الهند «المحايدة» تجد نفسها في وضع وسيط محتمل

وسط تزايد الاستقطاب الدولي حيال الحرب الأوكرانية

الهند «المحايدة» تجد نفسها في وضع وسيط محتمل
TT

الهند «المحايدة» تجد نفسها في وضع وسيط محتمل

الهند «المحايدة» تجد نفسها في وضع وسيط محتمل

تسببت الأزمة الروسية ـ الأوكرانية، كما يبدو من «سيناريو» الأحداث، في استقطاب عميق في العالم. ووسط الفرز الحاصل في المواقف القائم على فكرة «معنا أو ضدنا»، يزداد اهتمام القوى المستقطِبة (بكسر الطاء) ببعض الدول المحايدة التي فضلت حتى الآن ألا تنحاز إلى أي طرف علانية. وفي طليعة هذه الدول الهند التي غدت مركزاً للاتصالات الدبلوماسية العالمية مع تفاقم الأزمة الروسية ـ الأوكرانية وتداعياتها. والواقع أن موقف الهند المحايد حتى اللحظة تجاه الأزمة يترافق مع سباق أميركي - أوروبي - روسي - صيني على التودد إليها. وشهد الأسبوعان الماضيان نشاطاً مستمراً لقادة العالم وكبار الدبلوماسيين الأجانب طلباً لدعم نيودلهي في «لعبة القوة» بين المعسكر المتسامح مع روسيا والمعسكر المناوئ لها، إلى جانب تحذيرات – وحتى تهديدات مبطنة – من جانب بعض القوى في سياق اجتذاب نيودلهي إلى صفها حيال هذه القضية الحساسة. وأوضحت مصادر من وزارة الخارجية الهندية أن «التركيز الأساسي لجميع هذه الاتصالات والمباحثات انصب على الحرب الجارية في أوكرانيا، والموقف السياسي للهند من الغزو الروسي، أو العقوبات الغربية الواسعة النطاق ضد روسيا، وإلى حد ما تأثير ذلك على السلام والاستقرار في منطقة المحيطين الهندي والهادئ».

تجسد الفرز الكبير بين قيادات كلا جانبي الصدع الاستراتيجي إزاء الحرب الأوكرانية في المساعي الدؤوبة من الجانبين الروسي والغربي لإقناع الحكومة الهندية بمواقفهم وسياساتهم إزاء هذه القضية التي هزت السياسة العالمية، وبالذات المسرح الأوروبي. وهنا لا بد من الإشارة إلى أنه بين القيادات العالمية التي زارت نيودلهي في غضون الأسبوعين الماضيين، رئيس وزراء اليابان ونائب مستشار شؤون الأمن الوطني الأميركي، بجانب وزراء خارجية بريطانيا والصين وروسيا. كذلك، شملت هذه الموجة من الزيارات وزراء خارجية كل من النمسا واليونان والمكسيك وسلطنة عُمان ومستشار الأمن الوطني الألماني والمبعوث الخاص للاتحاد الأوروبي. وهو أمر يعتبره المسؤولون الهنود تأكيداً للمكانة السياسية المتزايدة الأهمية لبلادهم.
في الحقيقة كانت ثمة مخاوف بشأن تكثيف الهند مشترياتها من النفط من روسيا بتخفيضات كبيرة. وبديهي أن الغرب، على رأسه الولايات المتحدة الأميركية، لا يرغب مطلقاً في إقدام الهند على تكثيف مشترياتها من النفط الخام الروسي. وفي المقابل، تعمل حكومة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، راهناً، بمرونة وقدر طيب من العقلانية، إذ إنها تصغي إلى جميع الأطراف لكنها تفعل ما تعتقد أنه الأفضل لمصلحتها الوطنية. وهنا تجدر الإشارة إلى أن نيودلهي امتنعت عن التصويت في الأمم المتحدة، محجمة عن إدانة الغزو الروسي، لكنها تواجه اليوم ضغوطاً متزايدة من الدول الغربية لمراجعة موقفها.
تهمة «الإكراه»
فيما يخص الولايات المتحدة، فإنها أرسلت وكيلة وزارة الخارجية للشؤون السياسية فيكتوريا نولاند إلى نيودلهي خلال الأسبوع الماضي، وأعقبت ذلك بإرسال داليب سينغ نائب مستشار الأمن الوطني للشؤون الاقتصادية الدولية. ولقد حاول سينغ إجبار السلطات الهندية على تغيير نهجها تجاه روسيا باستخدامه ما وصف بـ«لغة غير دبلوماسية». وخلال زيارته التي استغرقت يومين، حذر سينغ الهند من تعزيز العلاقات مع موسكو، وأوضح أن الهند قد تواجه خطر الوقوع في شبكة من العقوبات الثانوية إذا حاولت الدخول في تعاملات تجارية مع روسيا. ثم حذر من أنه «ستكون هناك عواقب» على الدول، بما في ذلك الهند، «التي تحاول الالتفاف على العقوبات أو تقويضها».
وضمن هذا الإطار يُذكر أن سينغ - الهندي الأصل - يُعد كبير المخططين الاستراتيجيين والعقل المصمم للعقوبات ضد روسيا في إدارة جو بايدن. وتعكس كلماته التعليقات التي أدلى بها مسؤولون من الاتحاد الأوروبي وألمانيا خلال زياراتهم نيو دلهي، هذا الأسبوع، والذين اعتبروا أنه لا يجوز للهند أن تسعى لجني مزايا اقتصادية من وراء العقوبات الغربية، وألا تسعى كذلك إلى تخفيف تداعيات هذه العقوبات أثناء الحرب.
من ناحية أخرى، أدان مبعوث الهند السابق لدى الأمم المتحدة، سيد أكبر الدين، كلام نائب مستشار الأمن الوطني الأميركي. وقال مستنكراً: «إذاً هذا صديقنا... ؟؟ هذه ليست لغة دبلوماسية، هذه لغة إكراه». كذلك شارك أكبر الدين مقطعاً في إحدى الصحف على حسابه على «تويتر» نقل عن داليب سينغ قوله: «ما لا نود أن نراه هو التسريع من وتيرة الواردات الهندية من روسيا فيما يتعلق بالطاقة، أو أي صادرات أخرى محظورة من جانب الحكومة الأميركية، أو أي عناصر أخرى من نظام العقوبات الدولي».
وبالمناسبة، قبل زيارة داليب سينغ، صرحت وزيرة التجارة الأميركية جينا ريموندو أن اقتراح الحكومة الهندية باستخدام نظام الرسائل المركزي الروسي «إس بي إف إس» للسماح بالمعاملات المالية المرتبطة والمعدات العسكرية سيكون أمراً «مخيباً للآمال للغاية». وضغطت ريموندو، أيضاً، على الهند للانضمام إلى الولايات المتحدة ودول أخرى للوقوف في صف الشعب الأوكراني، بقولها: «لقد حان الوقت للوقوف على الجانب الصحيح من التاريخ، والوقوف إلى جانب الولايات المتحدة وعشرات الدول الأخرى التي تدافع عن الحرية والديمقراطية والسيادة مع الشعب الأوكراني، وليس تمويل وتأجيج ومساعدة الحرب التي يشنها الرئيس (الروسي فلاديمير بوتين)».
مع هذا، رغم تكثيف واشنطن جهودها لحشد الدعم الدولي من أجل عزل روسيا، رفضت نيودلهي، شريكتها المقربة داخل تحالف «كواد» (الذي يضم الولايات المتحدة واليابان والهند وأستراليا)، الانضمام إلى التحالف ضد موسكو. وأكدت نيودلهي أنها لا تعتزم الإضرار بالعلاقات مع روسيا، ولم تُدن الإجراء الروسي ولم تنضم إلى قرارات الأمم المتحدة ضد روسيا.
ثمة مراقبون منتقدون يرون أن موقف الحكومة الهندية لا ينسجم مع طابعها الديمقراطي والتزام نيودلهي بالنظام الدولي القائم على القواعد، ولا يتوافق بشكل جيد مع شركائها الديمقراطيين في الغرب، خصوصاً الولايات المتحدة.
كذلك يلفت البعض إلى أن ديناميكيات العلاقات بين نيودلهي وواشنطن، التي سادت إبان «الحرب الباردة»، لا تزال تلوح في الأفق في الذاكرة الشعبية، عندما ساد اعتقاد قوي بأن واشنطن كانت مترددة إزاء التعاطف مع الهند، رغم كونها ديمقراطية تتبع نهجاً مماثلاً في التفكير. في هذا الصدد، فإن تحالف الولايات المتحدة مع باكستان ودعمها الكبير لإسلام آباد خلال حرب عام 1971 ضد الهند ما زال يثير الاستياء داخل الهند حتى بعد مرور 50 سنة.
أما فيما يخص بريطانيا، فإن وزيرة الخارجية البريطانية ليز تراس تجنبت توجيه أي تهديد مباشر للهند أثناء انعقاد «منتدى العقود المستقبلية الاستراتيجية بين الهند والمملكة المتحدة»، لكنها مع ذلك شددت على ضرورة تطبيق العقوبات الأميركية للضغط على الرئيس بوتين. وفي حين صرحت تراس بأنها «لا تلقي محاضرة» على الهند أو أي دولة أخرى حول كيفية الرد على الأزمة في أوكرانيا، فإنها أشارت إلى الحاجة إلى تقليل شراء النفط والغاز من روسيا.

- الهند... و«نفاق» الغرب
اللافت أن وزير الشؤون الخارجية الهندي، إس. جايشانكار، استجاب لهذه القضية في حضور تراس بالقول إن وسائل الإعلام والدول الأخرى تركز فقط على مشتريات الهند بينما تتجاهل مشتريات النفط المماثلة من جانب دول أوروبية.
وأثناء دفاع جايشانكار عن قرار شراء النفط الخام الروسي بأسعار مخفضة، أكد أنه من المهم للهند الحصول على صفقات جيدة بشأن إمدادات الطاقة، في وقت عانت الأسواق العالمية من الاضطراب. وتابع: «كنت أقرأ للتو تقريراً حول أنه في مارس (آذار) اشترت أوروبا، على ما أعتقد، كميات من النفط والغاز من روسيا بزيادة 15 في المائة مقارنة بالشهر السابق. وإذا نظرت إلى المشترين الرئيسيين للنفط والغاز من روسيا، أعتقد أنك ستجد معظمهم في أوروبا. أما الهند، فتحصل على الجزء الأكبر من إمدادات الطاقة من الشرق الأوسط ونحو ما بين 7.5 في المائة و8 في المائة من الولايات المتحدة، بينما كانت المشتريات من روسيا في الماضي أقل من 1 في المائة». وأردف أن هناك «حملة» لاستهداف الهند لشرائها النفط الروسي.
وحقاً، تكشف الأرقام أن منشآت تكرير النفط الهندية اشترت أكثر عن 13 مليون برميل من النفط الروسي منذ بدء الحرب الأوكرانية في 24 فبراير (شباط)، في ارتفاع حاد عن العام الماضي، عندما اشترت الهند 16 مليون برميل من النفط الروسي خلال عام 2021 بأكمله. ويذكر أن مسؤولين من بنك روسيا، البنك المركزي في البلاد، التقوا بمسؤولين من بنك الاحتياطي الهندي لمناقشة آليات الدفع البديلة من خلال البنوك المحصنة من العقوبات الدولية. ومن المقرر أن يستخدم الجانبان الروبية ـ الروبل في سداد تكاليف صفقات تجارة النفط والمعدات العسكرية وسلع أخرى.

- زيارات روسية صينية
ظاهرياً، تظهر مثل هذه الزيارات الدبلوماسية وكأن نيودلهي تملك «العصا السحرية» التي تمكنها من إنهاء الحرب في أوكرانيا، وإعادة القوات الروسية إلى بلادها، وسد الفجوة الآخذة في الاتساع بين واشنطن وموسكو، وجعل أوروبا أكثر سلاماً، واستعادة وحدة أراضي أوكرانيا وسيادتها. لكن الحقيقة أن كلاً من واشنطن وموسكو، اللتين سبق أن دخلتا في مواجهة أثناء «الحرب الباردة»، تحاول إبقاء الهند إلى جانبها في «الحرب الباردة الجديدة» التي بدأت تتشكل ملامحها حالياً وتتسم بقدر بالغ من التعقيد.
وفي دراما دبلوماسية ساخنة، جاء وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، هو الآخر يطرق البوابة الهندية بعد زيارتي ليز تراس وداليب سينغ، اللذين قاما في العاصمة الهندية بمهمة مماثلة. وجذب تفاعل وزير الخارجية الروسي مع نظيره الهندي وأيضاً في لقائه مع رئيس الوزراء مودي الاهتمام الدولي، عندما سلط لافروف الضوء على إمكانية اضطلاع الهند بدور الوسيط بين روسيا وأوكرانيا لحل الأزمة.
ومما قاله لافروف: «إن روسيا منفتحة على الهند للوساطة في أزمة أوكرانيا. لن يعارض أحد إذا دعمت الهند مثل هذه العملية، فالهند بلد مهم». وأردف أن موسكو مستعدة لمناقشة احتياجات الهند من النفط الخام إذا أرادت شراءه من روسيا. وفي إشارة لتقديره للنهج الهندي، نوه الوزير الروسي خلال مؤتمر صحافي بأن «السياسات الخارجية الهندية تتميز بالاستقلالية والتركيز على المصالح الوطنية الحقيقية والمشروعة».
من جهته، أعرب النائب السابق لمستشار الأمن الوطني الهندي، عن سعادته بما اعتبره «شهادة على الدبلوماسية الحاذقة للهند في ظل البيئة الدولية الراهنة وموقفها القائم على المبادئ». ويُذكر أن رئيس الوزراء الهندي مودي ظل على اتصال مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.
وبفضل التعامل المحايد هذا - حسب رسميين هنود – فإن نيودلهي تجد نفسها اليوم في موقع مركزي يمكنها من محاولة طرح حل القضية. وفي حين قوبل طلب وزير الخارجية الصيني وانغ يي لقاء الرئيس مودي بالرفض، فإن الأخير التقى لافروف وتلقى منه «رسالة شخصية» من الرئيس بوتين.
وأشار المسؤول الهندي السابق إلى أنه على مدى أربعة عقود من الترابط الوثيق بين روسيا والهند، اختار كل جانب تحاشي التدخل في النقاط الحساسة للآخر في المحافل الدولية، وسيتوجب على الهند تحديد مكانها بعناية في ظل الجغرافيا السياسية المتغيرة.

- موقع الصين
على صعيد آخر، بالنسبة إلى الصين، فإن وزير الخارجية وانغ قام أخيراً بزيارة إلى الهند لم يعلن عنها على الإطلاق، وسبق توجهه إلى نيودلهي زيارته لكل من إسلام آباد وكابُل. ويبقى التساؤل الأكبر: لماذا شعرت الصين بالحاجة إلى إرسال وانغ إلى الهند، بالنظر إلى العلاقات بين البلدين في التاريخ الحديث؟
في هذا الصدد، أعرب أمريتبال كور، الباحث لدى مركز الدراسات السياسية التابع لجامعة جواهر لال نهرو في نيودلهي، عن اعتقاده بأنه «يكمن جزء من الإجابة في موقف الهند من الأزمة الروسية ـ الأوكرانية. وربما تنظر الصين إلى دبلوماسية الهند المستقلة كموقف إيجابي منفتح على موقفها، خصوصاً أن الصينيين يواجهون انتقادات متزايدة بسبب دعمها لروسيا. وبالتالي، من المهم للغاية الحصول على دعم الهند على هذا الصعيد».
علاوة على ذلك، يكمل الباحث كور: «تستضيف الصين قمة «بريكس» هذا العام وسيترك قرار الهند سواء بالحضور أو التغيب، انطباعاً كبيراً على قيادة الرئيس الصيني شي جينبينغ، خصوصاً مع الأخذ في الاعتبار التغيير الوشيك الذي يحدث في القيادة مرة كل عقد في الصين، والذي يسعى الرئيس شي لتفاديه. ولكن المؤكد أن روسيا والصين ترغبان في الحفاظ على الترتيبات الدبلوماسية الثلاثية بين روسيا والصين والهند و«منتدى منظمة شنغهاي للتعاون» ومجموعة «البريكس».
ومن جانبه، أشار سي. راجا موهان، الخبير في الشأن الصيني، إلى أن «الولايات المتحدة واليابان وأستراليا تريد أن تشارك الهند بقوة في منتدى تحالف «كواد»، في تحاول بكين قلب هذه الديناميكية من خلال محاولة إقناع نيودلهي بالانضمام إلى معسكر مناهض للغرب. ولقد سلطت زيارة وانغ المفاجئة الضوء على محاولة جديدة لسحب الهند بعيداً عن الغرب وعلى «مناورة» من غير المحتمل أن تنجح، لكن هذا لن يمنع سعي الهند للاستمتاع بحرب العطاءات الدائرة حولها. وتابع موهان: «من روسيا، تحصل الهند على نفط وأسمدة وسلع أخرى مخفضة السعر، في ظل مساعي موسكو الحثيثة لاجتذاب مشترين جدد. ومن الصين، تتطلع الهند إلى تخفيف حدة المواجهة العسكرية الصينية ـ الهندية في إقليم جبال الهيمالايا».


مقالات ذات صلة

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

حصاد الأسبوع تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب

أحمد جمال (القاهرة)
حصاد الأسبوع صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع الدكتور محمد يونس (آ ب)

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع السفير لدى «ناتو» ماثيو ويتيكر في بروكسل (غيتي)

جولة مع القراءة الفرنسية لسياسات واشنطن الجديدة

تواجه العواصم الأوروبية، وفي مقدمتها باريس، اختباراً وجودياً غير مسبوق أمام سياسات واشنطن الجديدة؛ حيث أدت الضغوط الأميركية للاستحواذ على غرينلاند والتدخلات

أنيسة مخالدي (باريس)
حصاد الأسبوع سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد،

جمال جوهر (القاهرة)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.