فرنسا: انتخابات رئاسية على وقع تداعيات الحرب الأوكرانية

في ظل صعود كبير لليمين المتطرف

فرنسا: انتخابات رئاسية على وقع تداعيات الحرب الأوكرانية
TT

فرنسا: انتخابات رئاسية على وقع تداعيات الحرب الأوكرانية

فرنسا: انتخابات رئاسية على وقع تداعيات الحرب الأوكرانية

عجيب أمر هذه الانتخابات الرئاسية الفرنسية فهي مختلفة عما سبقها من استحقاقات ولكنها في الوقت عينه شبيهة بما عرفته فرنسا في انتخابات ربيع عام 2017 الرئاسية. من جهة، يتوجه الناخبون الفرنسيون الذين يزيد عددهم على 48 مليون نسمة إلى صناديق الاقتراع يوم غد الأحد فيما الحرب دائرة على الأراضي الأوروبية منذ أن أطلق الرئيس الروسي حملته العسكرية على أوكرانيا في 24 فبراير (شباط) الماضي. وطيلة الأسابيع الستة المنقضية كانت أخبار الحرب تهيمن على الوسائل الإعلامية المختلفة، في فرنسا كما في غيرها من البلدان الأوروبية والعديد من بلدان العالم الأخرى، بسبب الويلات التي تسببت بها والملايين من السكان الذين رمتهم على الطرقات، فضلاً عن المشاهد المؤلمة المنقولة من مدينة بوتشا الأوكرانية وغيرها من المدن المنكوبة.

تأييد ماكرون تراجع كثيراً خلال الأيام الأخيرة، وتقلص الفارق الذي كان يتمتع به إزاء لوبن بحيث بدأ الشك يتسلل إلى مسؤولي حملته الانتخابية بغض النظر عن ويلاتها، فإن الحرب الروسية على أوكرانيا والمخاوف التي أثارتها، حرفت أنظار الفرنسيين عن الحملة الانتخابية... بحيث إن تغطيتها إعلامياً كانت تجيء في المرتبة الثانية إن لم تكن الثالثة. وما زاد الطين بلة أن الرئيس إيمانويل ماكرون، الذي سعى منذ ما قبل اندلاع المعارك إلى القيام بوساطة بين كييف وموسكو وزار الرئيس الروسي في 7 فبراير الماضي ونظيره الأوكراني في اليوم التالي، وبقي على تواصل مع الاثنين ومع القادة الأوروبيين ومجموعة السبع وحلف شمال الأطلسي (ناتو)، لم يدخل المعترك الانتخابي رسمياً إلا في اليوم الأخير المتاح قانونياً.
في أي حال، رغم انضمام ماكرون إلى قافلة المرشحين الـ11ـ الآخرين، فإن حملته لهذا العام لا تشبه أبداً حملته الناجحة في عام 2017 إذ إنها تفتقد إلى الدينامية وإلى الحمية الشعبية؛ فالرئيس ــ المرشح الراغب بولاية جديدة من خمس سنوات قصر مشاركته على مهرجان انتخابي جماهيري واحد وعلى تنقلات محدودة ومختارة بعناية، ثم تتوجب الإشارة إلى أن ماكرون رفض مبكراً المشاركة في مناظرة تلفزيونية تجمع كل المرشحين أو الأوائل منهم، كما رفض المشاركة في برنامج تلفزيوني أعدته «القناة الثانية» العمومية يقوم على تكريس الوقت نفسه تباعاً لكل المرشحين.

- «الغائب الأكبر»
وباختصار، فإن ماكرون كان إلى حد بعيد «الغائب الأكبر» عن هذه المعركة. ولقد دفع هذا الأمر جيرار لارشيه، رئيس مجلس الشيوخ اليميني والرجل الثالث في هرمية الدولة الفرنسية، إلى التحذير من أن غياب النقاش المباشر بين المرشحين يمكن أن تكون له تبعاته على شرعية الرئيس المنتخب... مستهدفاً بذلك إيمانويل ماكرون. وجاء رد الأخير عليه في مؤتمر صحافي بقوله إنه «لا يتعين على رئيس لمجلس الشيوخ أن يصدر عنه هذا الحديث».
وهكذا، تهمشت المعركة الكبرى التي تشكل الركن الأساسي للديمقراطية الفرنسية، بيد أن الملف الأوكراني لم يكن وحده السبب، ذلك أن فرنسا لم تكن قد خرجت بعد من تبعات جائحة فيروس «كوفيد - 19» ومتحوراته حتى جاءت الحرب ومعها جاء ارتفاع الأسعار، وعلى رأسها مشتقات الطاقة والكهرباء والمواد الغذائية والسلع الأخرى المتأثرة بموجة غلاء على المستوى العالمي.
وكما يعي الجميع، فإن الغلاء صنو تراجع القدرة الشرائية للمواطنين، خصوصاً ذوي الدخل المحدود، وصنو النقمة التي ما انفكت تتفاعل على المستوى الشعبي، ما دفع الحكومة الفرنسية إلى التعجيل في إيجاد «مسكنات» وكسب القوت حتى يمر الاستحقاق الانتخابي بسلام. ومن هنا، سارعت حكومة جان كاستيكس إلى تخفيف وطأة فاتورة المحروقات خوفاً من أن تعود ظاهرة «السترات الصفراء» مجدداً وبدفع أكبر يتجاوز ما عرفته البلاد في عامين 2019 و2020.

- صعود اليمين الشعبوي
ثمة ثلاث ظواهر تطبع هذه الحملة: أولها صعود نجم مرشح اليمين الشعبوي المتطرف أريك زيمور ثم أفوله. هذا الرجل الوالج السياسة من باب الصحافة والكتابة، كان الظاهرة الأبرز طيلة الأسابيع والشهور التي سبق أن تلت إعلان ترشحه.
زيمور جاء لينافس مارين لوبن، مرشحة حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف التي تخوض حملتها الرئاسية الثالثة. ولوبن ورثت الحزب الذي رعاه والدها جان ماري لوبن سياسياً قبل أن تزيحه من الساحة عندما غدا عبئاً عليها. وبعدما كان زيمور المدافع عن نظرية «الاستبدال الكبير» أحد أشد أنصار لوبن، فإنه ابتعد عنها وانتهج خطأً أكثر راديكالية عنوانه التنديد بالإسلام والمسلمين وبالمهاجرين، والدفاع عن «الهوية الفرنسية المسيحية المهددة». وتعني النظرية المشار إليها أن فرنسا ستتغير جذرياً بحيث ستحل مجموعات وشعوب محل الشعب الفرنسي، وستفرض عليه قيماً ليست قيمه وثقافة بعيدة كل البعد عن ثقافته.
ويدعو زيمور لوقف جذري لتيار الهجرات، ولمنع الحجاب، وإعادة ترحيل مليون مهاجر خلال خمس سنوات من حكمه، واتباع سياسة اجتماعية واقتصادية وتربوية لصالح الفرنسيين وحدهم. وذهب إلى حد الدعوة إلى إبدال الأسماء العربية والإسلامية في فرنسا بأسماء أوروبية... وكانت فورة زيمور قد وصلت إلى درجة تجاوز فيها مارين لوبن بحيث قربته من إمكانية التأهل للدورة الثانية من الرئاسيات ليواجه الرئيس ماكرون.

- خيبة اليمين الكلاسيكي واليسار الاشتراكي
عنوان الظاهرة الثانية تراجع الحزبين الرئيسين... حزب «الجمهوريون» اليميني التقليدي، والحزب الاشتراكي الفرنسي.
الأول، وهو وريث الحزب الذي أسسه الجنرال شارل ديغول، أعطى للبلاد خمسة رؤساء منذ تأسيس الجمهورية الخامسة في ستينات القرن الماضي. أما الثاني فأوصل رئيسين إلى قصر الإليزيه هما فرنسوا ميتران (لولايتين رئاسيتين) وفرنسوا هولند. ثم جاء إيمانويل ماكرون، وزير الاقتصاد في عهد الأخير، من صفوف اليسار الليبرالي حاملاً مشروع تخطي الأحزاب.
لأول مرة، خرج الحزبان الكبيران في انتخابات عام 2017 من المنافسة بحيث لم يتبق في الميدان سوى ماكرون ومنافسته مرشحة اليمين المتطرف لوبن. وخلال السنوات الخمس المنقضية، سعى الحزبان لإعادة تأكيد حضورهما السياسي وشكلت نجاحاتهما في الانتخابات البلدية والإقليمية، التي لم يحرز فيها الحزب الرئاسي «فرنسا إلى الأمام» أي نجاح يذكر، عنصر تشجيع لمضاعفة جهودهما السياسية. وفي 4 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، انتخب محازبو «الجمهوريون» عقب حملة تنافسية داخلية، فاليري بيكريس الوزيرة السابقة ورئيسة منطقة «أيل دو فرنسا» (أي باريس وضواحيها القريبة والبعيدة). وفي الأيام والأسابيع التي تلت، حققت بيكريس قفزة كبيرة في استطلاعات الراي العام التي أفاد بعضها بأنها ستكون متمكنة من التأهل للدورة الانتخابية الثانية. واعتبر وقتها أن برنامجها اليميني الصرف يلقى هوى داخل أوساط اليمين والوسط الفرنسيين، إلا أن حلم بيكريس تداعى خلال الشهرين المنقضيين. وتفيد استطلاعات الرأي الأخيرة بأنها ستكون عاجزة عن الوصول إلى سقف العشرة في المائة بحيث ستحتل المرتبة الخامسة في الجولة الأولى (بعد ماكرون ولوبن وجان - لوك ميلونشون - مرشح اليسار المتشدد – وزيمور). وبالتالي، سيخرج اليمين الكلاسيكي من السباق الرئاسي للمرة الثانية. والأسوأ من هذا أن الحزب، في صيغته الحالية، لن يقوى على البقاء في السنوات الخمس المقبلة؛ إذ إن العديد من «باروناته» إما التحق بماكرون سابقاً أمثال رئيس الحكومة جان كاستيكس ووزيري الاقتصاد والداخلية برونو لو مير وجيرالد درامانان... أو يتأهب للحاق به ما سيحدث زلزالاً سياسياً يقضي عليه.
ما يصيب اليمين التقليدي يصيب أيضاً اليسار الاشتراكي، الذي تخوض عمدة باريس آن هيدالغو السباق الانتخابي باسمه، بل إن وضع الاشتراكيين أسوأ حالاً مما عليه وضع «الجمهوريين». ذلك أن تسمية هيدالغو للتنافس جاءت وسط أجواء سامة وانقسامات حادة بين من يسمى «فيلة» الحزب، أي كبار أركانه. وطيلة الأشهر الماضية، فشلت هيدالغو في فرض نفسها مرشحة قيادية داخل اليسار الذي يعاني من تعدد الترشيحات التي أبرزها ميلونشون (16 في المائة)، يليه يانيك جادو مرشح «الخضر» (6 بالمائة) ثم فابيان روسيل عن الحزب الشيوعي (3.5 في المائة) ثم هيدالغو (2 في المائة)، وبعدهم فيليب بوتو مرشح الحزب المناهض للرأسمالية (1 في المائة) وناتالي أرتو مرشحة حزب النضال العمالي (0.5 في المائة). وبذلك يكون ترتيب هيدالغو السابع من بين الـ12 مرشحاً.

- ميلونشون... الاستثناء
في هذه الأثناء، ثمة قناعة متزايدة بأن الحزب الاشتراكي آيل إلى الزوال في بنيته الحالية، وبالتالي يتعين البحث عن صيغة أخرى للعمل السياسي في معسكر اليسار. واللافت أن هذا الحزب أوصل في عام 2012 فرنسوا هولند إلى قصر الإليزيه وكان يتمتع طيلة خمس سنوات بأكثرية نيابية، كما كان يسيطر على غالبية المناطق الفرنسية الكبرى ممسكاً بالرئاسة والإدارة ومجلس النواب وبغالبية المجالس الإقليمية والمحلية، إلا أنه اليوم تحول إلى حزب هامشي، وينتظر أن يلقى المصير نفسه في الانتخابات التشريعية المقررة في يونيو (حزيران) المقبل. وفي إطار هذا الركام السياسي، وحده جان لوك ميلونشون عرف كيف يبقى واقفاً على قدميه، لا بل إنه أطلق في الأسابيع الأخيرة دينامية سياسية لافتة برزت من خلال الإقبال الكبير الذي تشهده مهرجاناته الانتخابية.
ميلونشون، الذي حصل عام 2017 على 19.2 في المائة من الأصوات في الدورة الأولى يحدوه الأمل في أن يتخطى هذا الحاجز ويتأهل لينافس ماكرون في الدورة الثانية. ويراهن مرشح «الاتحاد الشعبي» - وهو الاسم الذي أعطاه لحملته - على انضمام «يتامى» اليسار إليه ووضع ورقته في صناديق الاقتراع ليمنع تكرار «سيناريو» الانتخابات الماضية التي شهدت تأهل ماكرون ولوبن، لكن مشكلته تكمن في أن دينامية حملته تسير بالتوازي مع دينامية لوبن، وكان رهان من قبل على أن ترشح زيمور سيفتح له طريقاً واسعة باعتبار أن أصوات اليمين المتطرف ستتوزع بين لوبن ومنافسها. ومع أن «حساب الحقل لم ينطبق على حساب البيدر»، فإن ميلونشون وأنصاره ما زالوا يأملون أن يكذب التصويت الحقيقي يوم غد توقعات استطلاعات الرأي العام.

- قلق المعسكر الرئاسي
حتى فترة قريبة، كان ماكرون، الرئيس المنتهية ولايته، ينام على حرير حصول انتخابات مضمونة النتائج، ولا سيما، بعدما نجح في تهميش الحزبين التقليديين. وواضح أن ماكرون أصاب عصفورين بحجر واحد: فهو من جهة، أزاح ممثلي الحزبين التاريخيين، مصدر التهديد. ومن جهة ثانية، جعل اليمين المتطرف ممثلاً بمارين لوبن، خصمه المفضل انطلاقاً من قراءة مفادها أن المجتمع الفرنسي ليس مستعداً بعد لوصول اليمين المتطرف إلى قصر الإليزيه. وبالتالي فإن إلحاق الهزيمة بلوبن أكثر سهولة بالنسبة إليه.
بكلام آخر، فإن ماكرون يستطيع استخدام لوبن «الفزاعة» للفوز بولاية جديدة. ومن هنا، فقد دأب خلال الأشهر الماضية على تقديم نفسه على أنه ممثل معسكر الإصلاح والانفتاحيين والتقدميين وأنصار الاندماج الأوروبي والاقتصاد الليبرالي بمواجهة معسكر التقوقع والقومية والرجوع إلى الماضي.
ومنذ الخريف الماضي، كان واضحاً أن مقاربة ماكرون هي الصحيحة، الأمر الذي كانت تبينه استطلاعات الرأي أسبوعاً وراء أسبوع. ومع أن هذه الاستطلاعات ليست منزهة عن الأخطاء، فإنها تعكس صورة فوتوغرافية عن حالة الرأي العام وميزان القوى السياسي. وخلال أشهر طويلة، كان ماكرون يحتل المرتبة الأولى بفارق كبير عمن يتبعه من المرشحين، بل مع بدء العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، ارتفعت شعبيته أكثر، وأفادت الاستطلاعات بأنه تخطى نسبة الـ30 في المائة للدورة الأولى بينما كانت حصة منافسته الأولى لوبن دون العشرين في المائة. ورأى المحللون السياسيون الرئيس المنتهية ولايته استفاد من كونه رئيساً للجمهورية ورئيساً للاتحاد الأوروبي حتى يونيو المقبل، ليرسي صورته كأحد زعماء العالم الغربي، كما أن ديناميته الدبلوماسية برزت من خلال الدور الذي أداه مع نظيريه الروسي والأوكراني، وبالتعاون مع القادة الغربيين ليمنع، بداية، اندلاع الحرب ثم، لاحقاً، لإيجاد مخرج وحل سياسي لها.
غير أن هذا الرصيد الانتخابي تراجع كثيراً خلال الأيام الأخيرة، وتقلص الفارق الذي كان يتمتع به إزاء لوبن بحيث بدأ الشك يتسلل إلى مسؤولي حملته الانتخابية. وباختصار، فإن ماكرون ومستشاريه كانوا يتوقعون فوزاً سهلاً واستنساخاً لما جرى في عام 2017، لكن يبدو اليوم أن الأمور تسير في اتجاه مختلف.

- لوبن... بحلة جديدة
وحقاً، في الأيام الأخيرة، دأب العديد من الوسائل الإعلامية على استكشاف مواطن الضعف في حملة ماكرون مع أنه ما زال يتربع على المرتبة الأولى في مختلف استطلاعات الرأي. ورصدت هذه الوسائل جملة من المخاطر، أبرزها:
1 - تراجع القدرة الشرائية للمواطنين، خصوصاً محدودي الدخل.
2 - الجدل بخصوص استعانة الحكومة والرئاسة بمكاتب الاستشارات الخارجية الفرنسية والدولية التي كلفت الدولة - وفق تقرير لمجلس الشيوخ - مليار يورو عام 2021، ما اعتبره العديد من المرشحين بمثابة «فضيحة دولة».
3 - تردي صورة ماكرون الشخصية واستمرار النظر إليه على أنه إما «رئيس الأغنياء» أو أنه «مكتفٍ بنفسه» و«متكبر» منقطع عن العالم الحقيقي.
4 - حملته الانتخابية القصيرة، وما اعتبر ضحالة برنامجه للسنوات القادمة، وميله إلى اقتناص الأفكار الجيدة من برامج الآخرين.
5 - خطر التغيب الواسع عن المشاركة في الانتخابات بسبب قناعة شريحة واسعة من الناخبين أن النتيجة معروفة سلفاً، وهو ما يسعى ماكرون لدحضه وحض الفرنسيين على الذهاب إلى مكاتب الاقتراع يومي 10 و24 أبريل (نيسان) الجاري.
في الماضي القريب برز طيف لوبن على أنها كانت تعد «أفضل منافس» يسهل على ماكرون التغلب عليه لأنه قسم الناخبين إلى قسمين: «التقدميون المنفتحون» وهو على رأسهم، و«القوميون الانغلاقيون» الشعبويون الذي يضم لوبن وزيمور يميناً... وميلونشون يساراً، لكن اليمين بجناحيه الكلاسيكي والمتطرف وجد في الملف الأمني والهجرات مادة دسمة لمهاجمة محصلة حكم ماكرون لسنوات خمس، ثم جاء العنف الذي شهدته ضاحية سيفران، الواقعة شمال باريس، عقب مقتل سائق شاحنة «مسروقة» أرداه رجل شرطة لرفضه الانصياع له وما استتبعه من أعمال وفرت لليمين مادة «طازجة» إضافية لمهاجمته. ويضاف إلى ذلك ما عرفته جزيرة كورسيكا من مظاهرات صاخبة واشتباكات مع رجال الأمن بعد وفاة إيفان كولونا، المحكوم عليه بالسجن المؤبد بسبب قتله محافظ الجزيرة عام 1998.
في المقابل، فإن لوبن دأبت على تلميع صورتها، وإظهار «اعتدالها» - شكلياً على الأقل - مستفيدة من صورة زيمور البالغة التطرف المناقضة لها، والتركيز على قربها من الناخبين، والتطرق بشكل دائم للقدرة الشرائية لتخلص إلى القول إنها اليوم أصبحت «جاهزة» لحكم فرنسا.
النتيجة أن كل استطلاعات الرأي في الأسابيع الأخير تجعل لوبن على مسافة قريبة من الرئيس ماكرون حيث تقلص الفارق بينهما في الجولتين الأولى والثانية إلى حد كبير، ولم يعد يتخطى الخمسة في المائة (28 ــ 23 في الجولة الأولى و52 ــ 48 في الجولة الثانية). وهكذا، بالنظر إلى هامش الخطأ المعروف في نتائج الاستطلاعات، وتوقع مقاطعة نسبة كبيرة من الفرنسيين لهذه الانتخابات (نحو 30 في المائة)، يمكن تفهم القلق الذي يصيب معسكر ماكرون بسهولة، وبالتالي فإن احتمالات الربح والخسارة أصبحت مفتوحة للطرفين.
 


مقالات ذات صلة

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

حصاد الأسبوع من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة

وارف قميحة (بيروت)
حصاد الأسبوع خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب

«الشرق الأوسط» ( واشنطن)
حصاد الأسبوع 
مظاهرة نسائية إسبانية ضد الحرب (أ.ف.ب)

سانشيز يضع مدريد في مواجهة مباشرة مع واشنطن

عندما وقف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز على مدخل مقر رئاسة الحكومة في الرابع من هذا الشهر ليقول إن موقف بلاده من الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران

شوقي الريّس ( مدريد)
حصاد الأسبوع سانشيز يخطب امام البرلمان (آ ف ب)

سانشيز يراهن على المشاعر وتعاطف الحلفاء والأصدقاء

لا يغيب عن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أن الخروج عن «بيت الطاعة» الأميركي في ظل إدارة دونالد ترمب، تترتب عليه تكلفة باهظة. إلا أنه يدرك أيضاً أن له


الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.