إيران توسع انتشار ميليشياتها وسلاحها في سوريا

حاجر عسكري لـ«الفرقة الرابعة» في قوات النظام السوري غرب دير الزور شمال شرقي سوريا (الشرق الأوسط)
حاجر عسكري لـ«الفرقة الرابعة» في قوات النظام السوري غرب دير الزور شمال شرقي سوريا (الشرق الأوسط)
TT

إيران توسع انتشار ميليشياتها وسلاحها في سوريا

حاجر عسكري لـ«الفرقة الرابعة» في قوات النظام السوري غرب دير الزور شمال شرقي سوريا (الشرق الأوسط)
حاجر عسكري لـ«الفرقة الرابعة» في قوات النظام السوري غرب دير الزور شمال شرقي سوريا (الشرق الأوسط)

تسارع إيران إلى تعزيز دورها في سوريا، والتوسع في بسط نفوذها على أكبر مساحة من الجغرافيا السورية في وسط وشرق وشمال البلاد، عبر نشر أعداد كبيرة من عناصر الميليشيات المحلية والأجنبية الموالية لها، وآليات عسكرية بينها منصات صواريخ وطائرات مسيرة ومقرات قيادية يديرها ضباط من «الحرس» الإيراني، في ظل انشغال روسيا في حربها ضد أوكرانيا، والتي حددت على مدار السنوات الأخيرة الماضية دور إيران ونفوذها في سوريا بعد تزايد الغارات الجوية الإسرائيلية واستهدافها مواقع عسكرية إيرانية.
وفي تكتيك عسكري إيراني جديد، يهدف إلى بسط نفوذ إيران على أكبر مساحة من الأراضي السورية، عزز «الحرس الثوري» مؤخراً، وميليشيات موالية لإيران، بينها «حزب الله» اللبناني، وميليشيات «لواء فاطميون» الأفغاني، إضافة إلى «حركة النجباء» وميليشيات «عصائب أهل الحق» العراقيتين، و«لواء الباقر» السوري، تواجدهم في نحو 120 موقعاً ومقراً عسكرياً في مناطق ريف حمص الشرقي وبادية حماة وبادية الرقة ودير الزور ومحافظة حلب، وعززت هذه المواقع بنحو 4500 عنصر من الميليشيات الموالية لها، وبأعداد من منصات الصواريخ والأسلحة الثقيلة والطائرات المسيرة وأجهزة اتصالات، واستولت مؤخراً على مستودعات «مهين» الاستراتيجية شرقي حمص عقب توسع نفوذها في مطار النيرب العسكري في محافظة حلب على حساب القوات الروسية وقوات النظام، وأنشأت معسكرات لتدريب المتطوعين في صفوف الميليشيات الموالية لها من السوريين.
البداية
في بادية حمص وشرقي حماة، قالت مصادر لـ«الشرق الأوسط»، إنه «جرى اتفاق مطلع العام الحالي 2022. بين قادة عسكريين في الفرقة الرابعة بقيادة ماهر الأسد، شقيق الرئيس السوري بشار الأسد، وقياديين من الحرس الثوري الإيراني، على إنشاء نحو 11 مقراً قيادياً، يترأسها ضباط وخبراء عسكريون من الطرفين، في مناطق حسياء وتدمر ومهين والقريتين والسخنة والكم والطيبة، شرقي حمص، ومناطق سلمية والسعن وأثريا والشيخ هلال، شرقي حماة».
وأضافت المصادر أنه «عقب الاتفاق وإنشاء المقرات القيادية في شرقي حمص وحماة، بدأت الميليشيات الموالية لإيران، ومنها (لواء فاطميون) الأفغاني، و(حركة النجباء) و(عصائب أهل الحق) العراقيتين، و(حزب الله) اللبناني، وقوات تابعة للفرقة الرابعة في قوات النظام السوري، بالانتشار في المناطق الممتدة من منطقة حسياء جنوب شرقي حمص، مروراً بمناطق مهين والقريتين وتدمر والسخنة، وصولاً إلى مناطق جب الجراح في ريف حمص ومناطق السلمية وأثريا والشيخ هلال شرقي حماة». ولفتت إلى «تزامن انتشار الميليشيات الموالية لإيران والفرقة الرابعة مع بدء الحرب الروسية الأوكرانية، وبدء انسحاب القوات الروسية من بعض المواقع العسكرية في شرقي حمص، وانسحابها مؤخراً من مستودعات مهين وتسليمها للحرس الثوري الإيراني، و(حزب الله) اللبناني، اللذان قاما بتعزيزها بأعداد كبيرة من عناصرهما وبآليات متوسطة وثقيلة وأجهزة اتصالات ومنظومات استطلاع إيرانية الصنع، كما جرى تعزيز مواقع عسكرية دفاعية تابعة للفرقة الرابعة بصواريخ (كورنيت) مضادة للآليات في محيط منطقة السخنة شرقي تدمر، ومناطق الكوم والطيبة».
وفي محافظة حلب، قال نشطاء إن «الميليشيات الإيرانية تسلمت خلال الأيام الأخيرة الماضية أجزاء جديدة داخل مطار النيرب العسكري في محيط مدينة حلب من الجهة الشرقية، وأجبرت أصحاب نحو 32 منزلاً محاذياً للمطار على إخلاء منازلهم لأسباب أمنية، عقب جولة قام بها ضباط إيرانيون وآخرون من قوات النظام، وذلك بعد إخضاع نحو 38 موقعاً ومنطقة في محافظة حلب خاضعة بشكل كامل للنفوذ الإيراني، وبينها مخيم النيرب وكرم الطراب، واستحداث مقرات عسكرية إيرانية على طريق حلب - دير حافر، ومناطق الكابلات ومعمل الجرارات (فرات)، ورحبة صيانة الدبابات ومعمل السيراميك من الجهة الجنوبية الشرقية لحلب، ومقرات في كرم الوقاف والعزيزية، ومنطقة الراموسة ومعمل الإسمنت وعين العصافير وكلية المدفعية في منطقة الراموسة، ومناطق الأنصاري وخان طومان والسفيرة وطريق خناصر ومناطق الوضيحي، ومستودعات الذهيبية جنوب شرقي حلب. هذا بالإضافة إلى قواعد الوضيحي وجبل عزان، ومناطق الحاضر ومسكنة وطريق خناصر - أثريا، وتلة الشيخ يوسف والشيخ نجار، ومخيم حندرات شمال شرقي حلب، ومقرات عسكرية في مناطق نبل والزهراء ومعارة الأرتيق والليرمون شمال غربي حلب. وينتشر في تلك المناطق أعداد كبيرة من ميليشيات (لواء القدس) الفلسطيني، و(لواء فاطميون) الأفغاني، و(لواء الباقر) و(حزب الله السوري)، ومجموعات من (الحرس الثوري) الإيراني».
وسحبت إيران في 27 مارس (آذار) 10 طائرات إيرانية مسيرة من نوع «مهاجر» من مستودعاتها في مدينة تدمر شرقي حمص، إلى معسكر خاص بالطائرات المسيرة تم إنشاؤه مؤخراً في منطقة التبني جنوب غربي دير الزور، وأنشأت عقب ذلك مشروعاً تدريبياً على تلك الطائرات، ترافق مع فرض طوق أمني حول المنطقة.
وقال مصدر في محافظة حمص إن إيران و«حزب الله» اللبناني باتا يسيطران على كامل المساحة الممتدة من مناطق في جبال القلمون وعرسال السورية المحاذية للحدود اللبنانية لجهة مناطق بعلبك وعرسال اللبنانية، مروراً بمناطق دير عطية والنبك في ريف دمشق، ومناطق حسياء والقريتين ومهين وتدمر والسخنة شرقي حمص، وصولاً إلى مناطق حماة وخناصر ومطار النيرب شرقي حلب، أي بمسافة تتجاوز 300 كيلومتر وبعرض بنحو 120 كلم في عمق البادية السورية التي تصل محافظات حماة وحمص ودير الزور والرقة ومناطق شرقي حلب، وصولاً إلى الحدود اللبنانية».
ميليشيات جديدة
وقال نشطاء سوريون إن «الحرس الثوري الإيراني شكل مؤخراً ميليشيا جديدة باسم (فجر الإسلام) بقيادة ضباط إيرانيين، واعتمد في تشكيلها على عناصر النخبة من (لواء فاطميون) الأفغاني و(حركة النجباء) العراقية و(حزب الله) اللبناني، بالإضافة إلى مجموعات من العلويين الموالين لإيران وشبان شيعة سوريين»، مهمتها حراسة المستودعات العسكرية الإيرانية في كل من حماة وحمص وحلب ودير الزور وتدمر والسخنة شرقي حمص.
وقالت مصادر في منطقة اللاذقية في الساحل السوري غربي البلاد، إن «وفداً إيرانياً ضم خبراء عسكريين وخبراء في الاقتصاد زار منتصف شهر مارس (آذار) الماضي مدن اللاذقية وطرطوس الواقعتين على البحر المتوسط غربي سوريا، والتقى ضباطاً في قوات النظام ومسؤولين حكوميين، وزار ميناء اللاذقية ومناطق أخرى في مدينتي اللاذقية وطرطوس». وأشارت المصادر إلى أن «زيارة الوفد العسكري والاقتصادي الإيراني إلى مدن اللاذقية وطرطوس تهدف إلى إنشاء مشاريع اقتصادية واستثمارية إيرانية، بينها معامل للأخشاب والعصائر الطبيعية، وتأمين مستودعات داخل ميناء اللاذقية لتبرير عودة إيران إلى الميناء وإيجاد موطئ قدم لها مجدداً، واستخدامه لنقل المعدات العسكرية واللوجيستية من إيران إلى سوريا ولبنان بحراً، بعد أن فرضت روسيا سيطرتها على الميناء في منتصف شهر يناير (كانون الثاني) الماضي وأخرجت القوات الإيرانية منه، وسيرت دوريات للشرطة العسكرية الروسية في داخل الميناء بشكل دوري، وذلك إثر غارات جوية إسرائيلية وقعت في7 و28 من شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، استهدفت حينها شحنات أسلحة إيرانية مخزّنة في ساحة الحاويات داخل الميناء».



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.