جثث فوق الأرض ومقابر متفرقة في محيط كييف

مدرسة بوتشا حيث عثر على مدخلها على جثث قتلت برصاص الجنود الروس"الشرق الأوسط")
مدرسة بوتشا حيث عثر على مدخلها على جثث قتلت برصاص الجنود الروس"الشرق الأوسط")
TT

جثث فوق الأرض ومقابر متفرقة في محيط كييف

مدرسة بوتشا حيث عثر على مدخلها على جثث قتلت برصاص الجنود الروس"الشرق الأوسط")
مدرسة بوتشا حيث عثر على مدخلها على جثث قتلت برصاص الجنود الروس"الشرق الأوسط")

الساعة التاسعة تماماً، تنطلق موسيقى حزينة في ساحات العاصمة الأوكرانية كييف معلنة دقيقة صمت على أرواح ضحايا الحرب. وفتحت المدعية العامة الأوكرانية إيرينا فنديكتوفا الباب واسعاً أمام البحث عن مزيد من الجثث في منطقة كييف التي تمتد حتى الحدود مع بيلاروسيا، حين قالت مساء أول من أمس إن الفظائع الأكبر هي تلك التي شهدتها مدينة بوروديانكا (٤٥ كيلومتراً شمال غربي كييف). تدمرت جسور المدينة الصغيرة التي كانت تضم نحو ١٤ ألف قاطن، وأصبح الوصول إليها يتطلب التفافة طويلة تمر عبر إربين وبوتشا وغيرها من القرى القريبة، التي فرغت بدورها من سكانها، ومع تطور المعارك فقدت أسباب الحياة، فلا ماء ولا كهرباء أو غاز للتدفئة، وطبعاً لا خدمات هاتف خليوي أو إنترنت، ورغم ذلك بدأ الناس يعودون إليها. العشرات من الأوكرانيين يمشون في الطرق الآن نحو قراهم، يمكن مشاهدتهم يحملون أكياساً بلاستيكية أو حقائب صغيرة ويقطعون المسافات الفاصلة باتجاه قرى فوزل وهستوميل. في بوروديانكا لا يتطلب الأمر جهداً لتعثر على من يروي حكايته، ولكن الأمر لا يخلو من توتر يظهره الناجون من السكان تجاه محدثهم.
رجل، رفض إعطاء اسمه، بدأ يشرح لنا ما عاشه بالقول: «كان جحيماً، في يوم ٢٣ فبراير (شباط) كان كل شيء طبيعياً، اليوم التالي بدأت المعارك، يوم الخامس والعشرين من الشهر نفسه وصلت القوات الروسية وحاولت اقتحام المدينة، وبالفعل دخلت المدينة، ولكن قوات الحرس الإقليمي الأوكرانية تصدت لهم بقنابل المولوتوف، وأحرقت رتلاً داخل المدينة».
يضيف الرجل وهو يشير بيديه عالياً: «أتت القوات الروسية إلى مدخل المدينة، ووضعوا الدبابات وراحوا يقصفون كل المنازل بالمدفعية، ثم انسحبت الدبابات يوم التاسع والعشرين، وبدأ الطيران يقصف المدينة، الناس كانوا يُقتلون في الشوارع، ثم أتت الطائرات، وبعدها عادت القوات الروسية الراجلة، وأطلقوا النار على كل شيء، في وسط المدينة وفي أطرافها».
يتحدث الرجل بسرعة، ويرفض تناول زجاجة من الماء من زميله الذي يعمل قربه على تنظيف محطة لإصلاح السيارات كانت قد تمركزت فيها القوات الروسية. ويتابع: «دمروا قلب المدينة، دمروا المتاجر والمنازل ثم سرقوا كل شيء، قتلوا الناس في الشوارع، وهناك مقابر جماعية وجثث ملقاة في الطرقات».
المسنة التي تسير وحيدة في وسط الشارع أجابتنا فقط عن اسم قطتها التي تحملها: إنها بوشينكا. قالت ثم نظرت نحونا، ووافقت على التقاط صورة لها وللقطة، ثم أخبرتنا بأنها أضاعت بوشينكا في بداية الحرب، والقطة هدية من حفيدتها، واضطرت للهرب خارج المدينة، وها هي قد عادت اليوم فقط وعثرت الآن على القطة، وستعيدها إلى البيت.
إيغور (٣٩ عاماً) يعود إلى منزله محاولاً إصلاح الشبابيك بعد أن أمضى عدة أسابيع في منزل أكثر أماناً في مدينته نفسها، ولكنه لا يقول الكثير، يشير بيده إلى فناء خلف منزله ويقول اذهبوا وصوروا الجثث هناك. خلف المنزل الذي يقع على الطريق العام، وفي فناء بين المباني ثمة عدة جثث تقطعت أوصالها من القصف، وتركت في مكانها رغم تحرر المدينة في اليوم الثاني من الشهر الحالي. جثث عدة بقيت في أماكنها في داخل المدينة الصغيرة، ولا تزال قوات الجيش والحرس الإقليمي تبحث في المنازل عن المزيد من القتلى جراء الأعمال التي قام بها الروس.
إيفانكيف

                                                  مدرعات محترقة في الطريق إلى إيفانكيف (الشرق الأوسط)
من المدينة الصغيرة بوروديانكا، طريق آخر يقود إلى إيفانكيف التي من الصعب دخولها دون مساعدة جرار زراعي، ولكن الجرار الوحيد الذي صادفناه كان صاحبه بغاية الانشغال، يقف قرب رتل مدمر من الآليات الروسية ويجمع قطع غيار لآليات أخرى روسية سبق أن سحبها إلى مزرعته: كنت أريد المساعدة، ولكن لا أعتقد أن لديَّ الوقت، ولا تحاولوا العبور إلى إيفانكيف بسيارتكم هذه، ستغرقون في الوحل. الجسور دمرت لمنع تقدم القوات الروسية، وفي إيفانكيف لا يزال العديد من السكان يقطنون رغم انعدام الخدمات، أما شاحنات المساعدات الصغيرة فتتوقف قبل النهر والجسر المدمر ويشكل الناس سلاسل بشرية لينقلوا المواد الغذائية والطبية ما بين ضفتي النهر. ثم يعودون إلى مدينتهم بانتظار إصلاح الطرق والخدمات. ما بعد إيفانكيف باتجاه كييف تمتد غابة تحيط بكثير من قرى العاصمة لأكثر من ٤٥ كيلومتراً، وأجزاء منها استعملت كمقر للقوات الروسية، ليس أقل من خمسة آلاف جندي مع آلياتهم الثقيلة ودباباتهم وعرباتهم المدرعة تمركزوا هنا، حفروا الخنادق الدفاعية مخططين لبقاء طويل. وتحولت أجزاء من الغابة الفاصلة ما بين بوتشا وإيفانكيف (٧٠ كيلومتراً شمال غربي كييف) إلى شبكة من الأنفاق والملاجئ وغرف القيادة ومقرات العمليات والتخزين للذخائر والمواد الغذائية وإجراء أعمال الصيانة للعربات. وموهت القوات الروسية حفرها وأنفاقها بأغصان الشجر، ثم انسحبت تاركة الكثير خلفها. وبقيت الأنفاق وآثار الجيش الروسي ودباباته هنا في الأوحال وبقايا الثلوج. في طريق العودة وفي أطراف إربين وبوتشا ينتشر عمال الصيانة الكهربائية ويعملون على وصل الأسلاك في أكثر من نقطة بنفس الوقت. فرق أخرى تابعة لشركات الغاز تعمل أيضاً على صيانة إمدادات الغاز في المنطقة، بينما عناصر من الشرطة يفتشون المناطق التي جرى فيها القتال بحثاً عن ألغام ويعملون على فتح الطرق وتسهيل حركة المرور مع عودة بعض السكان إلى هذه المناطق.
بوتشا ليست الأسوأ على مستوى القتلى
أولكسي (٤٣ عاماً) وزوجته ووالدتها وثلاثة أطفال بقوا في الملجأ الرطب والبارد تحت الأرض في بوتشا حتى بعد أن وقعت في أيدي الروس. لأيام طويلة اختفوا تحت الأرض. كانوا يسمعون أصوات الاشتباكات والقصف، ثم هدير الدبابات الروسية. بعد أيام قرر أولكسي أن يخرج ليحاول الحصول على الطعام. ويقول: «حينها رأيت قرب السكة الحديدية في شارع كييفو مروتسكا الكثير من الجثث. مدنيون. رجل وامرأة وثلاثة أطفال». ويضيف: «جميعهم قتلى وجثثهم قرب بعضها على جانب طريق المحطة. ثم قرب المدرسة في شارع فوكسالنا شاهدت المزيد من الجثث». هذا ما نشرته «الشرق الأوسط» يوم السادس عشر من شهر مارس (آذار) الماضي. أما اليوم فإن المدرسة في شارع فوكسالنا هي الشاهد على تلك الجثث، ولكن الشارع الآن تحتله الدبابات والمدرعات الروسية المحترقة. تبعد بوتشا مسافة ٢٥ كيلومتراً عن قلب العاصمة كييف، من محيطها ومحيط إربين كانت المدفعية الروسية تضرب أطراف العاصمة، وكانت بالمقابل المدفعية الأوكرانية تقصف القوات الروسية المتواجدة هنا، معارك مدفعية طويلة جرت على هذه الأرض في محيط المدن الصغيرة: إربين، بوتشا، فورزل وهوستومل، قبل أن تبدأ القوات الروسية بالانهيار في إربين وتتراجع. يقف ثلاثة جنود قرب مدخل المدرسة في بوتشا، أحدهم يتحدث قائلاً: «لقد عثرنا على العديد من الجثث لمدنيين، كان بعضها في الشارع هنا وأخرى في قبو أحد المنازل القريبة»، مشيراً إلى بيت لا يبعد أكثر من ٣٠ متراً عن مكان وقوفنا. هذا الجندي الذي لا يفصح عن اسمه يتابع قائلاً إنه لم يشاهد بنفسه آثار تعذيب عليها، ولكنه أيضا يجيب حين نسأل إن كان دقق في الجثث بالقول: «لا فقط شاهدتهم في القبو قتلى».

                                                                          مجزرة دبابات في بوتشا (الشرق الأوسط)
المدرسة تحولت إلى مقر مؤقت للإغاثة ولأعمال رسمية أخرى، سمح لنا بالاقتراب والتجول، وبعض الشوارع مغلقة مؤقتاً أمام المدنيين والصحافيين. «ما زلنا نعمل على إزالة الألغام» يقول شرطي يقف على طريق سوبورنا في نهاية إربين والواصل نحو بوتشا. العمل الآن ينتظم في بوتشا والمنطقة المحيطة بها، ثمة قدر من الثقة بأن القوات الروسية لن تعود لها، البحث عن الجثث ونقلها لا يزال مستمراً من قبل الحرس الوطني وقوات الدفاع الإقليمية وقوات الشرطة والجيش.
في ظل المأساة المحلية أعلن حكام المقاطعات عن حظر تجول لمدة أيام قليلة في المدن التي تعرضت للدمار، مثل بوتشا وإربين خصوصاً. واعتقلت القوات العسكرية هنا مجموعة من اللصوص سطوا على المنازل، وعثرت بحوزتهم على أجهزة كمبيوتر وأموال نقدية وبعض الحلي الذهبية. إعلان إغلاق المنطقة أمام من لا يحملون تراخيص أو من لا يقطنونها ترافق مع تفتيش دقيق لكل السيارات من دون استثناء، وفي داخل المدن شبه المهجورة بقيت المحلات مشرعة الأبواب، وما لم يتم نهبه على أيدي القوات الروسية أو اللصوص المحليين بقي في مكانه على رفوف المحال التجارية. بوتشا ليست الأسوأ على مستوى القتلى، هكذا صرحت المدعية العامة الأوكرانية إيرينا فنديكتوفا، قائلة إن بوروديانكا شهدت أسوأ عمليات القتل للمدنيين. ولكن تبقى بوتشا رغم ذلك هي من قدم أول الأدلة على المجازر، حيث في المعاينة المباشرة لمن أتيحت له الفرصة يمكن القول إن الجثث التي عثر عليها بعد انسحاب القوات الروسية كانت تحمل علامات إطلاق الرصاص. نسأل أوليكسي: هل تعلم أنك تتهم الجيش الروسي بارتكاب جريمة حرب، وأن ما تقوله قد يضعك في خانة الشاهد محلياً ودولياً، ويجيب الرجل الذي يحمل ابنته بين ذراعيه: «نعم أعلم وأنا أعرف ما أقوله». اليوم أوليكسي لاجئ في بولندا بعد ترحيله من قبل هيئة إغاثة محلية بعد ساعات من إجراء اللقاء معه.



أستراليا تؤكد أول إصابة بإنفلونزا الطيور بين الثدييات

حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
TT

أستراليا تؤكد أول إصابة بإنفلونزا الطيور بين الثدييات

حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)

أكدت أستراليا، اليوم الأحد، أول حالة إصابة بإنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» لدى ​حيوان محلي من الثدييات، حيث تأكدت إصابة فقمة فراء ذات أنف طويل بولاية جنوب أستراليا.

وتواجه أستراليا زيادة في حالات الإصابة بإنفلونزا الطيور شديدة العدوى منذ وصول الفيروس إلى البلاد في يونيو (حزيران)، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأكَّدت سلطات جنوب ‌أستراليا اكتشاف ‌أول إصابة لحيوان ​ثديي في البلاد ‌بالفيروس، حيث ​تم العثور على الفقمة المصابة في بلدة بيتشبورت الساحلية، على بعد نحو 310 كيلومترات (192 ميلاً) جنوب أديليد عاصمة الولاية.

وقالت السلطات إن الفقمة، وهي واحدة من نحو 100 ألف فقمة في مياه الولاية، عُثر عليها نافقة دون ‌أي جروح. وذكرت ‌وزيرة الزراعة في الحكومة ​الاتحادية جولي كولينز، ‌في تصريحات نقلها التلفزيون، أنَّ نفوق ‌الفقمة «لا يبدو أنه مرتبط بثدييات بحرية مريضة أو نافقة أخرى».

وأضافت: «بمجرد أن ينتشر فيروس إنفلونزا الطيور (إتش 5) في البيئة الطبيعية، يصبح ‌من المستحيل تجنب خسائر كبيرة».

وسجَّلت أستراليا هذا الشهر أول حالة نفوق جماعي للطيور البحرية بسبب الفيروس، مما يشير إلى تفاقم في تفشي المرض الذي بدأ بعد اكتشاف الفيروس لأول مرة في الطيور البحرية المهاجرة قبل أن ينتشر إلى الأنواع المحلية.

ولم يظهر الفيروس بعد في قطاعي الدواجن أو الزراعة في أستراليا، وفقاً للحكومة الاتحادية التي ​ذكرت يوم ​الجمعة أنه تم حتى الآن تأكيد 297 حالة على مستوى البلاد.


شارل ديغول وجيرالد فورد... قصة يومين غيّرا مجرى التاريخ بـ«رصاصات فاشلة»

فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
TT

شارل ديغول وجيرالد فورد... قصة يومين غيّرا مجرى التاريخ بـ«رصاصات فاشلة»

فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)

لم يكن الثاني والعشرون من أغسطس (آب) مجرد ورقة تُطوى في تقويم التاريخ المعاصر، بل كان خيطاً ناظماً لدراما سياسية حبست أنفاس العالم شرقه وغربه.

في هذا اليوم تحديداً، وعلى فترتين زمنيتين تباعدتا بـ13 عاماً، تقاطع مصير رئيسين من أبرز قادة المعسكر الغربي، الفرنسي شارل ديغول، والأميركي جيرالد فورد.

كان الموت يتربص بكليهما في وضح النهار، وبين تفاصيل الهجومين الفاشلين تتكشف حكايات من الصدفة المحضة، والشجاعة اللحظية، والتحولات السياسية الكبرى التي كادت تعصف بفرنسا والولايات المتحدة لو سارت الرصاصات في مساراتها المرسومة.

اعتداء «بوتي-كلامار»: عندما حمت «السيتروين» جنرال فرنسا

في صيف عام 1962، كانت الدولة الفرنسية تعيش مخاضاً عسيراً بعد توقيع اتفاقيات «إيفيان» التي منحت الجزائر استقلالها.

هذا القرار التاريخي الذي اتخذه مؤسس الجمهورية الخامسة، الجنرال شارل ديغول، أشعل غضب المتطرفين القوميين داخل الجيش واليمين الفرنسي، الذين انضووا تحت لواء «منظمة الجيش السري» (OAS).

سيارة «سيتروين DS» التي كان على متنها الجنرال الفرنسي شارل ديغول خلال محاولة اغتياله عام 1962 (ويكيبيديا)

اعتبر هؤلاء ديغول خائناً لفرنسا العظمى، وصار التخلص منه جسدياً هدفهم الأسمى.

في مساء 22 أغسطس 1962، غادر ديغول ومعه زوجته إيفون، وصهره الكولونيل ألان دي بواسيو، قصر الإليزيه متوجهين إلى مطار «فيلكوبلاي» العسكري في طريقهم إلى قريتهم الوادعة «كولومبي دو ليزيغليز».

تحرك الموكب الرئاسي غير المدرع، المكون من سيارتي «سيتروين DS»، دون حراسة مشددة كعادة الجنرال الذي كان يزدري الإجراءات الأمنية المبالغ فيها.

عند ضاحية «بوتي-كلامار» الباريسية، كان كمين محكم بانتظارهم.

قاد العملية اللفتنانت كولونيل في سلاح الجو، جان ماري باستيان ثيري، وهو مهندس صواريخ لامع تحول إلى متمرد عقائدي.

اللفتنانت كولونيل في سلاح الجو جان ماري باستيان ثيري المتهم بمحاولة اغتيال الجنرال الفرنسي شارل ديغول (ويكيبيديا)

وزّع ثيري 12 مسلحاً مدججين بالأسلحة الرشاشة والقنابل على طول الطريق. ومع اقتراب السيارة الرئاسية في الغسق، أعطى ثيري الإشارة بجريدة صحافية.

انهمر الرصاص بغزارة، أكثر من 180 رصاصة أطلقت صوب السيارة، اخترقت عدة مقذوفات هيكل الـ«سيتروين» العادية وتطاير الزجاج المحطم داخل المقصورة.

الجنرال الفرنسي شارل ديغول خلال موكب رئاسي عام 1963 بعد عام على محاولة اغتياله (ويكيبيديا)

صرخ الصهر بواسيو: «انبطحوا!»، لكن ديغول رفض الانحناء بقامته الفارهة. ما أنقذ الموكب كان المهارة الفائقة للسائق العسكري، فرانسوا مارو، الذي حافظ على توازن السيارة رغم انفجار إطاريها، وضغط على دواسة الوقود لينجو بالرئيس وزوجته بأعجوبة.

نزل ديغول من السيارة ولم يقل سوى كلمته الشهيرة: «إنهم يطلقون النار كالأرانب!».

لاحقاً، تم القبض على باستيان ثيري وأُعدم في عام 1963، ليكون آخر من تنفذ فيه عقوبة الإعدام رمياً بالرصاص في فرنسا.

من باريس إلى ساكرامنتو: فورد في مرمى «عائلة مانسون»

دارت عجلة الزمن 13 عاماً، وانتقلت حمى الاغتيالات عبر المحيط الأطلسي إلى الولايات المتحدة التي كانت لا تزال تلملم جراحها بعد فضيحة «واترغيت» واستقالة ريتشارد نيكسون.

كان الرئيس الجديد، جيرالد فورد، يحاول إعادة الثقة إلى البيت الأبيض، لكن المجتمع الأميركي كان يغلي بالتيارات الفوضوية ومخلفات حرب فيتنام.

في صباح يوم 5 سبتمبر (أيلول) 1975، (الذي تلا نفس الذكرى السنوية لنجاة ديغول بأيام قليلة في ذات الحقبة الخريفية لعام 1975، التي شهدت محاولتين متتاليتين ضد فورد في شهر واحد)، كان الرئيس فورد يسير في حديقة «الكابيتول بارك» بمدينة ساكرامنتو بولاية كاليفورنيا، مصافحاً الحشود المتجمهرة.

الشرطة الأميركية خلال اعتقال لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس جيرالد فورد (ويكيبيديا)

من بين الجموع، برزت امرأة ترتدي رداءً أحمر قانياً. كانت تدعى لينيت فروم، وتُلقب بـ«سكيّكي»، وهي واحدة من أشد الأتباع إخلاصاً للمجرم الشهير تشارلز مانسون، زعيم الطائفة الدموية التي روّعت أميركا.

لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

اقتربت فروم من فورد حتى باتت على بعد خطوتين منه، وسحبت مسدساً من طراز «كولت عيار 45».

وجّهت فروم السلاح مباشرة نحو بطن الرئيس، سمع الحاضرون صوت «صدمة المعدن» (Click)، لكن الرصاصة لم تنطلق، إذ تبين لاحقاً أن مخزن السلاح كان يحتوي على الذخيرة، إلا أن فروم لم تقم بتلقيم الرصاصة في حجرة الانفجار (السبطانة).

السلاح الذي استعملته لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» خلال محاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

في أجزاء من الثانية، انقض عميل الخدمة السرية، لاري بوندورف، على المرأة وشلّ حركتها، بينما تم سحب فورد بسرعة إلى مكان آمن.

حكم على فروم بالسجن مدى الحياة قبل أن يفرج عنها مشروطاً عام 2009، والمفارقة أن فورد نجا بعد 17 يوماً فقط من محاولة اغتيال ثانية وأكثر خطورة في سان فرانسيسكو.

وثيقة رسمية من المذكرات اليومية للبيت الأبيض توثق جدول أعمال الرئيس الأميركي جيرالد فورد يوم 5 سبتمبر 1975 وتتضمن تفاصيل الدقائق الحرجة لمحاولة اغتياله الفاشلة على يد «لينيت فروم» أثناء سيره نحو كابيتول ولاية كاليفورنيا

رصاصة «مور» القاتلة: المحاولة الثانية في سان فرانسيسكو

لم يكد الرئيس الأميركي جيرالد فورد يستوعب صدمة نجاة عنقه من مسدس لينيت فروم في ساكرامنتو، حتى عاد الموت ليتجسد له في سان فرانسيسكو بعد 17 يوماً فقط، وتحديداً في 22 سبتمبر (أيلول) 1975.

هذه المرة كانت المؤامرة أكثر خطورة وشراسة، إذ وقفت سارة جين مور، وهي امرأة ذات ميول يسارية راديكالية ومخبرة سابقة لمكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، وسط الحشود خارج فندق «ستافورد بلاس».

سارة جين مور المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

أشهرت مور مسدساً من عيار 38، ووجّهته مباشرة نحو رأس الرئيس من مسافة لم تتجاوز 12 متراً.

أطلقت مور الرصاصة الأولى التي أخطأت رأس فورد ببضع سنتيمترات فقط بسبب خلل في ارتداد السلاح لم تحسب له حساباً.

وبينما كانت تحاول تدوير أسطوانة المسدس لإطلاق الرصاصة الثانية القاتلة، انقض عليها جندي سابق في مشاة البحرية الأميركية (المارينز) كان يقف بجوارها ويدعى أوليفر سيبيل، حيث أمسك بذراعها وحرّف مسار الرصاصة الثانية لتصيب جدار الفندق وتجرح أحد المارة.

فورد أثناء إجلائه من موقع محاولة اغتياله في سان فرانسيسكو (ويكيبيديا)

تم إجلاء فورد على عجل وسط حراسة مشددة، وأُلقي القبض على مور التي حُكم عليها بالسجن مدى الحياة قبل أن يفرج عنها بشروط عام 2007، لتدخل هذه المحاولة التاريخ بوصفها المرة الأقرب التي واجه فيها فورد الموت الحقيقي خلال أسابيع جنون الخريف الأميركي.

تلازم المصائر وفلسفة النجاة

تُظهر المقارنة التاريخية بين الحادثتين كيف يتشابه المشهد السياسي العالمي في لحظات جنونه. في كلتا الحالتين، واجه الرئيسان خصوماً من الأطراف الراديكالية، ديغول واجه اليمين العسكري القومي المتطرف، بينما واجه فورد إرث التمرد الطائفي والفوضوي لـ«الهبيز» في كاليفورنيا.

كما لعبت «التفاصيل الصغيرة» الدور الأكبر في صياغة التاريخ، فلو امتلك قناصة «بوتي-كلامار» تنسيقاً أفضل ثانية واحدة، أو لو قامت لينيت فروم بسحب أقسام مسدسها بشكل صحيح، لتغيرت خريطة السياسة الدولية.

كانت نجاة ديغول تعني استمرار بناء فرنسا الحديثة وصياغة استقلالها عن الهيمنة الأميركية، وكانت نجاة فورد تعني استقرار مؤسسة الرئاسة الأميركية في مرحلة حرجة من الحرب الباردة.

بقي الثاني والعشرون من أغسطس، وما تلاه من أيام في ذلك الخريف السياسي، شاهداً على أن مصائر الدول العظمى قد تتوقف أحياناً على مهارة سائق سيارة، أو خطأ تقني في بندقية مهاجم.


من اليسار إلى اليمين: ماذا يحدث للأجيال الشابة؟

متظاهرون من الشباب في روما احتجاجاً على أداء الحكومة (رويترز)
متظاهرون من الشباب في روما احتجاجاً على أداء الحكومة (رويترز)
TT

من اليسار إلى اليمين: ماذا يحدث للأجيال الشابة؟

متظاهرون من الشباب في روما احتجاجاً على أداء الحكومة (رويترز)
متظاهرون من الشباب في روما احتجاجاً على أداء الحكومة (رويترز)

تشير استطلاعات الرأي والوقائع السياسية الأخيرة، على جانبي المحيط الأطلسي، والغرب عموماً، إلى ظاهرة سياسية لافتة: فالشباب الذين اعتادوا لعقود أن يكونوا أكثر ميلاً إلى اليسار، بدأ قسم متزايد منهم يتجه نحو اليمين. ولا يتعلق الأمر دائماً بيمين محافظ تقليدي أو معتدل، بل أحياناً بحركات شعبوية وقومية، بل وبتيارات أكثر راديكالية تشكك في النظام السياسي الليبرالي نفسه.

في الولايات المتحدة، كان الشباب تاريخياً أكثر ميلاً إلى الحزب الديمقراطي. إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تحولاً يستحق التوقف عنده، خصوصاً في طلائع الجيل «زد» (Z) وقبله الجيل «واي» (Y)، أو «جيل الألفية»؛ فقد أظهر استطلاع أجرته جامعة ييل في عام 2025، فرقاً واضحاً بين الفئات الشبابية؛ فمن هم بين 22 و29 عاماً غالبيتهم ديمقراطية، بينما الأصغر سناً، بين 18 و21 عاماً، أكثرهم جمهوريون.

طلاب وطالبات في جامعة نورث كارولاينا الأميركية (رويترز - أرشيفية)

وهنا تبرز مفارقة مهمة: الجيلان «واي» و«زد» ليسا كتلة سياسية واحدة؛ فهناك فرق واضح بين أفرادهما الأكبر سناً والأصغر سناً، كما أن الفجوة بين الرجال والنساء داخل الجيلين تتسع بشكل ملحوظ.

* لماذا يتحرك بعض الشباب نحو اليمين؟

لا توجد إجابة واحدة عن هذا السؤال؛ فالتجارب التي عاشها الشباب خلال سنوات تكوينهم السياسي تختلف بحسب العمر والبلد والبيئة الاجتماعية.

بالنسبة إلى الأصغر سناً من الجيلين المذكورين، كان لجائحة «كوفيد-19» تأثير خاص؛ فقد أمضى كُثرٌ منهم سنوات المراهقة في ظل الإغلاق والعزلة والقيود الحكومية، وهي تجربة ربما أثرت في نظرتهم إلى السلطة والمؤسسات. وفيما تأثر الأكبر سناً من الجيلَين بحركات تقدمية ومنصات مثل «إنستغرام»، نشأ الأصغر وسط انتشار «تيك توك»، الذي أصبح مساحة أكثر تقبّلاً للأصوات اليمينية والشعبوية.

ويشير بعض المحللين إلى تأثير صناع المحتوى الناشطين على المنصات المختلفة في مجالات مثل اللياقة البدنية، والتنمية الذاتية، وإدارة الأموال، في تشكيل وعي سياسي يميل نحو الفردية والاعتماد على الذات بدلاً من دولة الرفاه.

والواقع أن المسألة لا تتعلق بوسائل التواصل الاجتماعي وحدها؛ فالشباب الذين يشعرون بأن أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية لا تتحسن قد يصبحون مشككين في النظام الذي يرونه مسؤولاً عن هذه النتائج. وإذا نظرنا إلى ارتفاع تكاليف المعيشة، وصعوبة امتلاك منزل، والقلق بشأن الوظائف والمستقبل، والهجرة والهوية الوطنية، فهي كلها قضايا شائكة يمكن أن تدفع بعض الشباب إلى البحث عن بدائل سياسية أكثر حدة.

رئيس حزب «التجمّع الوطني» الفرنسي جوردان بارديللا مع زعيمة الحزب مارين لوبن في لييفان بشمال فرنسا (أ.ف.ب)

* أوروبا: جيل جديد يكتشف اليمين

تبدو الظاهرة أكثر وضوحاً في أجزاء من أوروبا، حيث حققت الأحزاب اليمينية والشعبوية تقدماً بين الشباب.

وفرنسا مثال بارز؛ فقد نجح حزب «التجمع الوطني»، بقيادة جوردان بارديلا (30 عاماً)، في جذب أعداد كبيرة من الشباب. ولا شك في أن بارديلا نفسه يمثل جزءاً من استراتيجية فعّالة؛ فهو شاب، حاضر بقوة على وسائل التواصل الاجتماعي، ويتحدث إلى جمهور أصغر سناً بلغة مختلفة عن لغة الأحزاب التقليدية. وله ملايين المتابعين على «تيك توك».

ولا تقتصر الظاهرة على فرنسا؛ بل تشمل النمسا وألمانيا وبلجيكا.

ويجب أن يُشار هنا إلى أن الحروب والصراعات الدولية الأخيرة والاستقطاب الجيوسياسي، تؤثر حتماً على إعادة تشكيل مفهوم القومية والأمن لدى الشباب في الغرب.

* الرجل الشاب مقابل المرأة الشابة

وسط ما يحصل، قد يكون العامل الأكثر إثارة للاهتمام هو أن التحول السياسي لا يحدث بالتساوي بين الجنسين. وفي هذا السياق، تشير استطلاعات وتحقيقات متعددة إلى أن نساء جيلَي «الألفية» و«زد» أصبحن أكثر ميلاً إلى الليبرالية والتقدمية، بينما يتحرك الرجال الشباب في الاتجاه المعاكس بدرجات متفاوتة. ولذلك قد يكون من الأدق الحديث عن «يمين الشباب الذكور» بدلاً من «يمين جيل الشباب» بصورة عامة.

وقد تكون هذه الفجوة مرتبطة بقضايا مثل الجندر، والهوية، والذكورة، والعلاقات بين الجنسين، والهجرة، وحرية التعبير. كما أن بعض الشباب الذكور يشعرون بأن الخطاب التقدمي السائد لا يمثلهم، أو أنه ينظر إليهم بوصفهم جزءاً من المشكلة بدلاً من التعامل معهم بوصفهم فئة تواجه مشكلاتها الخاصة وتبحث عن حلول لها.

طلاب في جامعة مونستر الألمانية (د.ب.أ)

وقد أسهمت شبكة الإنترنت في نشوء مجتمعات سياسية بديلة يستطيع فيها هؤلاء الشباب الركون إلى أفكار كتاب ومعلقين ومؤثرين يقدمون لهم تفسيراً مختلفاً للعالم.

* ما «اليمين الجديد»؟

المهم هنا أن اليمين الذي يجذب بعض الشباب ليس بالضرورة نسخة من اليمين القديم.

فاليمين التقليدي كان يركز على صَون المؤسسات والتقاليد والاستقرار. أما ما يسمى أحياناً «اليمين الجديد» أو «اليمين الشاب»، فهو في بعض أوساطه أكثر تمرداً على النظام القائم. ويذهب البعض إلى الدعوة للانقلاب على الوضع الراهن وتغيير قواعد اللعبة جذرياً.

وهذا تحديداً قد يكون أحد أسباب جذب الشباب؛ فالسياسة بالنسبة إلى جيل يشعر بالإحباط يمكن أن تصبح أكثر إثارة عندما تقدم نفسها بوصفها حركة تمرد على النخب والمؤسسات ووسائل الإعلام التقليدية والجامعات، بل تذهب إلى حد الإيحاء بأنها تمتلك حلولاً سحرية لمشكلات استعصت على النخب التقليدية اليمينية واليسارية.

وهنا تظهر المفارقة: قد ينجذب بعض الشباب إلى اليمين؛ ليس لأنهم أصبحوا أكثر محافظة، بل لأنهم يرونه أكثر راديكالية واستعداداً لتحدي النظام.

وفي المقابل، يجب ألا نتجاهل أن اليسار نفسه شهد تراجعاً في قدرته على تقديم أفكار جديدة ومثيرة لبعض الشباب؛ فقد خفتت جاذبية قضايا مثل المناخ لدى قطاعات من الناخبين مقارنة بما كانت عليه قبل سنوات، وفي الوقت نفسه يعاني بعض الحركات اليسارية انقسامات داخلية.

معرض خاص بعروض الوظائف في سيول عاصمة كوريا الجنوبية (رويترز)

* ماذا يريد هذا اليمين الشاب؟

يبقى السؤال الأهم: ماذا يريد هذا اليمين الشاب فعلاً؟

ليس من الحكمة اختزال الظاهرة في شخص دونالد ترمب أو في معاداة الهجرة؛ فبعض الشباب يريد سياسات اقتصادية مختلفة، وبعضهم يركز على الهوية الوطنية، وبعضهم على القيم الاجتماعية والدينية، بينما يريد آخرون تحدي المؤسسات الديمقراطية نفسها.

لذلك، من الخطأ افتراض أن جميع هؤلاء الشباب يشتركون في مشروع سياسي واحد؛ فاليمين الشاب ليس حركة متجانسة، وقد تختلف دوافعه وأهدافه من بلد إلى آخر، ومن فئة اجتماعية إلى أخرى.

وقد يكون من الخطأ أيضاً افتراض أن هذا الجيل سيبقى يمينياً إلى الأبد؛ فالاتجاهات السياسية تتغير، والشباب يمكن أن ينتقلوا من موقف إلى آخر مع تغير ظروفهم.

غير أن هناك أمراً أكثر أهمية من السؤال عمّا إذا كان الجيل الشاب «يمينياً» أم «يسارياً»؛ إذ يبدو أن فئة متزايدة ممن هم دون الثلاثين من العمر فقدت الثقة في قدرة الديمقراطية الليبرالية التقليدية على حل مشكلاتها.

وهذا هو التحدي الحقيقي أمام اليسار واليمين معاً، بل أمام السياسة بوصفها فكراً وعلماً وممارسة منذ أن تحدّث أرسطو عن «شؤون المدن» في كتابه «السياسة» (بوليتيكا)؛ فالشباب لا يحتاجون إلى شعارات سياسية رنّانة، بل إلى أفكار جديدة يمكن مناقشتها واختبارها بحرية. وإذا أرادت الديمقراطية الليبرالية استعادة ثقة جيل جديد، فعليها أن تثبت أن النظام القائم قادر على الإصلاح والتغيير وتقديم مستقبل أفضل.

وقد لا يكون صعود اليمين بين الشباب هو نهاية هيمنة اليسار، بل علامة على بداية مرحلة سياسية جديدة. والسؤال في النهاية ليس: هل يتجه جيل الشباب إلى اليمين؟ بل: لماذا فقد جزء منه إيمانه بالاتجاه الذي سار فيه الجيل السابق؟ وماذا سيبني بدلاً منه؟

اقرأ أيضاً