جثث فوق الأرض ومقابر متفرقة في محيط كييف

مدرسة بوتشا حيث عثر على مدخلها على جثث قتلت برصاص الجنود الروس"الشرق الأوسط")
مدرسة بوتشا حيث عثر على مدخلها على جثث قتلت برصاص الجنود الروس"الشرق الأوسط")
TT

جثث فوق الأرض ومقابر متفرقة في محيط كييف

مدرسة بوتشا حيث عثر على مدخلها على جثث قتلت برصاص الجنود الروس"الشرق الأوسط")
مدرسة بوتشا حيث عثر على مدخلها على جثث قتلت برصاص الجنود الروس"الشرق الأوسط")

الساعة التاسعة تماماً، تنطلق موسيقى حزينة في ساحات العاصمة الأوكرانية كييف معلنة دقيقة صمت على أرواح ضحايا الحرب. وفتحت المدعية العامة الأوكرانية إيرينا فنديكتوفا الباب واسعاً أمام البحث عن مزيد من الجثث في منطقة كييف التي تمتد حتى الحدود مع بيلاروسيا، حين قالت مساء أول من أمس إن الفظائع الأكبر هي تلك التي شهدتها مدينة بوروديانكا (٤٥ كيلومتراً شمال غربي كييف). تدمرت جسور المدينة الصغيرة التي كانت تضم نحو ١٤ ألف قاطن، وأصبح الوصول إليها يتطلب التفافة طويلة تمر عبر إربين وبوتشا وغيرها من القرى القريبة، التي فرغت بدورها من سكانها، ومع تطور المعارك فقدت أسباب الحياة، فلا ماء ولا كهرباء أو غاز للتدفئة، وطبعاً لا خدمات هاتف خليوي أو إنترنت، ورغم ذلك بدأ الناس يعودون إليها. العشرات من الأوكرانيين يمشون في الطرق الآن نحو قراهم، يمكن مشاهدتهم يحملون أكياساً بلاستيكية أو حقائب صغيرة ويقطعون المسافات الفاصلة باتجاه قرى فوزل وهستوميل. في بوروديانكا لا يتطلب الأمر جهداً لتعثر على من يروي حكايته، ولكن الأمر لا يخلو من توتر يظهره الناجون من السكان تجاه محدثهم.
رجل، رفض إعطاء اسمه، بدأ يشرح لنا ما عاشه بالقول: «كان جحيماً، في يوم ٢٣ فبراير (شباط) كان كل شيء طبيعياً، اليوم التالي بدأت المعارك، يوم الخامس والعشرين من الشهر نفسه وصلت القوات الروسية وحاولت اقتحام المدينة، وبالفعل دخلت المدينة، ولكن قوات الحرس الإقليمي الأوكرانية تصدت لهم بقنابل المولوتوف، وأحرقت رتلاً داخل المدينة».
يضيف الرجل وهو يشير بيديه عالياً: «أتت القوات الروسية إلى مدخل المدينة، ووضعوا الدبابات وراحوا يقصفون كل المنازل بالمدفعية، ثم انسحبت الدبابات يوم التاسع والعشرين، وبدأ الطيران يقصف المدينة، الناس كانوا يُقتلون في الشوارع، ثم أتت الطائرات، وبعدها عادت القوات الروسية الراجلة، وأطلقوا النار على كل شيء، في وسط المدينة وفي أطرافها».
يتحدث الرجل بسرعة، ويرفض تناول زجاجة من الماء من زميله الذي يعمل قربه على تنظيف محطة لإصلاح السيارات كانت قد تمركزت فيها القوات الروسية. ويتابع: «دمروا قلب المدينة، دمروا المتاجر والمنازل ثم سرقوا كل شيء، قتلوا الناس في الشوارع، وهناك مقابر جماعية وجثث ملقاة في الطرقات».
المسنة التي تسير وحيدة في وسط الشارع أجابتنا فقط عن اسم قطتها التي تحملها: إنها بوشينكا. قالت ثم نظرت نحونا، ووافقت على التقاط صورة لها وللقطة، ثم أخبرتنا بأنها أضاعت بوشينكا في بداية الحرب، والقطة هدية من حفيدتها، واضطرت للهرب خارج المدينة، وها هي قد عادت اليوم فقط وعثرت الآن على القطة، وستعيدها إلى البيت.
إيغور (٣٩ عاماً) يعود إلى منزله محاولاً إصلاح الشبابيك بعد أن أمضى عدة أسابيع في منزل أكثر أماناً في مدينته نفسها، ولكنه لا يقول الكثير، يشير بيده إلى فناء خلف منزله ويقول اذهبوا وصوروا الجثث هناك. خلف المنزل الذي يقع على الطريق العام، وفي فناء بين المباني ثمة عدة جثث تقطعت أوصالها من القصف، وتركت في مكانها رغم تحرر المدينة في اليوم الثاني من الشهر الحالي. جثث عدة بقيت في أماكنها في داخل المدينة الصغيرة، ولا تزال قوات الجيش والحرس الإقليمي تبحث في المنازل عن المزيد من القتلى جراء الأعمال التي قام بها الروس.
إيفانكيف

                                                  مدرعات محترقة في الطريق إلى إيفانكيف (الشرق الأوسط)
من المدينة الصغيرة بوروديانكا، طريق آخر يقود إلى إيفانكيف التي من الصعب دخولها دون مساعدة جرار زراعي، ولكن الجرار الوحيد الذي صادفناه كان صاحبه بغاية الانشغال، يقف قرب رتل مدمر من الآليات الروسية ويجمع قطع غيار لآليات أخرى روسية سبق أن سحبها إلى مزرعته: كنت أريد المساعدة، ولكن لا أعتقد أن لديَّ الوقت، ولا تحاولوا العبور إلى إيفانكيف بسيارتكم هذه، ستغرقون في الوحل. الجسور دمرت لمنع تقدم القوات الروسية، وفي إيفانكيف لا يزال العديد من السكان يقطنون رغم انعدام الخدمات، أما شاحنات المساعدات الصغيرة فتتوقف قبل النهر والجسر المدمر ويشكل الناس سلاسل بشرية لينقلوا المواد الغذائية والطبية ما بين ضفتي النهر. ثم يعودون إلى مدينتهم بانتظار إصلاح الطرق والخدمات. ما بعد إيفانكيف باتجاه كييف تمتد غابة تحيط بكثير من قرى العاصمة لأكثر من ٤٥ كيلومتراً، وأجزاء منها استعملت كمقر للقوات الروسية، ليس أقل من خمسة آلاف جندي مع آلياتهم الثقيلة ودباباتهم وعرباتهم المدرعة تمركزوا هنا، حفروا الخنادق الدفاعية مخططين لبقاء طويل. وتحولت أجزاء من الغابة الفاصلة ما بين بوتشا وإيفانكيف (٧٠ كيلومتراً شمال غربي كييف) إلى شبكة من الأنفاق والملاجئ وغرف القيادة ومقرات العمليات والتخزين للذخائر والمواد الغذائية وإجراء أعمال الصيانة للعربات. وموهت القوات الروسية حفرها وأنفاقها بأغصان الشجر، ثم انسحبت تاركة الكثير خلفها. وبقيت الأنفاق وآثار الجيش الروسي ودباباته هنا في الأوحال وبقايا الثلوج. في طريق العودة وفي أطراف إربين وبوتشا ينتشر عمال الصيانة الكهربائية ويعملون على وصل الأسلاك في أكثر من نقطة بنفس الوقت. فرق أخرى تابعة لشركات الغاز تعمل أيضاً على صيانة إمدادات الغاز في المنطقة، بينما عناصر من الشرطة يفتشون المناطق التي جرى فيها القتال بحثاً عن ألغام ويعملون على فتح الطرق وتسهيل حركة المرور مع عودة بعض السكان إلى هذه المناطق.
بوتشا ليست الأسوأ على مستوى القتلى
أولكسي (٤٣ عاماً) وزوجته ووالدتها وثلاثة أطفال بقوا في الملجأ الرطب والبارد تحت الأرض في بوتشا حتى بعد أن وقعت في أيدي الروس. لأيام طويلة اختفوا تحت الأرض. كانوا يسمعون أصوات الاشتباكات والقصف، ثم هدير الدبابات الروسية. بعد أيام قرر أولكسي أن يخرج ليحاول الحصول على الطعام. ويقول: «حينها رأيت قرب السكة الحديدية في شارع كييفو مروتسكا الكثير من الجثث. مدنيون. رجل وامرأة وثلاثة أطفال». ويضيف: «جميعهم قتلى وجثثهم قرب بعضها على جانب طريق المحطة. ثم قرب المدرسة في شارع فوكسالنا شاهدت المزيد من الجثث». هذا ما نشرته «الشرق الأوسط» يوم السادس عشر من شهر مارس (آذار) الماضي. أما اليوم فإن المدرسة في شارع فوكسالنا هي الشاهد على تلك الجثث، ولكن الشارع الآن تحتله الدبابات والمدرعات الروسية المحترقة. تبعد بوتشا مسافة ٢٥ كيلومتراً عن قلب العاصمة كييف، من محيطها ومحيط إربين كانت المدفعية الروسية تضرب أطراف العاصمة، وكانت بالمقابل المدفعية الأوكرانية تقصف القوات الروسية المتواجدة هنا، معارك مدفعية طويلة جرت على هذه الأرض في محيط المدن الصغيرة: إربين، بوتشا، فورزل وهوستومل، قبل أن تبدأ القوات الروسية بالانهيار في إربين وتتراجع. يقف ثلاثة جنود قرب مدخل المدرسة في بوتشا، أحدهم يتحدث قائلاً: «لقد عثرنا على العديد من الجثث لمدنيين، كان بعضها في الشارع هنا وأخرى في قبو أحد المنازل القريبة»، مشيراً إلى بيت لا يبعد أكثر من ٣٠ متراً عن مكان وقوفنا. هذا الجندي الذي لا يفصح عن اسمه يتابع قائلاً إنه لم يشاهد بنفسه آثار تعذيب عليها، ولكنه أيضا يجيب حين نسأل إن كان دقق في الجثث بالقول: «لا فقط شاهدتهم في القبو قتلى».

                                                                          مجزرة دبابات في بوتشا (الشرق الأوسط)
المدرسة تحولت إلى مقر مؤقت للإغاثة ولأعمال رسمية أخرى، سمح لنا بالاقتراب والتجول، وبعض الشوارع مغلقة مؤقتاً أمام المدنيين والصحافيين. «ما زلنا نعمل على إزالة الألغام» يقول شرطي يقف على طريق سوبورنا في نهاية إربين والواصل نحو بوتشا. العمل الآن ينتظم في بوتشا والمنطقة المحيطة بها، ثمة قدر من الثقة بأن القوات الروسية لن تعود لها، البحث عن الجثث ونقلها لا يزال مستمراً من قبل الحرس الوطني وقوات الدفاع الإقليمية وقوات الشرطة والجيش.
في ظل المأساة المحلية أعلن حكام المقاطعات عن حظر تجول لمدة أيام قليلة في المدن التي تعرضت للدمار، مثل بوتشا وإربين خصوصاً. واعتقلت القوات العسكرية هنا مجموعة من اللصوص سطوا على المنازل، وعثرت بحوزتهم على أجهزة كمبيوتر وأموال نقدية وبعض الحلي الذهبية. إعلان إغلاق المنطقة أمام من لا يحملون تراخيص أو من لا يقطنونها ترافق مع تفتيش دقيق لكل السيارات من دون استثناء، وفي داخل المدن شبه المهجورة بقيت المحلات مشرعة الأبواب، وما لم يتم نهبه على أيدي القوات الروسية أو اللصوص المحليين بقي في مكانه على رفوف المحال التجارية. بوتشا ليست الأسوأ على مستوى القتلى، هكذا صرحت المدعية العامة الأوكرانية إيرينا فنديكتوفا، قائلة إن بوروديانكا شهدت أسوأ عمليات القتل للمدنيين. ولكن تبقى بوتشا رغم ذلك هي من قدم أول الأدلة على المجازر، حيث في المعاينة المباشرة لمن أتيحت له الفرصة يمكن القول إن الجثث التي عثر عليها بعد انسحاب القوات الروسية كانت تحمل علامات إطلاق الرصاص. نسأل أوليكسي: هل تعلم أنك تتهم الجيش الروسي بارتكاب جريمة حرب، وأن ما تقوله قد يضعك في خانة الشاهد محلياً ودولياً، ويجيب الرجل الذي يحمل ابنته بين ذراعيه: «نعم أعلم وأنا أعرف ما أقوله». اليوم أوليكسي لاجئ في بولندا بعد ترحيله من قبل هيئة إغاثة محلية بعد ساعات من إجراء اللقاء معه.



ترمب يتعهّد بفرض رسوم جمركية على 8 دول أوروبية بسبب غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

ترمب يتعهّد بفرض رسوم جمركية على 8 دول أوروبية بسبب غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

تعهّد ​الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم (السبت)، بتطبيق موجة من الرسوم الجمركية المتزايدة على الحلفاء ‌الأوروبيين ‌حتى ‌يُسمح ⁠لواشنطن ​بشراء غرينلاند.

وفي ‌منشور على منصته «تروث سوشيال»، قال ترمب إن الرسوم الجمركية بنسبة 10 في المائة ⁠ستدخل حيز ‌التنفيذ في الأول من فبراير (شباط) المقبل على الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولندا وفنلندا.

وأضاف ترمب ​أن هذه الرسوم سترتفع إلى ⁠25 في المائة في الأول من يونيو (حزيران) المقبل، وستستمر حتى يتم التوصل إلى اتفاق يسمح بشراء الولايات المتحدة الجزيرة ذات الحكم الذاتي.

واتهم الرئيس الأميركي الدول الأوروبية بممارسة «لعبة بالغة الخطورة» بشأن غرينلاند، عادّاً «السلام العالمي على المحك». وقال إن الدول التي فرض عليها الرسوم الجمركية «قامت بمجازفة غير مقبولة».

وأضاف: «بعد قرون، حان الوقت لترد الدنمارك (غرينلاند)... السلام العالمي على المحك. الصين وروسيا تريدان غرينلاند، والدنمارك عاجزة عن القيام بأي شيء في هذا الصدد».

جاء ذلك بعد أيام من نشر الدنمارك ودول أوروبية أخرى أعضاء في «حلف شمال الأطلسي» (ناتو)، قوات في الجزيرة القطبية الغنية بالمعادن. ويصر القادة الأوروبيون على أن الدنمارك وغرينلاند فقط هما من تقرران الشؤون المتعلقة بالإقليم.

غضب أوروبي

ورداً على تعهّد ترمب، قال الرئيس الفرنسي ​إيمانويل ماكرون إن تهديد الرئيس الأميركي بفرض رسوم جمركية ‌«⁠أمر ​غير مقبول»، ‌وإنه في حال تأكيده سترد أوروبا بشكل منسّق.

وأضاف ماكرون: «لن يؤثر علينا ⁠أي ترهيب أو ‌تهديد، لا في أوكرانيا ولا في غرينلاند ولا في أي مكان آخر في العالم، عندما نواجه ​مثل هذه المواقف».

بدوره، قال وزير خارجية الدنمارك، لارس لوكه راسموسن، إن إعلان ترمب فرض رسوم جمركية بسبب غرينلاند «كان مفاجئاً». وأشار إلى أن الوجود العسكري في الجزيرة يهدف إلى تعزيز الأمن في القطب الشمالي.

وأكد رئيس الحكومة السويدية، أولف كريسترسون، أنّ بلاده ترفض تصريحات ترمب. وقال في رسالة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لن نخضع للترهيب. وحدهما الدنمارك وغرينلاند تقرّران بشأن القضايا التي تخصّهما. سأدافع دائماً عن بلادي وعن جيراننا الحلفاء».

وأضاف: «تُجري السويد حالياً محادثات مكثفة مع دول أخرى في الاتحاد الأوروبي والنرويج وبريطانيا، من أجل التوصل إلى رد مشترك».

وفي بريطانيا، اعتبر رئيس الوزراء كير ستارمر أنّ «فرض رسوم جمركية على الحلفاء الذين يسعون إلى تحقيق الأمن المشترك لأعضاء (الناتو) أمر خاطئ تماماً»، مضيفاً: «سنتابع هذا الأمر بشكل مباشر مع الإدارة الأميركية».

«دوامة خطيرة»

وحذر الاتحاد الأوروبي من «دوامة خطيرة» بعد إعلان الرئيس الأميركي.

وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، في بيان مشترك، إنّ «فرض رسوم جمركية سيضعف العلاقات عبر الأطلسي، كما يهدد بدخول العالم في دوامة انحدارية خطيرة».

وأكدا أنّ «أوروبا ستبقى موحّدة ومنسّقة وملتزمة بالدفاع عن سيادتها». وصدر هذا الموقف بعد أيام من إجراء مسؤولين دنماركيين ومن غرينلاند محادثات في واشنطن بشأن سعي ترمب لضم غرينلاند، دون التوصل إلى اتفاق.

وأضافت فون دير لاين وكوستا: «يبدي الاتحاد الأوروبي تضامناً كاملاً مع الدنمارك وشعب غرينلاند. يبقى الحوار أساسياً، ونحن ملتزمون بالبناء على العملية التي بدأت الأسبوع الماضي بين مملكة الدنمارك والولايات المتحدة».

امتنان للموقف الأوروبي

أشادت وزيرة الموارد المعدنية في حكومة غرينلاند ناجا ناثانييلسن، السبت، برد فعل الدول الأوروبية على تهديد ترمب بفرض رسوم جمركية جديدة عليها لمعارضتها جهوده للاستحواذ على غرينلاند.

محتجون على سياسة ترمب تجاه الجزيرة يحملون لافتة «غرينلاند ليست للبيع» في مسيرة باتجاه القنصلية الأميركية في غرينلاند (ا.ب)

وقالت الوزيرة في رسالة نشرتها على موقع «لينكد إن»: «أذهلتني ردود الفعل الأولية من الدول المستهدفة. أنا ممتنة ومتفائلة بكون الدبلوماسية والتحالفات ستنتصر».


الجيش الصيني «يراقب» سفينتين أميركيتين تعبران مضيق تايوان

سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

الجيش الصيني «يراقب» سفينتين أميركيتين تعبران مضيق تايوان

سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)

قال الجيش ​الصيني، عبر حسابه الرسمي على موقع «وي تشات»، اليوم (السبت)، إنه ‌تابع ورصد ‌عبور مدمرة ‌الصواريخ ⁠الموجهة ​الأميركية «فين» وسفينة «ماري سيرز» لمسح المحيطات عبر مضيق تايوان يومَي 16 و17 ⁠يناير (كانون ‌الثاني).

وقال متحدث باسم قيادة المسرح الشرقي لجيش التحرير الشعبي الصيني، في البيان، إن الجيش ​لا يزال «في حالة تأهب ⁠قصوى في جميع الأوقات... للدفاع بحزم عن السيادة والأمن الوطنيين».

ولم يصدر بعد تعليق من وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) على بيان الجيش الصيني.


هل يكون القطب الشمالي البارد مسرحاً لحرب «عالمية» ساخنة؟

بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
TT

هل يكون القطب الشمالي البارد مسرحاً لحرب «عالمية» ساخنة؟

بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)

كندا، الدنمارك (تمثل غرينلاند أيضاً)، فنلندا، آيسلندا، النرويج، روسيا، السويد، الولايات المتحدة.

تشكل الدول الثماني «مجلس المنطقة القطبية الشمالية» الذي اتفقت على إنشائه في 1991، وأعلنت ولادته رسمياً بعد خمس سنوات، بهدف التعاون في حماية البيئة الهشة في الأركتيك (Arctic)، وهي كلمة يونانية الأصل (Arktos) وتعني الدب. ويرجع ذلك إلى موقع كوكبة نجوم «أورسا مايجر»، (الدب الأكبر)، فوق منطقة القطب الشمالي.

جندي دنماركي خارج مقر قيادة القطب الشمالي في نوك عاصمة غرينلاند (رويترز)

أصرت الولايات المتحدة قبل توقيع معاهدة إنشاء المجلس (تُعرف بـ«إعلان أوتاوا») على أن تُدرجَ في النص جملة تقول: «لا يجوز لمجلس القطب الشمالي أن يتعامل مع المسائل المتعلقة بالأمن العسكري». إلا أن الجغرافيا الشمالية كانت على الدوام محطَّ تنافس ومطامع. وأسهم صعود الصين القريبة جغرافياً من القطب الشمالي، والعسكرة الروسية لمياه المنطقة، والتقارب بين روسيا والصين، والأهم الاحترار المناخي، في وضع المنطقة في صلب التجاذب والطموحات الجيوسياسية والجيواقتصادية.

عسكرة القطب الشمالي... صراعات استراتيجية «حامية» على «صفيح بارد»

أدى الاحترار المناخي -ولا يزال- إلى ذوبان مساحات ضخمة من الجليد في القطب الشمالي، وبالتالي انفتاح ممرات مائية كانت عصيَّة على السفن، وهذا يعني وجود ممرات جديدة للتجارة البحرية، وإمكان الوصول إلى الموارد الطبيعية التي تختزنها الأرض البيضاء. من هنا رأينا خطوات العسكرة تتسارع في المنطقة التي قال عنها وزير الخارجية الأميركي سابقاً، مايك بومبيو، في عام 2019، إن ظروفها تغيرت و«أصبحت ساحة للنفوذ والتنافس. يجب على دول القطب الشمالي الثماني التكيف مع المستقبل الجديد». وفي المقابل قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بعد ذلك بسنتين، قبيل اجتماع للمجلس القطبي في ريكيافيك عاصمة آيسلندا، إن القطب الشمالي هو منطقة نفوذ روسي.

زورق الدورية «كنود راسموسن» التابع للبحرية الدنماركية يرسو في مرفأ نوك عاصمة غرينلاند (رويترز)

غرينلاند والقطب

تعود هذه المسألة إلى الواجهة بقوة مع كل المعمعة المحيطة بقضية أكبر جزيرة في العالم: غرينلاند التي يريدها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، غيرَ مكتفٍ بالقاعدة العسكرية الأميركية الموجودة فيها، وغير واثق بقدرة الدنمارك، صاحبة السيادة على الجزيرة، على الدفاع عنها، ولا بقدرة حلف شمال الأطلسي (ناتو) على الوقوف في وجه روسيا والصين.

كان غريباً ما قاله ترمب لصحيفة «نيويورك تايمز» تفسيراً لرغبته في الاستحواذ على غرينلاند، فالأمر «مطلوب نفسياً لتحقيق النجاح». وقد ورد في تعليق لصحيفة «لوموند» الفرنسية على هذا الكلام أن «من بين كل المبررات التي يمكن أن تقال لتسويغ انتهاك سيادة دولة حليفة، بدءاً من التهديدات الجيوسياسية الروسية والصينية، مروراً بوفرة المعادن الاستراتيجية (في الجزيرة)، وصولاً إلى إنشاء درع مضادة للصواريخ لحماية الولايات المتحدة، يبدو هذا السبب الأكثر انسجاماً مع طبيعة هذا الرئيس، وهو ما يجعله مقلقاً على نحو خاص».

فلنترك الراهن قليلاً ونرجع إلى سجل الماضي:

التوسُّع الإقليمي للولايات المتحدة وبعض عمليات الشراء

ليست رغبة واشنطن في ضم غرينلاند بالأمر الجديد؛ بل يحفل تاريخ الولايات المتحدة بالتوسع الجغرافي:

- في عام 1803، اشترت الولايات المتحدة من فرنسا منطقة لويزيانا، مقابل 15 مليون دولار، فتضاعفت مساحة البلاد.

- في 1819 عُقدت صفقة شراء فلوريدا من إسبانيا عبر تسوية ديون، وأصبحت إقليماً أميركياً عام 1821.

- في 1845 ضمَّ الأميركيون جمهورية تكساس المستقلة، وهذا ما أدى لاحقاً إلى الحرب الأميركية المكسيكية.

- في 1848 تنازلت المكسيك لجارتها الشمالية عن كاليفورنيا وأجزاء من الغرب الأميركي مقابل 15 مليون دولار.

- في 1867 اشترت الولايات المتحدة ألاسكا من روسيا مقابل 7.2 مليون دولار، بهدف تحقيق توسُّع استراتيجي واقتصادي. وصار هذا الإقليم ولاية في عام 1959. وقد اكتُشف النفط فيها في عام 1968، وبلغ الإنتاج ذروته في الثمانينات، مع وجود احتياطات كبيرة لم تُستغلّ بعد.

- ضمَّت أميركا هاواي في عام 1898 بعد إسقاط الملَكية بدعم أميركي، وأصبحت ولاية في 1959.

- شراء الفلبين وغوام وبورتوريكو في 1898 من إسبانيا مقابل 20 مليون دولار، بعد الحرب الأميركية الإسبانية، وقد استقلت الفلبين في عام 1946.

- اشترت الولايات المتحدة جزر فيرجن (الجزر العذراء) من الدنمارك في عام 1917 مقابل 25 مليون دولار ذهباً. وكانت وراء ذلك أسباب استراتيجية وعسكرية؛ إذ خشيت واشنطن أن تستولي ألمانيا على الجزر أثناء الحرب العالمية الأولى، فتتعرض للخطر خطوط الملاحة في البحر الكاريبي؛ خصوصاً قناة بنما التي تربط هذا البحر بالمحيط الهادئ. ومُنح سكان الجزر الجنسية الأميركية عام 1927، في عهد الرئيس وودرو ويلسون.

- في عام 1946 حاول الرئيس هاري ترومان شراء غرينلاند من الدنمارك بمبلغ 100 مليون دولار ذهباً لأسباب عسكرية واستراتيجية خلال بدايات الحرب الباردة، ولكن الدنمارك رفضت البيع. وحافظت الولايات المتحدة على وجود عسكري قوي هناك بالاتفاق مع الدنمارك.

جنود ألمان هبطت طائرتهم العسكرية في غرينلاند حيث سيتمركزون تعزيزاً لدفاعات الإقليم التابع للدنمارك (أ.ف.ب)

ثروات غرينلاند

تبلغ مساحة غرينلاند مليونين و160 ألف كيلومتر مربع، يعيش فيها أقل من 57 ألف نسمة، نحو 50 ألفاً منهم من السكان الأصليين. ويتركز أكبر تجمع سكاني في العاصمة نوك (نحو 20 ألف نسمة).

بقيت الجزيرة مستعمرة دنماركية من 1721 إلى 1953 حين أُدخلت تعديلات على الدستور الدنماركي، صارت بموجبها غرينلاند إقليماً ذا حكم ذاتي.

تتمتع غرينلاند بثروة كبيرة من الموارد الطبيعية، ولكن جزءاً كبيراً من هذه الثروة لا يزال غير مستغل بشكل كبير بسبب موقعها النائي، ومناخها القاسي في المنطقة القطبية، والمخاوف البيئية.

وتحتوي الجزيرة على بعض أكبر احتياطيات العالم من المعادن النادرة التي تُعد أساسية في مجالات الإلكترونيات والطاقة المتجددة والتقنيات العسكرية. ويُعد مشروع كفانيفيلد (Kvanefjeld) المتوقف حالياً من أهم المشاريع الغربية في هذا المجال، إلا أنه يحتاج إلى مخطط واضح وتمويل كبير.

إضافة إلى المعادن، ثمة احتياطيات محتملة من النفط والغاز الطبيعي في المياه البحرية؛ خصوصاً في المناطق الغربية والشرقية، ولكن عمليات الحفر والتنقيب مكلفة ومثيرة للجدل بسبب الهشاشة البيئية. وعلاوة على ذلك، لا توجد خارج العاصمة نوك أي بنية تحتية للطرق تقريباً في غرينلاند، كما أن المرافئ العميقة المحدودة لا تستوعب الناقلات الكبيرة وسفن الحاويات.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

أخطار ورهانات

أورد موقع المعهد البحري الأميركي -وهو منظمة مستقلة مكرَّسة لدراسة الشؤون البحرية والملاحية- أن «القطب الشمالي كان مختلفاً عن أي مكان آخر من الكرة الأرضية. فقد كان ملاذاً للبحث العلمي؛ حيث تعاونت الدول القطبية الثماني (بما في ذلك روسيا والولايات المتحدة) تعاوناً سلمياً. غير أن كل ذلك تلاشى في السنوات الأخيرة بفعل التسارع الكبير في ذوبان الجليد القطبي، وما ترتب عليه من فتح الباب واسعاً أمام مختلف الأنشطة التجارية؛ وكذلك بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا؛ وتنامي الاهتمام الصيني بطريق الحرير القطبي».

ويضيف الموقع: «يبدو أن التحوُّل في الطرق البحرية الشمالية -بما يتيح للسفن التجارية عبور أقصر طريق يربط بين المحيطين الهادئ والأطلسي- مرشَّح لأن يصبح واقعاً خلال عقد من الزمن. كما أن نحو نصف احتياطيات العالم من النفط والغاز تقع تحت أرض القطب الشمالي ومياهه، إضافة إلى كميات معتبَرة من المعادن النادرة الحيوية التي تُعد مكونات أساسية في كل كومبيوتر وهاتف محمول، وسيارة تعمل بالبطاريات».

يلخص ترمب نظرته إلى غرينلاند بقوله: «امتلاك غرينلاند أمرٌ حيوي لأمن الولايات المتحدة، ولأمنها الاقتصادي. إنه ضرورة مطلقة، ولا أستطيع أن أؤكد أننا لن نلجأ إلى استخدام وسائل الإكراه العسكري أو الاقتصادي».

لا شك في أن ترمب والصين يراقبان بشغف ثروات غرينلاند. فاحتكار الصين شبه العالمي لنحو 50 من أصناف «المعادن الحيوية» يواجه تحدياً من غرينلاند التي يمكنها توفير 30 منها من خلال اثنين من أكبر مناجم العناصر الأرضية النادرة في العالم. وهنا تبدو الصين والولايات المتحدة على حد سواء متحمستين لتقديم الخبرات والاستثمارات المطلوبة في تلك الأرض الجليدية.

ومع كون روسيا المستفيد الأول من الطرق البحرية الموعودة في القطب، يمكن فهم حماستها ولغتها الحاسمة والجازمة حيال القوى الأطلسية. وفي السياق، قال الرئيس فلاديمير بوتين في خطاب ألقاه في 27 مارس (آذار) 2025، خلال زيارته مدينة مورمانسك بمناسبة تدشين غواصة نووية جديدة، إن «الولايات المتحدة ستواصل دفع مصالحها الجيواستراتيجية والعسكرية- السياسية والاقتصادية في القطب الشمالي. كما أن التنافس الجيوسياسي والصراع على النفوذ في هذه المنطقة يتصاعدان». وأعرب عن قلقه «إزاء ازدياد وتيرة عمل دول (الناتو) على جعل أقصى الشمال منصة محتملة لنزاعات مستقبلية، وتدربها على استخدام القوات العسكرية في هذه الظروف. سنرد على كل ذلك».

مقر القنصلية الأميركية في نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)

وسط «المعمعة» الأميركية– الصينية– الروسية، يبدو الموقف الأوروبي نابعاً من الهلع: أولاً من حرب محتملة في تلك المساحات البيضاء، وثانياً من جدية ترمب وعزمه تملُّك غرينلاند غير آبه بحلفائه في «الناتو» ولا بأصدقائه الأوروبيين الذي لا يؤمن بقدرتهم على ضمان أمن غرينلاند، مع ما يعنيه ذلك من تخلي الولايات المتحدة عن «العائلة الغربية» التقليدية، راسمة خطوطاً جديدة في الخريطة الجيوسياسة العالمية.

لعلَّ ما يجسِّد الخوف الأوروبي ما قالته إيبَّا بوش، نائبة رئيس وزراء السويد التي أبدت خشيتها من أن يأتي دور بلادها الغنية بالموارد الطبيعية بعد غرينلاند. وإذا كانت السويد قلقة فماذا عن كندا التي تعرضت قبل أشهر لهجوم كلامي من ترمب، حضها فيه بقوة على الانضمام إلى الولايات المتحدة!

إنه عالم جديد فعلاً ترتسم ملامحه بسرعة، ويرتفع فيه منسوب التوتر وعدم اليقين، وتغلظ لهجة التخاطب السياسي مع قرقعة سلاح في خلفية المشهد... على أمل التعقُّل.