اتهامات دولية لروسيا بارتكاب «جرائم حرب» في أوكرانيا

اتهامات دولية لروسيا بارتكاب «جرائم حرب» في أوكرانيا
TT

اتهامات دولية لروسيا بارتكاب «جرائم حرب» في أوكرانيا

اتهامات دولية لروسيا بارتكاب «جرائم حرب» في أوكرانيا

عبر مسؤولون أوكرانيون وأوروبيون عن غضبهم أمس الأحد مما قالوا إنها أعمال وحشية ارتكبتها القوات الروسية بالقرب من كييف قبل انسحابها من المنطقة لتركيز هجماتها على مواقع أخرى. كما اتهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي القوات الروسية بارتكاب «إبادة» في أوكرانيا. وقال لقناة «سي بي إس» الأميركية: «هذه إبادة جماعية». وأضاف: «نحن مواطنو أوكرانيا. لدينا أكثر من مائة جنسية. هذا يعني تدمير وإبادة كل هذه الجنسيات». وتابع: «نحن مواطنون في أوكرانيا، ولا نريد أن نخضع لسياسة روسيا الاتحادية. هذا سبب تدميرنا وإبادتنا».
وقال رئيس بلدية مدينة بوتشا الواقعة على بعد 37 كيلومتراً شمال غربي العاصمة، إن 300 من السكان قتلوا خلال احتلال الجيش الروسي الذي استمر شهراً. وقال صحافيون من وكالة «رويترز» للأنباء إنهم شاهدوا ضحايا في مقبرة جماعية وجثثاً ما زالت ملقاة في الشوارع.
ودعا وزير الخارجية الأوكراني، ديميترو كوليبا، المحكمة الجنائية الدولية إلى زيارة بوتشا وبلدات أخرى حول كييف في أقرب وقت ممكن لجمع الأدلة. ونقلت الوزارة عنه قوله: «أحث المحكمة الجنائية الدولية والمنظمات الدولية على إرسال بعثاتها إلى بوتشا وغيرها من البلدات والقرى المحررة في منطقة كييف، بالتعاون مع وكالات إنفاذ القانون الأوكرانية، لجمع كل الأدلة على جرائم الحرب الروسية».
الموقف الروسي
وقالت أوكرانيا إن قواتها استعادت السيطرة على جميع المناطق المحيطة بالعاصمة، لتسيطر بالكامل على المنطقة للمرة الأولى منذ بدأت روسيا غزوها في 24 فبراير (شباط) الماضي. وسحبت روسيا قواتها التي كانت تهدد كييف من الشمال حتى تحشد صفوفها من أجل خوض معارك في شرق أوكرانيا. ولم يصدر تعليق روسي على الادعاء بأن منطقة كييف صارت بأكملها تحت سيطرة أوكرانيا.
ونفت روسيا في السابق استهداف المدنيين ورفضت مزاعم بارتكابها جرائم حرب في حملتها التي وصفتها بأنها «عملية عسكرية خاصة» في أوكرانيا. ولم يرد الكرملين ولا وزارة الدفاع الروسية على أسئلة يوم السبت عن الجثث التي عُثر عليها في بوتشا. كما لم ترد وزارة الدفاع حتى الآن عندما سُئلت عن ذلك مرة أخرى أمس الأحد.
وقال أوليكسي أريستوفيتش، مستشار الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أمس الأحد، إن القوات الأوكرانية عثرت على جثث نساء تعرضن للاغتصاب وأُضرمت فيها النيران، فضلاً عن جثث لمسؤولين محليين وأطفال. وأضاف أريستوفيتش للتلفزيون الأوكراني: «يوجد قتلى من الرجال، وقد بدت على أجسادهم آثار تعذيب. كانت أياديهم مقيدة بينما قتلوا بطلقات نارية في مؤخرة الرأس».
مقبرة جماعية
عُثر على 57 جثة في مقبرة جماعية بمدينة بوتشا قرب كييف بعدما حررتها القوات الأوكرانية هذا الأسبوع، بحسب ما أفاد به أمس مسؤول الإغاثة المحلي سيرهي كابليتشني لوكالة الصحافة الفرنسية. وقال كابليتشني: «هنا، في هذه المقبرة الطويلة، دُفن 57 شخصاً».
وقال سيرغي نيكيفوروف، المتحدث باسم زيلينسكي، لـ«هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)»: «يجب أن أكون حذراً جداً في صياغتي الكلمات، لكن الأمر يبدو تماماً مثل (جرائم الحرب)».
ووصف وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، الأحد، قتل المدنيين في مدينة بوتشا قرب العاصمة الأوكرانية بأنه «ضربة مؤلمة»، مضيفاً: «يجب أن يتوقف ذلك». وقال لقناة «سي إن إن»: «لا يَسَعك إلا التعامل مع هذه الصور بوصفها ضربة مؤلمة»، مضيفاً: «هذا هو واقع ما يحدث كل يوم ما دامت وحشية روسيا مستمرة ضد أوكرانيا».
وأعلن مسؤولون أوروبيون كبار أنه يجب التحقيق في أي جرائم حرب محتملة. وقال جوزيب بوريل، مسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي، على «تويتر»: «صُدمت بأنباء الأعمال الوحشية التي ارتكبتها القوات الروسية. الاتحاد الأوروبي يساعد أوكرانيا في توثيق جرائم الحرب»، مضيفاً أن جميع القضايا يجب أن تتابعها محكمة العدل الدولية.
بريطانيا وفرنسا وألمانيا
من جانبها، قالت وزيرة الخارجية البريطانية، ليز تراس، إن هناك «أدلة متزايدة» على أعمال مروعة ارتكبتها القوات الغازية في بلدات مثل إربين وبوتشا. وأضافت أن لندن ستدعم بشكل مطلق أي تحقيق تجريه المحكمة الجنائية الدولية. ووصف الأمين العام لـ«حلف شمال الأطلسي (ناتو)»، ينس ستولتنبرغ، أمس، قتل المدنيين في بوتشا في أوكرانيا بأنه «مروع» و«غير مقبول». وقال عبر قناة «سي إن إن» الأميركية: «إنها وحشية بحق مدنيين لم نرها في أوروبا طوال عقود، وهذا مروع وغير مقبول بتاتاً».
وقال وزير الشؤون الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان، إنه يدين بشدة ما وصفها بـ«الانتهاكات الجسيمة» التي ارتكبتها القوات الروسية في أوكرانيا في الأسابيع القليلة الماضية. وأشار لو دريان بالأخص إلى بلدة بوتشا الواقعة على مشارف كييف، حيث تقول السلطات الأوكرانية إن «مذبحة» متعمدة ارتكبتها روسيا. وأضاف لودريان في بيان أن مثل هذه الانتهاكات من شأنها أن تشكل جرائم حرب، وأن فرنسا ستعمل مع السلطات الأوكرانية والمحكمة الجنائية الدولية لمحاكمة المسؤولين عنها.
وقالت وزيرة الخارجية الألمانية، أنالينا بيربوك، أمس، إن فرض عقوبات أشد صرامة هو الثمن الذي يجب أن تدفعه روسيا عن «جرائم الحرب» في بلدة بوتشا الأوكرانية، ونددت بما وصفته بـ«العنف غير المقيد» الذي يمارسه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
شوارع بوتشا
وكانت جثث نحو 20 رجلاً بلباس مدني تنتشر في أحد شوارع بوتشا شمال غربي كييف في وضعيات مختلفة؛ على ما أفاد به صحافي من وكالة الصحافة الفرنسية، بعدما خرجت منها القوات الروسية ودخلتها القوات الأوكرانية.
وتنتشر هذه الجثث؛ التي ينظر بعضها إلى السماء بعيون مفتوحة، على مئات الأمتار من دون أن يعرف على الفور سبب الوفاة، إلا إن أحد هؤلاء الأشخاص به إصابة كبيرة في الرأس. وقال رئيس بلدية المدينة، أناتولي فيدوروك، للوكالة: «لقد قتل كل هؤلاء الأشخاص... أطلقت عليهم رصاصة في مؤخر الرأس».
وعثر على إحدى الجثث مقيدة اليدين بقماشة بيضاء مع جواز سفر أوكراني إلى جانبها... «وتنتشر جثث في أماكن مختلفة من المدينة، أمام محطة السكك الحديدية، أو على جوانب الطرق، إلا إن المنظر مروع خصوصاً في هذا الشارع».
16 جثة من أصل نحو 20 ، ممددة على الرصيف أو إلى جانبه؛ 3 منها في وسط الطريق وأخرى في فناء منزل. وثمة جثة قرب سيارة مهجورة، فيما اثنتان أخريان قرب دراجتين هوائيتين ويضع صاحب إحدى هاتين الجثتين قفازين برتقاليين وقناعاً صوفياً أسود وقد سقطت عليه دراجته. ونظراً إلى لون وجوه هذه الجثث، يرجح أنها هنا منذ أيام عدة. باتت فظائع الحرب راسخة في يوميات بوتشا بحيث ما تبقى من سكانها يمرون أمام الجثث من دون إلقاء نظرة إليها.
دمار المدينة
في الأيام الأخيرة، انسحبت القوات الروسية من بلدات عدة قريبة من العاصمة بعد فشل محاولتها تطويق كييف. ويغادر الجيش الروسي منطقتي كييف وتشيرنيهيف في شمال أوكرانيا بهدف تنفيذ إعادة انتشار شرقاً. وأعلنت أوكرانيا أن بوتشا «حُررت» إلا إن دماراً واسعاً جداً لحق بالمدينة جراء المعارك. وقال شهود إن أبنية سكنية فقدت واجهاتها، فضلاً عن عدد كبير من السيارات المدمرة.
وفي دليل على عنف المعارك التي دارت، ينتشر الركام وأعمدة الكهرباء الساقطة في هذا الشارع في بوتشا. وقد تعرضت متاجر ومقاه ومنازل للحرق أو التدمير. وأصيب سقف كنيسة بأضرار. وحده مطعم تابع لسلسلة «ماكدونالدز» بدا كأنه نجا من القصف. وتبدو كل المساكن المجاورة مهجورة.
مقاومة مدينتين
وثمة سيارة رصاصية اخترقها وابل من الرصاص، في حين تنتشر جثث عدة قرب شاحنة محترقة. ويعلق رئيس بلدية المدينة: «هذه عواقب الاحتلال الروسي». وشهدت بوتشا ومدينة إربين المجاورة بعضاً من أشرس المعارك منذ هاجمت روسيا أوكرانيا، عندما كان الجنود الروس يحاولون تطويق كييف.
وقاومت المدينتان، إلا إن الثمن كان باهظاً جداً مع فرار غالبية السكان من عمليات القصف المتواصلة والهجمات الصاروخية. وتمكنت القوات الأوكرانية من الدخول إلى بوتشا قبل يوم أو يومين فقط. الدخول إليها تعذر طوال نحو شهر وكانت محرومة من المساعدات.



رئيس وزراء غرينلاند: مواطنونا لا يرغبون في أن يكونوا أميركيين

رئيس حكومة غرينلاند ينس فريدريك نيلسن ورئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن يلقيان بياناً حول الوضع الحالي في غرينلاند في مؤتمر صحافي في قاعة المرايا بمكتب رئيسة الوزراء الدنماركية في كوبنهاغن... 13 يناير 2026 (أ.ف.ب)
رئيس حكومة غرينلاند ينس فريدريك نيلسن ورئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن يلقيان بياناً حول الوضع الحالي في غرينلاند في مؤتمر صحافي في قاعة المرايا بمكتب رئيسة الوزراء الدنماركية في كوبنهاغن... 13 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

رئيس وزراء غرينلاند: مواطنونا لا يرغبون في أن يكونوا أميركيين

رئيس حكومة غرينلاند ينس فريدريك نيلسن ورئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن يلقيان بياناً حول الوضع الحالي في غرينلاند في مؤتمر صحافي في قاعة المرايا بمكتب رئيسة الوزراء الدنماركية في كوبنهاغن... 13 يناير 2026 (أ.ف.ب)
رئيس حكومة غرينلاند ينس فريدريك نيلسن ورئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن يلقيان بياناً حول الوضع الحالي في غرينلاند في مؤتمر صحافي في قاعة المرايا بمكتب رئيسة الوزراء الدنماركية في كوبنهاغن... 13 يناير 2026 (أ.ف.ب)

أوضح رئيس وزراء غرينلاند ينس فريدريك نيلسن، الثلاثاء، أن شعبه لا يرغب مطلقاً في أن يصبح جزءاً من الولايات المتحدة تحت أي ظرف.

وقال نيلسن في مؤتمر صحافي مع رئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن في كوبنهاغن: «إذا كان لا بد لنا أن نختار بين الولايات المتحدة الأميركية والدنمارك، فسنختار الدنمارك».

رئيس وزراء غرينلاند ينس فريدريك نيلسن متحدثاً من مكتب رئيسة الوزراء الدنماركية في كوبنهاغن... 13 يناير 2026 (إ.ب.أ)

وشددت فريدريكسن على أنه ليس من السهل أن يتم تحمّل «الضغط غير المقبول تماماً من أقرب حلفائنا».

وأضافت أنه لا يمكن للمرء أن يحرّك الحدود بالقوة أو أن يشتري شعباً، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وحذّرت من أن «الجزء الأصعب لم يأتِ بعد».

ومن المقرر أن يلتقي وزير خارجية الدنمارك، لارس لوك راسموسين مع جي دي فانس، نائب الرئيس الأميركي ووزير الخارجية ماركو روبيو في واشنطن غداً الأربعاء، لبحث النزاع حول مزاعم الولايات المتحدة الخاصة بغرينلاند.

يشار إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أعرب مراراً عن رغبته في امتلاك غرينلاند، ولم تستبعد إدارته استخدام القوة العسكرية لبسط السيطرة، مستشهدة بالمصالح الأمنية وما تعتبره تهديداً صينياً وروسياً في المنطقة.

وانضم قادة فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا وإسبانيا والمملكة المتحدة إلى رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن في الدفاع عن سيادة غرينلاند.

وزادت المخاوف من الاستيلاء على الجزيرة عقب غزو الولايات المتحدة لفنزويلا مؤخراً والقبض على رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته واقتيادهما إلى الولايات المتحدة، حيث تجري محاكمته بتهم التآمر على «ارتكاب إرهاب مرتبط بالمخدرات».


الذكاء الاصطناعي في الحرب الحديثة... ماذا عن «الداتا» المسمومة؟

تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
TT

الذكاء الاصطناعي في الحرب الحديثة... ماذا عن «الداتا» المسمومة؟

تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

يُصنّف الخبراء الجيوش الحديثة بناء على حجم استعمال هذه الجيوش للذكاء الاصطناعيّ في عمليّاتها العسكريّة، كما بناء على حجم تصنيع منظومات بما يُسمّى «التحكّم الذاتي»، وفي كل الأبعاد (Autonomous).

كذلك يُقاس مستوى فاعليّة الجيوش بمقدار ما تنخرط هذه الجيوش في قتال مشترك (Combined) بين كل الأسلحة والاختصاصات؛ من قوى برّ، وبحر، وجوّ، وسيبرانيّة وغيرها. يُطلق على هذه المنظومة القتاليّة اسم «العمليات المشتركة والمتكاملة» (Integrated joint operations). فما المقصود بهذه التسميّة؟

حسب التقرير الأخير لـ«البنتاغون» حول استعدادات الجيش الصيني لعام 2027، العام الذي حدّده الرئيس الصيني للهجوم على جزيرة تايوان وضمّها للوطن الأم، كما يقول، فإن الأمر يُحتّم توافر 3 إمكانيّات استراتيجيّة؛ هي: القدرة على تحقيق الانتصار بتكلفة معقولة؛ وردع أميركا، أو تقييد قدرتها على التدخّل في النزاع حول تايوان، مع التلويح بالنووي إذا لزم الأمر؛ كما منع إمكانيّة فتح جبهات إضافية من قبل حلفاء أميركا. وعليه قد تتعدّد سيناريوهات الحرب الصينيّة على تايوان، بدءاً من الإكراه (Coercion) للاستسلام من دون حرب فعليّة تيمناً بما قاله المفكر الصيني، صان تسو، بمهاجمة استراتيجية العدو والانتصار دون حرب، وذلك وصولاً إلى الاجتياح الكامل للجزيرة، عبر القصف الاستراتيجيّ لمراكز الثقل التايوانيّة، مع عملية إنزال بحريّة ضخمة لم يشهد العالم مثيلاً لها منذ «إنزال النورماندي» في الحرب العالميّة الثانية.

لكن السؤال يبقى: هل أخذت الصين الدروس من الحرب الروسيّة على أوكرانيا؟ وماذا عن السلوك وردّة الفعل الأميركيّة؟ هل فعلاً سيلتزم الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بنصف الكرة الغربيّ بوصفه منطقة نفوذ أميركيّة؟ أم سيتدخّل على الأقلّ عبر مساعدة الحلفاء وعلى رأسهم اليابان؟

من مناورات صينية قرب تايوان في 25 ديسمبر 2025 (رويترز)

 

إلى الذكاء الاصطناعي في الحرب

لا تشذّ الصين عن سلوك القوى العظمى خصوصاً الولايات المتحدة، في اعتمادها على استراتيجيّة القتال المشتركة والمتكاملة. ترتكز هذه الاستراتيجيّة في جوهرها على ربط كلّ الأسلحة (بر، وبحر، وجو، وفضاء وسيبراني) بعضها ببعض، لتعطي صورة ثلاثيّة الأبعاد عن حقل الحرب - المعركة (Battlespace). فما المقصود بحقل المعركة؟ إنها بيئة العمليات العسكريّة (Operational). تربط كلّ الأسلحة بعضها ببعض، آخذة في الحسبان كل ما يمتّ بصلة لمسرح الحرب؛ من تضاريس، وطقس، وبنى تحتيّة، وأسلحة مستعملة، وأجهزة استشعار (Sensors)، ومسيّرات، وحرب إلكترونيّة (EW)، وأقمار اصطناعيّة، وكل ما هو قادر على توفير «داتا» عن العدو بهدف تحقيق النصر. والهدف دائماً، هو تقصير عملية اتخاذ القرار للقيادة البشريّة (حتى الآن) كي تحتفظ بحريّة المناورة واستباق ردّة فعل العدو.

لكن الربط بين كل هذه الوسائل في أرض المعركة، سيؤدّي إلى فائض من «الداتا» (Overwhelming) لا يستطيع العنصر البشري التعامل معها بسرعة، عبر تحليلها، وتحويلها إلى معرفة، واتخاذ القرار وتوزيعها على القوى العسكريّة للتنفيذ. هنا يأتي الحل عبر استعمال الذكاء الاصطناعي (AI). لكن الحلّ بطبيعته ينتج مشاكله الخاصة. ألم يقل الفيلسوف الإنجليزي، كارل بوبر، إن «الحياة عبارة عن عملية مستدامة لحل المشاكل؟ فإذا كان الحل عبر الذكاء الاصطناعي لتحليل (الداتا)، فهو بحد ذاته وبطبيعته سوف ينتج كثيراً من المشاكل». فما هي باختصار؟

من المعروف أن الذكاء الاصطناعي يستعمل خوارزميّات (Algorithm) قادرة على إعطاء أجوبة عما يُقارب 500 مليون سؤال من المُستعمل وأكثر. لكن الأجوبة لا تأتي من الفراغ، فهي، أي الخوارزميات، تُدرّب على كميّة كبيرة من «الداتا» قد تصل إلى كثير من «البيتا بايت» (Petabyte) - كل بيتابايت يساوي 500 مليار ورقة مطبوعة تقليديّة. وهذه «الداتا»، تُجمّع أغلبها من المصادر المفتوحة، كما السريّة. فماذا لو سُمّمت هذه «الداتا»؟ وكيف ستكون عملية السيطرة على مسرح الحرب وإدارته بشكل منتظم بناء على معلومات مغلوطة؟

جندي روسي يحضّر مسيرة لإطلاقها في أوكرانيا الثلاثاء (أ.ب)

يهدف الذكاء الاصطناعي إلى تسريع عملية اتخاذ القرار في الحرب، واختيار أفضل وسيلة عسكرية من ضمن المنظومة للتعامل مع هدف ما. فماذا لو كانت المعلومة عن الهدف خاطئة بناء على «داتا» مسمومة؟

إن الاعتماد الكلّي في الحرب على الذكاء الاصطناعيّ، قد يحوّل الحرب إلى عمليّة حسابيّة - خوارزميّة، الأمر الذي يُسرّع الحرب، يُسرّع التصعيد. فماذا لو وصل وضع التصعيد إلى استعمال السلاح النووي بناء على «داتا» مسمومة؟

يقول المفكّر البروسي الشهير، كارل فون كلوزفيتز، إن الشك وعدم اليقين يسيطران عادة وباستدامة على مسرح المعركة (Fog of War). وهذا أمر يُعقّد قرارات القائد العسكريّ. نظّر البعض في هذا المجال بأن الذكاء الاصطناعي سيُقّلل أو يزيل هذه الضبابيّة، عبر توفير كثير من «الداتا» والاستعلام عن العدو. فماذا لو كانت «الداتا» مسمومة؟ إذن، سيبقى عدم اليقين والضبابيّة في ساحة المعركة، حتى مع الذكاء الاصطناعيّ.

لكن الوضع الأخطر هو فيما يُسمّى «فجوة الفهم» بين الذكاء الاصطناعي والقائد (Cognitive Gap)، فما المقصود بذلك؟ قد يقترح الذكاء الاصطناعي أمراً معيّناً على القائد. وقد لا يفهم أو يعي القائد هذا الاقتراح، بسبب الفجوة الهائلة في كميّة «الداتا» التي يملكها الطرفان. فماذا يفعل القائد؟ وكيف يتّخذ القرار بناء على اقتراح لا يفهمه؟ وماذا سيكون عليه الوضع لو كانت «داتا» الذكاء الاصطناعي مسمومة؟ ألا يدخل هنا مبدأ الخداع (Deception) للذكاء الاصطناعي عبر تزويده بـ«داتا» مسمومة؟ وألا يُعدّ هنا قول المفكّر الصيني، صان تسو، إن الحرب تقوم على الخداع، قولاً صالحاً للأزل؟

السيناتور تيد كروز ووزير التجارة هوارد لوتنيك يحيطان بالرئيس دونالد ترمب وهو يعرض مبادرته الموقعة بشأن الذكاء الاصطناعي في البيت الأبيض - 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

وأخيراً، لا بد أن تكون للذكاء الاصطناعي بنى تحتيّة يرتكز عليها في الحرب. والمقصود بذلك هو ذلك الوسيط (Medium) الذي ينقل «الداتا» من مكان إلى آخر؛ من الذكاء الاصطناعي إلى القائد العسكريّ. وإذا كنّا نعيش اليوم في عالم رقميّ (Digital)، فإن هذا العالم لا يزال يرتكز على العالم الملموس، والماديّ (البرّ، والبحر، كما الفضاء). وفي هذا الإطار، ألا ينقل العالم أكثر من 90 في المائة من «الداتا» عبر الكوابل البحريّة، والباقي عبر الأقمار؟ فهل لدى القيادات العسكريّة بدائل عن هذه الكوابل؟ ولماذا يتم التخطيط لقطعها؟ ألا يمكن تسميم «الداتا» عبر خرق هذه الكوابل؟

 

 

مسارح الحرب الجديدة

تستدعي حروب القرن الحادي والعشرين مبدأ الدفاع الشامل والكامل، في ظل الهجوم الشامل والكامل. مبدأ الدفاع عن الداخل عبر حماية البنى التحتيّة كونها مرتبطة بعضها ببعض عبر العالم الرقميّ، وهي تخدم المجهود الحربي بعدّة أبعاد. أما مبدأ الهجوم الشامل، فهو يندرج في الحرب الهجوميّة، إن كان على القوى العسكريّة أو على البنى التحتية للعدو عبر الهجمات السيبرانيّة. وفي كل الحالات، ترتبط القوى العسكرية بعضها ببعض كونها تقاتل قتالاً مشتركاً (Combined) عبر العالم الرقميّ (Digital World).

في الحرب العالميّة الثانية، كانت استراتيجية القصف الاستراتيجي لألمانيا تُركّز على قصف القدرات الاصطناعية التي تخدم الحرب. حالياً ومع العصر الرقميّ، حلت الحرب السيبرانية مكان القصف الاستراتيجيّ لمراكز الثقل، خصوصاً أن أغلب الأسلحة الحديثة أصبحت تعمل بواسطة خوارزميات، وأن القطاع الخاص هو الذي ينتجها. وعليه، أصبح من الحيويّ والمُلحّ أن تكون هناك جهود جبّارة لإدارة الأزمات الداخليّة التي تسببها الهجمات السيبرانيّة.

في الحرب العالمية الثانية، بدأت الحرب على الجبهات، ومن بعدها انتقلت إلى الداخل. حالياً، ومع العصر الرقميّ والحرب السيبرانيّة؛ قد تبدأ الحرب في الداخل بهدف شلّه، وبعدها الحرب على القوى العسكريّة. لذلك قد يمكن القول إنه لا جبهات (Fronts) مُحدّدة في حروب المستقبل.


السجن 16 عاماً لبحّار أميركي سابق أدين بتسريب معلومات عن سفن حربية للصين

يعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات عن قلقهم من خطر التجسس (أرشيفية - رويترز)
يعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات عن قلقهم من خطر التجسس (أرشيفية - رويترز)
TT

السجن 16 عاماً لبحّار أميركي سابق أدين بتسريب معلومات عن سفن حربية للصين

يعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات عن قلقهم من خطر التجسس (أرشيفية - رويترز)
يعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات عن قلقهم من خطر التجسس (أرشيفية - رويترز)

أُدين بحار سابق في البحرية الأميركية ببيع كتيّبات تقنية وتشغيلية للسفن وأنظمة التشغيل، إلى ضابط استخبارات يعمل لصالح الصين، وحُكم عليه أمس (الاثنين) بالسجن لأكثر من 16 عاماً، بحسب الادعاء.

وحكم قاضٍ فيدرالي في سان دييغو على جينتشاو وي، البالغ من العمر 25 عاماً، بالسجن لمدة 200 شهر. وكانت هيئة محلفين فيدرالية قد أدانته في أغسطس (آب)، بارتكاب 6 جرائم، بينها التجسس. وقالت وزارة العدل الأميركية في بيان، إن وي تلقّى أكثر من 12 ألف دولار مقابل المعلومات التي باعها.

وكان وي، وهو مهندس على متن سفينة الهجوم البرمائي «يو إس إس إيسيكس» (USS Essex)، أحد بحارين اثنين مقيمين في كاليفورنيا وُجّهت إليهما الاتهامات في 3 أغسطس 2023، بتزويد الصين بمعلومات عسكرية حساسة. أما الآخر، وينهينغ تشاو، فقد حُكم عليه في عام 2024 بالسجن لأكثر من عامين بعد أن أقرّ بذنبه في تهمة التآمر وتهمة تلقي رشوة واحدة في انتهاك لواجباته الرسمية.

وعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات، عن قلقهم من خطر التجسس الذي يقولون إن الحكومة الصينية تمثّله، ورفعوا في السنوات الأخيرة قضايا جنائية ضد عناصر استخبارات تابعين لبكين سرقوا معلومات حكومية وتجارية حساسة، بما في ذلك عبر عمليات قرصنة غير قانونية.

وقال الادعاء إن وي جرى استقطابه عبر وسائل التواصل الاجتماعي في عام 2022، من قبل ضابط استخبارات قدّم نفسه على أنه هاوٍ للشؤون البحرية، ويعمل لدى شركة صناعة السفن الصينية المملوكة للدولة.

وأظهرت الأدلة المقدَّمة أمام المحكمة أن وي قال لصديق له، إن الشخص «مريب للغاية»، وإن الأمر «واضح تماماً أنه تجسس». غير أن وي تجاهل نصيحة صديقه بحذف جهة الاتصال، ونقل محادثاته مع ضابط الاستخبارات إلى تطبيق مراسلة مشفّر آخر كان يعتقد أنه أكثر أماناً، بحسب الادعاء.

وخلال 18 شهراً، أرسل وي إلى الضابط صوراً ومقاطع فيديو لسفينة «إيسيكس»، وأبلغه بمواقع عدد من سفن البحرية الأميركية، كما قدّم له معلومات عن الأسلحة الدفاعية للسفينة، وفقاً للادعاء.

وباع وي لضابط الاستخبارات 60 كتيّباً تقنياً وتشغيلياً، بينها كتيّبات خاصة بأنظمة التحكم بالأسلحة والطائرات ومصاعد سطح السفينة. وكانت هذه الكتيّبات تتضمن تحذيرات تتعلق بضوابط التصدير، وتشرح بالتفصيل كيفية تشغيل عدة أنظمة على متن «إيسيكس» وسفن مماثلة.

وكان وي يحمل رتبة ضابط صف من الدرجة الثانية، وهي رتبة ضمن فئة الأفراد المجنّدين.

ويذكر موقع البحرية الأميركية أن «إيسيكس» مجهّزة لنقل ودعم قوة إنزال من مشاة البحرية (المارينز) قوامها أكثر من 2000 جندي خلال عمليات إنزال جوي وبرمائي.

وفي رسالة إلى القاضي قبل النطق بالحكم، اعتذر وي وقال إنه لم يكن ينبغي له أن يشارك أي شيء مع الشخص الذي كان يعدّه صديقاً. وأضاف أن «الانطواء والشعور بالوحدة» أثّرا على حكمه وتقديره للأمور.