تحدّيات استثنائية لإعادة بناء نظام الرعاية الصحيّة في لبنان

الدكتور محمّد حسن الصّايغ، ألاء مرعي، الدكتور ديفيد م. بيكرز
الدكتور محمّد حسن الصّايغ، ألاء مرعي، الدكتور ديفيد م. بيكرز
TT

تحدّيات استثنائية لإعادة بناء نظام الرعاية الصحيّة في لبنان

الدكتور محمّد حسن الصّايغ، ألاء مرعي، الدكتور ديفيد م. بيكرز
الدكتور محمّد حسن الصّايغ، ألاء مرعي، الدكتور ديفيد م. بيكرز

على مدى العامين الماضيين، تبدّل حال نظام الرعاية الصحيّة في لبنان، الذي كان يُعرف سابقاً باسم «مستشفى الشرق الأوسط»، عما كان عليه في السابق. عبر التاريخ، كان لبنان مركزاً للمراكز الطبية الأكاديمية والوجهة الرائدة للسياحة العلاجيّة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ولكن هذه المكانة القياديّة تهالكت بسبب الانهيار الاقتصادي في لبنان وانهيار العملة اللبنانية في أواخر عام 2019 وبداية عام 2020، إلى جانب الضغط العالمي لوباء «كوفيد 19». نتيجة لهذه العوامل المؤسفة، غادر الأطباء والممرضون وغيرهم من المتخصّصين في الرعاية الصحيّة المؤهلين تأهيلاً عالياً البلاد إلى مراكز طبية أخرى في منطقة الخليج وأوروبا والولايات المتحدة. في أكتوبر (تشرين الأول) 2019، نزل اللبنانيون إلى الشوارع للاحتجاج على عقود من الفساد المستشري الذي بلغ ذروته إلى حالة ميؤوس منها في جميع قطاعات الاقتصاد تقريباً ولكن بشكل أكبر في الرعاية الصحيّة. رافق الفشل الاقتصادي شللاً سياسياً وقلّل الاعتماد على العملة اللبنانية من قدرتها الشرائية بشكل كبير. واقترن ذلك بفرض النّظام المصرفي اللبناني قيوداً مشددة (مراقبة رأس المال) على سحب أو تحويل العملات الأجنبية، مما جعل جميع العناصر الأساسية للسير الطبيعي للاقتصاد تؤثّر على جميع القطاعات وخاصة قطاع الرعاية الصحيّة الذي يعتمد على استيراد الأدوية والمستلزمات الطبية من خارج الدولة. بالإضافة إلى ذلك، تدمّر نظام الرعاية الصحيّة بسبب النقص المتكرر في الوقود والارتفاع الشديد في الأسعار وانقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة بشكل يومي، حيث إن الغالبية العظمى من اللبنانيين يحصلون على الكهرباء لأقل من ساعتين في اليوم. تزيد هذه الضغوطات من إجبار المستشفيات على تقنين الخدمات المقدّمة لمرضاها وإيقاع نظام الرعاية الصحيّة في حالة من الفوضى.
في 4 أغسطس (آب) 2020، تسبب ما يقارب 3000 طن من نترات الأمونيوم المخزّنة بشكل غير قانوني في انفجار هائل في مرفأ بيروت أسفر عن مقتل أكثر من 200 شخص وإصابة آلاف آخرين. بعد ذلك، استقالت الحكومة اللبنانية مجتمعة تاركة الدولة اللبنانية في حالة من الفوضى العارمة. في ذلك الوقت، كان لبنان يستضيف أكبر عدد من اللاجئين الأجانب في العالم من حيث نصيب الفرد، بما في ذلك ما يزيد على مليون سوري هربوا من جرّاء الحرب الأهلية بحثاً عن ملاذ آمن لعائلاتهم. خلقت هذه العوامل مجتمعة أزمة قوّضت نظام الرعاية الصحيّة اللبناني وحجبت عن المستشفيات ومقدمي الرعاية الصحيّة الموارد اللازمة لتقديم جودة الرعاية التي كانت سمة مميزة في المنطقة. تشير التقديرات إلى أن الانخفاض الكبير في قيمة العملة اللبنانية أدّى إلى انخفاض بنسبة تصل إلى 80 في المائة من الدخل السابق للأطباء والعاملين الآخرين في مجال الرعاية الصحيّة.1 وقد وجّه تسلسل الأحداث هذا ضربة ساحقة للعديد من العاملين اللبنانيين السابقين في مجال الرعاية الصحيّة، مما أجبرهم على البحث عن فرص بديلة في أماكن أخرى. وفي سبتمبر (أيلول) 2021، أشار تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن حوالي 40 في المائة من الأطباء المهرة و30 في المائة من الممرضين المسجلين قد غادروا لبنان منذ أكتوبر 2019. 2 ولقد أشار رئيس نقابة الأطباء اللبنانيين مؤخراً إلى أن النزوح المستمر للأطباء لا يعرض تقديم خدمات الرعاية الصحيّة للخطر فحسب، بل يهدد أيضاً تعليم الأطباء المستقبليين. في الواقع، سلّط مقال نُشر مؤخراً في الـ«واشنطن بوست» الضوء على الهجرة الجماعية لاختصاصيي الرعاية الصحيّة من لبنان.3
في العام 2009، وبدعمٍ قوي من مجلس أمناء الجامعة الأميركية في بيروت، أطلقنا برنامجاً بعنوان: رؤية المركز الطبي في الجامعة الأميركية في بيروت لعام 2020، وتمكّنا من تجنيد أكثر من 200 طبيب وعالم وطني سابق في المركز الطبي معظمهم من أميركا الشمالية بين عامي 2009 و2019. ولكن، أكثر من نصف هؤلاء المجندين غادروا لبنان الآن وذلك فقط في مؤسسة واحدة. لسوء الحظ، يحدث هذا في وقتٍ نحن فيه بأمس الحاجة إلى هؤلاء المحترفين أكثر من أي وقت مضى. وقد تسببت هجرة العقول في نَدرة حرجة في العاملين في الخدمات الأساسية والعناية المركزة والطوارئ في الوقت الذي كانت فيه جائحة «كوفيد 19» متفشية في لبنان.
كان لهذه الأزمات متعددة الطبقات تأثير سلبي مدمّر على السكان اللبنانيين، كما أدى فقدان القوة الشرائية للعملة اللبنانية إلى جعل الرعاية الصحيّة غير متاحة للعديد من الأشخاص الذين لم يعودوا قادرين على الحصول على حتى أبسط احتياجاتهم الصحيّة. وقد أصبح العديد من المرضى يواجهون قراراً صعباً بإنهاء علاجاتهم بسبب القيود المالية. إن هذا الأمر لا يضر فقط بقضايا الرعاية الصحيّة الحالية، بل يؤدي أيضاً إلى تفاقم صحتهم النفسية ورفاهيتهم. وفي حال دخل العالم في ركود عالمي في عام 2022، فإن مصير كل هذه التحديات سيبقى غير مؤكد بالإضافة إلى الأزمة الاقتصادية الحالية المتفاقمة في لبنان.
أكد رئيس بعثة منظمة أطباء بلا حدود في لبنان أن هناك ثلاثة عوامل اقتصادية على الأقل يمكن أن تؤدّي إلى وفيات بين السكان يمكن الوقاية منها تماماً: 1) عدم توفر الكهرباء و2) نقص الإمدادات الكافية و3) نقص في الموظفين. 4 إن القيود المتمثلة في نقص و- أو عدم توفر العديد من الأدوية الأساسية، وخاصة الأدوية المضادة للسرطان، يمكن أن تؤدي إلى تآكل صحة ورفاهية الشعب اللبناني. على سبيل المثال، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، أعلنت وزارة الصحة عن الإلغاء الجزئي لدعم شراء بعض الأدوية مما أدى إلى نقص كبير في إمدادات الأدوية الأساسية. وقد أصبحت بعض الأدوية الآن تكلف أكثر من الحد الأدنى للأجور الشهرية لكثير من الناس.
كما ساهمت الأزمة الاقتصادية في تزعزع العلاقة التقليدية بين الطبيب والمريض. توقفت المستشفيات الخاصة عن قبول المرضى الذين لا يدفعون، بما في ذلك أولئك الذين يغطيهم الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. أما المرضى الذين لديهم تأمين خاص، فقد أصبح يُطلب منهم أيضاً دفع الفروق النثرية بين الليرة اللبنانية وسعر صرف الدولار الأميركي الذي تحدده المستشفى وتوافق عليه شركات التأمين. إن هذه الإجراءات تؤدي إلى عبء مالي ضخم على اللبنانيين، نعتقد أنه غير مستدام، مما يؤدي إلى زيادة معدلات الاعتلال والوفيات بسبب عدم قدرتهم على دفع تكاليف الرعاية الصحيّة. في الواقع، تشير التقديرات إلى أن أكثر من 50 في المائة من اللبنانيين يعيشون الآن في الفقر. وهذا بدوره له تأثير سلبي على صحة الأطفال. ففي السنوات الأخيرة، كانت هناك زيادة كبيرة في عدد الأطفال اللبنانيين الذين يعانون من سوء التغذية الحاد خلال هذه الأزمة الصحيّة والاقتصادية. وقد أبلغت العيادات الخاصة عن انخفاض بنسبة 50 في المائة تقريباً في توفير التطعيم الروتيني للأطفال. مع ارتفاع تكلفة الأدوية، سيُحرم هؤلاء الأطفال من الوصول إلى خدمات الرعاية الصحيّة الأولية لتلقي العلاج اللازم.
كما أثّرت الأزمة على الوضع الأكاديمي لأنظمة الرعاية الصحيّة في لبنان. 5 أظهرت الدراسات الحديثة أنه من بين دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، احتل لبنان المرتبة الثالثة من حيث عدد المنشورات المتعلقة بأبحاث الطب الحيوي والرعاية الصحيّة للفرد. فقد كانت البحوث الصحيّة والتجارب السريرية في لبنان محدودة جداً.
لقد ناشد البنك الدولي «واضعي السياسات» في لبنان عبثاً أن يتبنوا بشكل عاجل خطة إنعاش اقتصادي ومالي شاملة ضرورية لتنفيذ الإصلاحات التي طال انتظارها. صرح البنك الدولي بأن دماراً شاملاً قد يحلّ بالشبكات الاجتماعية والاقتصادية، مع تهديد خطير للأصول البشرية. 6 تشكل حالة عدم اليقين السياسي في لبنان اليوم تهديداً خطيراً للصحة والرفاهية الحالية والمستقبلية للبلد. في الواقع، إذا كان لبنان سيتعافى من حالة الفوضى الحالية، فمن الضروري تنفيذ إصلاحات اقتصادية وسياسية رئيسية لضمان إتاحة خدمات الرعاية الصحيّة على نطاق أوسع للسكان. يجب تطوير السياسات لاستعادة جودة كليات الطب والتمريض والمستشفيات التعليمية لاستعادة تفوق لبنان كمحور طبي رائد في المنطقة. يجب أن تتضمن المفاوضات الحالية بين الحكومة اللبنانية وصندوق النقد الدولي رؤية وخطة واضحتين فيما يتعلق بتعافي قطاع الرعاية الصحيّة قريباً وقبل أن يتعذر إصلاح الضرر - خوفاً من أن يكون الأوان قد فات!



القوات اليمنية تعزز مكاسب عملية «فجر اليمن» في يومها الثاني

اليمن أطلق عملية «فجر اليمن» بإسناد «تحالف دعم الشرعية» لتحرير بقية المناطق الخاضعة للحوثيين (رويترز)
اليمن أطلق عملية «فجر اليمن» بإسناد «تحالف دعم الشرعية» لتحرير بقية المناطق الخاضعة للحوثيين (رويترز)
TT

القوات اليمنية تعزز مكاسب عملية «فجر اليمن» في يومها الثاني

اليمن أطلق عملية «فجر اليمن» بإسناد «تحالف دعم الشرعية» لتحرير بقية المناطق الخاضعة للحوثيين (رويترز)
اليمن أطلق عملية «فجر اليمن» بإسناد «تحالف دعم الشرعية» لتحرير بقية المناطق الخاضعة للحوثيين (رويترز)

عززت القوات اليمنية، الثلاثاء، عملياتها العسكرية ضمن عملية «فجر اليمن» على امتداد عدد من الجبهات، في وقت بدأت فيه القوات المهاجمة تثبيت المكاسب التي حققتها في اليوم الأول، بالتزامن مع تسجيل تقدم جديد في محافظة تعز، واستمرار العمليات في مأرب والساحل الغربي، وضربات جوية استهدفت قدرات عسكرية حوثية في صنعاء وصعدة والحديدة.

يأتي ذلك غداة إعلان القوات الحكومية بدء عملية واسعة لاستعادة الأراضي التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، بدعم من «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في تحول نقل العمليات من محاولة احتواء التقدم الحوثي الأخير إلى هجمات متعددة المحاور. وأكدت القيادة العسكرية أن العملية مستمرة حتى تحقيق أهدافها المعلنة.

وفي محافظة تعز، أعلن المركز الإعلامي لمحور تعز أن القوات المسلحة، مسنودة بالمقاومة الشعبية، حققت، الثلاثاء، تقدماً جديداً في مديرية حيفان جنوب المحافظة، بعد تمكنها من تحرير جبال المنظرة والأشاريف وذيبان، في تطور يوسّع نطاق الضغط على القوات الحوثية في الريف الجنوبي.

وقال المركز إن المعارك اشتدت كذلك في عزلة قدس بمديرية المواسط، حيث تخوض القوات الحكومية والمقاومة الشعبية مواجهات مع الحوثيين، في وقت تواصل فيه قوات المحور عملياتها الهجومية ضمن «فجر اليمن».

كانت قوات محور تعز قد نفّذت، الاثنين، خمس عمليات هجومية في جبهات الأربعين شمال المدينة، والأقروض جنوباً، والعنين وجبل حبشي غرباً، والبيرين في أطراف جبهة الكدحة. وقال المركز إن تلك العمليات أسفرت، وفق حصيلته، عن مقتل نحو 100 من عناصر الحوثيين وإصابة 150 آخرين، إلى جانب إسقاط خمس طائرات مسيّرة وتدمير وإعطاب ستة أطقم ودبابة.

وتواصلت العمليات في جبهات جبل حبشي والأقروض والعنين والكدحة، في وقت تحدثت فيه القوات الحكومية عن انتقالها من وضع الدفاع إلى الهجوم، مستفيدةً من نتائج عمليات اليوم الأول.

وفي الأقروض، كانت القوات قد دحرت الحوثيين من مواقع عدة ودمرت دبابة وعربة واستولت على طاقم، بينما نفذت في العنين هجوماً خاطفاً على مواقع الجماعة، وفي البيرين نفذت هجوماً استهدف تجمعات ومعدات عسكرية، وأسفر عن إحراق طقم ومقتل عدد من العناصر وأسر آخرين، وفق المركز الإعلامي لمحور تعز.

جندي من قوات ألوية العمالقة خلال التقدم في جبهة باب المندب (رويترز)

وتكتسب جبهة تعز أهمية خاصة في العملية الجديدة، بعدما كان الحوثيون قد ضغطوا خلال الأيام السابقة على طرق المدينة ومنافذها الجنوبية، في محاولة لتوسيع نطاق سيطرتهم وعزل تعز عن المناطق الحكومية في اتجاه لحج وعدن. وتقول مصادر عسكرية إن العمليات الحالية تستهدف استعادة زمام المبادرة ومنع تثبيت تلك المكاسب الحوثية.

الساحل تحت الضغط

في الساحل الغربي، واصلت القوات الحكومية تثبيت نتائج الهجوم الذي بدأ الاثنين، بعد العمليات التي قادتها «قوات العمالقة» و«قوات درع الوطن» بدعم جوي من «التحالف».

كانت القوات قد أعلنت السيطرة على مطار ذوباب وقطع الطريق الرئيسي الرابط بين المخا وباب المندب، مع فرض ضغط على القوات الحوثية الموجودة في المنطقة، بالتزامن مع استمرار التحرك شمالاً باتجاه المخا والحديدة.

القوات الحكومية اليمنية تسعى إلى استعادة السيطرة على الساحل الغربي (رويترز)

وأفادت تقارير ميدانية بأن القوات الحكومية أحكمت سيطرتها على مواقع استراتيجية في محيط ذوباب ومعسكر العمري، فيما تواصلت التحركات باتجاه المخا، وسط تراجع عناصر حوثية من بعض المواقع.

وتقول مصادر ميدانية إن القوات تتمهل في دخول المخا، إذ تسعى لتأمين خطوط دفاعها شرقاً باتجاه مديرية الوازعية ومنطقة مفرق البرح؛ تجنباً لأي عملية التفاف تتعرض لها.

وتندرج هذه التحركات ضمن محور الساحل الغربي الذي يمثل أحد المسارات الرئيسية للعملية، إلى جانب تعز ومأرب والجوف وميدي، مع اختلاف مستوى العمليات من جبهة إلى أخرى، حسب الخطط العسكرية.

مأرب تتقدم

في مأرب، واصلت القوات المسلحة اليمنية عملياتها الهجومية في قطاعات عدة، بعدما تمكنت، وفق مصادر عسكرية، من دحر الحوثيين من مواقع في قطاع البور جنوب المحافظة، عقب مواجهات عنيفة وإسناد مدفعي.

وقالت المصادر إن القوات اخترقت تحصينات حوثية وفككت حقول ألغام، بينما شهد القطاع الشمالي إغارة على مواقع للجماعة تزامنت مع قصف مدفعي استهدف تجمعاتها ومرابض المدفعية والعيارات، مما أدى، حسب الرواية العسكرية، إلى سقوط قتلى وجرحى وإعطاب معدات وآليات.

وفي القطاع الشمالي الغربي، استهدفت القوات مصادر نيران حوثية وعدداً من العيارات والمعدات، فيما واصل الطيران الحربي والمسيّر غاراته على مخازن أسلحة وتحشيدات ومراكز قيادة في قطاعات مختلفة من المحافظة.

كانت القوات الحكومية قد أعلنت في اليوم الأول من العملية إطلاق هجمات من محاور متعددة في مأرب، بينها الجبهتان الجنوبية والشمالية الغربية، وتحقيق تقدم في مواقع قالت إنها مهمة، بالتزامن مع غارات على مخازن أسلحة ووسائل محملة بالذخائر.

ضرب القدرات الصاروخية

في تطور موازٍ، أعلن «تحالف دعم الشرعية» تدمير منصة لإطلاق الصواريخ الباليستية في صنعاء، ومخزن للصواريخ داخل موقع جبلي في صعدة، قال إن المخزن كان يضم 20 صاروخاً باليستياً.

وقال المتحدث باسم قوات التحالف اللواء الركن تركي المالكي، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، إن الضربات استهدفت قدرات مرتبطة بالقدرات الصاروخية الحوثية، في إطار العمليات الجارية بالتزامن مع «فجر اليمن».

قوات الحكومة اليمنية تتقدم بحذر نحو المخا حيث تسعى لتأمين دفاعاتها شرقاً (رويترز)

كما أعلن التحالف تنفيذ عملية بحرية في محافظة الحديدة استهدفت، وفق روايته، مخازن أسلحة ومستودعات زوارق مفخخة وألغام بحرية، وقال إن العملية أحبطت مخططاً لهجمات وشيكة على الممرات المائية جنوب البحر الأحمر، في إطار مساعي حماية الملاحة في منطقة باب المندب.

من جهته قال رئيس هيئة الأركان العامة قائد العمليات المشتركة في الجيش اليمني، الفريق الركن صغير بن عزيز، إن عملية «فجر اليمن» مستمرة ولن تتوقف حتى تحقيق أهدافها، وفي مقدمتها استعادة مؤسسات الدولة والعودة إلى صنعاء، مؤكداً جاهزية القوات المسلحة والتشكيلات العسكرية لتنفيذ المهام الموكلة إليها.


«التربة»... مدينة تنام تحت الرعب بعد الاقتحام الحوثي

مقر السلطة المحلية لمديرية الشمايتين في مدينة التربة (فيسبوك)
مقر السلطة المحلية لمديرية الشمايتين في مدينة التربة (فيسبوك)
TT

«التربة»... مدينة تنام تحت الرعب بعد الاقتحام الحوثي

مقر السلطة المحلية لمديرية الشمايتين في مدينة التربة (فيسبوك)
مقر السلطة المحلية لمديرية الشمايتين في مدينة التربة (فيسبوك)

منذ ليلتين تنام مدينة التربة، مركز مديرية الشمايتين جنوب غربي محافظة تعز، قبل مغيب الشمس، ويسود أحياءها صمتٌ مطبق حتى الفجر، ما حدا بأحد سكانها إلى تخيلها كمقبرة لا تتحرك فيها سوى عناصر الجماعة الحوثية الذين شبَّههم بأشباح توزع الخوف وتعيشه بالقدر ذاته، بينما تعود الحركة خلال ساعات النهار بشكل محدود.

لم يكن الخوف وليد لحظة اقتحام الحوثيين للمدينة، إلا أنه تضاعف حال وصولهم إليها، وحسب مصادر محلية في مديرية الشمايتين؛ فإن عناصر الجماعة أصرت على تثبيته في قلوب السكان عندما قتلت مدنياً بشكل أشبه بالإعدام الميداني، ساعة اقتحامها مركز المديرية (مدينة التربة) بعد إعلانه رفض وجودهم فيها.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن القتيل خرج من محله التجاري ليقف أمام العربات العسكرية الحوثية التي تتقدم إلى المدينة مطالباً بمغادرتها، فوجَّه عناصر الجماعة أسلحتهم نحوه وطلبوا منه إعلان الولاء بأداء الصرخة الخمينية، إلا أنه رد عليهم بالضحك، فأطلقوا عليه النار وأردوه في الحال.

وتسببت سيطرة الجماعة الحوثية على المدينة بدفع السكان إلى العودة إلى منازلهم، في حين أُغلقت المحال التجارية وخفَّت حركة التسوق، بينما سارع المتسوقون القادمون من مختلف مناطق المديرية والمديريات المجاورة إلى المغادرة، قبل أن يتمكنوا من شراء احتياجاتهم.

قافلة غذائية وجَّهها سكان مدينة التربة إلى جبهات غرب تعز قبل استيلاء الحوثيين عليها (فيسبوك)

وقبل أن تصل المعارك إلى أبواب المدينة، كانت أصوات القصف والصواريخ قد أصبحت جزءاً من يوميات الأهالي، وأدى التصعيد إلى نزوح عائلات من مناطق قريبة من خطوط المواجهة، فيما اتجه آخرون إلى مناطق أكثر أمناً داخل تعز أو نحو محافظة لحج.

محاولات لتطبيع النفوذ

قضى غالبية السكان ليلتهم الأولى في ظلام دامس، إذ أطفأوا أضواء المنازل وقضوا أوقاتهم في ترقب أي تطورات للأحداث، بينما كانت أصوات الاشتباكات تأتي من محيط المدينة، حيث استمرت الاشتباكات بين الجماعة وقوات من الجيش الحكومي إلى ساعات متأخرة من الليل.

تكشف إحدى ربات المنازل لـ«الشرق الأوسط» عن أن اضطرار السكان لإطفاء أضواء المنازل كان تخوفاً من إقدام عناصر الجماعة على اقتحامها أو تفتيشها أو اشتباههم بمن يضيء الأنوار، إلى جانب القلق من اقتحامها للمبيت أو طلب أي مساعدة.

مقاتل في الجيش اليمني يقف على مرتفع صخري بإحدى الجبهات الجبلية في تعز (فيسبوك)

كما لجأ عناصر الجماعة الحوثية إلى استخدام مكبرات الصوت ظهيرة الاثنين، لدعوة التجار والباعة إلى فتح متاجرهم ومحالهم، إلا أن تلك الدعوات لم تلقَ استجابة في البداية.

وحسب شهادات سكان في المدينة لـ«الشرق الأوسط» فإن المطالبة تحولت بعد نحو ساعة إلى تهديد بكسر أبواب المحال التجارية بالقوة، وهو ما دفع عدداً من الباعة إلى العودة لممارسة أنشطتهم خوفاً على سلعهم من النهب أو من أي عقوبات تطولهم جراء استمرار تعطيل التسوق، إلا أن ذلك لم يكن كافياً لعودة الحركة في المدينة إلى وضعها الطبيعي.

وطلب عناصر الجماعة من السكان مساعدتهم في الحصول على المواد الغذائية، خصوصاً مع إغلاق المطاعم والمحال التجارية، واضطروا إلى تناول الأغذية المعلبة التي حصلوا عليها من المحال التجارية التي فتحت أبوابها تحت التهديد، بينما توسل عدد منهم إلى السكان لشراء أغذية مطبوخة من منازلهم.

يذكر أحد السكان، وهو ينتمي إلى مديرية المقاطرة المجاورة، والتابعة لمحافظة لحج، أن عدداً من أقاربهم حزموا بعض أمتعتهم الخفيفة ومقتنياتهم الثمينة وغادروا إلى قراهم التي قدِموا منها للسكن في التربة، أو لجأوا إلى أقارب لهم في مناطق أخرى.

مشهد من المعارك التي شهدتها مديرية الشمايتين خلال الأيام الماضية (الشرق الأوسط)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الخوف من ممارسات الحوثيين كان هو الدافع الأبرز للنزوح المستمر منذ بدء سيطرة الجماعة على المدينة، إلى جانب مخاوف العديد من الأسر الفقيرة على مدخراتها ومقتنياتها من النهب، وهو ما ظهر من خلال ازدياد حركة شاحنات النقل المحملة بالأثاث والممتلكات على عديد من الطرق.

توجس من السكان

تكشف مثل هذه الشهادات جانباً لا يظهر في البيانات العسكرية، فالمعركة التي توصف في نشرات الأخبار بأنها تقدم أو تراجع على محور قتالي، تعني بالنسبة إلى العائلات قراراً عاجلاً بشأن مغادرة المنزل، وإلى أين تذهب، وما الذي يمكن حمله معها، وما إذا كان الطريق الذي تسلكه سيظل مفتوحاً.

يروي ناشط اجتماعي في المدينة مشاهدته لتصرفات أظهرت توجس عناصر الجماعة من السكان، ومخاوفهم من ردة فعل شعبية على وصول النفوذ الحوثي إلى مساكنهم، وظهر ذلك من خلال تجنبهم الدخول إلى الأزقة الضيقة ونصب نقاط تفتيش في كل الشوارع المحيطة العامة وعلى أطرافها ومداخلها، وعقد اجتماعات مع أئمة المساجد.

محافظة تعز تستعد لحصار حوثي يفاقم سوء الأوضاع الإنسانية بعد استيلاء الجماعة على مدينة التربة (أ.ف.ب)

ويؤكد الناشط، الذي تتحفظ «الشرق الأوسط» على إظهار هويته، أن الجماعة لم تطلب، حتى الآن، ترديد الصرخة الخمينية في المساجد، إلا أن عناصرها حذروا الأئمة من أي دعوات لمقاومتهم تنطلق منها، وطالبوا بالإبلاغ عن أي تجمعات فيها مهما كان الهدف منها.

واستخدم المقاتلون الحوثيون المساجد للاستراحة والمبيت والاغتسال وغسل ملابسهم في مرافقها، بعد أن جلبوا إليها مواد التنظيف وأواني بلاستيكية.

وتبسط الجماعة الحوثية نفوذها على مدينة التربة ومنطقة الصافية القريبة منها، كما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصادر أمنية، وبذلك يكون الطريق الرئيسي الرابط بين تعز وعدن خارج إدارة الحكومة اليمنية، مما سيؤدى إلى تطويق الحوثيين لمدينة تعز من جهات عدة.

بالنسبة إلى سكان المنطقة، لا يمثل الطريق مجرد خط على خريطة عسكرية، بل هو المسار الذي تمر عبره المواد الغذائية، والمرضى، والمسافرون، والعمال، وتتحرك من خلاله البضائع بين تعز وعدن. ومع إغلاق الطرق الرئيسية في المحافظة، تصبح المسارات البديلة أطول وأكثر تكلفة وأشد خطورة، في وقت تعاني فيه غالبية العائلات من تراجع قدرتها على تحمل تبعات الحرب.


صنعاء تترقب «فجر اليمن» بعد 12 عاماً من الانقلاب الحوثي

يمني يجلس في مطعم شعبي بصنعاء حيث يترقب السكان تحريرهم من القبضة الحوثية (أ.ف.ب)
يمني يجلس في مطعم شعبي بصنعاء حيث يترقب السكان تحريرهم من القبضة الحوثية (أ.ف.ب)
TT

صنعاء تترقب «فجر اليمن» بعد 12 عاماً من الانقلاب الحوثي

يمني يجلس في مطعم شعبي بصنعاء حيث يترقب السكان تحريرهم من القبضة الحوثية (أ.ف.ب)
يمني يجلس في مطعم شعبي بصنعاء حيث يترقب السكان تحريرهم من القبضة الحوثية (أ.ف.ب)

يترقب سكان العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ما ستؤول إليه العملية العسكرية التي أطلقتها الحكومة اليمنية تحت اسم «فجر اليمن»، وسط آمال بأن تفتح الطريق أمام إنهاء سنوات الانقلاب والحرب، واستعادة مؤسسات الدولة، وعودة الحياة العامة إلى مسار أرسخ استقراراً.

وبعد نحو 12 عاماً منذ سيطرة الجماعة الحوثية المدعومة من إيران على العاصمة اليمنية، يقول سكان إن الحديث عن العملية أعاد إلى كثير منهم مشاعر الأمل التي غابت طويلاً، وإن ما ينتظرونه «لا يقتصر على تحول عسكري، وإنما يتصل بعودة الدولة والقانون والحريات وتحسن الخدمات»، وإنهاء ما يصفونها بـ«سنوات من الخوف والجبايات والتضييق الأمني».

ويقول سكان تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» إن العاصمة «تبدو مثقلة بإرث طويل من الحرب والانقسام وتدهور الأوضاع المعيشية»، وإن كثيراً من المواطنين باتوا «ينظرون إلى أي تغيير محتمل بوصفه فرصة للخروج من واقع فرضته الجماعة على المدينة منذ سيطرتها عليها».

قوات من «ألوية العمالقة» تبدأ عملية «فجر اليمن» نحو الساحل الغربي (أ.ف.ب)

ويؤكد «عبد الله»، وهو موظف حكومي من صنعاء، أن الحديث عن عملية «فجر اليمن» أعاد إلى كثير من المواطنين شيئاً من الأمل، موضحاً أن ما يريده السكان هو «دولة تحميهم وتوفر لهم الأمن والخدمات، وليس مزيداً من القمع ومصادرة الحريات».

ويضيف أن الخوف من تبعات المواقف السياسية دفع كثيراً من المواطنين إلى تجنب النقاش في الشأن العام، حتى داخل منازلهم. ويقول: «هناك أشياء كثيرة يتحدث عنها الناس همساً فقط. المواطن يريد أن يتكلم بحرية، لكنه يخاف من أن يدفع ثمن كلامه».

بحث عن عودة الدولة

في السياق نفسه، تقول ناشطة من ضواحي صنعاء، إن السنوات الماضية «أكلت أعمار اليمنيين»، مشيرة إلى أن الأسر أصبحت منشغلة بتأمين الغذاء والدواء والإيجار، في ظل استمرار الأزمات.

وتضيف: «نحن لا نبحث عن الحرب؛ نبحث عن نهاية الحرب والانقلاب. نريد أن تعود الدولة ونعيش مثل بقية الناس».

وترى أن «النساء تحملن جانباً كبيراً من الأعباء التي خلفتها الأزمة، خصوصاً في الأسر التي فقدت معيلها أو مصدر دخلها»، مشيرة إلى أن استمرار الحرب «انعكس على تفاصيل الحياة اليومية للأسر وعلى قدرتها على توفير احتياجاتها الأساسية».

سعيُ الحوثيين إلى السيطرة على تعز كبّدهم مئات القتلى والجرحى خلال أسبوع (إعلام عسكري)

أما «صلاح»، وهو من محافظة إب ويعمل بائع خضراوات في صنعاء، فيقول إن المواطنين لم يعودوا يحتملون مزيداً من سنوات الخوف، مؤكداً أن مطلبهم الأساسي يتمثل في وجود مؤسسات وقانون يحمي الجميع.

ويضيف: «نريد أن نستيقظ يوماً ولا نخاف من حملات الجباية، أو الابتزاز في نقاط التفتيش، أو من اعتقال أحد أفراد الأسرة بسبب رأيه».

ويشير إلى أن تداعيات الحرب «انعكست على أوضاع الأسر، بعدما فقدت عائلات كثيرة مصادر دخلها، فيما اضطر آخرون إلى مغادرة البلاد بحثاً عن العمل والأمان».

مدينة تحت الضغط

على مدى السنوات الماضية، واجه سكان صنعاء أعباء اقتصادية وأمنية متصاعدة، مع انتشار نقاط التفتيش وتوسع الإجراءات القمعية والجبايات التي أثرت على التجار وأصحاب الأعمال والأسر.

ويرى ناشطون أن هذه الظروف عمقت حالة السخط داخل المجتمع، خصوصاً مع تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، بالتزامن مع تضييق المساحة المتاحة أمام التعبير عن المواقف المخالفة للجماعة.

ويقول «بشير» إن «الناس صمتوا طويلاً لأنهم خائفون، وليس لأنهم راضون»، عادّاً أن أي تحول يعيد للمؤسسات دورها سيحظى باهتمام واسع بين المواطنين.

عناصر أمن حوثيون يجوبون شوارع صنعاء (رويترز)

وكان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، أعلن، الاثنين، انطلاق العملية العسكرية «فجر اليمن»، قائلاً إنها تهدف إلى استعادة مؤسسات الدولة وتحرير العاصمة صنعاء وإنهاء انقلاب الجماعة الحوثية المدعومة من إيران.

وقال العليمي في منشور على منصة «إكس»: «على بركة الله... انطلقت عملية (فجر اليمن) لاستعادة مؤسسات الدولة، وتحرير العاصمة صنعاء، وإنهاء انقلاب الميليشيات الحوثية الإرهابية».