فرنسا: انتخابات رئاسية على وقع تداعيات الحرب الأوكرانية

في ظل صعود كبير لليمين المتطرف

فرنسا: انتخابات رئاسية على وقع تداعيات الحرب الأوكرانية
TT

فرنسا: انتخابات رئاسية على وقع تداعيات الحرب الأوكرانية

فرنسا: انتخابات رئاسية على وقع تداعيات الحرب الأوكرانية

عجيب أمر هذه الانتخابات الرئاسية الفرنسية فهي مختلفة عما سبقها من استحقاقات ولكنها في الوقت عينه شبيهة بما عرفته فرنسا في انتخابات ربيع عام 2017 الرئاسية. من جهة، يتوجه الناخبون الفرنسيون الذين يزيد عددهم على 48 مليون نسمة إلى صناديق الاقتراع يوم غد الأحد فيما الحرب دائرة على الأراضي الأوروبية منذ أن أطلق الرئيس الروسي حملته العسكرية على أوكرانيا في 24 فبراير (شباط) الماضي. وطيلة الأسابيع الستة المنقضية كانت أخبار الحرب تهيمن على الوسائل الإعلامية المختلفة، في فرنسا كما في غيرها من البلدان الأوروبية والعديد من بلدان العالم الأخرى، بسبب الويلات التي تسببت بها والملايين من السكان الذين رمتهم على الطرقات، فضلاً عن المشاهد المؤلمة المنقولة من مدينة بوتشا الأوكرانية وغيرها من المدن المنكوبة.

تأييد ماكرون تراجع كثيراً خلال الأيام الأخيرة، وتقلص الفارق الذي كان يتمتع به إزاء لوبن بحيث بدأ الشك يتسلل إلى مسؤولي حملته الانتخابية بغض النظر عن ويلاتها، فإن الحرب الروسية على أوكرانيا والمخاوف التي أثارتها، حرفت أنظار الفرنسيين عن الحملة الانتخابية... بحيث إن تغطيتها إعلامياً كانت تجيء في المرتبة الثانية إن لم تكن الثالثة. وما زاد الطين بلة أن الرئيس إيمانويل ماكرون، الذي سعى منذ ما قبل اندلاع المعارك إلى القيام بوساطة بين كييف وموسكو وزار الرئيس الروسي في 7 فبراير الماضي ونظيره الأوكراني في اليوم التالي، وبقي على تواصل مع الاثنين ومع القادة الأوروبيين ومجموعة السبع وحلف شمال الأطلسي (ناتو)، لم يدخل المعترك الانتخابي رسمياً إلا في اليوم الأخير المتاح قانونياً.
في أي حال، رغم انضمام ماكرون إلى قافلة المرشحين الـ11ـ الآخرين، فإن حملته لهذا العام لا تشبه أبداً حملته الناجحة في عام 2017 إذ إنها تفتقد إلى الدينامية وإلى الحمية الشعبية؛ فالرئيس ــ المرشح الراغب بولاية جديدة من خمس سنوات قصر مشاركته على مهرجان انتخابي جماهيري واحد وعلى تنقلات محدودة ومختارة بعناية، ثم تتوجب الإشارة إلى أن ماكرون رفض مبكراً المشاركة في مناظرة تلفزيونية تجمع كل المرشحين أو الأوائل منهم، كما رفض المشاركة في برنامج تلفزيوني أعدته «القناة الثانية» العمومية يقوم على تكريس الوقت نفسه تباعاً لكل المرشحين.

- «الغائب الأكبر»
وباختصار، فإن ماكرون كان إلى حد بعيد «الغائب الأكبر» عن هذه المعركة. ولقد دفع هذا الأمر جيرار لارشيه، رئيس مجلس الشيوخ اليميني والرجل الثالث في هرمية الدولة الفرنسية، إلى التحذير من أن غياب النقاش المباشر بين المرشحين يمكن أن تكون له تبعاته على شرعية الرئيس المنتخب... مستهدفاً بذلك إيمانويل ماكرون. وجاء رد الأخير عليه في مؤتمر صحافي بقوله إنه «لا يتعين على رئيس لمجلس الشيوخ أن يصدر عنه هذا الحديث».
وهكذا، تهمشت المعركة الكبرى التي تشكل الركن الأساسي للديمقراطية الفرنسية، بيد أن الملف الأوكراني لم يكن وحده السبب، ذلك أن فرنسا لم تكن قد خرجت بعد من تبعات جائحة فيروس «كوفيد - 19» ومتحوراته حتى جاءت الحرب ومعها جاء ارتفاع الأسعار، وعلى رأسها مشتقات الطاقة والكهرباء والمواد الغذائية والسلع الأخرى المتأثرة بموجة غلاء على المستوى العالمي.
وكما يعي الجميع، فإن الغلاء صنو تراجع القدرة الشرائية للمواطنين، خصوصاً ذوي الدخل المحدود، وصنو النقمة التي ما انفكت تتفاعل على المستوى الشعبي، ما دفع الحكومة الفرنسية إلى التعجيل في إيجاد «مسكنات» وكسب القوت حتى يمر الاستحقاق الانتخابي بسلام. ومن هنا، سارعت حكومة جان كاستيكس إلى تخفيف وطأة فاتورة المحروقات خوفاً من أن تعود ظاهرة «السترات الصفراء» مجدداً وبدفع أكبر يتجاوز ما عرفته البلاد في عامين 2019 و2020.

- صعود اليمين الشعبوي
ثمة ثلاث ظواهر تطبع هذه الحملة: أولها صعود نجم مرشح اليمين الشعبوي المتطرف أريك زيمور ثم أفوله. هذا الرجل الوالج السياسة من باب الصحافة والكتابة، كان الظاهرة الأبرز طيلة الأسابيع والشهور التي سبق أن تلت إعلان ترشحه.
زيمور جاء لينافس مارين لوبن، مرشحة حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف التي تخوض حملتها الرئاسية الثالثة. ولوبن ورثت الحزب الذي رعاه والدها جان ماري لوبن سياسياً قبل أن تزيحه من الساحة عندما غدا عبئاً عليها. وبعدما كان زيمور المدافع عن نظرية «الاستبدال الكبير» أحد أشد أنصار لوبن، فإنه ابتعد عنها وانتهج خطأً أكثر راديكالية عنوانه التنديد بالإسلام والمسلمين وبالمهاجرين، والدفاع عن «الهوية الفرنسية المسيحية المهددة». وتعني النظرية المشار إليها أن فرنسا ستتغير جذرياً بحيث ستحل مجموعات وشعوب محل الشعب الفرنسي، وستفرض عليه قيماً ليست قيمه وثقافة بعيدة كل البعد عن ثقافته.
ويدعو زيمور لوقف جذري لتيار الهجرات، ولمنع الحجاب، وإعادة ترحيل مليون مهاجر خلال خمس سنوات من حكمه، واتباع سياسة اجتماعية واقتصادية وتربوية لصالح الفرنسيين وحدهم. وذهب إلى حد الدعوة إلى إبدال الأسماء العربية والإسلامية في فرنسا بأسماء أوروبية... وكانت فورة زيمور قد وصلت إلى درجة تجاوز فيها مارين لوبن بحيث قربته من إمكانية التأهل للدورة الثانية من الرئاسيات ليواجه الرئيس ماكرون.

- خيبة اليمين الكلاسيكي واليسار الاشتراكي
عنوان الظاهرة الثانية تراجع الحزبين الرئيسين... حزب «الجمهوريون» اليميني التقليدي، والحزب الاشتراكي الفرنسي.
الأول، وهو وريث الحزب الذي أسسه الجنرال شارل ديغول، أعطى للبلاد خمسة رؤساء منذ تأسيس الجمهورية الخامسة في ستينات القرن الماضي. أما الثاني فأوصل رئيسين إلى قصر الإليزيه هما فرنسوا ميتران (لولايتين رئاسيتين) وفرنسوا هولند. ثم جاء إيمانويل ماكرون، وزير الاقتصاد في عهد الأخير، من صفوف اليسار الليبرالي حاملاً مشروع تخطي الأحزاب.
لأول مرة، خرج الحزبان الكبيران في انتخابات عام 2017 من المنافسة بحيث لم يتبق في الميدان سوى ماكرون ومنافسته مرشحة اليمين المتطرف لوبن. وخلال السنوات الخمس المنقضية، سعى الحزبان لإعادة تأكيد حضورهما السياسي وشكلت نجاحاتهما في الانتخابات البلدية والإقليمية، التي لم يحرز فيها الحزب الرئاسي «فرنسا إلى الأمام» أي نجاح يذكر، عنصر تشجيع لمضاعفة جهودهما السياسية. وفي 4 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، انتخب محازبو «الجمهوريون» عقب حملة تنافسية داخلية، فاليري بيكريس الوزيرة السابقة ورئيسة منطقة «أيل دو فرنسا» (أي باريس وضواحيها القريبة والبعيدة). وفي الأيام والأسابيع التي تلت، حققت بيكريس قفزة كبيرة في استطلاعات الراي العام التي أفاد بعضها بأنها ستكون متمكنة من التأهل للدورة الانتخابية الثانية. واعتبر وقتها أن برنامجها اليميني الصرف يلقى هوى داخل أوساط اليمين والوسط الفرنسيين، إلا أن حلم بيكريس تداعى خلال الشهرين المنقضيين. وتفيد استطلاعات الرأي الأخيرة بأنها ستكون عاجزة عن الوصول إلى سقف العشرة في المائة بحيث ستحتل المرتبة الخامسة في الجولة الأولى (بعد ماكرون ولوبن وجان - لوك ميلونشون - مرشح اليسار المتشدد – وزيمور). وبالتالي، سيخرج اليمين الكلاسيكي من السباق الرئاسي للمرة الثانية. والأسوأ من هذا أن الحزب، في صيغته الحالية، لن يقوى على البقاء في السنوات الخمس المقبلة؛ إذ إن العديد من «باروناته» إما التحق بماكرون سابقاً أمثال رئيس الحكومة جان كاستيكس ووزيري الاقتصاد والداخلية برونو لو مير وجيرالد درامانان... أو يتأهب للحاق به ما سيحدث زلزالاً سياسياً يقضي عليه.
ما يصيب اليمين التقليدي يصيب أيضاً اليسار الاشتراكي، الذي تخوض عمدة باريس آن هيدالغو السباق الانتخابي باسمه، بل إن وضع الاشتراكيين أسوأ حالاً مما عليه وضع «الجمهوريين». ذلك أن تسمية هيدالغو للتنافس جاءت وسط أجواء سامة وانقسامات حادة بين من يسمى «فيلة» الحزب، أي كبار أركانه. وطيلة الأشهر الماضية، فشلت هيدالغو في فرض نفسها مرشحة قيادية داخل اليسار الذي يعاني من تعدد الترشيحات التي أبرزها ميلونشون (16 في المائة)، يليه يانيك جادو مرشح «الخضر» (6 بالمائة) ثم فابيان روسيل عن الحزب الشيوعي (3.5 في المائة) ثم هيدالغو (2 في المائة)، وبعدهم فيليب بوتو مرشح الحزب المناهض للرأسمالية (1 في المائة) وناتالي أرتو مرشحة حزب النضال العمالي (0.5 في المائة). وبذلك يكون ترتيب هيدالغو السابع من بين الـ12 مرشحاً.

- ميلونشون... الاستثناء
في هذه الأثناء، ثمة قناعة متزايدة بأن الحزب الاشتراكي آيل إلى الزوال في بنيته الحالية، وبالتالي يتعين البحث عن صيغة أخرى للعمل السياسي في معسكر اليسار. واللافت أن هذا الحزب أوصل في عام 2012 فرنسوا هولند إلى قصر الإليزيه وكان يتمتع طيلة خمس سنوات بأكثرية نيابية، كما كان يسيطر على غالبية المناطق الفرنسية الكبرى ممسكاً بالرئاسة والإدارة ومجلس النواب وبغالبية المجالس الإقليمية والمحلية، إلا أنه اليوم تحول إلى حزب هامشي، وينتظر أن يلقى المصير نفسه في الانتخابات التشريعية المقررة في يونيو (حزيران) المقبل. وفي إطار هذا الركام السياسي، وحده جان لوك ميلونشون عرف كيف يبقى واقفاً على قدميه، لا بل إنه أطلق في الأسابيع الأخيرة دينامية سياسية لافتة برزت من خلال الإقبال الكبير الذي تشهده مهرجاناته الانتخابية.
ميلونشون، الذي حصل عام 2017 على 19.2 في المائة من الأصوات في الدورة الأولى يحدوه الأمل في أن يتخطى هذا الحاجز ويتأهل لينافس ماكرون في الدورة الثانية. ويراهن مرشح «الاتحاد الشعبي» - وهو الاسم الذي أعطاه لحملته - على انضمام «يتامى» اليسار إليه ووضع ورقته في صناديق الاقتراع ليمنع تكرار «سيناريو» الانتخابات الماضية التي شهدت تأهل ماكرون ولوبن، لكن مشكلته تكمن في أن دينامية حملته تسير بالتوازي مع دينامية لوبن، وكان رهان من قبل على أن ترشح زيمور سيفتح له طريقاً واسعة باعتبار أن أصوات اليمين المتطرف ستتوزع بين لوبن ومنافسها. ومع أن «حساب الحقل لم ينطبق على حساب البيدر»، فإن ميلونشون وأنصاره ما زالوا يأملون أن يكذب التصويت الحقيقي يوم غد توقعات استطلاعات الرأي العام.

- قلق المعسكر الرئاسي
حتى فترة قريبة، كان ماكرون، الرئيس المنتهية ولايته، ينام على حرير حصول انتخابات مضمونة النتائج، ولا سيما، بعدما نجح في تهميش الحزبين التقليديين. وواضح أن ماكرون أصاب عصفورين بحجر واحد: فهو من جهة، أزاح ممثلي الحزبين التاريخيين، مصدر التهديد. ومن جهة ثانية، جعل اليمين المتطرف ممثلاً بمارين لوبن، خصمه المفضل انطلاقاً من قراءة مفادها أن المجتمع الفرنسي ليس مستعداً بعد لوصول اليمين المتطرف إلى قصر الإليزيه. وبالتالي فإن إلحاق الهزيمة بلوبن أكثر سهولة بالنسبة إليه.
بكلام آخر، فإن ماكرون يستطيع استخدام لوبن «الفزاعة» للفوز بولاية جديدة. ومن هنا، فقد دأب خلال الأشهر الماضية على تقديم نفسه على أنه ممثل معسكر الإصلاح والانفتاحيين والتقدميين وأنصار الاندماج الأوروبي والاقتصاد الليبرالي بمواجهة معسكر التقوقع والقومية والرجوع إلى الماضي.
ومنذ الخريف الماضي، كان واضحاً أن مقاربة ماكرون هي الصحيحة، الأمر الذي كانت تبينه استطلاعات الرأي أسبوعاً وراء أسبوع. ومع أن هذه الاستطلاعات ليست منزهة عن الأخطاء، فإنها تعكس صورة فوتوغرافية عن حالة الرأي العام وميزان القوى السياسي. وخلال أشهر طويلة، كان ماكرون يحتل المرتبة الأولى بفارق كبير عمن يتبعه من المرشحين، بل مع بدء العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، ارتفعت شعبيته أكثر، وأفادت الاستطلاعات بأنه تخطى نسبة الـ30 في المائة للدورة الأولى بينما كانت حصة منافسته الأولى لوبن دون العشرين في المائة. ورأى المحللون السياسيون الرئيس المنتهية ولايته استفاد من كونه رئيساً للجمهورية ورئيساً للاتحاد الأوروبي حتى يونيو المقبل، ليرسي صورته كأحد زعماء العالم الغربي، كما أن ديناميته الدبلوماسية برزت من خلال الدور الذي أداه مع نظيريه الروسي والأوكراني، وبالتعاون مع القادة الغربيين ليمنع، بداية، اندلاع الحرب ثم، لاحقاً، لإيجاد مخرج وحل سياسي لها.
غير أن هذا الرصيد الانتخابي تراجع كثيراً خلال الأيام الأخيرة، وتقلص الفارق الذي كان يتمتع به إزاء لوبن بحيث بدأ الشك يتسلل إلى مسؤولي حملته الانتخابية. وباختصار، فإن ماكرون ومستشاريه كانوا يتوقعون فوزاً سهلاً واستنساخاً لما جرى في عام 2017، لكن يبدو اليوم أن الأمور تسير في اتجاه مختلف.

- لوبن... بحلة جديدة
وحقاً، في الأيام الأخيرة، دأب العديد من الوسائل الإعلامية على استكشاف مواطن الضعف في حملة ماكرون مع أنه ما زال يتربع على المرتبة الأولى في مختلف استطلاعات الرأي. ورصدت هذه الوسائل جملة من المخاطر، أبرزها:
1 - تراجع القدرة الشرائية للمواطنين، خصوصاً محدودي الدخل.
2 - الجدل بخصوص استعانة الحكومة والرئاسة بمكاتب الاستشارات الخارجية الفرنسية والدولية التي كلفت الدولة - وفق تقرير لمجلس الشيوخ - مليار يورو عام 2021، ما اعتبره العديد من المرشحين بمثابة «فضيحة دولة».
3 - تردي صورة ماكرون الشخصية واستمرار النظر إليه على أنه إما «رئيس الأغنياء» أو أنه «مكتفٍ بنفسه» و«متكبر» منقطع عن العالم الحقيقي.
4 - حملته الانتخابية القصيرة، وما اعتبر ضحالة برنامجه للسنوات القادمة، وميله إلى اقتناص الأفكار الجيدة من برامج الآخرين.
5 - خطر التغيب الواسع عن المشاركة في الانتخابات بسبب قناعة شريحة واسعة من الناخبين أن النتيجة معروفة سلفاً، وهو ما يسعى ماكرون لدحضه وحض الفرنسيين على الذهاب إلى مكاتب الاقتراع يومي 10 و24 أبريل (نيسان) الجاري.
في الماضي القريب برز طيف لوبن على أنها كانت تعد «أفضل منافس» يسهل على ماكرون التغلب عليه لأنه قسم الناخبين إلى قسمين: «التقدميون المنفتحون» وهو على رأسهم، و«القوميون الانغلاقيون» الشعبويون الذي يضم لوبن وزيمور يميناً... وميلونشون يساراً، لكن اليمين بجناحيه الكلاسيكي والمتطرف وجد في الملف الأمني والهجرات مادة دسمة لمهاجمة محصلة حكم ماكرون لسنوات خمس، ثم جاء العنف الذي شهدته ضاحية سيفران، الواقعة شمال باريس، عقب مقتل سائق شاحنة «مسروقة» أرداه رجل شرطة لرفضه الانصياع له وما استتبعه من أعمال وفرت لليمين مادة «طازجة» إضافية لمهاجمته. ويضاف إلى ذلك ما عرفته جزيرة كورسيكا من مظاهرات صاخبة واشتباكات مع رجال الأمن بعد وفاة إيفان كولونا، المحكوم عليه بالسجن المؤبد بسبب قتله محافظ الجزيرة عام 1998.
في المقابل، فإن لوبن دأبت على تلميع صورتها، وإظهار «اعتدالها» - شكلياً على الأقل - مستفيدة من صورة زيمور البالغة التطرف المناقضة لها، والتركيز على قربها من الناخبين، والتطرق بشكل دائم للقدرة الشرائية لتخلص إلى القول إنها اليوم أصبحت «جاهزة» لحكم فرنسا.
النتيجة أن كل استطلاعات الرأي في الأسابيع الأخير تجعل لوبن على مسافة قريبة من الرئيس ماكرون حيث تقلص الفارق بينهما في الجولتين الأولى والثانية إلى حد كبير، ولم يعد يتخطى الخمسة في المائة (28 ــ 23 في الجولة الأولى و52 ــ 48 في الجولة الثانية). وهكذا، بالنظر إلى هامش الخطأ المعروف في نتائج الاستطلاعات، وتوقع مقاطعة نسبة كبيرة من الفرنسيين لهذه الانتخابات (نحو 30 في المائة)، يمكن تفهم القلق الذي يصيب معسكر ماكرون بسهولة، وبالتالي فإن احتمالات الربح والخسارة أصبحت مفتوحة للطرفين.
 


مقالات ذات صلة

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

حصاد الأسبوع Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل

رائد جبر (موسكو)
حصاد الأسبوع بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة

نظير مجلي ( القدس)
حصاد الأسبوع دمار غزة (آ ب)

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش

«الشرق الأوسط» (القدس)
حصاد الأسبوع الرئيس الفرنسي ماكرون يدلي بصوته (آ ب)

فرنسا: خريطة جديدة بعد الانتخابات المحلية

شهدت فرنسا يومَي 15 و22 مارس (آذار) الحالي جولتَي اقتراع في الانتخابات البلدية، اللتين أدلى فيهما نحو 28 مليون فرنسي بأصواتهم لتجدِيد أكثر من 34 ألف مجلس بلدي.

أنيسة مخالدي (باريس)
حصاد الأسبوع من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة

وارف قميحة (بيروت)

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
TT

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل الأولويات، ويخلط التوازنات والتحالفات. موسكو كانت قد سعت جاهدة إلى تجنّب خيار الحرب على أبرز شركائها الاستراتيجيين، فقدّمت عروضاً كثيرة للوساطة جرى تجاهلها تماماً. ثم عندما انفجر الصراع وجدت نفسها أمام واقع يؤكّد تراجع فرصها للتأثير على مساره وتداعياته المحتملة ليس فقط على إيران، بل وعلى كل الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، ومع المحيط الإقليمي الذي ازداد مشهده تعقيداً. اليوم يبدو أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب. ومن ثم محاولة استجلاء الفرص التي توفّرها المواجهة، بالأخص، على صعيد اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي. ومن جهة ثانية، رصد التهديدات الجديدة التي برزت، لا سيما، في منطقتي حوض قزوين وجنوب القوقاز حيث ترسم ملامح توازنات جديدة.

عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» قد تَختصر الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسّع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوّية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ ما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل برّي مباشر يبدو مُكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

وثانيهما أن «سيناريو» وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة «حرب الأيام الـ12» في العام الماضي. بمعنى أن كل طرف سيعلن «إنجاز الأهداف» ولكن من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوّة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

وهذا «السيناريو» كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحّدة تحت سقف قيادتها.

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية. ومن ثم، حوّلت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات المهاجمين وقدراتهم، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، بالذات، لجهة تحرّك الأطراف المناهضة للحرب. ويضاف إلى ذلك تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضرِّرة من استمرار الصراع.

الرهان الروسي على قدرة إيران على الصمود برز من خلال تأكيد الكرملين المتكرر أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وأيضاً من خلال التأكيد على أن استمرار استهداف القيادات السياسية الإيرانية «لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة».

وفي هذا الإطار، ورغم التزامها موقفاً منتقداً لاستهداف الإيرانيين بلدان الخليج العربي، فإن موسكو كرّرت التشديد على دعم لجوء طهران إلى «الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارة التي ردّدها الكرملين، أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز الآن على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين وخط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وبالفعل، أجرى في الأسبوع الأول سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركّزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي، وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

كذلك أعاد الرئيس الروسي طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، التي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَي «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران.

في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصّب، ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بألا تُستخدم القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

كان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب.

لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصرّ على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبّر ترمب عن موقفها بوضوح، عندما قال إن «على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى».

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودة للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدّم مساعدات استخباراتية قيّمة إلى الإيرانيين.

ولم تقتصر الاتهامات الأميركية على «مبالغات إعلامية» أو تسريبات بعض الأجهزة؛ بل شكّل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف - الذي وجّه تحذيراً قوياً إلى موسكو - إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد. فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

مع هذا، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، بالتوازي مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وترى مصادر إعلامية روسية أن هذا العون، الموجّه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصبّ في اتجاهين رئيسين:

الأول: مواصلة تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحرّكات الإسرائيلية، وتجنّب الانخراط في تقديم عون قد يضرّ مباشرة بالأميركيين، وذلك حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلّق بدعم غير مباشر يُقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوّقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يُقدَّم عبر مؤسسات تجارية، ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

تسوية أوكرانيا مؤجلة

الأمر الأكيد أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بدأت تُلقي بظلالها على توقّعات إطالة أمد الحرب الأوكرانية، في ظل الكلام عن انشغال واشنطن بـ«أولويات أخرى».

وبعدما كان الرهان الروسي يركّز على ضغط واشنطن القوي لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية، ويفرض تسوية مقبولة بالنسبة إلى موسكو، بدا أن القناعة تزداد في كييف - وأيضاً في موسكو - بأن تداعيات المواجهة القائمة في الشرق الأوسط سوف تكون طويلة الأمد. وكشفت تقارير أوكرانية عن توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده، لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترةٍ قد تطول إلى ثلاث سنوات إضافية.

ويُذكر أن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف كان قد أشار، في وقت سابق، إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعنيّ بالقضايا الأمنية التي تشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وأعرب لاحقاً عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكّن الولايات المتحدة من إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القضية والاتفاق على جداول زمنية جديدة. وأردف الناطق أن «لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم».

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب الإيرانية، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني وعلى مواقف البلدان الأوروبية، التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

هنا، لا يَخفىَ الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب إبّان هذه الحرب، وبالتحديد، على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وحقاً، أظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدّل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتّر في العلاقات عبر الأطلسي».

ويرى ياكوفينكو، الذي كان مكلّفاً بملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، أن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه راهناً أزمة حادة. والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النُّخَب الأوروبية إلى الرغبة في تعرض ترمب للهزيمة، ما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينئذٍ، سيمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا». بعبارة أخرى، يرى محلّلون وسياسيون روس أن حرب إيران دقت «الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، مع كل ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات.

حرب إيران تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز

على صعيد مختلف، مع الفرص التي يوفّرها اتساع الشرخ بين واشنطن وأوروبا، حملت الحرب على إيران تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا.

وحقاً، ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية في حرب إيران إلى منطقة حوض قزوين. وبينما أكد الكرملين «الرفض القاطع» لامتداد الحرب إلى هذه المنطقة، تحدثت تقارير عن مخاطر قَطع سلاسل الإمداد وتهديد مصالح حيوية لروسيا في بحر قزوين.

للعلم، كانت موسكو قد تجنبت التعليق، بشكل رسمي، على توجيه ضربة إسرائيلية إلى ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين. إلا أن الكرملين عاد بعد أيام للتحذير من مخاطر امتداد الصراع الدائر إلى بحر قزوين.

فلقد كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، يوم 19 مارس (آذار) الحالي، أنه هاجم سفناً وبنية تحتية إيرانية في بحر قزوين. وأفادت تقارير بأن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية حول شحنة عسكرية سرّية في طريقها من روسيا الاتحادية إلى إيران.

ووفقاً للمعطيات، فكانت إحدى السفن المستهدَفة تحمل شحنة كبيرة من الطائرات المُسيّرة ومعدّات إلكترونية متطوّرة. ووفقاً للتقديرات الأولية، جرى تعطيل ما يصل إلى خمس سفن حربية كبيرة في الغارة، وإلحاق أضرار جسيمة بسفينة أخرى. وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه العملية «تُعدّ أول استخدام قتالي موثَّق» لسلاح الجو الإسرائيلي في هذه المنطقة الجغرافية. والجدير بالذكر، أن الغارة نُفّذت على مقربة من ميناء أنزلي ذي الأهمية الاستراتيجية، الذي تقع بالقرب منه مراكز رئيسية للبنية التحتية للطاقة في إيران.

ورأت تقارير أن اعتراض شحنات الأسلحة أثناء تسليمها ليس مجرّد رد فعل، بل محاولة استباقية لتعطيل سلاسل الإمداد. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الضربة تبعث رسالة سياسية لا تتعلق بإيران فحسب، بل بروسيا أيضاً بوصفها مصدراً محتملاً لهذه الإمدادات.

تعليقات في موسكو

اللافت أن القلق الروسي بسبب هذه الضربة انعكس في تعليقات خبراء وتغطيات وسائل الإعلام الحكومية، إذ كتب معلِّق سياسي أن الضربة الإسرائيلية «تحمل رسالة متعددة الأوجه. فهي من ناحية ضربة مباشرة لإيران باستهداف قاعدة بحرية وسفن وبنى لوجيستية بهدف تقليص قدرة إيران العسكرية لتخفيف الضغط على الخليج. إلا أن النطاق الجغرافي للضربة في بحر قزوين، المنطقة القريبة للغاية من روسيا، منطقة النفوذ والمصالح الروسية قطعاً، والمرتبطة بخط إمداد روسيا لإيران، يتضمن رسالة إلى روسيا أيضاً واختباراً لـ«الرد الروسي المحتمل»، ولا سيما أن ذلك يطول المصالح الاستراتيجية الروسية بشكل مباشر، المتمثلة في الممر الدولي (شمال - جنوب) الذي يربط بين الهند وإيران وروسيا وأوروبا، وتحديداً المسار الأوسط للممر الذي يعتمد على بحر قزوين بصفته نقطة تحميل وشحن أساسية. وهذا الأمر يزيد الضغط على المسار الغربي للممرّ الذي يمرّ عبر روسيا - أذربيجان - إيران، والمسار الغربي الذي يمر عبر تركمانستان وكازاخستان».

ورأت تعليقات أخرى أن «ما يحدث الآن هو لعب بالنار يجري بالقرب من الحدود الروسية، وتحدٍّ فظ ومباشر للأمن القومي الروسي»

ويعكس هذا الكلام مستوى القلق الزائد لدى موسكو بسبب الحرب، واحتمالات تأثيرها على موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز، لا سيما وأن أذربيجان تُعدّ حليفاً وشريكاً أساسياً لإسرائيل في المنطقة، وشكّلت أراضيها منطلقاً لبعض الهجمات في حرب الـ12 يوماً العام الماضي. ثم إن موسكو كانت غير راضية أصلاً عن الترتيبات التي تقودها واشنطن في هذه المنطقة، بما في ذلك عبر إضعاف النفوذ الإيراني، وتحييد روسيا في ملف الصراع الأذري الأرميني. ويبدو أن الحرب الأخيرة تهدّد موسكو برسم ملامح جديدة للتوازنات في المنطقة. الحرب على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا


إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
TT

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على مواقع إسرائيلية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وعندما قرَّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيينه لهذا المنصب، فإنَّه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة إسرائيل للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في فبراير (شباط). وحصل ذلك، ليس فقط كي لا يعيش الجيش في فراغ بعد استقالة رئيس الأركان هاليفي، بل أيضاً للظهور أمام ترمب قائداً قوياً يستطيع أيضاً أن يحارب الجنرالات الأقوياء تحت قيادته. اختيار زامير تحديداً لهذا المنصب، مع أنَّه كان قد أصبح خارج الجيش لـ3 سنوات، هو جزء من الرسالة. والسبب أنَّ زامير يمثل بالنسبة لنتنياهو نهاية عهد وبداية عهد جديد في العلاقات بين القيادتين السياسية والعسكرية. وهذه العلاقات المتوترة، التي تعكَّرت بمبادرة من نتنياهو منذ عام 2011، باتت تلحق أضراراً بالجهتين.

كان يُؤمل من إيال زامير تولِّي «مهمة تنظيفية»، إذ يروّج في الأوساط العسكرية أن قادة الجيش الإسرائيلي فقدوا احترامهم للقيادة السياسية بتاتاً، وأن زامير هو الجنرال الوحيد في المؤسّسة الذي يكنّ قدراً من الاحترام لنتنياهو. فهو يعرفه عن قرب منذ عُيّن سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء (2012 - 2015)، ثم مديراً عاماً لوزارة الدفاع. وتولّى إبّان الحرب مهمّة شراء كميات هائلة من الذخائر والأسلحة، وعمل بتنسيق يومي مع نتنياهو. وأخيراً، وقف إلى جانب نتنياهو في أثناء خلافاته الأخيرة مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

غير أن ترميم العلاقات بين الحكومة والجيش سيكون مهمةً ثانويةً لرئيس الأركان الجديد إذا ما قورنت بالمهام والتحديات الأخرى، وأبرزها إعداد الجيش للحروب المقبلة. فقد تم بناء الجيش خلال السنوات الـ10 الأخيرة بطريقة يكون فيها «صغيراً (من حيث العديد) وحكيماً»، يستند إلى التكنولوجيا العالية. ولكن ثمّة قناعة تامة اليوم بأنه يجب أن يعود كبيراً وكلاسيكياً، ويعتمد في الاجتياحات البرّية على الدبابات والمدرّعات. وزامير هو رئيس الأركان الوحيد الآتي من سلاح المدرعات منذ أكثر من 50 سنة (آخر رئيس أركان جاء من سلاح المدرّعات كان دافيد إليعازر الذي قاد الجيش في حرب أكتوبر 1973).

دروس «حرب غزة»

ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية»، التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير الحكيم» خطأ مميتاً لا يلائم مهماته في المنطقة. وترى أن الحرب الأخيرة على غزة، وكذلك على لبنان، أظهرتا نقاط ضعف شديدة في الحرب الميدانية. وبالتالي، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أضحت درساً لجيوش الغرب تتعلم منها أن لا غنى عن الحرب الميدانية. ويتكلّم البعض في هذه «المدرسة» في إسرائيل اليوم عن خطر فتح «جبهة سابعة» ضد تركيا؛ بسبب التطوّرات في سوريا. ذلك أن الوجود العسكري التركي هناك يمكن أن يتحوَّل إلى صدام مع إسرائيل، والمعروف أن الجيش التركي بُني - وما زال حتى اليوم - بوصفه جيش قتال برّي. ومع أن هذه الفرضية تبدو ذات احتمالات ضعيفة، حتى الآن، فإن العسكريين والمحللين الإسرائيليين يأخذونها في الاعتبار ويثيرونها علناً.

ولقد أعجبت هذه «الرؤية» قوى اليمين المتطرّف الحاكمة فعلياً في إسرائيل، ويمثلها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد طلب - وحظي بما طلبه - المساهمة في اختيار زامير. وقال سموتريتش بعد اختيار زامير: «كلّي أمل بأن يثبت جدارته في تغيير عقيدة الجيش إلى عقيدة قتالية صارمة، تتّسم بالإقدام والالتحام وتقتلع الإرهاب الفلسطيني من جذوره». وردَّد نتنياهو الكلام نفسه لدى اتخاذ الحكومة قرارها رسمياً بالمصادقة على تعيين زامير خلال جلستها يوم الأحد 16 مارس 2025؛ إذ قال: «زامير رجل صدامي، وهو ما يحتاج إليه الجيش اليوم».

«أبو المعارك»

لقد أمضى زامير 42 سنة من عمره في الجيش باستثناء سنوات قيادته لوزارة الدفاع، التي تعدُّ خليطاً من الخدمة العسكرية والأمنية الإدارية. وخلال هذه الفترة، شارك في كل الحروب والمعارك التي خاضها الجيش، وتدرَّج في سلم القيادة، وتعرَّف على كل الجبهات. وكان نموذجه الأعلى والده، اليمني الأصل، الذي وصل إلى رتبة مقدّم في الجيش الإسرائيلي.

فقد استهل خدمته بقيادة دبابة في لبنان عام 1985. وأمضى 5 سنوات محارباً، حتى حصل على رتبة رائد. وخلالها قاتل في «الانتفاضة الفلسطينية الأولى»، ثم أُعيد إلى لبنان، وبقي هناك حتى الانسحاب عام 2000.

وتولى قيادة الجيش في منطقة جنين، في السنتين حتى 2002، حين وقعت «مجزرة جنين». وبعدها أمضى 3 سنوات يحارب في خان يونس، حتى تقرَّر الانسحاب من القطاع، وأشرف بنفسه على هذا الانسحاب. وعام 2011 تولى قيادة «قوات اليابسة» وهي قيد التأسيس. واختاره نتنياهو بعد سنة سكرتيراً عسكرياً، فأشرف معه على جولتَي الحرب على غزة في عامَي 2012 و2014.

في عام 2015 ترك زامير مكتب رئيس الحكومة ليُعيَّن قائداً للواء الجنوب، المسؤول عن قطاع غزة. وبعد شهر واحد من توليه المسؤولية بدأت حرب استنزاف مع القطاع استمرَّت 3 سنوات. وعندها تولى منصب نائب رئيس الأركان، لمدة 3 سنوات. ومن هنا أصبحت الحرب على إيران همّه الأول.

وحقاً، زامير هو واضع أسس العقيدة القائلة إنه يجب قطع أذرع إيران في المنطقة (حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان)، وعدم إغماض العينين عن الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في العراق، وردع نظام بشار الأسد في سوريا، جنباً إلى جنب مع التحضير للحرب على إيران.

وهكذا طرح عقيدته حول «الجيش الكلاسيكي» الكبير والحديث، لأنَّه يحتاج إلى قوات كبيرة تحارب على الأرض في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. وكان لهذه الرؤية تأثير كبير على اختياره رئيساً للأركان.

«البطش بلا رحمة»

مع أن زامير يستخدم في خطاباته عبارة «الأخلاق العالية» للجيش، فإنَّه وضع قواعد حربية لا تلائم هذه القيم. إذ اعتمد القصف الجوي أساساً للعمليات الحربية، بوصفه «مقدمة لا بد» منها لعمليات الاجتياح البرّي، حتى في منطقة مثل قطاع غزة التي تُعدُّ من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم. وكان بديهياً أن هذا يعني الإيقاع بأعداد ضخمة من القتلى والمصابين من المدنيين الأبرياء، بشكل واعٍ وبلا رحمة. وإذا أراد اغتيال شخصية قيادية من «حماس» ما كان يتردَّد ولو عرف أن مع هذه الشخصية سيٌقتل عددٌ من أفراد عائلته، زوجته وأطفاله وأطفال جيرانه.

هذا الأسلوب نقله حتى إلى الضفة الغربية، حيث أكثر من عمليات القصف الجوي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم، فدمَّرها وتسبَّب في تهجير 44 ألفاً من سكانها.

واتبع زامير عقيدةً قتاليةً جديدةً هي «الضربات الاستباقية»، وثمة مَن يسمِّيها «الحرب الاستباقية»، على كل الجبهات. ومفادها أنه لا ينتظر أن يهدِّد العدو بالحرب، بل بمجرد تحرُّكه في مهام قتالية ضد إسرائيل، على الجيش أن يسبقه بضربة حربية أقسى. وهذا ينطبق على الحرب ضد إيران أيضاً، وكذلك ضد «حزب الله » في لبنان.

زامير جلب أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي «عقيدة» أخرى هي رفض الخوف من الحروب الطويلة، وحروب الاستنزاف، والتأهب لتبعات حروب مثل هذه.

«تضافر» القيادتين

لكن أكبر حدث يمكن لزامير أن يعدّه «هديةً» هو الفرصة التي سنحت له لأن يدير حرباً بالشراكة التامة مع الجيش الأميركي. فمنذ نهاية فبراير الماضي، يدير زامير مع الجنرال تشارلز كوبر، قائد القوات المشتركة في الجيش الأميركي، وقائد قوات المنطقة الوسطى بالشرق الأوسط (سنتكوم)، حرباً مشتركة تُستخدم فيها أحدث وأخطر الأسلحة ضد إيران.

فاليوم، الطيارون الأميركيون والإسرائيليون يطيرون كتفاً بكتف فوق سماء طهران، بإشراف فريق عمل واحد يعمل من تل أبيب ومن البنتاغون. ويتبادلون الخبرات ويسوِّقون للأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي ستباع بأسعار عالية لأنها أسلحة مجرَّبة، وبذا ترتفع مكانة إسرائيل وجيشها أمام جيوش العالم، بعدما كان الجيش قد تعرَّض لضربة كبيرة من تنظيم صغير مثل «حماس».

وزامير يقود «حملة توعية» الآن مفادها أن «إيران أرسلت ذراعاً من أذرعها لمحاربة إسرائيل، وإسرائيل حوَّلتها إلى حرب شاملة على جبهات عدة، تدفع ثمنها ليس هي وحدها بل إيران وأذرعها أيضاً وبشكل مضاعف مرات عدة».

وهو يستخدم هذه الحرب كي يعزِّز قوة الجيش أكثر فأكثر، بعدد الجنود ونوعية الأسلحة وضخامة الميزانية. والحكومة تسير معه صاغرة. وهكذا يعزِّز مكانته الشخصية أيضا بوصفه صاحب أكبر تراث حربي بين جنرالات إسرائيل.

سيرته الذاتية

وُلد إيال زامير عام 1966 وترعرع في إيلات، لعائلة ذات تربية عربية. أصوله لجهة والدته - المولودة في القدس - تعود لعائلة عبادي المعروفة بأنها عائلة يهودية من حلب السورية، وجدّه لوالده مهاجر من اليمن وصل إلى فلسطين عام 1920، وحارب في صفوف تنظيم «الإرغون» اليميني.

ودرس زامير في المدرسة الداخلية العسكرية بتل أبيب. وإبان خدمته العسكرية تخرّج في كلية القيادة والأركان المشتركة وكلية الأمن القومي. ثم حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، ودرجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة حيفا، وهو خريج برنامج الإدارة العامة للمديرين التنفيذيين الكبار في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، واجتاز دورتَي تعليم عسكري كليتَي الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا.

بدأ الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات عام 1984، ثم أكمل دورة تدريب على قيادة الدبابات. وظلَّ يتنقل من منصب قيادي حربي إلى آخر حتى صار سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عام 2012.

وبعد 3 سنوات، عاد زامير إلى الجيش، وأصبح قائداً للواء الجنوبي، ليسجِّل باسمه الجدار القوي المحكم حول قطاع غزة، الذي اخترقته «حماس» بسهولة بالغة يوم 7 أكتوبر 2023. وعام 2018 عُيِّن نائباً لرئيس الأركان، وكان منافساً على رئاسة الأركان، لكن رئيس الوزراء - يومذاك - يائير لبيد، فضَّل اختيار هيرتسي هاليفي، فترك زامير الجيش، ولكن بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، عُيِّن مديراً عاماً لوزارة الدفاع.

الحياة المهنية

تمَّ تجنيد زامير في الجيش الإسرائيلي وانضم إلى سلاح المدرعات عام 1984. في سلاح المدرعات خضع للتدريب بصفته جندياً قتالياً، وحضر لاحقاً دورة قائد الدبابات. وأكمل دورة ضباط المدرعات، وكان قائد فصيلة وقائد سرية في اللواء 500 واللواء 460.

وفي الفترة 1992 - 1994، عمل ضابط عمليات في اللواء المدرع السابع (برتبة رائد). ومن عام 1994 إلى عام 1996، عمل قائداً للكتيبة 75 في اللواء السابع (برتبة مقدم). وعام 1996، كان قائداً لدورة قادة الدبابات في المدرسة المدرعة. وظلَّ في هذا المنصب حتى عام 1997، عندما ذهب للدراسة لمدة عام في مدرسة الحرب في فرنسا.

بعدها، بين 1998 و2000، شغل منصب ضابط عمليات في الفرقة 162. وبين 2000 و2002، كان رئيساً لقسم نظرية سلاح المدرعات في مقر رئيس ضباط المدرعات، وفي الوقت نفسه شغل منصب قائد اللواء 656، وهي فرقة احتياطية في القيادة المركزية (برتبة عقيد). وبين 2002 و2003، كان قائداً لمركز التدريب التكتيكي في المركز الوطني للتدريب على الأرض،


رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)
TT

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لأنه لم ينم تلك الليلة. فقد أرسل قواته إلى مقبرة فلسطينية شمال قطاع غزة، للتنقيب عن رفات الجندي ران غويلي، آخر رهينة لدى «حماس»، الذي تبين أنه دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية ضمن رفات العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، ولم يُتح دفنهم بشكل طبيعي. وعندما تكللت بالنجاح، بث الناطق بلسان الجيش شريط فيديو يظهر زامير وهو بسيارته يتكلم مع والدَي الجندي ويبشّرهما بالعثور على رفات ابنهما.

أما «الهدية» الثانية فكانت عندما استدعاه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وأبلغه بأن «الأمر حُسم عندي وعند الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أننا سنحارب معاً، كتفاً إلى كتف، ضد إيران، في القريب. فاستعد كما يجب. أنا أعتمد عليك».

زامير، الذي يسجل في تاريخه أنه أكثر جنرال خاض وقاد حروباً في تاريخ إسرائيل، تلقف الهدية الثانية بحماسة بالغة؛ إذ كان قد خدم في عدة مواقع عسكرية وأمنية تعمل كلها على الإعداد للحرب مع إيران. فعندما عُين نائباً لرئيس الأركان في عام 2018، بلوَر عقيدة القتال مع إيران، طيلة ثلاث سنوات من البحوث والتدريبات في سلاح الجو. وعندما ترك الجيش ليصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن، تولى مسألة إعداد الأسلحة اللازمة للحرب على بعد 1600 كيلومتر من حدود إسرائيل، والذخيرة التي تحتاجها هذه الحرب. ودخل في نقاشات حادة مع الأميركيين في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، للحصول عليها.

من وراء الكواليس، عمل قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف على اختيار زامير، ولكن ليس لأنه يلائم اليمين فكرياً أو سياسياً؛ بل لأنه لم يُجرّب في الضفة الغربية. ففي العادة، يتولّى قائد المنطقة الوسطى في الجيش مهمة قيادة الجيش في الضفة، ومن هنا يحدث احتكاك مع المستوطنين.

زامير لم يتولَّ هذه المهمة. ويوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان خارج هيئة رئاسة أركان الجيش؛ ولذا رأى فيه اليمين خروجاً عن سرب القيادات العسكرية التي ينبذها. ومع هذا، ففي الأيام الأخيرة قبل تعيين زامير لوحظ حراك يميني للانقلاب على هذا التوجه. ولكن صحيفة «معاريف» كتبت عنه: «مَن يعرف زامير عن كثب عبر خدمته العسكرية يروي أنه ضابط نظيف من الخلطات، وبريء من السياسة. ضابط ينظر إلى الجيش لا كوحدة خاصة أو منظومة خاصة، بل كجهاز عظيم يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى يد حديدية دقيقة على الدفة. ينبغي له أن يعيد الجيش إلى المهنة العسكرية من البداية، ويجعله قريباً من الناس». وأردفت: «عليه أن يعيد إلى المهنة العسكرية شرفها والحرص على الثقافة العسكرية، وألا تنزلق إلى ثقافة معسكرات، خلطات أو تلاعبات. عليه أن يعيد إلى الجيش شرفه، وأن يعيد ثقة الجمهور به. عليه أن يحاول بناء سور يشبه سور الصين بين الجيش والسياسيين. إيال زامير سيكون رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، ودوره لن يكون أقل من تاريخي».