تحدّيات استثنائية لإعادة بناء نظام الرعاية الصحيّة في لبنان

الدكتور محمّد حسن الصّايغ، ألاء مرعي، الدكتور ديفيد م. بيكرز
الدكتور محمّد حسن الصّايغ، ألاء مرعي، الدكتور ديفيد م. بيكرز
TT

تحدّيات استثنائية لإعادة بناء نظام الرعاية الصحيّة في لبنان

الدكتور محمّد حسن الصّايغ، ألاء مرعي، الدكتور ديفيد م. بيكرز
الدكتور محمّد حسن الصّايغ، ألاء مرعي، الدكتور ديفيد م. بيكرز

على مدى العامين الماضيين، تبدّل حال نظام الرعاية الصحيّة في لبنان، الذي كان يُعرف سابقاً باسم «مستشفى الشرق الأوسط»، عما كان عليه في السابق. عبر التاريخ، كان لبنان مركزاً للمراكز الطبية الأكاديمية والوجهة الرائدة للسياحة العلاجيّة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ولكن هذه المكانة القياديّة تهالكت بسبب الانهيار الاقتصادي في لبنان وانهيار العملة اللبنانية في أواخر عام 2019 وبداية عام 2020، إلى جانب الضغط العالمي لوباء «كوفيد 19». نتيجة لهذه العوامل المؤسفة، غادر الأطباء والممرضون وغيرهم من المتخصّصين في الرعاية الصحيّة المؤهلين تأهيلاً عالياً البلاد إلى مراكز طبية أخرى في منطقة الخليج وأوروبا والولايات المتحدة. في أكتوبر (تشرين الأول) 2019، نزل اللبنانيون إلى الشوارع للاحتجاج على عقود من الفساد المستشري الذي بلغ ذروته إلى حالة ميؤوس منها في جميع قطاعات الاقتصاد تقريباً ولكن بشكل أكبر في الرعاية الصحيّة. رافق الفشل الاقتصادي شللاً سياسياً وقلّل الاعتماد على العملة اللبنانية من قدرتها الشرائية بشكل كبير. واقترن ذلك بفرض النّظام المصرفي اللبناني قيوداً مشددة (مراقبة رأس المال) على سحب أو تحويل العملات الأجنبية، مما جعل جميع العناصر الأساسية للسير الطبيعي للاقتصاد تؤثّر على جميع القطاعات وخاصة قطاع الرعاية الصحيّة الذي يعتمد على استيراد الأدوية والمستلزمات الطبية من خارج الدولة. بالإضافة إلى ذلك، تدمّر نظام الرعاية الصحيّة بسبب النقص المتكرر في الوقود والارتفاع الشديد في الأسعار وانقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة بشكل يومي، حيث إن الغالبية العظمى من اللبنانيين يحصلون على الكهرباء لأقل من ساعتين في اليوم. تزيد هذه الضغوطات من إجبار المستشفيات على تقنين الخدمات المقدّمة لمرضاها وإيقاع نظام الرعاية الصحيّة في حالة من الفوضى.
في 4 أغسطس (آب) 2020، تسبب ما يقارب 3000 طن من نترات الأمونيوم المخزّنة بشكل غير قانوني في انفجار هائل في مرفأ بيروت أسفر عن مقتل أكثر من 200 شخص وإصابة آلاف آخرين. بعد ذلك، استقالت الحكومة اللبنانية مجتمعة تاركة الدولة اللبنانية في حالة من الفوضى العارمة. في ذلك الوقت، كان لبنان يستضيف أكبر عدد من اللاجئين الأجانب في العالم من حيث نصيب الفرد، بما في ذلك ما يزيد على مليون سوري هربوا من جرّاء الحرب الأهلية بحثاً عن ملاذ آمن لعائلاتهم. خلقت هذه العوامل مجتمعة أزمة قوّضت نظام الرعاية الصحيّة اللبناني وحجبت عن المستشفيات ومقدمي الرعاية الصحيّة الموارد اللازمة لتقديم جودة الرعاية التي كانت سمة مميزة في المنطقة. تشير التقديرات إلى أن الانخفاض الكبير في قيمة العملة اللبنانية أدّى إلى انخفاض بنسبة تصل إلى 80 في المائة من الدخل السابق للأطباء والعاملين الآخرين في مجال الرعاية الصحيّة.1 وقد وجّه تسلسل الأحداث هذا ضربة ساحقة للعديد من العاملين اللبنانيين السابقين في مجال الرعاية الصحيّة، مما أجبرهم على البحث عن فرص بديلة في أماكن أخرى. وفي سبتمبر (أيلول) 2021، أشار تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن حوالي 40 في المائة من الأطباء المهرة و30 في المائة من الممرضين المسجلين قد غادروا لبنان منذ أكتوبر 2019. 2 ولقد أشار رئيس نقابة الأطباء اللبنانيين مؤخراً إلى أن النزوح المستمر للأطباء لا يعرض تقديم خدمات الرعاية الصحيّة للخطر فحسب، بل يهدد أيضاً تعليم الأطباء المستقبليين. في الواقع، سلّط مقال نُشر مؤخراً في الـ«واشنطن بوست» الضوء على الهجرة الجماعية لاختصاصيي الرعاية الصحيّة من لبنان.3
في العام 2009، وبدعمٍ قوي من مجلس أمناء الجامعة الأميركية في بيروت، أطلقنا برنامجاً بعنوان: رؤية المركز الطبي في الجامعة الأميركية في بيروت لعام 2020، وتمكّنا من تجنيد أكثر من 200 طبيب وعالم وطني سابق في المركز الطبي معظمهم من أميركا الشمالية بين عامي 2009 و2019. ولكن، أكثر من نصف هؤلاء المجندين غادروا لبنان الآن وذلك فقط في مؤسسة واحدة. لسوء الحظ، يحدث هذا في وقتٍ نحن فيه بأمس الحاجة إلى هؤلاء المحترفين أكثر من أي وقت مضى. وقد تسببت هجرة العقول في نَدرة حرجة في العاملين في الخدمات الأساسية والعناية المركزة والطوارئ في الوقت الذي كانت فيه جائحة «كوفيد 19» متفشية في لبنان.
كان لهذه الأزمات متعددة الطبقات تأثير سلبي مدمّر على السكان اللبنانيين، كما أدى فقدان القوة الشرائية للعملة اللبنانية إلى جعل الرعاية الصحيّة غير متاحة للعديد من الأشخاص الذين لم يعودوا قادرين على الحصول على حتى أبسط احتياجاتهم الصحيّة. وقد أصبح العديد من المرضى يواجهون قراراً صعباً بإنهاء علاجاتهم بسبب القيود المالية. إن هذا الأمر لا يضر فقط بقضايا الرعاية الصحيّة الحالية، بل يؤدي أيضاً إلى تفاقم صحتهم النفسية ورفاهيتهم. وفي حال دخل العالم في ركود عالمي في عام 2022، فإن مصير كل هذه التحديات سيبقى غير مؤكد بالإضافة إلى الأزمة الاقتصادية الحالية المتفاقمة في لبنان.
أكد رئيس بعثة منظمة أطباء بلا حدود في لبنان أن هناك ثلاثة عوامل اقتصادية على الأقل يمكن أن تؤدّي إلى وفيات بين السكان يمكن الوقاية منها تماماً: 1) عدم توفر الكهرباء و2) نقص الإمدادات الكافية و3) نقص في الموظفين. 4 إن القيود المتمثلة في نقص و- أو عدم توفر العديد من الأدوية الأساسية، وخاصة الأدوية المضادة للسرطان، يمكن أن تؤدي إلى تآكل صحة ورفاهية الشعب اللبناني. على سبيل المثال، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، أعلنت وزارة الصحة عن الإلغاء الجزئي لدعم شراء بعض الأدوية مما أدى إلى نقص كبير في إمدادات الأدوية الأساسية. وقد أصبحت بعض الأدوية الآن تكلف أكثر من الحد الأدنى للأجور الشهرية لكثير من الناس.
كما ساهمت الأزمة الاقتصادية في تزعزع العلاقة التقليدية بين الطبيب والمريض. توقفت المستشفيات الخاصة عن قبول المرضى الذين لا يدفعون، بما في ذلك أولئك الذين يغطيهم الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. أما المرضى الذين لديهم تأمين خاص، فقد أصبح يُطلب منهم أيضاً دفع الفروق النثرية بين الليرة اللبنانية وسعر صرف الدولار الأميركي الذي تحدده المستشفى وتوافق عليه شركات التأمين. إن هذه الإجراءات تؤدي إلى عبء مالي ضخم على اللبنانيين، نعتقد أنه غير مستدام، مما يؤدي إلى زيادة معدلات الاعتلال والوفيات بسبب عدم قدرتهم على دفع تكاليف الرعاية الصحيّة. في الواقع، تشير التقديرات إلى أن أكثر من 50 في المائة من اللبنانيين يعيشون الآن في الفقر. وهذا بدوره له تأثير سلبي على صحة الأطفال. ففي السنوات الأخيرة، كانت هناك زيادة كبيرة في عدد الأطفال اللبنانيين الذين يعانون من سوء التغذية الحاد خلال هذه الأزمة الصحيّة والاقتصادية. وقد أبلغت العيادات الخاصة عن انخفاض بنسبة 50 في المائة تقريباً في توفير التطعيم الروتيني للأطفال. مع ارتفاع تكلفة الأدوية، سيُحرم هؤلاء الأطفال من الوصول إلى خدمات الرعاية الصحيّة الأولية لتلقي العلاج اللازم.
كما أثّرت الأزمة على الوضع الأكاديمي لأنظمة الرعاية الصحيّة في لبنان. 5 أظهرت الدراسات الحديثة أنه من بين دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، احتل لبنان المرتبة الثالثة من حيث عدد المنشورات المتعلقة بأبحاث الطب الحيوي والرعاية الصحيّة للفرد. فقد كانت البحوث الصحيّة والتجارب السريرية في لبنان محدودة جداً.
لقد ناشد البنك الدولي «واضعي السياسات» في لبنان عبثاً أن يتبنوا بشكل عاجل خطة إنعاش اقتصادي ومالي شاملة ضرورية لتنفيذ الإصلاحات التي طال انتظارها. صرح البنك الدولي بأن دماراً شاملاً قد يحلّ بالشبكات الاجتماعية والاقتصادية، مع تهديد خطير للأصول البشرية. 6 تشكل حالة عدم اليقين السياسي في لبنان اليوم تهديداً خطيراً للصحة والرفاهية الحالية والمستقبلية للبلد. في الواقع، إذا كان لبنان سيتعافى من حالة الفوضى الحالية، فمن الضروري تنفيذ إصلاحات اقتصادية وسياسية رئيسية لضمان إتاحة خدمات الرعاية الصحيّة على نطاق أوسع للسكان. يجب تطوير السياسات لاستعادة جودة كليات الطب والتمريض والمستشفيات التعليمية لاستعادة تفوق لبنان كمحور طبي رائد في المنطقة. يجب أن تتضمن المفاوضات الحالية بين الحكومة اللبنانية وصندوق النقد الدولي رؤية وخطة واضحتين فيما يتعلق بتعافي قطاع الرعاية الصحيّة قريباً وقبل أن يتعذر إصلاح الضرر - خوفاً من أن يكون الأوان قد فات!



«ذا سباين» يشعل الجدل حول المشروعات العقارية الفارهة في مصر

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إطلاق المشروع (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إطلاق المشروع (مجلس الوزراء)
TT

«ذا سباين» يشعل الجدل حول المشروعات العقارية الفارهة في مصر

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إطلاق المشروع (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إطلاق المشروع (مجلس الوزراء)

أشعل مشروع «ذا سباين» جدلاً حول المشروعات العقارية الفارهة في مصر، مجدداً التساؤلات بشأن النمو اللافت لاستثمارات قطاع العقارات لا سيما في ظل شكاوى مصريين من ظروف اقتصادية صعبة ومحاولات حكومية لتخفيف وطأتها.

وأعلن هشام طلعت مصطفى، الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب لـ«مجموعة طلعت مصطفى» المصرية، خلال مؤتمر صحافي بحضور رئيس الوزراء، مساء السبت، عزم المجموعة بناء مدينة جديدة متعددة الاستخدامات شرق القاهرة بتكلفة 1.4 تريليون جنيه مصري (27 مليار دولار) على مساحة نحو 2.4 مليون متر مربع، تجمع بين الوحدات السكنية والمرافق التجارية والفندقية والتجزئة والترفيه والمساحات الخضراء.

وتحمل المدينة اسم «ذا سباين»، ويجري تطويرها بالشراكة مع البنك الأهلي المصري، برأس مال مدفوع قدره 69 مليار جنيه (1.3 مليار دولار).

مدبولي خلال كلمته عن المشروع (مجلس الوزراء)

وأثار المشروع جدلاً على منصات التواصل الاجتماعي، وسط تساؤلات عن تمويله. وبينما انتقد عدد من الرواد هذا الكم من الاستثمارات في بناء «مدينة فارهة» تضاف إلى مثيلاتها اللاتي «لا يستطيع غالبية المصريين السكن فيها»، وإلى نحو 12 مليون وحدة سكنية مغلقة بحسب بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء»، دافع آخرون عن المشروع، وعدُّوه وسيلة لتحقيق التنمية والرواج الاقتصادي، وأرجعوا الجدل بشأنه إلى أن تمويله مصري على عكس مشروعات أخرى لمدن فارهة تنفَّذ باستثمارات عربية.

وأشار عدد من رواد مواقع التواصل في تعليقاتهم إلى أن «المبلغ المعلن هو إجمالي ما سينفَق على المشروع خلال مدة تنفيذه التي قد تتجاوز 10 سنوات»، لافتين إلى أن «جزءاً من تمويل المشروعات العقارية عادة ما يعتمد على ما يدفعه الراغبون في شراء وحدات فيه من مقدمات حجز وأقساط».

وكتب أحد المعلقين أن «المشروعات الضخمة مثل (ذا سباين) لا تؤثر في قطاع واحد فقط، بل تُنشّط الاقتصاد بشكل متكامل، وتسهم في تنويع مصادر الدخل».

وعدَّ المدون المصري لؤي الخطيب، في منشور عبر حسابه على منصة «إكس»، إطلاق المشروع «ناسفاً ادعاءات انهيار الاقتصاد» المصري.

وكان رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي قد أكد في كلمته خلال إطلاق «ذا سباين» أن «المشروع يحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة»، مشيراً إلى توقيع عقود مشروعات كبرى مماثلة في القاعة نفسها من قبل، بينها مشروعات في الساحل الشمالي في إشارة إلى (مشروع رأس الحكمة باستثمارات إماراتية)، لافتاً إلى «أن الشيء المهم جداً هو أننا نطلق هذا المشروع العالمي بكل المقاييس، في خضم حروب وصراعات جيوسياسية بهذا الحجم الكبير، تفرض حالة من عدم اليقين بالمستقبل، أو عدم استشراف شكل المنطقة أو العالم».

وقال مدبولي إن «المشروع سيوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه، كما يضع مصر في مصاف الدول التي استثمرت بصورة كبيرة للغاية في إنشاء مثل هذه النوعية من المراكز التي تسمى مراكز مالية وإدارية وتجارية».

وعدّ الإعلان عن المشروع «دليلاً على أمن مصر، لا سيما أنه ينطلق في خضم أوضاع عالمية وإقليمية تخلق حالة من عدم اليقين».

وتشهد حركة البناء والتشييد نمواً ملحوظاً في مصر، لا سيما أن كثيراً من المصريين يعدون العقارات مخزن قيمة تتزايد أهميته في ظل ظروف عدم اليقين الحالية.

ويرى الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة أن «السوق العقارية أحد القطاعات النامية بقوة في مصر»، موضحاً أن «حجم الاستثمارات المعلن في (ذا سباين) هو قيمة المبلغ الذي سينفَق على إنشاء المشروعات في مدى زمني يصل إلى 15 عاماً، كما أن جزءاً من التمويل سيكون من مقدمات الحجز، كما هو الحال في معظم المشروعات المماثلة».

وأضاف بدرة لـ«الشرق الأوسط»: «العقار هو الملاذ الآمن للمصريين، وهناك طلب على هذا النوع من المشروعات، سواء في الداخل أو من الخارج (أجانب ومستثمرين)»، لافتاً إلى أن شركات العقارات الكبرى «لن تقدم على مشروع بهذا الحجم دون دراسة تؤكد أن السوق تسمح، وتحتاج للمزيد»، وأكد أن «الحديث عن فقاعة عقارية في مصر ليس له أساس».

يتفق أحمد عبد الفتاح، رئيس قسم تنمية أعمال الشركاء في «بولد روتس - مصر» للتسويق العقاري، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «مصر دولة نامية، ومن طبيعة الدول النامية أن تشهد نمواً في السوق العقارية تزامناً مع نموها السكاني».

وأضاف: «هناك تباين في حجم الطلب خلال الربع الأول من العام الحالي بين شركات حققت نمواً ومبيعات كبيرة، وأخرى شهدت ركوداً، معظمها من الشركات حديثة العهد بصناعة العقار»، مرجعاً التباين إلى «حالة عدم اليقين التي رافقت الأحداث الجيوسياسية»، لكنه أكد أن «حجم الطلب والمبيعات يشهد نمواً لدى الشركات ذات الخبرة الطويلة التي تنفذ مشروعات كبرى على غرار (ذا سباين)»، وتابع: «مشروعات المدن الكبرى تخاطب عادة الشرائح العليا من المجتمع والمستثمرين والأجانب».


الرئيس الموريتاني يختتم زيارة دولة إلى فرنسا

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في مؤتمر صحافي (الرئاسة الموريتانية)
الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في مؤتمر صحافي (الرئاسة الموريتانية)
TT

الرئيس الموريتاني يختتم زيارة دولة إلى فرنسا

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في مؤتمر صحافي (الرئاسة الموريتانية)
الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في مؤتمر صحافي (الرئاسة الموريتانية)

وصف الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، الأحد، زيارته إلى فرنسا بأنها «خطوة مهمة» في مسار تعزيز «العلاقات القائمة على الثقة» بين البلدين، وذلك في ختام زيارة استمرت 4 أيام.

وقال ولد الغزواني في تدوينة على منصة «إكس»: «في ختام زيارة الدولة التي قمت بها إلى فرنسا، أود أن أعرب عن خالص امتناني لصديقي فخامة الرئيس إيمانويل ماكرون على حفاوة الاستقبال، وثراء المباحثات التي جمعتنا».

وأضاف: «‏لقد شكلت هذه الزيارة محطة مهمة في تعزيز شراكة دولتينا، القائمة على الثقة والطموح ورؤية مشتركة لمواجهة التحديات الكبرى في عصرنا».

الرئيس الفرنسي وقرينته لدى استقبال رئيس موريتانيا وقرينته (الرئاسة الموريتانية)

وكانت الرئاسة الموريتانية قد احتفت بالزيارة، وقالت إنها المرة الأولى التي يقوم فيها رئيس موريتاني بزيارة دولة إلى فرنسا منذ 64 عاماً. وبدا واضحاً أن الهدف منها هو تأسيس «شراكة استراتيجية» بين البلدين، وسط تراجع النفوذ الفرنسي في غرب أفريقيا والساحل.

وعقب استقباله في قصر الإليزيه، أشاد ماكرون خلال مؤتمر صحافي بمستوى العلاقات بين البلدين، ووصف موريتانيا بـ«الشريك الأساسي» لفرنسا.

«آخر الحلفاء»

حظيت زيارة الرئيس الموريتاني إلى باريس باهتمام الإعلام الفرنسي، حيث كتبت صحيفة «ليبراسيون» أن ماكرون يسعى لتعزيز العلاقات «مع آخر حلفائه في منطقة الساحل»؛ في إشارة إلى القطيعة بين فرنسا وأغلب مستعمراتها السابقة في الساحل، خصوصاً مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وظهور تيارات سياسية معادية لفرنسا في منطقة غرب أفريقيا، لصالح الصعود الروسي والصيني.

وقالت الصحيفة إن باريس ونواكشوط تربطهما «علاقات تعاون عسكري طويلة الأمد»، مشيرة إلى أن هذا التعاون استمر على الرغم من أن موريتانيا لم يسبق لها أن احتضنت أي قاعدة عسكرية فرنسية.

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في مؤتمر صحافي (الرئاسة الموريتانية)

أما صحيفة «لو موند» فقد نشرت موضوعاً تحت عنوان: «آخر حليف موثوق به لفرنسا في منطقة الساحل... الرئيس الموريتاني يرغب في تعزيز تعاونه العسكري مع باريس»، وأشارت إلى أنه بعد طرد القوات الفرنسية من دول الساحل «باتت موريتانيا تقدم نفسها كآخر حليف متبقٍّ لفرنسا في المنطقة».

في السياق نفسه، نشر المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية موضوعاً تحدث فيه عن العلاقات بين فرنسا وموريتانيا، ورأى أنها «نموذج للعلاقات الهادئة بين باريس ومستعمرة سابقة»، مضيفاً أن ولد الغزواني «حليف موثوق به في منطقة عانت فيها فرنسا انتكاسات كبيرة في السنوات الأخيرة».

الحضور الاقتصادي

رغم التركيز الكبير والواضح على الملف الأمني والتعاون العسكري بين باريس ونواكشوط، كان الجانب الاقتصادي حاضراً هو الآخر بقوة، حيث شهدت الزيارة سلسلة من اللقاءات الاقتصادية رفيعة المستوى، ركزت على تعزيز الشراكة الثنائية، وتوسيع مجالات التعاون بين البلدين.

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في قصر الإليزيه بباريس (الرئاسة الموريتانية)

وافتتح الرئيس الموريتاني من باريس المنتدى الاقتصادي الموريتاني - الفرنسي، حيث دعا إلى توسيع الاستثمارات الفرنسية في بلاده، خصوصاً في القطاعات الحيوية كالتعدين والطاقة والبنى التحتية، مؤكداً أن موريتانيا توفر فرصاً واعدة ومناخاً استثمارياً جاذباً.

وزار ولد الغزواني مدينة بريست الفرنسية، حيث اطَّلع على تجارب فرنسية في مجال الصناعات والبحوث البحرية، بما في ذلك زيارة شركة «PIRIOU» والمعهد الفرنسي لعلوم البحار.

مكانة دولية

الوزير الأول الموريتاني، المختار ولد أجاي، وصف الزيارة بأنها «محطة ناجحة وموفقة»، وقال إنها «عكست مستوى متقدماً من علاقات التعاون بين البلدين».

ونشر ولد أجاي تدوينة على «فيسبوك» قال فيها إن الزيارة «دليل جديد على المكانة التي باتت تحتلها موريتانيا على الساحة الدولية»، مشيراً إلى أن ماكرون قدم موريتانيا على أنها «نموذج في تبنِّي نهج قائم على الاستقلال الاستراتيجي والمسؤولية».

وخلص الوزير الأول إلى أن نتائج الزيارة من شأنها تعزيز الشراكة بين البلدين، وفتح آفاق جديدة للتعاون في مختلف المجالات؛ بينما لم يصدر أي بيان مشترك حول نتائج الزيارة.

علاقة مضطربة

ترتبط موريتانيا وفرنسا بعلاقات شديدة التعقيد، بدأت منذ بداية القرن العشرين حين دخلت فرنسا الأراضي الموريتانية كقوة استعمارية، ولكنها منحتها الاستقلال عام 1960.

غير أن قوى معارضة آنذاك ظلت تعد ذلك الاستقلال «شكلياً»؛ لأن الإدارة وقيادة الجيش والأمن كانت بيد الفرنسيين، كما أن الثروات المعدنية هي الأخرى كانت تهيمن عليها شركات فرنسية، جرى تأميمها فيما بعد، في عام 1974.

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في مؤتمر صحافي بباريس (الرئاسة الموريتانية)

ومنذ الاستقلال، مرت العلاقات بفترات من التقلب، وصولاً إلى ذروة التوتر عام 1999 حين طردت موريتانيا المسؤولين العسكريين الفرنسيين وقوات كانت تتولى مهام تدريب وتأطير العسكريين الموريتانيين. وجاء القرار على خلفية اعتقال ضابط موريتاني في باريس في إطار اتهامات بانتهاك حقوق الإنسان.

وعادت العلاقات بين البلدين إلى التهدئة ثم القرب الوثيق، خصوصاً مع تصاعد خطر الإرهاب والتطرف في منطقة الساحل، وموجة الانقلابات في دول الساحل، وطرد القوات الفرنسية من مالي وبوركينا فاسو والنيجر وتشاد، ثم خروجها فيما بعد من كوت ديفوار والسنغال، وفقدان باريس كثيراً من مراكز قوتها التقليدية.


مصر تشدد على رفضها القاطع لأي اعتداء على الكويت

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح وزير خارجية دولة الكويت الأحد في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح وزير خارجية دولة الكويت الأحد في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

مصر تشدد على رفضها القاطع لأي اعتداء على الكويت

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح وزير خارجية دولة الكويت الأحد في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح وزير خارجية دولة الكويت الأحد في القاهرة (الرئاسة المصرية)

جددت مصر التأكيد على رفضها القاطع لأي اعتداء على الكويت أو أي دولة عربية. وأكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الأحد، خلال استقباله وزير خارجية الكويت الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، أن «أمن الكويت وسائر الدول العربية هو امتداد طبيعي لأمن مصر القومي»، حسب إفادة رسمية للمتحدث باسم الرئاسة المصرية.

وشدد السيسي على «دعم مصر الكامل لأمن واستقرار الكويت ولما تتخذه من إجراءات لحماية مقدرات شعبها».

ونقل بيان الرئاسة المصرية تثمين وزير الخارجية الكويتي «المواقف التاريخية لمصر في دعم أمن وسيادة واستقرار الكويت، ووقوفها الدائم إلى جانب أمن دول الخليج العربي»، معرباً عن «تطلع بلاده إلى تكثيف التشاور والتنسيق مع مصر، بما يسهم في الحفاظ على السلم والاستقرار الإقليمي وصون أمن الدول العربية».

وعقد السيسي جلسة مباحثات مع وزير الخارجية الكويتي تناولت تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين في مختلف المجالات، لا سيما الاستثمارية والتجارية، حسب الإفادة. كما عقد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره الكويتي جراح الصباح جلسة مشاورات سياسية تناولت الجهود الرامية إلى وقف التصعيد وإنهاء الحرب، ومستجدات المفاوضات الأميركية - الإيرانية، حسب المتحدث باسم الخارجية المصرية.

محادثات مصرية - كويتية موسعة الأحد في القاهرة (الرئاسة المصرية)

وجدد عبد العاطي التأكيد على «موقف مصر الثابت والداعم لدولة الكويت»، معرباً عن «إدانة القاهرة الكاملة للاعتداءات التي استهدفت أمن واستقرار دولة الكويت، والرفض التام لأي محاولات للمساس بسيادتها».

كما أطلع وزير الخارجية المصري نظيره الكويتي على نتائج زيارته الأخيرة إلى واشنطن والاجتماع الرباعي الذي عُقد السبت في أنطاليا لوزراء خارجية مصر والسعودية وباكستان وتركيا، مشيراً إلى «تأكيد مصر على أهمية مراعاة الشواغل الأمنية لدول الخليج في أي ترتيبات إقليمية مستقبلية». وشدد عبد العاطي على أن «أمن الكويت يُعد جزءاً لا يتجزأ من أمن مصر»، مؤكداً أهمية تعزيز التنسيق والعمل المشترك بين الدول العربية لمواجهة التحديات الراهنة.

وعلى صعيد العلاقات الثنائية أعرب الوزيران عن التطلع لعقد الدورة الرابعة عشرة للجنة المشتركة بين البلدين قبل نهاية العام الحالي، بما يسهم في دفع مسارات التعاون المشترك إلى آفاق أرحب، حسب السفير تميم خلاف.

وأكد عبد العاطي «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية»، منوهاً إلى «الفرص الواعدة التي يجب اغتنامها في قطاعات البنية التحتية والتطوير العقاري والصناعة والطاقة»، ومشيراً إلى «ضرورة تعزيز التعاون الثلاثي في القارة الأفريقية بالتنسيق مع الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية والصندوق الكويتي للتنمية».

وزيرا خارجية مصر والكويت يترأسان مشاورات سياسية في القاهرة ويؤكدان عمق العلاقات الأخوية بين البلدين (الخارجية المصرية)

بدوره، أكد مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير رخا أحمد حسن أهمية زيارة وزير الخارجية الكويتي للقاهرة، كونها تأتي بعد الاجتماعات التي عقدت في أنطاليا بشأن المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «عبد العاطي أطلع نظيره الكويتي على تفاصيل ما دار في اللقاءات بشأن إنهاء الحرب، لا سيما مع تعرض الكويت لاعتداءات خلال الحرب».

وأشار إلى أن «المشاورات بين الجانبين تأتي في إطار التنسيق المشترك، وتأكيد التضامن المصري مع الكويت ومع دول الخليج بشكل عام في مواجهة أي اعتداءات».

وأكد مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية السفير محمد حجازي، أن زيارة وزير خارجية الكويت للقاهرة «تأتي في لحظة إقليمية دقيقة، تتقدم فيها الأزمة مع إيران إلى صدارة مشهد التهديدات»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «هذه الزيارة لا تندرج ضمن الروتين الدبلوماسي، بل تعكس إدراكاً مشتركاً لضرورة بناء مقاربة عربية متماسكة لإدارة التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة».

وأشار حجازي إلى أن «العلاقة المصرية - الكويتية مرشحة للانتقال من مستوى التشاور إلى مستوى التنسيق التنفيذي، ويتجلى ذلك في ثلاثة مسارات رئيسية؛ أولاً، توحيد التقديرات الاستراتيجية بشأن التهديدات الإيرانية، وثانياً دعم الجهود الدولية الرامية إلى تأمين الملاحة في الخليج دون عسكرة مفرطة قد تؤدي إلى نتائج عكسية، ثالثاً تعزيز التنسيق الاقتصادي، خصوصاً في مجالات الطاقة والاستثمار، لتخفيف آثار أي اضطرابات محتملة في الإمدادات».

وقال إن «زيارة الوزير الكويتي إلى القاهرة تمثل خطوة متقدمة نحو بلورة مقاربة عربية عقلانية، تسعى إلى احتواء التصعيد مع إيران دون التفريط في محددات الأمن القومي العربي».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended