جثث فوق الأرض ومقابر متفرقة في محيط كييف

مدرسة بوتشا حيث عثر على مدخلها على جثث قتلت برصاص الجنود الروس"الشرق الأوسط")
مدرسة بوتشا حيث عثر على مدخلها على جثث قتلت برصاص الجنود الروس"الشرق الأوسط")
TT

جثث فوق الأرض ومقابر متفرقة في محيط كييف

مدرسة بوتشا حيث عثر على مدخلها على جثث قتلت برصاص الجنود الروس"الشرق الأوسط")
مدرسة بوتشا حيث عثر على مدخلها على جثث قتلت برصاص الجنود الروس"الشرق الأوسط")

الساعة التاسعة تماماً، تنطلق موسيقى حزينة في ساحات العاصمة الأوكرانية كييف معلنة دقيقة صمت على أرواح ضحايا الحرب. وفتحت المدعية العامة الأوكرانية إيرينا فنديكتوفا الباب واسعاً أمام البحث عن مزيد من الجثث في منطقة كييف التي تمتد حتى الحدود مع بيلاروسيا، حين قالت مساء أول من أمس إن الفظائع الأكبر هي تلك التي شهدتها مدينة بوروديانكا (٤٥ كيلومتراً شمال غربي كييف). تدمرت جسور المدينة الصغيرة التي كانت تضم نحو ١٤ ألف قاطن، وأصبح الوصول إليها يتطلب التفافة طويلة تمر عبر إربين وبوتشا وغيرها من القرى القريبة، التي فرغت بدورها من سكانها، ومع تطور المعارك فقدت أسباب الحياة، فلا ماء ولا كهرباء أو غاز للتدفئة، وطبعاً لا خدمات هاتف خليوي أو إنترنت، ورغم ذلك بدأ الناس يعودون إليها. العشرات من الأوكرانيين يمشون في الطرق الآن نحو قراهم، يمكن مشاهدتهم يحملون أكياساً بلاستيكية أو حقائب صغيرة ويقطعون المسافات الفاصلة باتجاه قرى فوزل وهستوميل. في بوروديانكا لا يتطلب الأمر جهداً لتعثر على من يروي حكايته، ولكن الأمر لا يخلو من توتر يظهره الناجون من السكان تجاه محدثهم.
رجل، رفض إعطاء اسمه، بدأ يشرح لنا ما عاشه بالقول: «كان جحيماً، في يوم ٢٣ فبراير (شباط) كان كل شيء طبيعياً، اليوم التالي بدأت المعارك، يوم الخامس والعشرين من الشهر نفسه وصلت القوات الروسية وحاولت اقتحام المدينة، وبالفعل دخلت المدينة، ولكن قوات الحرس الإقليمي الأوكرانية تصدت لهم بقنابل المولوتوف، وأحرقت رتلاً داخل المدينة».
يضيف الرجل وهو يشير بيديه عالياً: «أتت القوات الروسية إلى مدخل المدينة، ووضعوا الدبابات وراحوا يقصفون كل المنازل بالمدفعية، ثم انسحبت الدبابات يوم التاسع والعشرين، وبدأ الطيران يقصف المدينة، الناس كانوا يُقتلون في الشوارع، ثم أتت الطائرات، وبعدها عادت القوات الروسية الراجلة، وأطلقوا النار على كل شيء، في وسط المدينة وفي أطرافها».
يتحدث الرجل بسرعة، ويرفض تناول زجاجة من الماء من زميله الذي يعمل قربه على تنظيف محطة لإصلاح السيارات كانت قد تمركزت فيها القوات الروسية. ويتابع: «دمروا قلب المدينة، دمروا المتاجر والمنازل ثم سرقوا كل شيء، قتلوا الناس في الشوارع، وهناك مقابر جماعية وجثث ملقاة في الطرقات».
المسنة التي تسير وحيدة في وسط الشارع أجابتنا فقط عن اسم قطتها التي تحملها: إنها بوشينكا. قالت ثم نظرت نحونا، ووافقت على التقاط صورة لها وللقطة، ثم أخبرتنا بأنها أضاعت بوشينكا في بداية الحرب، والقطة هدية من حفيدتها، واضطرت للهرب خارج المدينة، وها هي قد عادت اليوم فقط وعثرت الآن على القطة، وستعيدها إلى البيت.
إيغور (٣٩ عاماً) يعود إلى منزله محاولاً إصلاح الشبابيك بعد أن أمضى عدة أسابيع في منزل أكثر أماناً في مدينته نفسها، ولكنه لا يقول الكثير، يشير بيده إلى فناء خلف منزله ويقول اذهبوا وصوروا الجثث هناك. خلف المنزل الذي يقع على الطريق العام، وفي فناء بين المباني ثمة عدة جثث تقطعت أوصالها من القصف، وتركت في مكانها رغم تحرر المدينة في اليوم الثاني من الشهر الحالي. جثث عدة بقيت في أماكنها في داخل المدينة الصغيرة، ولا تزال قوات الجيش والحرس الإقليمي تبحث في المنازل عن المزيد من القتلى جراء الأعمال التي قام بها الروس.
إيفانكيف

                                                  مدرعات محترقة في الطريق إلى إيفانكيف (الشرق الأوسط)
من المدينة الصغيرة بوروديانكا، طريق آخر يقود إلى إيفانكيف التي من الصعب دخولها دون مساعدة جرار زراعي، ولكن الجرار الوحيد الذي صادفناه كان صاحبه بغاية الانشغال، يقف قرب رتل مدمر من الآليات الروسية ويجمع قطع غيار لآليات أخرى روسية سبق أن سحبها إلى مزرعته: كنت أريد المساعدة، ولكن لا أعتقد أن لديَّ الوقت، ولا تحاولوا العبور إلى إيفانكيف بسيارتكم هذه، ستغرقون في الوحل. الجسور دمرت لمنع تقدم القوات الروسية، وفي إيفانكيف لا يزال العديد من السكان يقطنون رغم انعدام الخدمات، أما شاحنات المساعدات الصغيرة فتتوقف قبل النهر والجسر المدمر ويشكل الناس سلاسل بشرية لينقلوا المواد الغذائية والطبية ما بين ضفتي النهر. ثم يعودون إلى مدينتهم بانتظار إصلاح الطرق والخدمات. ما بعد إيفانكيف باتجاه كييف تمتد غابة تحيط بكثير من قرى العاصمة لأكثر من ٤٥ كيلومتراً، وأجزاء منها استعملت كمقر للقوات الروسية، ليس أقل من خمسة آلاف جندي مع آلياتهم الثقيلة ودباباتهم وعرباتهم المدرعة تمركزوا هنا، حفروا الخنادق الدفاعية مخططين لبقاء طويل. وتحولت أجزاء من الغابة الفاصلة ما بين بوتشا وإيفانكيف (٧٠ كيلومتراً شمال غربي كييف) إلى شبكة من الأنفاق والملاجئ وغرف القيادة ومقرات العمليات والتخزين للذخائر والمواد الغذائية وإجراء أعمال الصيانة للعربات. وموهت القوات الروسية حفرها وأنفاقها بأغصان الشجر، ثم انسحبت تاركة الكثير خلفها. وبقيت الأنفاق وآثار الجيش الروسي ودباباته هنا في الأوحال وبقايا الثلوج. في طريق العودة وفي أطراف إربين وبوتشا ينتشر عمال الصيانة الكهربائية ويعملون على وصل الأسلاك في أكثر من نقطة بنفس الوقت. فرق أخرى تابعة لشركات الغاز تعمل أيضاً على صيانة إمدادات الغاز في المنطقة، بينما عناصر من الشرطة يفتشون المناطق التي جرى فيها القتال بحثاً عن ألغام ويعملون على فتح الطرق وتسهيل حركة المرور مع عودة بعض السكان إلى هذه المناطق.
بوتشا ليست الأسوأ على مستوى القتلى
أولكسي (٤٣ عاماً) وزوجته ووالدتها وثلاثة أطفال بقوا في الملجأ الرطب والبارد تحت الأرض في بوتشا حتى بعد أن وقعت في أيدي الروس. لأيام طويلة اختفوا تحت الأرض. كانوا يسمعون أصوات الاشتباكات والقصف، ثم هدير الدبابات الروسية. بعد أيام قرر أولكسي أن يخرج ليحاول الحصول على الطعام. ويقول: «حينها رأيت قرب السكة الحديدية في شارع كييفو مروتسكا الكثير من الجثث. مدنيون. رجل وامرأة وثلاثة أطفال». ويضيف: «جميعهم قتلى وجثثهم قرب بعضها على جانب طريق المحطة. ثم قرب المدرسة في شارع فوكسالنا شاهدت المزيد من الجثث». هذا ما نشرته «الشرق الأوسط» يوم السادس عشر من شهر مارس (آذار) الماضي. أما اليوم فإن المدرسة في شارع فوكسالنا هي الشاهد على تلك الجثث، ولكن الشارع الآن تحتله الدبابات والمدرعات الروسية المحترقة. تبعد بوتشا مسافة ٢٥ كيلومتراً عن قلب العاصمة كييف، من محيطها ومحيط إربين كانت المدفعية الروسية تضرب أطراف العاصمة، وكانت بالمقابل المدفعية الأوكرانية تقصف القوات الروسية المتواجدة هنا، معارك مدفعية طويلة جرت على هذه الأرض في محيط المدن الصغيرة: إربين، بوتشا، فورزل وهوستومل، قبل أن تبدأ القوات الروسية بالانهيار في إربين وتتراجع. يقف ثلاثة جنود قرب مدخل المدرسة في بوتشا، أحدهم يتحدث قائلاً: «لقد عثرنا على العديد من الجثث لمدنيين، كان بعضها في الشارع هنا وأخرى في قبو أحد المنازل القريبة»، مشيراً إلى بيت لا يبعد أكثر من ٣٠ متراً عن مكان وقوفنا. هذا الجندي الذي لا يفصح عن اسمه يتابع قائلاً إنه لم يشاهد بنفسه آثار تعذيب عليها، ولكنه أيضا يجيب حين نسأل إن كان دقق في الجثث بالقول: «لا فقط شاهدتهم في القبو قتلى».

                                                                          مجزرة دبابات في بوتشا (الشرق الأوسط)
المدرسة تحولت إلى مقر مؤقت للإغاثة ولأعمال رسمية أخرى، سمح لنا بالاقتراب والتجول، وبعض الشوارع مغلقة مؤقتاً أمام المدنيين والصحافيين. «ما زلنا نعمل على إزالة الألغام» يقول شرطي يقف على طريق سوبورنا في نهاية إربين والواصل نحو بوتشا. العمل الآن ينتظم في بوتشا والمنطقة المحيطة بها، ثمة قدر من الثقة بأن القوات الروسية لن تعود لها، البحث عن الجثث ونقلها لا يزال مستمراً من قبل الحرس الوطني وقوات الدفاع الإقليمية وقوات الشرطة والجيش.
في ظل المأساة المحلية أعلن حكام المقاطعات عن حظر تجول لمدة أيام قليلة في المدن التي تعرضت للدمار، مثل بوتشا وإربين خصوصاً. واعتقلت القوات العسكرية هنا مجموعة من اللصوص سطوا على المنازل، وعثرت بحوزتهم على أجهزة كمبيوتر وأموال نقدية وبعض الحلي الذهبية. إعلان إغلاق المنطقة أمام من لا يحملون تراخيص أو من لا يقطنونها ترافق مع تفتيش دقيق لكل السيارات من دون استثناء، وفي داخل المدن شبه المهجورة بقيت المحلات مشرعة الأبواب، وما لم يتم نهبه على أيدي القوات الروسية أو اللصوص المحليين بقي في مكانه على رفوف المحال التجارية. بوتشا ليست الأسوأ على مستوى القتلى، هكذا صرحت المدعية العامة الأوكرانية إيرينا فنديكتوفا، قائلة إن بوروديانكا شهدت أسوأ عمليات القتل للمدنيين. ولكن تبقى بوتشا رغم ذلك هي من قدم أول الأدلة على المجازر، حيث في المعاينة المباشرة لمن أتيحت له الفرصة يمكن القول إن الجثث التي عثر عليها بعد انسحاب القوات الروسية كانت تحمل علامات إطلاق الرصاص. نسأل أوليكسي: هل تعلم أنك تتهم الجيش الروسي بارتكاب جريمة حرب، وأن ما تقوله قد يضعك في خانة الشاهد محلياً ودولياً، ويجيب الرجل الذي يحمل ابنته بين ذراعيه: «نعم أعلم وأنا أعرف ما أقوله». اليوم أوليكسي لاجئ في بولندا بعد ترحيله من قبل هيئة إغاثة محلية بعد ساعات من إجراء اللقاء معه.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended