رافع الناصري ومي مظفر... مغامرة حافلة بالتناغم الإبداعي يقصمها الموت في أوجها

حذّرها من تشبثه المرَضي بالحرية قبل أن يرفع راية استسلامه

مي مظفر وخلفها صورة رافع الناصري
مي مظفر وخلفها صورة رافع الناصري
TT

رافع الناصري ومي مظفر... مغامرة حافلة بالتناغم الإبداعي يقصمها الموت في أوجها

مي مظفر وخلفها صورة رافع الناصري
مي مظفر وخلفها صورة رافع الناصري

«من أجل أن أملأ الفراغ المهيب الذي تركه غيابك. من أجل أن أكون معك وبرفقتك، سأشرع بتدوين مسيرة حياتنا على مدى أربعين عاماً. حدثتك ذات يوم، كنتَ قد استعدتَ فيه بعض عافيتك، عن نيتي تأليف كتاب كهذا، فانفرج وجهك السمح، وقلت بصوت خافت: يا ريت».
بهذه العبارات المؤثرة تستهل الشاعرة والكاتبة والمترجمة العراقية مي مظفر، وقائع حياتها المشتركة مع الفنان التشكيلي العراقي رافع الناصري، التي أصدرتها بعد رحيل الزوج في كتاب متميز بعنوان «أنا ورافع الناصري: سيرة الماء والنار». على أنني أود أن أستبق الدخول إلى تفاصيل السيرة ومناخاتها بالإشارة إلى أن شروع مظفر بإنجاز هذا العمل، لا يهدف إلى انتشال الفنان المبدع الذي اقترنت به، من عهدة النسيان، لأن أمراً كهذا لا بد أن تتكفل به أعماله وإبداعاته قبل أي شيء آخر، بل إلى منع الوقائع والتفاصيل الصغيرة التي ربطت حياتيهما برباط الحب والصداقة والألفة، من الاضمحلال. فإذا لم تكن الزوجة الكاتبة قادرة على ردع الموت كحدث بيولوجي، فباستطاعتها عبر الكلمات أن توقف مفاعيله الأكثر مأساوية، وتنقذ تفاصيل حياتها مع الرجل الذي أحبته من الغرق. وهو الأمر نفسه الذي فعلته آنا غريغوريغنا بعد رحيل دوستويفسكي، وفيرا بوليكافا بعد رحيل ناظم حكمت، وصوفيا تولستايا بعد رحيل تولستوي، وغيرهن كثيرات. والأرجح أن ترجمة مظفر للسيرة الذاتية التي كتبتها فرنسواز جيلو تحت عنوان «حياتي مع بيكاسو»، قد حرضتها بشكل أو بآخر على القيام بالخطوة نفسها، بمعزل عن التباينات العديدة التي تفصل بين الثنائيين.
أما الأمر الآخر الذي يصعب القفز من فوقه، فهو يتعلق بعنوان الكتاب الذي يتخطى الصدفة المجردة، ليصبح الجمع بين الماء والنار نوعاً من المؤالفة المستحيلة بين عنصرين متضادين، يفضي كل منهما إلى محو وجود الآخر. ومع أن الكاتبة لا تشير إلى النار بوصفها المعادل الرمزي للفنان الشاب ذي التكوين العصبي والمزاج الفوار، أو إلى نفسها بوصفها المرأة المتفهمة التي تقع وقوع الماء على طبيعته النارية، فإن لنا كقراء أن نستخلص ذلك من سياق السيرة، رغم أنه لا شيء يمنع الطرفين من تبادل الأدوار، وفقاً لمسار العلاقة وتبدل الظروف.
ولا بد من التنويه في الوقت ذاته بأن كلا الكاتبة والفنان لم يقعا في الحب من النظرة الأولى، بل احتاجت علاقتهما إلى العديد من اللقاءات الصعبة والمتباعدة، وتعرضت للكثير من «الكر والفر» قبل أن تصل إلى برها النهائي. وحيث لا تتوانى مظفر عن القول في بداية السيرة «لم يكن رافع نموذجاً أطمح له أو أتمناه»، فإن الأمر لا يعود إلى عدم إعجابها بالفنان الوسيم الذي كانه رافع في مطالع صباه، بل لما تناهى إلى مسامعها عن تعدد علاقاته مع النساء، وبالتالي عدم استقراره العاطفي. وحين وصف نفسه في أحد لقاءاتهما المتباعدة بالعاشق الفاشل، لم تتردد في القول له «ما تقوله مخالف لما سمعته عنك، إذ يقال بأنك عاشق لا يُشق له غبار».
على أن سوء التفاهم الذي نشأ بين الطرفين، ما لبث أن ارتفع منسوبه مع تصريحات رافع المتكررة حول توجسه العميق من المؤسسة الزوجية، التي تفسد من وجهة نظره الجانب الجمالي من الحب. ورغم تثبت مي من مشاعر رافع إزاءها، بخاصة بعد أن فشل في إخفاء غيرته عليها وهم بضرب أحد المتحرشين بها من زملائه الفنانين، فقد شعرت مع ذلك بأنها لا تملك خياراً سوى الرحيل، خصوصاً بعد أن باغتها رافع بقوله «أنا لا أعرف ما أريد. أنا لم أتعلق بامرأة قدر تعلقي بك. لكنني أفضل الانتحار على الارتباط». وحيث لم تجد بداً من وضعه إثر ذلك بين خياري الزواج والفراق، باعتبار أن محيطها الاجتماعي المحافظ لن يسمح لها على الإطلاق بإقامة علاقة حرة ومفتوحة مع أي كان، آثر الفنان الخائف من وطأة القيود الانحياز إلى الخيار الثاني، متجرعاً مرارة التضحية بالمرأة التي ملكت عليه قلبه، لإنقاذ إبداعه من الضمور والجفاف، كما بدت له الأمور في تلك المرحلة.
ومع أن لقاء العاشقين في إحدى المناسبات الثقافية بيروت، لم يفلح في ردم الهوة بينهما بالكامل، خصوصاً أن الناصري كان يصطحب بزهو إحدى الفنانات اللبنانيات الجميلات، فقد أمكن للقاءاتهما اللاحقة في بغداد أن تعيد وصل ما انقطع بينهما، لتبلغ العلاقة خواتيمها السعيدة عام 1973، ولأن لرباطهما الزوجي، بوصفهما فنانين مبدعين، بصمته الخاصة والبعيدة عن المألوف فقد توافق الطرفان على أن لا يزيد مهر العروس عن دينار واحد، كما على قضاء ليلة الزفاف في مرسم الزوج الذي تعمه الفوضى، بانتظار أن يفرغا من تأهيل «الكوخ» الصغير الواقع عند طرف المنزل العائلي.
في البيوغرافيا المسهبة التي تقدمها لنفسها، قبل استكمال سيرتها اللاحقة مع رافع، تطلعنا مظفر على جوانب مهمة من طفولتها ونشأتها وظروفها العائلية، بالتوازي مع واقع العراق السياسي والاجتماعي والثقافي في العهد الملكي، وما تبع ذلك من انقلابات دموية متلاحقة حولت بلاد الرافدين إلى ساحة للقلق والصراع الآيديولوجي والعنف الدموي. ومع ذلك فقد أتاحت لها بيئتها العائلية المتنورة، فضلاً عن تفوقها الدراسي في اللغة الإنجليزية، أن تطل من الباب الواسع على المشهد الثقافي الحداثي في العراق والعالم العربي، حيث تعرفت إلى بدر شاكر السياب ومحمود حسن إسماعيل وأحمد رامي ومحمد مندور ونزار قباني وأدونيس ونجيب المانع، وكثر غيرهم. كما وفر لها عملها في شركة إعادة التأمين العراقية، الفرصة الملائمة للتعويض عما خسرته في فترات الضياع وانعدام الوزن. وهي إذ تعبر عن تلك المرحلة بالقول «كان الوقت يهرب مني، وقد أعطيت لغيري أضعاف أضعاف ما أعطيته لنفسي»، تعاود بكل طاقتها الانصراف إلى الكتابة، موزعة نفسها بين الشعر والقصة والترجمة والنقد التشكيلي.
إلا أن اللافت في هذا السياق، هو أن مظفر تكف في الفصول اللاحقة عن إطلاعنا على مجريات العلاقة بعد الزواج، بحيث لم نعد نعثر على التفاصيل اليومية الصغيرة لتلك العلاقة وما كان يتخللها من مكابدات ومشقات، خصوصاً وقد سبق للكاتبة أن أشارت إلى أن الناصري لم يكن من النوع الطيع الذي يسهل تدجينه. لم يعد ثمة حديث عن أنا الزوج ونرجسيته المتفاقمة، أو عما يشي بغيرته المفرطة، أو عن تضارب الأمزجة بين الطرفين. فهل كان الأمر عائداً إلى تبدل في سلوك الفنان أوجبه نزوع مستجد إلى الاستكانة والتكيف مع موجبات الواقع الجديد؟ أم بسبب المكابدات الأكثر هولاً التي عاشها العراقيون تحت القبضة الشرسة لسلطة الاستبداد، والتي نقلت الخلافات العائلية والشخصية إلى مرتبة هامشية؟ أم أن الرحيل المأساوي للزوج لم يترك للمرأة المكلومة سوى أن تسند لغتها إلى النوستالجيا المجردة، غير آبهة بهنات علاقتهما الهينات؟
وأياً يكن السبب الحقيقي لهذه الانعطافة الواضحة في مقاربة الأمور، فإن سياق السيرة يدفعني إلى الاعتقاد بأن ما أسهم في توطيد العلاقة بين الزوجين، هو إصرارهما المشترك على عدم تحويل «المؤسسة» إلى مساحة ضيقة لتوليد الرتابة والضجر، بل إلى متحد عاطفي وإنساني لمواجهة الصعوبات والمخاطر، إضافة إلى حرص كل منهما على أن يوفر للآخر الظروف الملائمة لاستكمال مشروعه الإبداعي، دون أي شعور بالحسد أو الغيرة، كما حدث للعديد من الثنائيات «المتصارعة». كما أن إصرار الطرفين على التلازم شبه الدائم في الرحلات التي قادتهما إلى مختلف الأقطار، قد وفر للعلاقة فرصة ملائمة للنمو، ومسرحاً للتجدد تُلامس حدوده مساحة الكوكب الأرضي. وهو ما يؤكده توثيق صاحبة «من تلك الأرض النائية» لمعظم هذه الرحلات، وما تخللها من وقائع وأحداث ولقاءات متنوعة مع الكثير من الكتاب والمبدعين.
ورغم تركيز الكاتبة المسهب على جماليات السفر ودوره في توسيع أفق الزوجين المعرفي، فإن ذلك لم يمنعها من التركيز على تعلقهما المفرط بتراب البلد الأم، حتى لو دفعا معاً الكلفة الباهظة لممارسات النظام الاستبدادي الدموي. وهو ما يفسر إصرار رافع، في فترة الثمانينات التي مُنع خلالها من السفر، على بناء منزل جميل في إحدى ضواحي بغداد، مسوراً إياه بالكثير من الأشجار والورود التي يحبها. على أن القرار الذي اتخذه صدام بغزو الكويت عام 1990، أطاح بفترة التنعم القصيرة التي عاشها الزوجان في كنف ذلك المنزل الرومانسي، مسبباً لهما سلسلة من المشقات التي بدأ جسم الزوج المنهك من الترحال يترنح تحت وطأتها. ومع أن الناصري الذي كان مدعواً مع مي إلى موسم أصيلة الثقافي، تلقى من صديقه الأثير محمد بن عيسى عرضاً صادقاً للإقامة في المغرب، إلا أنه أصر على العودة إلى العراق متنكباً، لدى اندلاع حرب الخليج الثانية، مشقة الانتقال من منزل إلى منزل تجنباً للقصف الشديد الذي كان ينهال على عاصمة الرشيد من كل حدب وصوب.
وحيث أعيت الحيلة الزوجين، وتحولت الحياة في العراق بفعل الحصار الخانق إلى كابوس حقيقي، لم يجد الزوجان بداً من المغادرة إلى الأردن ليقضيا في كنفه سنوات سبعاً، زاول رافع أثناءها التدريس في جامعة اليرموك، كما أسهم بحيوية فائقة في المناخ الثقافي المزدهر، الذي شكلت دارة الفنون في عمان واسطة عقده الأهم في حقبة التسعينات. وحين انتهى عقده الوظيفي مع جامعة اليرموك، انتقل الزوجان إلى البحرين، إثر عرض مماثل تلقاه الناصري للتدريس في جامعتها. وهو ما أتاح لمي أن تنجز، بفعل الشعور بالسكينة والأمان المعيشي، العديد من الأعمال الأدبية والشعرية، بينها مجموعتها الرابعة «محنة الفيروز» وعملها القصصي «بريد الشرق»، فيما أمكن لرافع أن يقرأ المتنبي قراءة معمقة، وينجز أعمالاً فنية ذات منحى صوفي، أقام لها في تلك الفترة معرضاً متميزاً بعنوان «تحية للمتنبي».
مع انتهاء عقد العمل في البحرين عام 2003، كان على الزوجين أن يقيما مرة أخرى في عمان، بعد أن تعذرت عودتهما إلى بغداد، بفعل الغزو الأميركي للعراق والفوضى العارمة التي أعقبته. أما الجانب الأكثر إيلاماً من تلك الفوضى، فقد تمثل بالنسبة للزوجين في سرقة الكثير من مقتنيات منزلهما البغدادي وتُحفه الثمينة، ومن ثم مقتل الرجل الموكل بحراسته، الأمر الذي اضطرهما إلى بيع ذلك المنزل ذي التصميم الهندسي الجميل، الذي عولا معاً على تزجية كهولتهما المرتقبة، بين زواياه. ولم يطل الأمر كثيراً حتى كان على رافع، الذي عدته إيتيل عدنان أفضل فنان عربي تجريدي، أن يخوض في عام 2009 حربه الأكثر شراسة مع السرطان. ورغم ما ألحقه به المرض من تصدعات، فقد استمر دون هوادة في إنتاج المزيد من اللوحات والأعمال الفنية، متخذاً من صرخة محمود درويش المؤثرة «هزمتك يا موت الفنون جميعها» حرزه ورقْيته المضادة لليأس. إلا أن الموت الذي ربح معركته الحاسمة مع جسد رافع عام 2013، لم يتمكن من أن يربح حربه على روحه وموهبته ونتاجه الإبداعي.
ولعل أفضل ما أختتم به هذه المقالة، هو ما حرصت مي مظفر على أن تختتم به سيرتها الشخصية مع رفيق دربها الأثير، حيث كتبت: «قبل أسبوع من رحيله، رأيت أننا معاً في جبال لبنان فطلب من سائق السيارة أن يتوقف قليلاً لأنه يريد تصوير المنطقة. حذرته من أن ساقيه لا تحتملان تسلق الجبل فلم يرد. ترجل من السيارة مع الكاميرا، وعيناه سارحتان تتفحصان الموقع، ثم طلب مني أن أنتظره ريثما ينتهي. بقيت أتابعه حتى توارى في عمق الغابة. قلقت وذهبت للبحث عنه فلم أجد له أثراً. بقيت أنادي وأنادي، فلا أسمع سوى صوتي يتبدد في الفضاء».



العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة
TT

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

قد يبدو السؤال عن سرديات الاقتصاد مفارقاً، ومثيراً، وباعثاً على الجدل حول علاقته بتسويق فرضية تقويض الأنماط المهيمنة للاقتصاد، والسياسات الساندة لها، وبطبيعة تغيراتها في التعاطي مع مفاهيم السوق والاستهلاك والإعلان، فضلاً عن علاقتها بمظاهر القوة والسيطرة المصرفية والمعلوماتية، فما حدث بعد الصدمة الأميركية عام 2001 أفقد العالم كثيراً من مألوفيته واطمئنانه، وجعله مكشوفاً على صراعات معقدة، انهارت معها الاقتصادات التقليدية، وبرزت الشركات العابرة للقارات كتمثيل استحواذي لـ«الزمن الأميركي» وتداعياتها على مستوى اختلاط التاريخ بالآيديولوجيا، والسياسة بالأمن، على نحوٍ جعلهما مهيئين للدخول إلى صياغة «تاريخ جديد»، بدا وكأنه معادل ثقافي وآيديولوجي لتمثلات الليبرالية الجديدة.

هذا التمثيل كان أكثر وضوحاً من التعبير عن نشوء تشكلات ثقافية معقدة، وتناقضات جيوسياسية صادمة، أثارت أسئلة فارقة حول توصيف الثنائيات القديمة لـ«الغرب والشرق» أو «الشمال والجنوب»، إذ كشفت هذه المفارقات عن معطيات بدا بعضها مصنوعاً، وبعضها الآخر مُصمَّماً في مختبرات سرية، تتعامل مع الأفكار مثلما تتعامل مع الفئران، لكن غاياتها تكمن بالخروج بنتائج تتوخى تحويل القوة إلى أدوات قاهرة، مقبولة وخادعة، وإلى أسواق غاوية للاستهلاك، وإلى انقلابات أو حركات أو أدلجات يمكن استعمالها في تكريس مفهوم الهيمنة في السوق والجغرافيا والآيديولوجيا، فضلاً عن توظيفها على طريقة «فوكوياما» في الترويج لإشاعة «الإنسان الأخير» بوصفه تمثيلاً آيديولوجياً لفكرة هيمنة المشروع العالمي للمركزية الأميركية.

ما حدث في العراق بعد عام 2003 ليس بعيداً عن ذلك، فسرديات الدولة الكبرى قد تقوضت، واقتصاد «القطاع العام» فقد قاعدته الإنتاجية، مثلما تعرضت سرديات آيديولوجيا المعسكر والحزب والقائد الرمز إلى انهيار كبير، لتصعد عبرها «سرديات صغيرة» وأدلجات غائمة ومضللة للجماعة والطائفة والهوية، على نحوٍ أعطاها زخماً وعنفاً ضاغطين، لم تعد فيهما توصيفات اليسار واليمين، والاشتراكية والقومية فاعلة، وما برز فيها تبدى عبر صعود سريع وحادّ لقوى لا وضوح طبقي لها، ولا تاريخ لها مع السلطة، فانشغلت بنزعات شعبوية، استغرقها كثير من مظاهر العنف والامتلاك والاستحواذ، لتصعد معها رساميل صغيرة عشوائية، تغذت عبر واقع اقتصادي وسياسي طفيلي وملتبس، لم تصنع منه «الدولة الجديدة» قوة فاعلة، لها برامجها ومشاريعها، ونظرتها لمفاهيم الحرية والديمقراطية والعدل الاجتماعي. فرغم فشل تلك الرساميل في أن تتحول إلى رساميل كبرى، أو إلى شركات عابرة للقارات، فإن هامشيتها جعلت منها قوة عنيفة، تسلل كثير منها إلى منظومات السلطة الرسمية، لتدخل في نظامها الاقتصادي والأمني، وفي أدلجتها، ولتكوّن وجودها عبر فاعليات ضاغطة، أسهمت في تغيير كثير من سياسات الدولة، ومسارات اقتصادها الرخو. وهذا ما جعلها تلعب دوراً في صناعة الاقتصادات الطارئة، وفي تعطيل عجلة برامج التنمية البشرية والثقافية والمستدامة، وفي فشل نظامها المؤسسي، فضلاً عن تعرّض جهازها الإداري إلى التضخم والترهل والتشوه البنيوي.

استبدال السرديات القديمة بإعادة صياغة مفهومية لمركزيات الأمة والقومية والتاريخية أفرز أشكالاً هجينة لتلك السرديات الصغيرة، ولمظاهر عنفها واضطرابها في تمثيل المجال التداولي للمفاهيم المجاورة التي تخص الدولة والديمقراطية والحرية والعدالة والهوية والقانون، باتجاهٍ جعل من الاجتماع السياسي مخترقاً من خلال انتهاكات عميقة، فقد معه تمثيله «الوطني» مقابل تحول بعض الجماعات إلى قوى فاعلة وضاغطة، لا تجمعها سوى مصالح الاستملاك، ونزعات الاستهلاك الكبيرة، أي أن وجودها ظل رهيناً بنزعات تشييد مظاهر إدامة هذا الاستهلاك، من خلال تشييد مؤسسات أهلية عائمة، غير خاضعة إلى رقابة الدولة، ولا علاقة لها بالحاجات التنموية، بقدر ارتباطها بهيمنة الأنماط؛ مستشفيات أهلية، جامعات أهلية، مدارس أهلية، مولات، الشركات، نوادٍ، مقاولات، غيرها. وهذا ما أسهم في تمهيد الطريق إلى تضخم قوة هذه المؤسسات، وتحويل علاماتها التجارية إلى علامات رمزية في صناعة «المجتمع الظل» الذي يتغذى من خلال جماعات الفساد الكبير، والتمثلات الإيهامية للإشباع الرمزي، حتى من خلال التلويح بفرضية العنف الاقتصادي. تلك التي تكرست عبرها نزعات الانفلات عن النظام العام، وتغولت مظاهر التفرد بالاستهلاك، مقابل تعطيل فاعلية أدوات تشكيل الدول الناجحة، عبر ربطها بالسياسات الناجحة والإدارة المهنية الناجحة، وببرامج وخطط التنمية والأمن الاقتصاديين.

تضخم مظاهر الاستهلاك كشف عن كثير من مظاهر رثاثة التأسيس، وترسيم حدود التقدم والبناء الدولتي، فرغم أنها ارتبطت بنشوءات طارئة، وبتشوهات صنعها الاقتصاد الطفيلي، فإن تغولها ارتهن إلى ثقافات هشة، على نحو أسهم بجعل المجتمع العراقي أكثر استعداداً للانقسام الطبقي الداخلي، بين قوى نفعية تتمترس بمظاهر الاقتصاد الزائف، وحيازة رساميل غامضة، وعبر تشكلات طبقية غائمة، وسياسات مكرسة لحمايتها، حتى عبر أدلجات جعلت من العنف جزءاً من أنساقها الحاكمة، فبدت وكأنها طاردة ومتعالية على جماعات تعيش التهوين الطبقي والضآلة الاجتماعية، لكنها غارقة في صراعاتها وفي أوهامها النخبوية والشعبوية، ما أسهم في تحوير موضوع الاستهلاك ليبدو مضللاً، بعشوائية حيازة الثروة ونزعات الاستملاك.

سرديات الاستهلاك

تاريخ العراق مع الاقتصاد الريعي يرتبط بتاريخ التشوهات الآيديولوجية للدولة العراقية منذ قرار تأميم «الصناعة العراقية» عام 1964. فمع صعود الدولة القومية، وأنموذج حكمها الديكتاتوري، تحول هذا الاقتصاد إلى مظاهر للهيمنة، وإلى الخضوع لسياسات الدولة المركزية، وإدارتها المركزية، ليسهم في صناعة وتكريس دولة الاقتصاد، عبر تسميات زائفة، مثل «الاقتصاد الاشتراكي» أو «القطاع العام» فتعطلت معها أي ممارسات للاقتصاد الحر، ولفاعليات الاستثمار.

التلازم ما بين الدولة القومية المركزية وبين الاستحواذ المركزي على الإنتاج أسهم في تأطير أشكال معقدة للهيمنة، وصناعة نوع من رأسمالية الدولة، المحكومة بمركزية الأنموذج الآيديولوجي المتعالي للخطاب القومي، الذي يتغذى عبر شعار «الثروة ملك الشعب والأمة»، حيث القطاع العام أو «الاشتراكي» يكون هو المجال الناظم لمصالح القوى النافذة في الحكومة والحزب والمعسكر، بما فيها قطاعات التعليم والصحة والتجارة والثقافة.

مع تقويض هذه المركزية الديكتاتورية بعد الاحتلال الأميركي تقوض كثير من تلك المفاهيم، وكذلك تعثرت معها السياسات الناظمة، و«القوانين» التي فرضتها لتيسير أعمال القطاعات الاقتصادية والتجارية والتعليمية والصحية، ما أسهم في تحويل البيئة السياسية والاقتصادية العراقية إلى مجال للتشظي، وخلخلة موازين وسياقات العمل، إذ تحولت الدولة الى «مصرف» بعد أن انهارت القطاعات التقليدية الأهلية والعامة، ليبرز «الاقتصاد الاستيرادي» السهل، بوصفه مجالاً تعويضياً، لكنه كان من أكثر مظاهر الاقتصاد تشوهاً، على مستوى رثاثته، واغترابه عن استحقاقات التنمية والبناء، وعلى مستوى إدارته من قبل جماعات هامشية، لها علاقة بالجهاز السياسي، لا بالجهاز الاقتصادي، ولا بفكرة الدولة واستحقاقاتها.

كما أن صعود نوع من «الزبائنية» المتمردة على النظام، كرّس بنية الاقتصاد العراقي الهشّ، وأفقد الموازنات العامة قيمتها الإجرائية، فأكثر من ثلثي هذه الموازنة يذهب إلى «الموازنة التشغيلية»، أي يسهم في تغطية المعاشات، وتغذية الطفيلية العائمة في القطاع العام، فضلاً عن تعطيل واضح في «الموازنة الاستثمارية» التي تكرست عبرها مظاهر غير فاعلة في التنمية، وفي توسيع الإنتاج المحلي، ولا سيما مجال الاستثمارات التكنولوجية والبشرية والمعرفية، فكانت السياسة الاقتصادية مؤسَّسة على أساس برامج محدودة التأثير، في مجال القروض المصرفية، ودعم المشاريع الصغيرة، مع غياب أي دعم واضح لمشاريع الاستثمار الثقافي، ولا سيما مجالي السينما والمسرح، وفي دعم اقتصاديات المعرفة والبحث العلمي.

لقد كرست هذه المظاهر كثيراً من سرديات النمط الاستهلاكي للاقتصاد العراقي، فتتحول المخيلة الشعبية إلى أداة لتبرير وهم التقوّض الطبقي، ولإشباع غرائز الامتلاك، ليكون دافعاً عشوائياً لتوسيع الثروة، عبر العمل الطفيلي، وعبر الفساد غير المُراقب، وعبر صناعة الجماعة السياسية وتمثلاتها فيما سمّي بـ«المكاتب الاقتصادية». بالمقابل، فإن الاقتصاد الريعي تحول إلى مجال لتغذية ذلك الفساد والضآلة الاقتصادية، ما يعني تحجيم البحث عن أي تعظيم لموارد الدولة، لتنمية سياقات عمل الإدارة الناجحة، والسعي إلى توظيف التدفقات المالية في إطار بنية الاقتصاد العام، بما يجعل الطبقة السياسية أكثر انهماماً بتطوير فاعلية الدولة وخطابها من خلال النجاعة الاقتصادية، ليكون الاقتصاد هو الوجه التمثيلي للسياسة، والتقليل من المديونية، على نحوٍ تتقوض معه مركزية الاقتصاد الريعي المشوه.

التوصيف الثقافي للاقتصاد

ليس الاقتصاد الحرّ والسوق الحرة بدعتين، بعيدتين عن التخطيط وعلم الإدارة، وثقافات النظم الاجتماعية والتعليمية، فغياب الوعي بأهمية هذا التخطيط، وبجعل الاقتصادات خاضعة إلى سياسات الدولة، وإلى حرية الاستثمار، والجدية العلمية بتوظيف الثروات، وبمصادرها، وبقواها الفاعلة، تفقد الدولة كثيراً من مشروعيتها، ومن أهليتها في إدارة الشأن العام، وفي تطبيق العدالة الاجتماعية، وفي تنمية ذلك الاستثمار وتوسيع حلقاته، ليكون جزءاً من فاعليات التنمية المستدامة، ومن هوية الدولة الحديثة، فتوصيف الدولة الناجحة يكمن في قدرتها على التنمية، وفي صيانة مشاريعها الاستراتيجية، بما فيها المشروع الاقتصادي، وتطبيق السياسات التي من شأنها أن تمنح الاقتصاد قوة خلاقة، تربط تنمية الاقتصاد بمراكز متخصصة في الأكاديمية العراقية، وبمؤسسات الرقابة الوطنية، وبالجهازين المالي والمصرفي، لأن صياغة التوصيف الثقافي للاقتصاد يسهم في توطيد أركان بناء الدولة الحديثة، ويُعطي لاقتصاديات الثقافة أدواراً مهمة في تثبيت «القيم السيادية» للاستقرار والأمن والإشباع، ولمواجهة الأزمات والتحديات التي يواجهها العالم في ظل التحولات الكبرى، حتى الجاهزية إزاء التحديات الإقليمية ذات الأبعاد الجيوسياسية المعقدة.

لا تعني اقتصاديات الثقافة الاهتمام بصناعتها فقط، بقدر ما تعني الاهتمام العميق بعلاقة هذه الصناعة، وبفاعليتها الإجرائية، وبالأطر العملياتية والاستراتيجية التي تجعل من الثقافة عنصراً بارزاً وفاعلاً في الأمن الثقافي، وفي برامج التنمية، وفي مجال دعم برامج الموازنات العامة الخاصة بالمشاريع الثقافية، بوصفها مصدراً فاعلاً لإسناد مشروع الدولة الناجحة، وتوسع مساحات إنتاج مصادر المعرفة، وبالاتجاه الذي يجعلها تكتسب قوة الفعل من خلال إدامة فاعليات الاجتماع والثقافة والاقتصاد، عبر أطر تشريعية وقانونية تكفل التوصيف الثقافي وديمومته، من خلال ضمان الحقوق، بما فيها حقوق الملكية، وإنشاء الصناديق السيادية لدعم العمل الثقافي، وإدماج الثقافة بالنظام التعليمي والتنموي، على مستوى الموازنات العامة، أو على مستوى عمل الوزارات، وباتجاهات يعضدها القانون، بعيداً عن مزاج السلطة وفهمها للثقافة ومرجعياتها الآيديولوجية والفقهية.


الحرب... اختفاء الجبهات


مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»
مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»
TT

الحرب... اختفاء الجبهات


مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»
مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»

لم تعد الحرب تُفتتح كما اعتدنا، لا لحظة إعلان، ولا انتقال واضح من السلم إلى الصراع. ما يحدث اليوم أقرب إلى انزلاق بطيء داخل حالة مستمرة، تتراكم فيها الأفعال دون أن تتكوَّن منها صورة واحدة واضحة. نحن لا نشهد بداية يمكن الإشارة إليها، ولا نعيش ذروة يمكن الاتفاق عليها، بل نتحرك داخل توتُّر ممتد، يتخذ أشكالاً متعددة دون أن يستقر على هيئة واحدة. هذا التحول لا يغير فقط طريقة اندلاع الحرب، بل يبدل أيضاً إدراكنا لها، ويجعل التمييز بينها وبين غيرها من حالات التوتر أمراً أكثر تعقيداً، وأقل قابلية للحسم أو التعريف المباشر.

في النموذج القديم، كانت الحرب تُفهم من خلال نقطة ارتكاز واضحة، جبهة يمكن تحديدها مكانياً، وخط يفصل بين من يقاتل ومن لا علاقة له بالمواجهة. هذا الشكل منح العالم قدرة على التمييز، حتى في أقسى الظروف، بين الداخل والخارج، بين منطقة القتال وبقية الحياة. كان بالإمكان أن يعيش الإنسان خارج الحرب، أو على الأقل أن يتوهَّم ذلك، لأن هناك حدوداً تفصل بين الفعل العسكري وبقية أنماط الوجود. هذه الحدود لم تكن دائماً صلبة، لكنها كانت كافية لإنتاج معنى واضح للحرب بوصفها حالة استثنائية، لها بداية ونهاية يمكن تصورهما.

في الحرب التي جسَّدها فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»، تتجلَّى هذه البنية بوضوح، خنادق متقابلة، مسافة مرئية بين الطرفين، وزمن للحرب يمكن تمييزه عن زمن الحياة اليومية. حتى العنف كان محصوراً داخل هندسة مكانية قابلة للفهم، وكان بالإمكان أن يُروى وأن يُفهم ضمن سياق محدد. الجبهة هنا ليست مجرد موقع، بل بنية تنظّم التجربة وتمنحها شكلاً يمكن إدراكه، وتضع حدوداً واضحة لما هو داخل الصراع وما هو خارجه.

لكن هذا الإطار لم يعد يعمل بالطريقة نفسها. ما كان يُفهم بوصفه جبهة تحوَّل إلى تداخل ممتد بين مستويات متعددة من الفعل. لم يعد هناك فصل واضح بين الضربة والرد، أو بين الفعل العسكري وبقية البنى الاقتصادية والسياسية المحيطة به. الأحداث لم تعد تتتابع في خط زمني يمكن تتبعه بسهولة، بل تتشابك في شبكة من التأثيرات التي يصعب فصل بعضها عن بعض. بهذا المعنى، لم تختفِ الحرب، بل فقدت شكلها القابل للرؤية، وأصبحت أقرب إلى بنية خفية تعمل من تحت السطح.

حين تتحرك الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران، لا يبقى الصراع محصوراً في نقطة واحدة يمكن متابعتها بصرياً أو جغرافياً. الأثر ينتقل عبر مستويات متعددة، تتداخل فيها البنية العسكرية مع المالية والتقنية والإعلامية، بحيث يفقد الحدث وحدته الأولى. ما يبدو فعلاً محدوداً في مكان معيَّن، يمتد تأثيره عبر مساحات واسعة من النظام العالمي، ويعيد تشكيل توازنات لا ترتبط مباشرة بموقع الفعل نفسه، بل بتداعياته غير المباشرة. بهذا المعنى، لا تختفي الجبهة لأنها أزيلت، بل لأنها تفككت إلى عناصر صغيرة تعمل في مسارات متفرقة. لم يعد هناك خط واحد يمكن رسمه، بل مجموعة علاقات متغيرة لا تستقر على شكل ثابت. الجبهة لم تعد مكاناً، بل أصبحت نمطاً من التداخل، يتغيَّر بحسب السياق ويتشكَّل وفقاً لتفاعل قوى متعددة، لا يمكن اختزالها في صورة واحدة.

هذا التحوُّل يعيد تشكيل علاقة الإنسان بالحرب. لم يعد بالإمكان الوقوف خارجها بوصفها حدثاً منفصلاً. حتى من لا يعيش في منطقة المواجهة المباشرة، يتأثَّر عبر تدفقات الاقتصاد، وأسعار الطاقة، وحركة الأخبار، وتبدُّل التوقعات السياسية. التجربة لم تعد مكانية فقط، بل أصبحت ممتدة داخل الحياة اليومية نفسها. الحرب لم تعد تقع في مكان بعيد، بل أصبحت جزءاً من الإيقاع العام للحياة، ومن تفاصيلها الصغيرة أيضاً.

في هذا السياق، لا يعود الأمان حالة مستقرة، بل يصبح نتيجة مؤقتة لتوازن قابل للاهتزاز في أي لحظة. الاستقرار لم يعد وضعاً قائماً بذاته، بل وضعاً مستمراً في التكوين. ما يبدو هدوءاً ليس نهاية للتوتر، بل شكلاً من أشكاله المؤجَّلة، التي يمكن أن تنقلب في أي وقت إلى تصعيد، أو إلى تحوُّلات غير متوقعة.

كما أن فكرة القرار الحاسم تتراجع. لم تعد الحرب تُدار من نقطة واحدة أو لحظة واحدة، بل عبر سلسلة أفعال جزئية، لا يبدو أي منها كافياً لتعريف الحالة ككل. هذا ما يجعل تتبع بدايتها أو نهايتها أمراً غير ممكن بالمعنى التقليدي، لأن الحرب لم تعد حدثاً يبدأ وينتهي، بل عملية تتغير باستمرار، وتعيد إنتاج نفسها.

في مواجهة هذا الواقع، تصبح الحرب الحديثة أقرب إلى نمط إدارة مستمر للتوتر، لا إلى مواجهة تنتهي بانتصار أو هزيمة واضحين. هي حالة تتغير صفتها أكثر مما تنقطع، وتعيد تشكيل نفسها وفقاً للظروف التي تمر بها، وتفرض إيقاعها الخاص على الجميع.

ومن هذا المنظور، فإن وعي هذا التحول ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة وطنية، خصوصاً لدول مثل المملكة العربية السعودية التي أدركت مبكراً طبيعة هذا التغير. فتعزيز الاستقلال الاستراتيجي، وتنويع مصادر القوة، وبناء منظومات اقتصادية وتقنية متماسكة، ليس إلا استجابة واعية لحرب لم تعد تُخاض على جبهة واحدة، بل في كل اتجاه.

في النهاية، لم يعد السؤال عن موقع الجبهة ذا معنى، لأن الجبهة لم تعد بنية مكانية أصلاً. السؤال الأعمق يتعلق بطريقة تشكُّل الصراع نفسه، حين يفقد شكله المتماسك ويتحوَّل إلى شبكة من التأثيرات المتبادلة. وعند هذه النقطة، لا يعود الإنسان خارج الحرب كما كان يُفترض سابقاً، بل داخل امتدادها، حتى في اللحظات التي يظن فيها أنه بعيد عنها، أو قادر على تجاهلها.

* كاتب سعودي


رحيل فيليب سادجروف... الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز

 فيليب سادجروف
فيليب سادجروف
TT

رحيل فيليب سادجروف... الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز

 فيليب سادجروف
فيليب سادجروف

غيّب الموت الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز، الدكتور فيليب سادجروف، عن 82 عاماً بعد صراع طويل مع المرض.

بعد إكماله دراسته الجامعية كدارس للغة العربية، عمل سادجروف في السلك الدبلوماسي وخدم في السعودية ومصر ولبنان قبل أن يترك الدبلوماسية ويتفرغ للدراسة الأكاديمية، متخصصاً في التاريخ والثقافة العربية. أحب سادجروف العرب وثقافتهم وجال على وطنهم من مشرقه إلى مغربه.

شغل الراحل منصب رئيس قسم الدراسات الشرقية في جامعة مانشستر وكان المحاضر الأول فيها.

كما درّس اللغة العربية في جامعتي دورهام وأدنبرة، والترجمة في جامعة هيريوت- وات بأدنبرة، وخلال مسيرة الدكتور سادجروف الأكاديمية الزاخرة تتلمذ على يديه المئات من الطلبة العرب والأجانب.

المسرح العربي كان الشغل الشاغل للدكتور سادجروف، ويُعرف بتوثيقه الدقيق لتاريخ المسرح العربي، خاصة كتابه الشهير «المسرح المصري في القرن التاسع عشر (1799-1882)» الذي يؤرخ لبدايات المسرح منذ الحملة الفرنسية ودور الفرق الشامية والأجنبية. يعتبر كتاب «المسرح المصري في القرن التاسع عشر» التوثيقي مرجعاً أساسياً لدراسات المسرح العربي.

استخدم الدكتور سادجروف في الكتاب مصادر لم يتم استغلالها من قبل ليقدم تاريخاً شاملاً للمسرح في مصر، منذ وقت الحملة الفرنسية عليها عام 1798، وحتى الاحتلال البريطاني عام 1882، متفحصاً الأشكال التقليدية من الدراما العربية المحلية، ومراحل نمو وتطور المسرح الأوروبي في مصر، في باكورة العقد الثامن من القرن التاسع عشر. يتناول الكتاب أيضاً مشروع إنشاء مسرح قومي في مصر، ويروي قصة الفرق المسرحية المهاجرة التي لعبت دوراً حاسماً في تدشين تقاليد مسرحية جديدة، ويورد التجارب الأولى في الدراما العربية، ومنها مسرح يعقوب صنوع، وكذلك المسرح العربي السوري في مصر ويركز على نشاط الجاليات الأجنبية والفرق السورية وتأثيرها على الحركة المسرحية المصرية.

كما ينسب إلى الراحل الفضل في اكتشافات بحثية تتعلق بنصوص مسرحية عربية مبكرة، بما في ذلك أبحاثه حول أول نص مسرحي عربي جزائري كتبه إبراهيم دانينوس بعنوان «نزاهة المشتاق وغصَّة المشتاق في مدينة طرياق في العراق» باليد، وبخطٍّ مغربي - جزائري، طبع على الآلة الحجرية عام 1847 وذلك في 62 صفحة من القياس الصغير.

إلى جانب المسرح، اهتم الدكتور سادجروف بجوانب أخرى من الثقافة العربية، لا سيما الصحافة المكتوبة في مصر وغيرها من الدول العربية، وكانت له مساهمات في إثراء المعرفة في هذا المجال عبر أبحاث ومحاضرات ومقالات أصبحت مرجعاً مهماً للمتخصصين فيه.