيا، تراجعت جهود خفض الانبعاثات مجدداً في عام 2025، وفي الولايات المتحدة، تسبب التوسع الكبير في محطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم في زيادة البصمة الكربونية للبلاد مرة أخرى، ما بدّد سنوات من التقدم.

وقال رئيس وحدة «كوبرنيكوس»، ماورو فاكيني، في مؤتمر صحافي: «الحاجة إلى العمل المناخي باتت ملحّة أكثر من أي وقت مضى».

ولا توجد أي مؤشرات على أن عام 2026 سيخالف الاتجاه المسجل في السنوات الأخيرة.

وتوقعت نائبة مدير قسم تغير المناخ في «كوبرنيكوس»، سامانثا بورغيس، أن يكون عام 2026 من بين أحرّ خمسة أعوام مسجلة على الإطلاق، وقد يكون مماثلاً لعام 2025.

ويتوقع علماء المناخ في «بيركلي إيرث» أيضاً أن يكون 2026 «على الأرجح مشابهاً لعام 2025، مع ترجيح أن يكون رابع أحرّ عام منذ عام 1850».

وفي حال حدوث ظاهرة «إل نينيو» وما يصاحبها من ارتفاع في درجات الحرارة، «قد يجعل ذلك 2026 عاماً قياسياً»، وفق ما أوضح مدير قسم تغير المناخ في المرصد، كارلو بونتيمبو، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

لكن «سواء كان ذلك في عام 2026 أو 2027 أو 2028، فالأمر لا يهم حقاً. المسار واضح جداً»، حسب بونتيمو.

سكان يراقبون حريقاً كبيراً يقترب من كونغوستا بإسبانيا (رويترز - أرشيفية)

معدلات قياسية في آسيا وأنتركتيكا

عام 2025، فاق معدل درجات حرارة سطح الأرض والمحيطات بـ1,47 درجة مئوية مستويات ما قبل الثورة الصناعية، بعد أن سجل معدل حرارة قياسياً تخطى تلك المستويات بـ1,60 درجة مئوية عام 2024.

ويخفي هذا المتوسط العالمي درجات حرارة قياسية في مناطق معينة، لا سيما في آسيا الوسطى والقارة القطبية الجنوبية ومنطقة الساحل، وفق تحليلات أجرتها «وكالة الصحافة الفرنسية» باستخدام بيانات يومية من الخدمة الأوروبية.

وبذلك، شهد 770 مليون شخص موجات حر قياسية في بلدانهم، حسب حسابات معهد «بيركلي إيرث».

والأربعاء، أفادت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، وهي وكالة تابعة للأمم المتحدة، بأنّ اثنتين من مجموعات البيانات الثماني التي حلّلتها أظهرتا أنّ عام 2025 كان ثاني أكثر السنوات حراً، ولكن المجموعات الأخرى صنّفته في المرتبة الثالثة.

وقدّرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية متوسط الاحترار للفترة 2023-2025 عند 1,48 درجة مئوية، مع هامش خطأ يبلغ زائد أو ناقص 0,13 درجة.

وقالت الأمينة العامة للمنظمة، سيليست سولو، في بيان، إنّه على الرغم من ظاهرة التبريد المناخي «لا نينيا»، فإنّ عام 2025 «يبقى أكثر الأعوام حراً على الإطلاق على مستوى العالم بسبب تراكم الغازات الدفيئة في غلافنا الجوي».

في الوقت نفسه، لم تُسجل أي درجات حرارة منخفضة قياسية في عام 2025، وفق المعهد الأميركي.

شهد عام 2025 العديد من الظواهر الجوية المتطرفة، من موجات حرّ وأعاصير وعواصف عاتية في أوروبا وآسيا وأميركا الشمالية، إلى حرائق غابات مدمرة في إسبانيا وكندا وكاليفورنيا، تفاقمت حدتها أو تواترها بفعل الاحترار العالمي.

وتلعب التقلبات الطبيعية دوراً في الاحترار؛ فعلى سبيل المثال، كانت ظاهرة التبريد المعروفة باسم «لا نينيا» ضعيفة نسبياً في العام الماضي.

لكن كبير العلماء في مركز «بيركلي إيرث»، روبرت رود، يُبدي قلقه إزاء عوامل أخرى غير متوقعة تُفاقم الاحترار، حتى وإن كان ذلك بمقدار أجزاء من عشرة أو من مائة من الدرجة على المستوى العالمي.

وعلى وجه الخصوص، كان للقواعد الدولية التي خفضت محتوى الكبريت في زيت وقود السفن منذ عام 2020 أثر غير مقصود، تمثل في المساهمة في الاحترار من خلال خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت. ففي السابق، كانت هذه الجسيمات العالقة تتسبب في نشوء سحب صافية تعكس ضوء الشمس، ما يُساهم في تبريد الأرض.


المحيطات امتصت مستويات قياسية من الحرارة عام 2025

حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
TT

المحيطات امتصت مستويات قياسية من الحرارة عام 2025

حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)

أفاد فريق من العلماء من مختلف أنحاء العالم، الجمعة، بأن المحيطات امتصت كمية قياسية من الحرارة عام 2025، مما زاد من احتمال ارتفاع مستوى البحار وحدوث عواصف عنيفة وموت الشعاب المرجانية.

وقد ارتفعت الحرارة المتراكمة في المحيطات، العام الفائت، بنحو 23 زيتا غول، أي ما يعادل استهلاك الطاقة الأولية العالمية لأربعة عقود تقريباً.

وذكر الباحثون أن هذه النتيجة التي نُشرت في مجلة «أدفانسيس إن أتموسفيريك ساينسز» Advances in Atmospheric Sciences، تُعدّ أعلى قراءة سنوية منذ بدء تسجيل البيانات الحديثة في أوائل خمسينات القرن الماضي.

ولإجراء هذه الحسابات، استخدم أكثر من 50 عالماً من 31 مؤسسة بحثية مصادر متعددة، من بينها مجموعة كبيرة من الروبوتات العائمة التي ترصد تغيرات المحيطات حتى عمق 2000 متر، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

مؤشر أدق

وقالت المشاركة في إعداد الدراسة، كارينا فون شوكمان، إن النظر إلى أعماق المحيطات بدلاً من تقلبات سطحها، يقدّم مؤشراً أدق إلى كيفية استجابة المحيطات للضغط المستمر الناتج من انبعاثات البشر.

تُعدّ المحيطات عاملاً أساسياً في تنظيم مناخ الأرض؛ إذ تمتص 90 في المائة من الحرارة الزائدة في الغلاف الجوي الناتجة عن انبعاثات غازات الدفيئة مثل ثاني أكسيد الكربون.

تحمل هذه الطاقة الإضافية تأثيراً كبيراً، فارتفاع درجة حرارة المحيطات يزيد من رطوبة الغلاف الجوي، مما يُوفّر عوامل للأعاصير المدارية والأمطار الغزيرة.

ويسهم احترار المحيطات بشكل مباشر في ارتفاع مستوى البحار؛ إذ تتمدد المياه عند ارتفاع درجة الحرارة، مما يجعل الظروف صعبة جداً للشعاب المرجانية الاستوائية التي تموت خلال موجات الحر البحرية الطويلة.

وقالت شوكمان: «إذا تواصل تراكم الحرارة في الأرض، فستستمر حرارة المحيطات في الارتفاع، وسيرتفع مستوى البحار، وستُسجَّل أرقام قياسية جديدة».

وتيرة أسرع

وترتفع درجة حرارة المحيطات في بعض المناطق بوتيرة أسرع من غيرها.

وكانت المحيطات الاستوائية، وجنوب المحيط الأطلسي، والبحر الأبيض المتوسط، وشمال المحيط الهندي، والمحيط الجنوبي من بين المسطحات المائية التي امتصت كميات قياسية من الحرارة سنة 2025.

وقد سُجّل ذلك رغم انخفاض متوسط درجات حرارة سطح البحر بشكل طفيف سنة 2025، غير أنه ظل ثالث أعلى رقم مسجّل على الإطلاق.

ويُعزى هذا الانخفاض إلى التحوّل من ظاهرة «إل نينيو» القوية التي أدت إلى ارتفاع درجة الحرارة في 2023 - 2024، إلى ظروف شبيهة بظاهرة «لا نينا» التي عادة ما ترتبط بتبريد مؤقت لسطح المحيطات.

وعلى المدى البعيد، يتسارع معدل ارتفاع درجة حرارة المحيطات نتيجة الزيادة المستمرة في تركيزات غازات الدفيئة في الغلاف الجوي، والتي تُعزى أساساً إلى حرق الوقود الأحفوري.