جثث فوق الأرض ومقابر متفرقة في محيط كييف

مدرسة بوتشا حيث عثر على مدخلها على جثث قتلت برصاص الجنود الروس"الشرق الأوسط")
مدرسة بوتشا حيث عثر على مدخلها على جثث قتلت برصاص الجنود الروس"الشرق الأوسط")
TT

جثث فوق الأرض ومقابر متفرقة في محيط كييف

مدرسة بوتشا حيث عثر على مدخلها على جثث قتلت برصاص الجنود الروس"الشرق الأوسط")
مدرسة بوتشا حيث عثر على مدخلها على جثث قتلت برصاص الجنود الروس"الشرق الأوسط")

الساعة التاسعة تماماً، تنطلق موسيقى حزينة في ساحات العاصمة الأوكرانية كييف معلنة دقيقة صمت على أرواح ضحايا الحرب. وفتحت المدعية العامة الأوكرانية إيرينا فنديكتوفا الباب واسعاً أمام البحث عن مزيد من الجثث في منطقة كييف التي تمتد حتى الحدود مع بيلاروسيا، حين قالت مساء أول من أمس إن الفظائع الأكبر هي تلك التي شهدتها مدينة بوروديانكا (٤٥ كيلومتراً شمال غربي كييف). تدمرت جسور المدينة الصغيرة التي كانت تضم نحو ١٤ ألف قاطن، وأصبح الوصول إليها يتطلب التفافة طويلة تمر عبر إربين وبوتشا وغيرها من القرى القريبة، التي فرغت بدورها من سكانها، ومع تطور المعارك فقدت أسباب الحياة، فلا ماء ولا كهرباء أو غاز للتدفئة، وطبعاً لا خدمات هاتف خليوي أو إنترنت، ورغم ذلك بدأ الناس يعودون إليها. العشرات من الأوكرانيين يمشون في الطرق الآن نحو قراهم، يمكن مشاهدتهم يحملون أكياساً بلاستيكية أو حقائب صغيرة ويقطعون المسافات الفاصلة باتجاه قرى فوزل وهستوميل. في بوروديانكا لا يتطلب الأمر جهداً لتعثر على من يروي حكايته، ولكن الأمر لا يخلو من توتر يظهره الناجون من السكان تجاه محدثهم.
رجل، رفض إعطاء اسمه، بدأ يشرح لنا ما عاشه بالقول: «كان جحيماً، في يوم ٢٣ فبراير (شباط) كان كل شيء طبيعياً، اليوم التالي بدأت المعارك، يوم الخامس والعشرين من الشهر نفسه وصلت القوات الروسية وحاولت اقتحام المدينة، وبالفعل دخلت المدينة، ولكن قوات الحرس الإقليمي الأوكرانية تصدت لهم بقنابل المولوتوف، وأحرقت رتلاً داخل المدينة».
يضيف الرجل وهو يشير بيديه عالياً: «أتت القوات الروسية إلى مدخل المدينة، ووضعوا الدبابات وراحوا يقصفون كل المنازل بالمدفعية، ثم انسحبت الدبابات يوم التاسع والعشرين، وبدأ الطيران يقصف المدينة، الناس كانوا يُقتلون في الشوارع، ثم أتت الطائرات، وبعدها عادت القوات الروسية الراجلة، وأطلقوا النار على كل شيء، في وسط المدينة وفي أطرافها».
يتحدث الرجل بسرعة، ويرفض تناول زجاجة من الماء من زميله الذي يعمل قربه على تنظيف محطة لإصلاح السيارات كانت قد تمركزت فيها القوات الروسية. ويتابع: «دمروا قلب المدينة، دمروا المتاجر والمنازل ثم سرقوا كل شيء، قتلوا الناس في الشوارع، وهناك مقابر جماعية وجثث ملقاة في الطرقات».
المسنة التي تسير وحيدة في وسط الشارع أجابتنا فقط عن اسم قطتها التي تحملها: إنها بوشينكا. قالت ثم نظرت نحونا، ووافقت على التقاط صورة لها وللقطة، ثم أخبرتنا بأنها أضاعت بوشينكا في بداية الحرب، والقطة هدية من حفيدتها، واضطرت للهرب خارج المدينة، وها هي قد عادت اليوم فقط وعثرت الآن على القطة، وستعيدها إلى البيت.
إيغور (٣٩ عاماً) يعود إلى منزله محاولاً إصلاح الشبابيك بعد أن أمضى عدة أسابيع في منزل أكثر أماناً في مدينته نفسها، ولكنه لا يقول الكثير، يشير بيده إلى فناء خلف منزله ويقول اذهبوا وصوروا الجثث هناك. خلف المنزل الذي يقع على الطريق العام، وفي فناء بين المباني ثمة عدة جثث تقطعت أوصالها من القصف، وتركت في مكانها رغم تحرر المدينة في اليوم الثاني من الشهر الحالي. جثث عدة بقيت في أماكنها في داخل المدينة الصغيرة، ولا تزال قوات الجيش والحرس الإقليمي تبحث في المنازل عن المزيد من القتلى جراء الأعمال التي قام بها الروس.
إيفانكيف

                                                  مدرعات محترقة في الطريق إلى إيفانكيف (الشرق الأوسط)
من المدينة الصغيرة بوروديانكا، طريق آخر يقود إلى إيفانكيف التي من الصعب دخولها دون مساعدة جرار زراعي، ولكن الجرار الوحيد الذي صادفناه كان صاحبه بغاية الانشغال، يقف قرب رتل مدمر من الآليات الروسية ويجمع قطع غيار لآليات أخرى روسية سبق أن سحبها إلى مزرعته: كنت أريد المساعدة، ولكن لا أعتقد أن لديَّ الوقت، ولا تحاولوا العبور إلى إيفانكيف بسيارتكم هذه، ستغرقون في الوحل. الجسور دمرت لمنع تقدم القوات الروسية، وفي إيفانكيف لا يزال العديد من السكان يقطنون رغم انعدام الخدمات، أما شاحنات المساعدات الصغيرة فتتوقف قبل النهر والجسر المدمر ويشكل الناس سلاسل بشرية لينقلوا المواد الغذائية والطبية ما بين ضفتي النهر. ثم يعودون إلى مدينتهم بانتظار إصلاح الطرق والخدمات. ما بعد إيفانكيف باتجاه كييف تمتد غابة تحيط بكثير من قرى العاصمة لأكثر من ٤٥ كيلومتراً، وأجزاء منها استعملت كمقر للقوات الروسية، ليس أقل من خمسة آلاف جندي مع آلياتهم الثقيلة ودباباتهم وعرباتهم المدرعة تمركزوا هنا، حفروا الخنادق الدفاعية مخططين لبقاء طويل. وتحولت أجزاء من الغابة الفاصلة ما بين بوتشا وإيفانكيف (٧٠ كيلومتراً شمال غربي كييف) إلى شبكة من الأنفاق والملاجئ وغرف القيادة ومقرات العمليات والتخزين للذخائر والمواد الغذائية وإجراء أعمال الصيانة للعربات. وموهت القوات الروسية حفرها وأنفاقها بأغصان الشجر، ثم انسحبت تاركة الكثير خلفها. وبقيت الأنفاق وآثار الجيش الروسي ودباباته هنا في الأوحال وبقايا الثلوج. في طريق العودة وفي أطراف إربين وبوتشا ينتشر عمال الصيانة الكهربائية ويعملون على وصل الأسلاك في أكثر من نقطة بنفس الوقت. فرق أخرى تابعة لشركات الغاز تعمل أيضاً على صيانة إمدادات الغاز في المنطقة، بينما عناصر من الشرطة يفتشون المناطق التي جرى فيها القتال بحثاً عن ألغام ويعملون على فتح الطرق وتسهيل حركة المرور مع عودة بعض السكان إلى هذه المناطق.
بوتشا ليست الأسوأ على مستوى القتلى
أولكسي (٤٣ عاماً) وزوجته ووالدتها وثلاثة أطفال بقوا في الملجأ الرطب والبارد تحت الأرض في بوتشا حتى بعد أن وقعت في أيدي الروس. لأيام طويلة اختفوا تحت الأرض. كانوا يسمعون أصوات الاشتباكات والقصف، ثم هدير الدبابات الروسية. بعد أيام قرر أولكسي أن يخرج ليحاول الحصول على الطعام. ويقول: «حينها رأيت قرب السكة الحديدية في شارع كييفو مروتسكا الكثير من الجثث. مدنيون. رجل وامرأة وثلاثة أطفال». ويضيف: «جميعهم قتلى وجثثهم قرب بعضها على جانب طريق المحطة. ثم قرب المدرسة في شارع فوكسالنا شاهدت المزيد من الجثث». هذا ما نشرته «الشرق الأوسط» يوم السادس عشر من شهر مارس (آذار) الماضي. أما اليوم فإن المدرسة في شارع فوكسالنا هي الشاهد على تلك الجثث، ولكن الشارع الآن تحتله الدبابات والمدرعات الروسية المحترقة. تبعد بوتشا مسافة ٢٥ كيلومتراً عن قلب العاصمة كييف، من محيطها ومحيط إربين كانت المدفعية الروسية تضرب أطراف العاصمة، وكانت بالمقابل المدفعية الأوكرانية تقصف القوات الروسية المتواجدة هنا، معارك مدفعية طويلة جرت على هذه الأرض في محيط المدن الصغيرة: إربين، بوتشا، فورزل وهوستومل، قبل أن تبدأ القوات الروسية بالانهيار في إربين وتتراجع. يقف ثلاثة جنود قرب مدخل المدرسة في بوتشا، أحدهم يتحدث قائلاً: «لقد عثرنا على العديد من الجثث لمدنيين، كان بعضها في الشارع هنا وأخرى في قبو أحد المنازل القريبة»، مشيراً إلى بيت لا يبعد أكثر من ٣٠ متراً عن مكان وقوفنا. هذا الجندي الذي لا يفصح عن اسمه يتابع قائلاً إنه لم يشاهد بنفسه آثار تعذيب عليها، ولكنه أيضا يجيب حين نسأل إن كان دقق في الجثث بالقول: «لا فقط شاهدتهم في القبو قتلى».

                                                                          مجزرة دبابات في بوتشا (الشرق الأوسط)
المدرسة تحولت إلى مقر مؤقت للإغاثة ولأعمال رسمية أخرى، سمح لنا بالاقتراب والتجول، وبعض الشوارع مغلقة مؤقتاً أمام المدنيين والصحافيين. «ما زلنا نعمل على إزالة الألغام» يقول شرطي يقف على طريق سوبورنا في نهاية إربين والواصل نحو بوتشا. العمل الآن ينتظم في بوتشا والمنطقة المحيطة بها، ثمة قدر من الثقة بأن القوات الروسية لن تعود لها، البحث عن الجثث ونقلها لا يزال مستمراً من قبل الحرس الوطني وقوات الدفاع الإقليمية وقوات الشرطة والجيش.
في ظل المأساة المحلية أعلن حكام المقاطعات عن حظر تجول لمدة أيام قليلة في المدن التي تعرضت للدمار، مثل بوتشا وإربين خصوصاً. واعتقلت القوات العسكرية هنا مجموعة من اللصوص سطوا على المنازل، وعثرت بحوزتهم على أجهزة كمبيوتر وأموال نقدية وبعض الحلي الذهبية. إعلان إغلاق المنطقة أمام من لا يحملون تراخيص أو من لا يقطنونها ترافق مع تفتيش دقيق لكل السيارات من دون استثناء، وفي داخل المدن شبه المهجورة بقيت المحلات مشرعة الأبواب، وما لم يتم نهبه على أيدي القوات الروسية أو اللصوص المحليين بقي في مكانه على رفوف المحال التجارية. بوتشا ليست الأسوأ على مستوى القتلى، هكذا صرحت المدعية العامة الأوكرانية إيرينا فنديكتوفا، قائلة إن بوروديانكا شهدت أسوأ عمليات القتل للمدنيين. ولكن تبقى بوتشا رغم ذلك هي من قدم أول الأدلة على المجازر، حيث في المعاينة المباشرة لمن أتيحت له الفرصة يمكن القول إن الجثث التي عثر عليها بعد انسحاب القوات الروسية كانت تحمل علامات إطلاق الرصاص. نسأل أوليكسي: هل تعلم أنك تتهم الجيش الروسي بارتكاب جريمة حرب، وأن ما تقوله قد يضعك في خانة الشاهد محلياً ودولياً، ويجيب الرجل الذي يحمل ابنته بين ذراعيه: «نعم أعلم وأنا أعرف ما أقوله». اليوم أوليكسي لاجئ في بولندا بعد ترحيله من قبل هيئة إغاثة محلية بعد ساعات من إجراء اللقاء معه.



مصرع شخص وفقدان 25 آخرين إثر غرق قارب مهاجرين قبالة اليونان

TT

مصرع شخص وفقدان 25 آخرين إثر غرق قارب مهاجرين قبالة اليونان

قُتل شخص فيما لا يزال 25 آخرون في عداد المفقودين، بعد غرق قارب كان يقلّ مهاجرين قبالة جزيرة غافدوس اليونانية القريبة من كريت، حسبما أفاد به خفر السواحل اليونانيون لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الاثنين.

وقال متحدث باسم خفر السواحل: «تم إنقاذ 51 شخصاً بواسطة سفينتين كانتا في المنطقة»، مضيفاً أن القارب كان يقل 77 شخصاً عندما غرق، وفقاً لإفادات الناجين.

وأصبحت جزيرتا كريت وغافدوس، الواقعتان على بُعد نحو 320 كيلومتراً من الساحل الليبي، نقطة الدخول الرئيسية لطالبي اللجوء إلى اليونان.

وفي أواخر أغسطس (آب)، أظهرت أرقام نشرتها وكالة الأنباء اليونانية «آنا» نقلاً عن وزارة الهجرة، أن عدد المهاجرين الوافدين إلى اليونان تراجع من نحو 61 ألفاً في العام المنتهي في أغسطس 2025 إلى 42 ألفاً خلال الاثني عشر شهراً التالية، أي بانخفاض يقارب 31 في المائة.

وشددت دول أوروبية قواعد الهجرة خلال السنوات الأخيرة، في وقت ازداد التأييد للأحزاب اليمينية المتطرفة المناهضة للهجرة.

ودفع وزير الهجرة واللجوء اليوناني ثانوس بليفريس، نحو تبني سياسة صارمة تجاه اللاجئين.

كما تُجري اليونان مباحثات مع ألمانيا وعدة دول أخرى في الاتحاد الأوروبي بشأن إنشاء «مراكز إعادة» خارج التكتل للنظر في طلبات المهاجرين.


كندا نحو «شراكة اقتصادية وأمنية أقوى وأعمق» مع الاتحاد الأوروبي

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء الكندي مارك كارني (د.ب.أ)
TT

كندا نحو «شراكة اقتصادية وأمنية أقوى وأعمق» مع الاتحاد الأوروبي

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء الكندي مارك كارني (د.ب.أ)

تسعى كندا لبناء شراكة اقتصادية وأمنية غير مسبوقة مع الاتحاد الأوروبي؛ في محاولة للحد من اعتمادها على الولايات المتحدة، دون أن تطمح إلى عضوية التكتل، في حين تتسع الهوة بينها وبين جارتها الجنوبية في ظل سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

ويصف رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بلاده بأنها «أكثر دولة أوروبية من الدول غير الأوروبية».

وفي أحدث مؤشر إلى هذا التقارب، يتوجه كارني، هذا الأسبوع، إلى مدينة ستراسبورغ الفرنسية، حيث سيصبح، الأربعاء، أول رئيس حكومة يحضر خطاب «حال الاتحاد الأوروبي»، قبل أن يلقي، في اليوم التالي، كلمة أمام البرلمان الأوروبي، وفق ما ذكرت «وكالة الصحافة الفرنسية»

ومن المقرر أيضاً أن يزور كارني مدينة ليفربول، حيث سيعقد أول اجتماع له مع رئيس وزراء بريطانيا الجديد آندي بيرنهام.

وقال النائب الأوروبي الألماني والراعي الرئيسي لقرار صدر في مارس (آذار) الماضي يدعو إلى تعزيز التعاون بين الاتحاد الأوروبي وكندا، توبياس كريمر، إن زيارة كارني تمثل «رمزاً بالغ الأهمية».

وأضاف كريمر، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «تمتلك كندا كثيراً من الموارد التي تعاني أوروبا نقصاً كبيراً فيها، سواء في مجال الطاقة أم العناصر الأرضية النادرة أم المعادن الخام».

وتضررت كندا بشدة من الحرب التجارية التي شنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، نظراً للتكامل الاقتصادي الوثيق بينها وبين جارتها الجنوبية، ما دفعها إلى البحث بشكل عاجل عن شركاء اقتصاديين جدد.

وقال كريمر إن الاتحاد الأوروبي تأثّر، بدوره، بعودة ترمب إلى البيت الأبيض، ويسعى، شأنه شأن كندا، إلى «تنويع» علاقاته الخارجية و«الحد من المخاطر» المرتبطة بتلك العودة.

الرئيس الأميركي يستقبل رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في البيت الأبيض العام الماضي (أ.ب)

عضوية مستبعدة

قرّب كارني كندا، بالفعل، من التكتل الأوروبي. وأصبحت كندا أول دولة من خارج الاتحاد الأوروبي تنضم إلى برنامج التكتل للمشتريات الدفاعية، كما لعب رئيس الوزراء دوراً في انضمام كندا إلى مسابقة «يوروفيجن» الغنائية.

وفي الشهر المقبل، يستضيف كارني قمة بين الاتحاد الأوروبي وكندا في مونتريال، قال إنها ستشهد بدء مناقشات حول بناء «شراكة اقتصادية وأمنية أقوى وأعمق بكثير».

وأشار خافيير مورينو سانشيز، النائب الإسباني في البرلمان الأوروبي ورئيس الوفد البرلماني المعنيّ بالعلاقات مع كندا، إلى أن أوتاوا وبروكسل تتفقان في الرؤى بشأن قضايا المناخ والذكاء الاصطناعي، كما يجري العمل، بالفعل، على اتفاق للتجارة الرقمية.

وسيُبنى هذا الاتفاق على اتفاقية التجارة الحرة القائمة بين الجانبين، المعروفة باسم «سيتا» (CETA)، والتي قال سانشيز إنها لا تزال تنطوي على إمكانات غير مستغَلة، إذ إن الشركات الصغيرة والمتوسطة لم تستفد بعدُ بصورة كاملة من مزاياها.

وازدادت التكهنات بشأن احتمال انضمام كندا، بشكل كامل، إلى الاتحاد الأوروبي، خلال الولاية الثانية لترمب.

وقال كارني، للصحافيين، الأحد، إن بلاده «لا تسعى إلى أن تصبح عضواً في الاتحاد الأوروبي».

وأضاف: «ما نسعى إليه وما سنبدأ مناقشته هو إقامة تحالف فريد مع الاتحاد الأوروبي. فنحن نتشارك القيم نفسها، ولدينا الأولويات نفسها، كما أن نقاط قوتنا تكمل بعضها بعضاً».

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يسعى لشراكة اقتصادية وأمنية أقوى وأعمق مع الاتحاد الأوروبي (رويترز)

خيار غير «واقعي»؟

وأظهر استطلاعٌ، أُجري في أبريل (نيسان) الماضي، أن 57 في المائة من الكنديين يؤيدون انضمام بلادهم إلى الاتحاد الأوروبي، لكن ليس من الواضح ما إذا كانت كندا مؤهلة أصلاً لذلك أم لا.

وتنص المادة 49 من معاهدة الاتحاد الأوروبي على أن «أي دولة أوروبية» تلتزم بـ«الكرامة الإنسانية والحرية والديمقراطية والمساواة وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان» يمكنها الانضمام إلى التكتل.

غير أن المعاهدة لا تضع تعريفاً واضحاً للدولة الأوروبية، الأمر الذي يثير شكوكاً حول إمكانية انطباق هذا الوصف على كندا.

وقال إغناسيو غارسيا بيثيرّو، الباحث في مركز الأبحاث «بروغل» في بروكسل: «فكرة أن تصبح كندا عضواً في الاتحاد الأوروبي، سواء من الناحية الاقتصادية أم السياسية، لا تبدو لي احتمالاً واقعياً».

وفي عام 1987، رُفض طلب المغرب الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي على أساس أنها ليست دولة أوروبية.

ومازح خافيير مورينو سانشيز بالقول إن كندا «ليست بعيدة إلى هذا الحد» جغرافياً؛ في إشارة إلى قربها من إقليم غرينلاند المتمتع بالحكم الذاتي والتابع للدنمارك.

لكنه أضاف أن إقامة علاقات وثيقة مع الاتحاد الأوروبي تظل ممكنة دون العضوية الكاملة، كما هي الحال بالنسبة إلى آيسلندا وسويسرا.

غير أنه أشار إلى أنه، وعلى عكس سويسرا، ينطوي نقل البضائع بين كندا والاتحاد الأوروبي على تكاليف شحن مرتفعة، كما أن أوروبا لن تكون قادرة على أن تحل محل السوق الأميركية بالنسبة إلى كندا.

وفي يوليو (تموز) الماضي، توجه 70 في المائة من الصادرات الكندية إلى الولايات المتحدة، مقابل 5 في المائة فقط إلى الاتحاد الأوروبي.

ومع ذلك قال كريمر: «كلما أمكننا تعزيز التعاون، كان ذلك أفضل».


قمة «بريكس» تطلق عملاً مشتركاً لـ«عالم متعدد وأكثر عدلاً»... وإيران نقطة خلاف

قادة الدول المجتمعون في قمة «بريكس» بنيودلهي في صورة جماعية (رويترز)
قادة الدول المجتمعون في قمة «بريكس» بنيودلهي في صورة جماعية (رويترز)
TT

قمة «بريكس» تطلق عملاً مشتركاً لـ«عالم متعدد وأكثر عدلاً»... وإيران نقطة خلاف

قادة الدول المجتمعون في قمة «بريكس» بنيودلهي في صورة جماعية (رويترز)
قادة الدول المجتمعون في قمة «بريكس» بنيودلهي في صورة جماعية (رويترز)

اختتمت قمة مجموعة «بريكس» أعمالها، الأحد، في نيودلهي بتوافق على إطلاق مرحلة جديدة لتعزيز التعاون بين بلدان المجموعة ووضع تصورات رئيسية لـ«خريطة طريق» تنظم الرؤى المشتركة لـ«عالم متعدد الأقطاب وأكثر عدلاً»، حسبما ورد في الإعلان الختامي للقمة. وعلى الرغم من توافق القادة المجتمعين على الخطوط الرئيسية لمواجهة التحديات التي تعترض خطط تمتين الشراكات داخل المجموعة، كشف التباين الواسع في الأولويات حجم المشكلات التي تواجه التكتل الذي يضم ثلث البشرية ونحو نصف إنتاجها التجاري. وبرغم دعوة الهند والصين أكبر دولتين في التكتل لتسوية سريعة للصراع حول أوكرانيا، لكن هذا الملف غاب عن البيان الختامي للقمة، كما برزت نقطة خلافية كبيرة حول إيران خلال مناقشات الصياغة النهائية للبيان.

أولويات القمة

جاءت المداخلات الختامية للقادة خلال القمة التي حملت تسمية «بريكس بلوس» بسبب مشاركة بلدان من خارج المجموعة، لتعكس التوجهات الرئيسية التي جرى التوافق عليها.

وأكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن «الاهتمام العالمي بأنشطة (بريكس) يتزايد باستمرار، وأن المجموعة تُشارك بفاعلية في صياغة نظام عالمي أكثر عدلاً وتعدداً للأقطاب».

ورأى بوتين أن «(بريكس) أصبحت قوة دافعة مؤثرة في تعزيز التعددية الحقيقية في العلاقات الدولية».

وعلى الرغم من تشديده على أن النظام الأحادي القطب للعلاقات الدولية أصبح من الماضي، لكنه أقر بأن «تشكيل عالم متعدد الأقطاب ليس بالأمر الهين؛ إذ يواجَه بمقاومة شديدة من قِبَل أولئك الذين اعتادوا التفكير بمنطق استعماري».

وأشار الرئيس الروسي إلى أنهم (أي الغرب) «غير مستعدين لتقبّل الواقع المتغير، ويحاولون بكل الوسائل احتواء المنافسين المتنامين». وتُستخدم حروب التعريفات الجمركية، والعقوبات غير المشروعة، ومحاولات الديكتاتورية الاقتصادية، والابتزاز، والتدخل في الشؤون الداخلية، والقوة الغاشمة.

وقال بوتين أمام القمة: «تدعو مجموعة (بريكس) إلى منح جميع الدول، دون استثناء، فرصاً متساوية وغير محدودة لتحقيق نمو اقتصادي واجتماعي مستدام ومتوازن، بما يضمن رفاهية شعوبها، مع الحفاظ في الوقت نفسه على ثقافاتها وتقاليدها الوطنية الفريدة والالتزام بنماذجها التنموية السيادية».

وفاخر بأن «القيم والمبادئ الأساسية التي تتبناها دول (بريكس) تعد جذابة لدول كثيرة». وأشاد الزعيم الروسي بهذا «الالتزام بحل المشكلات بشكل جماعي، استناداً إلى القانون الدولي والأحكام الرئيسية لميثاق الأمم المتحدة».

ووضع بوتين تصوره لتطوير التعاون داخل المجموعة، مشيراً إلى أن دول «بريكس» تستحوذ على ما يقرب من ربع الصادرات العالمية، وتساهم بالجزء الأكبر من نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنحو 49 في المائة.

صورة نشرتها وزارة الخارجية الهندية تظهر كلاً من رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي والرئيسين الصيني شي جينبينغ والروسي فلاديمير بوتين في قمة «بريكس» في نيودلهي (أ.ف.ب)

وأشار إلى أن الدول الأعضاء في المجموعة تشهد نمواً سكانياً متزايداً باطراد، وتعزيزاً للأسواق المحلية، وإنشاء مراكز صناعية وتكنولوجية ومالية وعلمية وتعليمية قوية، فضلاً عن بناء بنية تحتية حديثة للنقل والطاقة والتقنية الرقمية. وقد بلغ حجم التجارة الداخلية داخل المجموعة 1.2 تريليون دولار.

وتحدث عن أهمية تطوير «تكامل اقتصادات الدول الأعضاء» بما يتيح فرصاً واسعة للتعاون وإنشاء سلاسل إنتاج وتقنيات وخدمات وأسواق جديدة، مقترحاً «إنشاء منصة نمو مشتركة لدول (بريكس)، تجمع بشكل طبيعي بين المزايا التنافسية لاقتصاداتنا».

خريطة طريق

عموماً، كانت إعادة هيكلة النظام العالمي - بدءاً من إصلاح مجلس الأمن الدولي والمؤسسات المالية الدولية وصولاً إلى قواعد التجارة الجديدة - الموضوع الرئيسي لقمة «بريكس» في نيودلهي.

وبعد مداولات ولقاءات ثنائية في اليوم الأول، تحول التركيز في ثاني أيام القمة إلى الآفاق المستقبلية وإصلاح نظام الحوكمة العالمية.

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي لدى وصوله إلى قمة «بريكس» في دورتها الثامنة عشرة والمنعقدة في نيودلهي (أ.ف.ب)

وفي افتتاح الجلسة العامة، اقترح الزعيم الهندي ناريندرا مودي التحرك نحو اتخاذ إجراءات حاسمة. وقال: «لقد حان الوقت لتحويل وحدتنا وتوافقنا داخل مجموعة (بريكس) إلى نتائج ملموسة على الساحة العالمية».

ودعا إلى وضع أجندة جديدة طموحة للمجموعة للعشرين عاماً القادمة، بالإضافة إلى آلية لضمان استمرارية القرارات وتنفيذها.

ورأى مودي أن إصلاح نظام الحوكمة العالمية هو التحدي الرئيسي أمامه. وقال إنه ينبغي تطوير عشر مبادرات بشكل مشترك، ثم صياغتها في «خريطة طريق» يمكن إعدادها للقمة القادمة. وقال إن النظام الحالي يشبه الهرم، حيث تتركز السلطة وصنع القرار في القمة، ولا يستطيع أحد التأثير فيه. ورأى أن هذا الهرم من الامتيازات يجب تحويله إلى منصة للشراكة، حيث يكون لكل دولة صوت مسموع.

«شي» في نيودلهي

وتابع الرئيس الصيني شي جينبينغ هذا النهج. وأشار إلى أن «دول (بريكس) يجب أن تتبوأ الصدارة في تحسين الحوكمة العالمية». كما يجب عليها أن تضطلع بدور ريادي في صون السلام وتحفيز الابتكار.

واقترحت الصين مبادرة لتعزيز التصنيع الجديد باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. وأكدت بكين استعدادها للتعاون مع دول «بريكس» للحصول على نتائج البحوث العلمية والتطبيقات العملية، فضلاً عن تعميق التعاون في الإنتاج وسلاسل التوريد.

وتُعد زيارة شي إلى نيودلهي في غاية الأهمية. فقد تدهورت العلاقات بين بكين ونيودلهي بشكل ملحوظ بعد الاشتباكات على طول خط السيطرة في جبال الهيمالايا عام 2020. إلا أنه في عام 2025، زار مودي الصين لأول مرة منذ سبع سنوات. وبعد ذلك، استأنف البلدان الرحلات الجوية المباشرة والتجارة عبر الحدود.

قادة الدول المجتمعون في قمة «بريكس» بنيودلهي في صورة جماعية (رويترز)

خلافات على البيان الختامي

وقال شي: «يجب على الصين والهند أن تدعما عالماً يسوده المساواة». علما بأن تباين المواقف بين بكين ونيودلهي ظهر خلال كل مسيرة «بريكس» منذ تأسيسها، وبرز بشكل خاص عند مناقشة ملفات مثل توسيع المجموعة أو أولويات تحركها المشترك حيال الأزمات الإقليمية والدولية.

كما برزت تباينات خلال صياغة البيان الختامي للقمة، وبالإضافة إلى تفضيل القادة عدم التطرق للصراع حول أوكرانيا، برز الملف الإيراني كعنصر خلافي. وقال مساعد الرئيس الروسي لشؤون السياسة الخارجية يوري أوشاكوف إن «الاتفاق على الإعلان النهائي كان صعباً» مع إشارة إلى أن «الوضع المحيط بإيران تسبب في بعض التوتر».

بدوره أجاب مودي عن سؤال حول الخلاف المحيط بمصطلح «الحرب على إيران» الذي احتاج إلى مداولات واسعة بين الأعضاء قبل الاتفاق على صيغة نهائية مبهمة ومرضية للجميع.

وأعربت الوثيقة عن القلق إزاء المخاطر المتزايدة للحرب النووية، ودعت إلى تعزيز الحد من التسلح ومنع الانتشار النووي. كما دعت إلى الإسراع في تنفيذ القرارات التي تُنشئ منطقة في الشرق الأوسط خالية من الأسلحة النووية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل. وحذّرت من سباق تسلح في الفضاء، وطالبت برفع العقوبات الأحادية غير القانونية، وأقرّت بإمكانات الذكاء الاصطناعي في تحفيز النمو الاقتصادي.

أعلام البلدان المشاركة في قمة «بريكس» بدورتها الثامنة عشرة والمنعقدة في نيودلهي (إ.ب.أ)

وساطة هندية صينية

إلى ذلك، أعلن المتحدث باسم الرئاسة الروسية ديمتري بيسكوف أن رئيس الوزراء الهندي والرئيس الصيني عرضاً، كل على حدة، على الرئيس الروسي المساعدة في تسوية الأزمة الأوكرانية.

وأفاد بأن الزعيمين طرحا هذه المقترحات خلال محادثات ثنائية مع بوتين على هامش قمة «بريكس»، موضحاً: «خلال الاتصالات الثنائية، أبدى مودي وشي اهتماماً دقيقاً بملف التسوية الأوكرانية، وعرضا مساعيهما للمساعدة في البحث عن حل للمشكلة». وأضاف أن الرئيس الروسي أشاد بهذه المبادرة و«قدم معلومات مفصلة عن الوضع الراهن».

في السياق، قال مساعد الرئيس الروسي، يوري أوشاكوف، إن التوصل إلى اتفاقات بشأن المسألة الإقليمية قد يسهل المضي قدماً في مفاوضات الأطراف في النزاع الأوكراني.

وأشار إلى أنه إلى جانب مسألة التنازلات الإقليمية، لا يزال أمام الأطراف الاتفاق على عدد من الموضوعات الأخرى.

وقال أوشاكوف إن الأميركيين باتوا يتفهمون موقف روسيا على نحو أفضل. وكان الكرملين أعرب عن أمل في أن يعقد لقاء ثلاثياً بشأن أوكرانيا في المستقبل المنظور.

إلى ذلك، قال بيسكوف في تعليق لصحيفة «إزفيستيا» على تصريحات جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي: «نأمل أن يعقد هذا اللقاء (الثلاثي بين روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا) في المستقبل المنظور. ونحن نتفق في هذا الشأن مع السيد كوشنر».

ولفت إلى أنه لا توجد حالياً مقترحات جديدة بشأن التسوية الأوكرانية، مؤكداً أن اللقاء الثلاثي المرتقب هو السبيل للبحث عن خيارات.