أبو الغيط لـ«الشرق الأوسط»: المشكلات العربية أوراق ضغط تستخدمها إيران لمواجهة الغرب

وصف الهجمات الحوثية بالأمر «المفزع والمُدان»... وأكد أن {عودة سوريا للجامعة لم تُحسم»

الأمين العام للجامعة العربية لدى حديثه إلى «الشرق الأوسط» في نيويورك (الشرق الأوسط)
الأمين العام للجامعة العربية لدى حديثه إلى «الشرق الأوسط» في نيويورك (الشرق الأوسط)
TT

أبو الغيط لـ«الشرق الأوسط»: المشكلات العربية أوراق ضغط تستخدمها إيران لمواجهة الغرب

الأمين العام للجامعة العربية لدى حديثه إلى «الشرق الأوسط» في نيويورك (الشرق الأوسط)
الأمين العام للجامعة العربية لدى حديثه إلى «الشرق الأوسط» في نيويورك (الشرق الأوسط)

أكد الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط أن الحرب بين روسيا وأوكرانيا «تؤثر سلباً» على عديد من الدول العربية التي يعتمد أمنها الغذائي إلى حد بعيد على المصدرين الروسي والأوكراني. ورأى أن «التفاهم» المحتمل بين واشنطن وطهران على العودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة «لا يُنهي» التهديد النووي الإيراني، مطالباً إيران بوقف «المغامرات» على الأرض العربية، والكف عن استخدام المشكلات العربية كـ«أوراق ضغط» على العالم الغربي وإسرائيل.
وفي حديث مع «الشرق الأوسط» خلال وجوده في نيويورك، شدد أبو الغيط على أن استهداف السعودية من قبل ميليشيات الحوثي المدعومة من إيران «أمر مفزع ومُدان»، معتبراً أن النظام الإيراني يريد منه أن يظهر أهمية رفع العقوبات عن النفط الإيراني.
وإذ أشار إلى انفتاح بعض الدول العربية على إعادة العلاقات مع الحكومة السورية، أكد أن مسألة دعوة الرئيس بشار الأسد لحضور القمة العربية في مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل في الجزائر، لم تُحسم بعد، مضيفاً أن «لا قرار حالياً» حول عودة سوريا إلى الجامعة، والتي «قد تتطلب سنوات».
وحض الأمين العام للجامعة العربية لبنان على «إنقاذ نفسه» عبر إجراء الانتخابات التشريعية، وإطلاق حكومة جديدة، ثم إجراء انتخابات رئاسية، بالتزامن مع التفاوض مع صندوق النقد الدولي، وصولاً إلى «الإفراج عن الأموال المجمدة للمواطنين اللبنانيين».
وفيما يلي نص الحوار:

> لنبدأ من المشكلة الأكبر في العالم حالياً: أوكرانيا تشغل العالم أكثر من أي شيء آخر في هذه الأيام. أين هَمّ العالم العربي فيما يتعلق بهذه الأزمة الدولية الكبرى؟
- هي أولاً أزمة دولية كبرى تهدد الإنسانية؛ لأنها تهدد الأمن والسلم الدوليين. في أي لحظة يحصل خطأ يمكن أن تندلع حرب أوسع من الحرب الروسية- الأوكرانية. على سبيل المثال، وقعت الحرب العالمية الأولى بطريق الخطأ. حسابات كل الأطراف وقتها لم تكن تستهدف الحرب. هذه المرة الأمر كذلك. القلق هو قلق على أمن العالم.
هناك كثير من القضايا الضاغطة على العالم العربي وعلى الدول العربية. وعندما يؤخذ الاهتمام من هذه القضايا إلى قضية أخرى، فهذا يؤثر بالسلب على العالم العربي؛ لأن لدينا اهتماماً بتسوية في سوريا، وتسوية في اليمن، وتسوية في ليبيا، وتحسين للوضع في لبنان.
التأثر الثالث هو الأمن الغذائي، إذ إن هناك كثيراً من الدول العربية التي تستورد حاجاتها من أوكرانيا أو من روسيا. هذان المصدران يمدان العرب بالأقماح والغلال. وهم سيواجهون مشكلات في الإمداد. وهذا قد يؤثر بالسلب على أوضاع الاستقرار في العالم العربي، وعلى الأوضاع الغذائية في العالم العربي.
وكذلك فإن كثيراً من الدول العربية -مثلما أرصد- تتلقى سياحة أجنبية من أوكرانيا أو من روسيا. هذه السياحة ستتأثر نتيجة للضغط المالي على روسيا. وفي أوكرانيا، الوضع الإنساني مأسوي ولن يخرج أحد للسياحة.
وهناك نقطة إضافية تضع العالم العربي والدول العربية أمام كثير من الضغوط؛ لأن روسيا تطالب العرب بأن يبقوا على علاقة طيبة معها. والعالم الغربي يطالب العرب بأن يضغطوا على روسيا.
> هذا ما كنت أود أن أسأله: هل تتعرضون لضغوط من الجانبين؟
- في الجامعة العربية، أنا لا أرصد هذا؛ لكني أتصور أن كثيراً من الدول العربية، عندما يحصل تصويت في مجلس الأمن والجمعية العامة، فستتلقى هذه الدول كثيراً مما لا أسميها ضغوطاً؛ بل «طلبات» بأن عليكم أن تنصرونا، وهذه دولة صغيرة (أوكرانيا) تم الاعتداء عليها، وهكذا.
بصفة عامة، هذا وضع يجب أن ينتهي بسرعة، والعالم العربي لديه رغبة في أن ينتهي بسرعة بالتأكيد.

النفط والغاز العربيان

> تحدثت عن حاجات العالم العربي. ولكن لنكن صريحين: لدى الدول العربية إمكانات هائلة والعالم تبين أنه بحاجة إليها، من نفط وغاز... إلخ.
- ليس كل الدول العربية لديها هذا النفط. النفط موجود فقط في منطقة الخليج. هناك دول عربية مضغوطة، ودول عربية تحتاج إلى التفهم الدولي لمشكلتها. ومع ذلك، أتفق معك، أثبتت الأيام والتجربة في الأسابيع الأخيرة أنه فعلاً هناك حاجة إلى النفط العربي والغاز العربي. ولذلك الموقف العربي حاسم طبعاً.
> ذكرت مشكلات عديدة في المنطقة، ولعل أبرزها -إذا ابتعدنا قليلاً عن أوكرانيا رغم أن الأمور صارت كلها مترابطة- موضوع إيران الذي يشكل هاجساً كبيراً للعالم العربي، وأنت أشرت إليه خلال اجتماع مجلس الأمن، حول العلاقة بين الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية. يبدو أن الأمور تتجه إلى نوع من العودة إلى الاتفاق النووي. ما هي الهواجس العربية فيما يتعلق بهذه العودة؟
- الهواجس العربية كثيرة. أحدها أن هذا التفاهم لا ينهي التهديد النووي الإيراني، إنما يجمده لعدة سنوات فقط. العالم العربي يحتاج إلى ضمانات مؤكدة من طرفين: من إيران ومن إسرائيل، أن التهديد بالسلاح النووي والتسلح النووي يجب أن يتم التخلي عنه. وبالتالي فإن العالم العربي على مدى 40 عاماً يطالب بإخلاء الشرق الأوسط وإعلانه منطقة خالية من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل، وهي الأسلحة الكيماوية والأسلحة البيولوجية. هذه نقطة أساسية.
النقطة الأخرى هي الأداء الإيراني في الإقليم العربي: إيران تتدخل في مشكلات عربية وفي أرض عربية، وهذا ينبغي أن يتوقف. إيران موجودة بقوة في اليمن من خلال الحوثي. إيران موجودة في سوريا بصورة ميليشيات مسلحة على الأرض السورية. هناك تأثير إيراني واضح جداً في لبنان. وهناك ميليشيات في العراق يتردد أن لديها تواصلاً مع «الحرس الثوري» الإيراني. هذا كله يجب أن يتوقف. وآمل إذا ما تم التوافق على الاتفاق النووي الإيراني، أو تم إطلاقه مرة أخرى، أن يكون هذا دافعاً لإيران لكي تتوقف عن التدخل في الإقليم؛ لأنه منذ كنت وزيراً للخارجية المصرية، من 2004 و2005 و2006، كنت أرصد أن إيران تستخدم كثيراً من المشكلات العربية كأوراق ضغط على العالم الغربي وعلى إسرائيل. وبالتالي عليها أن تتوقف.
البعد الثالث للاهتمام بهذا الأمر هو مسألة الصواريخ الباليستية والطائرات المُسيَّرة. وعلى سبيل المثال، لما انتهت سياسة «الأبارتايد» (الفصل العنصري) في جنوب أفريقيا، وحصل الأفارقة على حقهم في حكم جنوب أفريقيا عام 1994، أعلنت جنوب أفريقيا أنها تخلت عن السلاح النووي؛ لأنها كانت لديها ترسانة نووية، وكانت أجرت تجارب نووية بالمشاركة مع إسرائيل، وأعدمت كل الدراسات وكل الأوراق التي تؤشر إلى أنه كانت هناك أبحاث وكان هناك جهد يبذل وهناك قدرة نووية جنوب أفريقية. تخلوا عنها بالكامل.
وبالتالي أتصور أن إيران عليها أن تتخلى عن هذا الملف النووي. إذا وجهنا هذا السؤال لإيران، فسيردون: «ومن قال إن لدينا برنامجاً نووياً عسكرياً، ليس لدينا برنامج نووي عسكري». هناك تأكيدات وكثير من الدراسات التي تقول إن هناك ملفاً نووياً عسكرياً إيرانياً، ويزعجني على سبيل المثال أن الإسرائيليين استحوذوا على أطنان من المعلومات ومن المستندات من داخل الأرض الإيرانية تؤشر إلى هذا الكلام.

مليارات الاتفاق النووي

> يبدو هذا التدخل الإيراني في الشؤون العربية والصواريخ الباليستية وغيرها، كأنه موضوع جانباً في الوقت الذي تحصل فيه المفاوضات للعودة إلى الاتفاق النووي.
- المزعج والمؤسف أن المفاوضات تجري بين إيران وأربع من الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن بالإضافة إلى ألمانيا؛ لكن الدولة الخامسة، وهي الولايات المتحدة، لا تشارك، علماً بأنها على اطلاع بالكامل، وهي العنصر الحاسم والفاصل في هذا الموضوع. هذه الأطراف لا تتحدث عن المُسيَّرات أو الصواريخ الباليستية أو الأداء الإيراني. يركزون فقط على هذا الملف، بما يعني أنه لا يعنيهم كثيراً. وعندما تثير الأمر معهم، يكون الجواب: «سوف نتحدث مع الإيرانيين عندما نتوصل إلى هذا الاتفاق». هذا الاتفاق سيتيح مليارات من الدولارات المجمدة تحت اليد الإيرانية، وبالتالي سوف يطلق قدرات لدى إيران. لو كانت الأموال تستخدم في التنمية وبناء القدرات الاقتصادية ورفع مستوى المعيشة، وكل ما يفيد الشعب الإيراني، فالإنسان يرحب جداً بهذا التوجه. ولكن المسألة هي المغامرات على الأرض العربية. وهذا شيء مؤسف للغاية، ويجب أن تتوقف إيران. وتحدثت أمام مجلس الأمن في هذا الموضوع تحديداً.
> في إطار هذا النفوذ الإيراني، أو هذه الهيمنة الإيرانية في عديد من الدول، أشرت إلى واحدة، وهي طبعاً سوريا التي يبدو أن ثمة توجهاً عربياً لإعادة التطبيع معها، أو إعادة العلاقات معها. شهدنا الرئيس بشار الأسد يذهب إلى أبوظبي، وهناك اتصالات على أكثر من مستوى. ما الهدف النهائي لهذه المشاورات؟ علماً بأنكم تتعرضون علناً لضغوط من الجانب الأميركي لكي لا تكملوا هذا الطريق.
- نهاية المطاف طبعاً ستكون في عودة سوريا إلى شغل مقعدها. هذا أمر طبيعي؛ لأن سوريا دولة عربية جُمدت عضويتها لوضع ما. هذا الوضع صحيح أنه لم يدخل عليه تغيير رئيسي؛ لكن مضى 11 عاماً منذ وقت التجميد. ستكون هناك عودة. متى؟ لا أعرف. ربما في القمة القادمة، وربما بعد سنوات قادمة. لا أعرف. ما أرصده كأمين عام لجامعة الدول العربية هو أن بعض الأطراف العربية من أعضاء الجامعة تبدي اهتماماً بالعودة السورية. منها دول تعلن هذا على الملأ، مثل: الجزائر، ولبنان، والعراق. وهناك دول أخرى تتحدث مع الإخوة في دمشق، وتقيم علاقة طيبة معقولة. ولكن لم أرصد أن هناك توجهاً حالياً لعودة سوريا سريعاً أو حالياً. اليوم 25 مارس (آذار). القمة القادمة في الجزائر، في الأول والثاني من نوفمبر من العام الحالي، أي أن أمامنا حوالي 8 أشهر.

سوريا و«دهاليز» الجامعة

> هل ستوجه دعوة للرئيس الأسد من أجل حضور القمة؟
- لا نستطيع أن نوجه الدعوة إلا بتوافق عربي- عربي. والدعوة تقدمها الدولة المضيفة التي يجب أن تتشاور وتتفاهم. لم أرصد أن هناك تشاوراً.
> ولكن أنت كأمين عام للجامعة هل ستوجه تلك الدعوة؟
- كأمين عام للجامعة العربية، يجب أن يصدر قرار من مجلس الوزراء العرب قبل توجيه الدعوة. وبالتالي حتى هذا الأمر غير مثار في دهاليز الجامعة. يتحدثون في خلفية الصورة. ولكن لم أرصد جهداً فعالاً لتحقيق هذا الهدف.
> في هذا السياق، يبدو أن هناك محاولة لإبعاد سوريا قدر الإمكان عن النطاق الإيراني أو النفوذ الإيراني.
- هو أمر منطقي للغاية وطبيعي. هناك إعادة تفكير في أنه إذا فُتح الباب، لعل هذا يبعد سوريا عن إيران. وهناك رأي آخر يقول إن هذه علاقة استراتيجية قائمة منذ الرئيس الأسد الأب ولن تتغير. الأيام هي الكفيلة بكشف هذه الحقيقة.

> إذا ذهبنا إلى اليمن، ما هي برأيك صيغة الحل في ظل وجود مبادرة من المملكة العربية السعودية؟
- والحوثيون رفضوها.
> ما أردت أن أقوله هو أن الحوثيين يبدو أنهم يستمعون أكثر إلى الإيرانيين.
- لأن التأثير عليهم من الداعم الرئيسي لهم: إيران. وبالتالي ليست من المصلحة الإيرانية تسوية أي من هذه المشكلات في الوضع الحالي، وهي لم تتوصل بعد إلى اتفاق مع «5+1». والحقيقة هي أن هذا يؤكد أن هذه المشكلات العربية هي أوراق ضغط تستخدمها إيران في مواجهتها مع العالم الغربي.
> هذا الموضوع ألا يثير المخاوف بالنسبة لك كأمين عام لجامعة الدول العربية؟
- منذ سنوات وسنوات أرصد هذا، وأنبه الجميع، وأتحدث في الأمر. ولكن الأمين العام لجامعة الدول العربية ليست لديه هذه القدرات الخارقة. هو يتحدث. ما عليه إلا أن ينبه.
> لكن الأمر يزداد خطورة؛ باستهداف السعودية والإمارات والملاحة.
- هذا أمر مفزع ومدان تماماً منذ عام 2019. عندما ترى الاقتراح يأتي من مجلس التعاون بدعوة كل هذه الأطراف، فيكون الرد بالصواريخ والمُسيَّرات على مناطق إنتاج النفط السعودي! هو يلعب لعبة أخرى، إيران تريد أن تُظهر أن النفط الإيراني يجب أن يُفرج عنه. وبالتالي هذه وسيلة ملتوية للضغط.
> هل تعني أن هدف إيران هو إفهام العالم أن هناك حاجة ملحة للنفط والغاز؟
- نعم، وبالتالي إلى الاتفاق.
> إذا كان لك أن توجه كلمة للمسؤولين الإيرانيين، فماذا ستقول؟
- عليكم أن تتفاعلوا مع العالم العربي بشكل إيجابي؛ لأن هناك علاقة تاريخية تمتد لآلاف السنوات، وليست فقط منذ بداية العصر الإسلامي في المنطقة؛ بل سبقت ظهور الإسلام. وبالتالي أظهِروا النيات الطيبة تجاه العالم العربي وتجاه العرب لكي يتجاوبوا معكم؛ لأن هذه المنطقة تحتاج إلى تنمية واقتصاد ورفع مستوى المعيشة والتطوير والتحديث، وليس للتفجيرات والمواجهات العسكرية المسلحة.

العراق ولبنان

> أنتقل إلى العراق؛ حيث أُجريت الانتخابات أخيراً، وقال الشعب كلمته، أنه يريد العودة فعلاً إلى الحضن العربي، وهناك جهود مساعدة من الدول المحيطة عربياً.
- أعتقد أن هذا الأسبوع يحتمل أن ينعقد البرلمان للتوصل إلى توافق على رئيس. أتمنى أن يحدث هذا.
> ما رأيك في هذا الزخم الموجود في العراق للعودة إلى الحاضنة العربية؟
- العراق موجود. وهو يتحمل مسؤولياته بالكامل تجاه الجامعة العربية، ويتفاعل بالكامل ومنذ سنوات، ولا تقيده أي أوضاع سياسية داخلية. هناك رئيس جمهورية ورئيس حكومة ورئيس برلمان، ولي لقاءات كثيرة معهم، وهم يقومون بزيارة القاهرة، وهناك تعاون كامل ودعم من قبل العراق للجامعة العربية، والعكس صحيح أيضاً. عندما يتعرض العراق لأي تفجيرات أو استفزازات، فإن الجامعة تقف معه بالكامل.
> يبدو أنك تلعبون دوراً كجامعة في لبنان. ذهب أخيراً السفير حسام زكي.
- وأنا ذهبت إلى لبنان في مارس وفبراير (شباط) مرتين. هناك تواصل مع الجانب اللبناني، وأيضاً هناك تواصل مع الأطراف العربية ذات الاهتمام بالشأن اللبناني، لتشجيعها على تحسين العلاقة مع لبنان، وبما يؤدي إلى دعم الاقتصاد اللبناني، وبما يخرج لبنان من أزمته.

«متفائل... بشروط» حول لبنان

> ما المطلوب من لبنان لمساعدة نفسه في هذا الموضوع؟
- حُسن النيات. الرئيس (ميشال) عون يتحدث و(رئيس مجلس الوزراء) نجيب ميقاتي يتحدث. وهناك تواصل مع دول مجلس التعاون، وعودة للسفير السعودي، ومبادرة وزير الخارجية الكويتي. وهذا كله يؤشر إلى أنه ربما تتحسن الظروف قريباً.
> أنت متفائل فيما يتعلق بلبنان؟
- عندما تسأل هذا السؤال يجب أن أرد عليه: «نعم، ولكن». نعم بشروط. شروط هي أن ينقذ لبنان نفسه أيضاً من أوضاعه الداخلية الضاغطة. لبنان يحتاج إلى انتخابات، يحتاج إلى إطلاق حكومة جديدة، إلى انتخابات رئاسية، إلى تفاوض مع صندوق النقد الدولي، إلى اتفاق جديد يحقق قدراً من التهدئة لليرة اللبنانية، إلى دعم خارجي للبنوك اللبنانية لكي تسير في المسار المطلوب؛ إلى الإفراج عن الأموال المجمدة لدى لبنان من قبل المواطنين اللبنانيين. وهذا كله يعيد لبنان مرة أخرى إلى الحاضنة العربية. ولبنان يبدي دائماً استعداده لهذا كلما التقيت سواء مع الرئيس عون أو مع الرئيس ميقاتي، أو مع رئيس البرلمان نبيه بري.
> لماذا تتجنب ذكر «حزب الله» الذي هو لب المشكلة اللبنانية؟
- لا أتدخل في الشأن اللبناني بجانب طرف على طرف. هناك قرارات في مجلس الجامعة صادرة بتوصيف «حزب الله» توصيفات لا يرضى هو عنها. ولكن هو موجود في الحكومة اللبنانية، وبالتالي لا ينبغي لي -كأمين عام للجامعة- أن أتخذ موقفاً من أحد الأطراف الموجودة في الحكم. لا ينبغي هذا تسهيلاً للتوصل إلى هذه التسويات المطلوبة.

«القضية الفلسطينية لا تُنسى»

> وزير الخارجية الأميركي موجود في المنطقة، في إسرائيل ورام الله والمغرب والجزائر، في جهد لتعزيز اتفاقات السلام مع إسرائيل. ويبدو أن ذلك يحصل بموازاة جهود أخرى تتعلق بأوكرانيا وغيرها من الملفات.
- المفتاح في الشرق الأوسط فيما يتعلق بالتهدئة والاستقرار والتحرك نحو تسوية فلسطينية هو فلسطين، وبالتالي الالتفاف حول التسوية الفلسطينية بتسويات عربية إسرائيلية، هذا أمر مفهوم، بمعنى أن الدول العربية ترى مصالحها في هذا الاتجاه. ولكن هذا لا يعني أن القضية الفلسطينية نُسيت. ولا ينبغي أن تُنسى. القضية الفلسطينية هي أساس كل الإشكاليات في الشرق الأوسط، ويجب السعي إلى هذا. أنا أرصد اهتماماً أميركياً بالتحدث مع الفلسطينيين. إدارة الرئيس ترمب لم تكن تفعل هذا. ولكن المشكلة هي أنكم تتحدثون مع الفلسطينيين من دون إجراءات عملية، ومن دون تحرك حقيقي؛ لماذا؟ لأن الحكومة الإسرائيلية متزمتة للغاية ومتشددة للغاية، ورئيس الحكومة الإسرائيلية صباح مساء يردد أنه ليس على استعداد لبدء التحرك أو الحديث عن السلام أو حتى التفاوض مع الفلسطينيين.
يقول: «سوف أساعدكم على رفع مستوى الاقتصاد والمعيشة»، تماماً مثلما رصدته نحو 30 عاماً مع شمعون بيريز في مؤتمرات الشرق الأوسط. هذه الإدارة يجب أن تتحرك في اتجاه تسوية حقيقية وإطلاق مفاوضات مع الفلسطينيين، وأن يكون مفهوم الدولتين هو الأساس؛ لأنه قريباً جداً بالمعيار التاريخي، أي في سنوات قليلة، سيكون عدد سكان فلسطين أكبر من الشعب الإسرائيلي في المنطقة ما بين النهر والبحر، وبالتالي ستكون دولة «أبارتايد»، أي أن هناك احتلالاً، وعنصراً مهيمناً على عنصر آخر.
هذا «الأبارتايد» لا يمكن قبوله إنسانياً أو قانونياً أو دولياً، وبالتالي ماذا سيفعل العالم عندئذ؟ عندما يبلغ عدد السكان العرب في المنطقة من النهر إلى البحر 8 ملايين، أو 10 ملايين، أو 12 مليوناً في عام 2050، وعدد سكان إسرائيل اليهود 8 ملايين أو 7 ملايين أو 6 ملايين، أي أن العرب أكثر من اليهود بنسبة 40 في المائة، ماذا ستفعلون؟

التفاهم في السودان

> سؤالي الأخير عن السودان ووضعه الحالي. كيف ترون المخرج؟
- التوافق الداخلي. الحديث. التفهم لرغبات القوى المعارضة، وأيضاً التفهم والحاجة إلى الاستقرار، والحاجة للجيش السوداني لكي يؤمن لهذا البلد المتسع الأرجاء أمنه واستقراره. التفاهم والتوافق والحديث والتفاوض. وأرصد بشكل متفائل أن هناك توجهاً نحو ذلك.


مقالات ذات صلة

«الجامعة العربية» تدعم مفاوضات لبنان وإسرائيل للوصول إلى حل دائم

شمال افريقيا مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الجامعة)

«الجامعة العربية» تدعم مفاوضات لبنان وإسرائيل للوصول إلى حل دائم

أكدت جامعة الدول العربية دعمها مفاوضات لبنان وإسرائيل بهدف الوصول إلى «حل دائم للأزمة التي يواجهها لبنان مع إسرائيل».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الخليج قوات الاحتلال الإسرائيلي واصلت إغلاق المسجد الأقصى أمام المصلين المسلمين لليوم الأربعين على التوالي (أ.ف.ب)

تحذير إسلامي - عربي - أفريقي من تصاعد اعتداءات إسرائيل في القدس

حذَّرت منظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي، في بيان مشترك، الأربعاء، من خطورة تصاعد وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية في القدس المحتلة.

«الشرق الأوسط» (جدة)
شمال افريقيا مقر وزارة الخارجية المصرية في القاهرة (رويترز)

«استفزاز مرفوض»... مصر تدين اقتحام بن غفير المسجد الأقصى

أكدت مصر في بيان لوزارة الخارجية، الثلاثاء، رفضها الكامل لمثل هذه الممارسات التي تمس بحرمة المقدسات الإسلامية في القدس.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
حصاد الأسبوع امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء

نبيل فهمي... دبلوماسي مخضرم على أعتاب رئاسة «بيت العرب»

في وضع سياسي مضطرب ووسط أزمات تعصف بالعالم العربي، يقترب الدبلوماسي المصري المخضرم السفير نبيل فهمي من رئاسة «بيت العرب»، بعدما اعتمد وزراء الخارجية العرب في

فتحية الدخاخني (القاهرة)
حصاد الأسبوع عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)

8 أمناء تعاقبوا على قيادة جامعة الدول العربية منذ تأسيسها

تعاقب ثمانية أمناء على قيادة جامعة الدول العربية منذ تأسيسها عام 1945، جميعهم مصريون باستثناء تونسي واحد ترأس البيت العربي خلال فترة تعليق عضوية مصر بالجامعة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
TT

«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)

يجري حراك إقليمي، على قدم وساق، لتمديد الهدنة بين واشنطن وطهران، مع مشاورات مصرية تركية حضت على الإسراع باستئناف المفاوضات التي تعثرت قبل أيام بين البلدين المتنازعين، وجولة بدأها رئيس الوزراء الباكستاني من السعودية، مروراً بقطر، وتختتم بتركيا.

وأفادت «الخارجية» المصرية في بيانين، الخميس، بأن الوزير بدر عبد العاطي تلقّى اتصالين هاتفيين من نظيريْه؛ الباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان؛ لبحث مستجدات الوضع الإقليمي.

ووفق الإفادة، تبادل الوزيران المصري والباكستاني «الرؤى بشأن مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك في إطار التنسيق الوثيق والتشاور المستمر بين البلدين والجهود المشتركة المبذولة لتحقيق التهدئة»، مؤكدَين «ضرورة الدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات، بما يسهم في خفض التصعيد وإنهاء الحرب، خاصة في ظل خطورة الوضع القائم وتداعياته على السلم والأمن الإقليميين».

كما تبادل الوزير المصري مع نظيره التركي «وجهات النظر والتقديرات حول مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية تضافر الجهود الإقليمية للدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك لخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

«مظلة تهدئة»

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن هذا التحرك الإقليمي «ليس مجرد تنسيق دبلوماسي عابر، بل يعكس محاولة واعية لبناء مظلة تهدئة متعددة الأطراف حول مسار أميركي إيراني هش بطبيعته».

وأضاف، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»، أن ذلك الحراك يأتي من جانب «دول وازنة بالمنطقة تستطيع التأثير نحو تمديد الهدنة، التي بدأت في 8 أبريل (نيسان) الحالي، أو وقف الحرب التي أثّرت اقتصادياً على العالم منذ انطلاقها في نهاية فبراير (شباط) الماضي».

واستطرد: «غير أن السؤال الجوهري ليس فقط في قدرة هذا الحراك على إطلاق التهدئة، بل في مدى قدرته على تثبيتها ومنع انزلاقها إلى تكتيك مرحليّ قد تستغله واشنطن وتُحرّض عليه إسرائيل، يخدم إعادة التموضع العسكري».

ووفق حجازي، فإن مصر «لا تعمل كوسيط تقليدي، بل كضامن إقليمي للاستقرار، مستندة إلى ثقلها في ملفات غزة، والملاحة في البحر الأحمر، والعلاقة الممتدة مع دوائر القرار الأميركي».

يتزامن هذا مع زيارةٍ يُجريها عبد العاطي لواشنطن، سعياً لدعم مسار التهدئة بالمنطقة.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قبل اجتماع سابق بشأن إيران (أ.ف.ب)

لقاء رباعي مرتقب

ويدرس مسؤولون أميركيون وإيرانيون العودة إلى باكستان، لإجراء مزيد من المحادثات، في مطلع الأسبوع المقبل، بعد أن انتهت المفاوضات، الأحد الماضي، دون تقدم يُذكر.

ويشمل الحراك الإقليمي لقاء مرتقباً، إذ قال مصدر دبلوماسي تركي إن وزراء خارجية تركيا وباكستان والسعودية ومصر سيجتمعون على هامش منتدى دبلوماسي في مدينة أنطاليا بجنوب تركيا، مطلع الأسبوع. ومن المقرر أن يحضر اللقاء رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، الذي بدأ، الأربعاء، جولة تشمل السعودية وقطر وتركيا.

وبحث وليّ العهد رئيس الوزراء السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس وزراء باكستان، في لقاء بجدة، «مستجدات المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود الدبلوماسية الرامية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة»، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، الخميس.

وأكد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد ورئيس وزراء باكستان، خلال لقاء بالدوحة الخميس، «ضرورة دعم مسار التهدئة وتعزيز التنسيق الدولي لضمان أمن واستقرار المنطقة، ولا سيما الحفاظ على انسيابية سلاسل إمداد الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية»، وفق بيان للديوان الأميري.

في السياق نفسه، قالت وزارة الدفاع التركية، في مؤتمر صحافي أسبوعي: «سنواصل تقديم الدعم اللازم لتحويل وقف إطلاق النار الحالي إلى هدنة دائمة، وفي نهاية المطاف إلى سلام دائم، دون أن يصبح الأمر أكثر تعقيداً وصعوبة في التعامل معه»، وفق ما نقلته «رويترز» الخميس.

«تهدئة تكتيكية»

ويرى حجازي الحراك الرباعي المصري السعودي الباكستاني التركي، بجانب الاجتماع في مدينة أنطاليا التركية، محاولة لتشكيل كتلة ضغط إقليمية معتدلة قادرة على تقديم حوافز سياسية وأمنية متوازنة لكل من واشنطن وطهران.

وأضاف أن التأثير الحقيقي ليس في فرض قرارات على الجانبين، «بل في تقديم مسارات بديلة آمنة تتمثل في تهدئة تدريجية وتفاهمات مرحلية، خاصة أن فرضية الخداع الاستراتيجي ليست مستبعَدة في العقيدة التفاوضية الأميركية».

واستدرك: «لكن المعطيات الحالية تحمل بيئات معقدة أمام واشنطن، وبالتالي، الاحتمال الأرجح ليس خداعاً استراتيجياً كلاسيكياً، بل تهدئة تكتيكية طويلة وليس سلاماً كاملاً، ولا حرباً شاملة، بل إدارة صراع منخفض الحدة».

ويخلص حجازي إلى أن هذا الحراك الإقليمي قادر على تمديد التهدئة، لكنه غير قادر على ضمان استدامتها، ما لم يتحول إلى إطار مؤسسي دائم.


اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
TT

اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)

في ظل تصاعد التداعيات الاقتصادية والإنسانية المرتبطة بالحرب الإيرانية، كثّفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والاقتصادية لحشد دعم دولي عاجل؛ في محاولة لتفادي مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية والخِدمية، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، في وقت تزداد فيه التحديات المرتبطة بنقص التمويل، خصوصاً في برامج مواجهة التغيرات المناخية التي يُعد اليمن من أكثر الدول تضرراً بها.

وأكدت الحكومة اليمنية أن الضغوط المركبة الناتجة عن الحرب والتغيرات المناخية، إلى جانب الأزمات الهيكلية القائمة، تفرض الحاجة إلى تدخُّل استثنائي من الشركاء الدوليين، خصوصاً في ظل التراجع الحاد بالموارد المالية وارتفاع كلفة الاستيراد والخدمات الأساسية، وهو ما يهدد بتفاقم الأوضاع الإنسانية في البلاد.

وخلال اجتماع رفيع المستوى عُقد على هامش اجتماعات الربيع في واشنطن، ضم محافظ البنك المركزي أحمد غالب، ووزير المالية مروان بن غانم، ووزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع المدير التنفيذي للمجموعة العربية والمالديف لدى صندوق النقد الدولي محمد معيط، شدد الجانب الحكومي على ضرورة تكثيف دعم المانحين وتقديم دعم مالي عاجل واستثنائي.

اليمن طلب الاستفادة من أدوات التمويل الطارئ لصندوق النقد الدولي (إعلام حكومي)

واستعرض المسؤولون اليمنيون، خلال اللقاء، مُجمل التحديات الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وانعكاساتها المباشرة على الاقتصادات الهشة، حيث أسهمت هذه التطورات في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة أسعار السلع والطاقة، الأمر الذي ضاعف الضغوط على المالية العامة، وزاد من الأعباء المرتبطة بتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية.

كما أكد الوفد الحكومي أن استمرار هذه الضغوط دون تدخل دولي فعّال قد يقوض جهود الاستقرار الاقتصادي، ويؤدي إلى تراجع الخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، وهو ما يفاقم معاناة السكان.

خيارات التمويل والإصلاحات

وفق المصادر الرسمية اليمنية، ناقش الاجتماع قرار المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بشأن استئناف مشاورات المادة الرابعة مع اليمن، حيث جرى بحث الخيارات المتاحة لتهيئة الظروف لانخراط البلاد في برنامج إصلاحات مالية ونقدية شاملة.

وشمل النقاش إمكانية الدخول في برامج رقابية وتمهيدية تؤهل اليمن للاستفادة من أدوات التمويل الطارئة التي يقدمها الصندوق، أسوةً بالدول التي تواجه ظروفاً مشابهة، بما يسهم في تخفيف الضغوط المالية وتعزيز الاستقرار النقدي.

اليمن يواجه أوضاعاً اقتصادية صعبة ضاعفتها الحرب الإيرانية (إعلام حكومي)

في سياق متصل، بحث وزير المالية مروان بن غانم مع خبراء من صندوق النقد والبنك الدوليين سُبل دعم النظام الضريبي، بما في ذلك تمويل مشروع أتمتة الإجراءات الضريبية، وتعزيز القدرات المؤسسية، ضِمن خطة تطوير إيرادات الطوارئ قصيرة المدى.

وأكد الوزير أن هذه الخطوات تأتي في إطار تنفيذ إصلاحات هيكلية تهدف إلى تحسين كفاءة الإدارة المالية وزيادة الإيرادات العامة، بما ينعكس إيجاباً على استقرار الاقتصاد الوطني، مشدداً على أهمية استمرار الدعم الفني والمالي من المؤسسات الدولية.

كما أشاد بالدعم المقدَّم في مجالات تطوير البنية التحتية والأنظمة التقنية، وتأهيل الكوادر البشرية، وعَدّ أن هذه الجهود تمثل ركيزة أساسية لتعزيز الأداء الحكومي وتحقيق نتائج ملموسة في إدارة الموارد المالية.

فجوة التمويل

في موازاة التحديات الاقتصادية، تواجه الحكومة اليمنية صعوبات متزايدة في تمويل برامج التكيف مع التغيرات المناخية، حيث أكدت تقارير أممية أن نقص التمويل يمثل عائقاً رئيسياً أمام قدرة البلاد على مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة.

وأشار وزير المالية إلى أن اليمن، بوصفه من أكثر الدول هشاشة وتأثراً بالتغيرات المناخية، يحتاج إلى دعم دولي أكبر لتوسيع برامج التكيف، خصوصاً في قطاعَي المياه والزراعة اللذين يمثلان شريان الحياة لملايين السكان.

نقص التمويل يعوق مواجهة آثار التغيرات المناخية باليمن (الأمم المتحدة)

واستعرض الوزير الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتعزيز هذه القطاعات، من خلال تبنّي استراتيجيات تهدف إلى تحسين إدارة الموارد المائية، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتقليل فجوة الأمن الغذائي، إلى جانب تطوير الأُطر المؤسسية المعنية بالمناخ والتنمية المستدامة.

كما تطرّق إلى جهود الحكومة في التوسع بمشاريع الطاقة المتجددة في المناطق الريفية والحضرية؛ بهدف تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، وتحسين الوصول إلى الكهرباء، خاصة في المناطق النائية.

وعلى الرغم من هذه الجهود، شدد الوزير على أن فجوة التمويل والدعم الفني لا تزال تمثل العائق الرئيسي أمام تنفيذ الخطط الحكومية، داعياً إلى تعزيز آليات التمويل المناخي الميسّر، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، مع مراعاة خصوصية الدول المتأثرة بالصراعات.

تعزيز الشراكة الدولية

أكدت الحكومة اليمنية أن مواجهة التحديات الراهنة، سواء الاقتصادية أم المناخية، تتطلب شراكة دولية حقيقية تقوم على مبدأ العدالة والإنصاف، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الموارد المالية والتقنية.

ارتفاع تكاليف الشحن وزيادة الأسعار فاقما الضغوط المالية باليمن (إعلام حكومي)

في هذا السياق، شدد وزير المالية، خلال مشاركته في الحوار الوزاري لمجموعة العشرين للدول الأكثر تضرراً من التغيرات المناخية، على أهمية تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والاستجابة لتداعيات المناخ، في ظل تفاقم الصدمات العالمية.

ودعا إلى الالتزام بمُخرجات الاجتماعات الدولية ذات الصلة، وتعزيز التعاون بين الدول المانحة والدول المتضررة، بما يضمن تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتأمين سُبل العيش الكريم للسكان.

واختتم بتأكيد تطلع اليمن إلى دعم دولي أكثر فاعلية يمكنه من تجاوز التحديات الراهنة، واستعادة مسار التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.


«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
TT

«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)

في تحرك يمني لمواجهة الاقتصاد غير الرسمي، كثّفت قوات الطوارئ عملياتها الميدانية ضد شبكات تهريب المشتقات النفطية، التي تنامت بشكل ملحوظ خلال الأشهر الأخيرة، مستفيدة من فوارق الأسعار بين مناطق سيطرة الحكومة الشرعية والمناطق الخاضعة للحوثيين، فضلاً عن تداعيات الاضطرابات الإقليمية وارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

وتأتي هذه التحركات بعد أن أظهرت قوات الطوارئ قدرات قتالية وأمنية متقدمة خلال الأحداث التي شهدتها البلاد مطلع العام الحالي، ما دفع السلطات إلى تكليفها بمهام نوعية تتعلق بحماية الاقتصاد الوطني، وفي مقدمتها التصدي لعمليات تهريب الوقود التي تُعد من أبرز مصادر الاستنزاف المالي.

وتشير مصادر عاملة في قطاع النفط إلى أن عمليات تهريب المشتقات النفطية لم تكن وليدة اللحظة، بل تعود إلى سنوات، إلا أن حدّتها ارتفعت مؤخراً مع اتساع الفجوة السعرية بين المحافظات المنتجة، وعلى رأسها مأرب، وبقية المناطق اليمنية.

وتُباع المشتقات النفطية في مأرب بأسعار تقل بنحو الثلث مقارنة ببقية المحافظات، ما يجعلها هدفاً رئيسياً لشبكات التهريب التي تسعى إلى نقل الوقود إلى مناطق أخرى وبيعه بأسعار مضاعفة، سواء داخل البلاد أو عبر التهريب إلى دول القرن الأفريقي.

إغلاق منفذ رئيسي يُستخدم في تهريب الأسلحة للحوثيين (إعلام محلي)

كما أسهمت التطورات الإقليمية، خصوصاً التوترات المرتبطة بالحرب في إيران، في زيادة الضغط على أسواق الطاقة، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتعزيز جاذبية السوق السوداء، وهو ما دفع السلطات اليمنية إلى التحرك بشكل أكثر حزماً.

ولا يقتصر تأثير التهريب على المشتقات النفطية فقط، بل يمتد إلى غاز الطهي المنزلي، حيث تعاني عدة محافظات محررة من نقص حاد في الإمدادات، رغم إنتاجه محلياً، نتيجة تهريبه إلى مناطق الحوثيين التي يُباع فيها بأسعار مضاعفة.

ضبط عشرات الناقلات

في هذا السياق، أعلنت الفرقة الأولى في قوات الطوارئ عن ضبط أكثر من خمسين ناقلة محملة بالمشتقات النفطية، كانت في طريقها إلى السوق السوداء ضمن عمليات تهريب منظمة، في خطوة وصفت بأنها الأكبر من نوعها منذ بدء الحملة.

وجاءت هذه العملية نتيجة جهود ميدانية مكثفة، شملت إنشاء نقاط تفتيش جديدة وتشديد الرقابة على الطرق الحيوية، بعد رصد تحركات مشبوهة لتجار الوقود غير الشرعيين.

وأكدت القوات أن الناقلات المضبوطة كانت تحمل كميات كبيرة جرى تهريبها بطرق غير قانونية، بهدف تحقيق أرباح سريعة على حساب المواطنين، الذين يتحملون تبعات ارتفاع الأسعار واختناقات الإمدادات.

إشادة رسمية بأداء قوات الطوارئ في ضبط المخالفات (إعلام محلي)

وأوضحت أن هذه العمليات تأتي ضمن خطة أمنية مستمرة لمكافحة التهريب، مشيرة إلى أن الحملات لن تتوقف عند هذا الحد، بل ستتواصل لتشمل مختلف المحافظات، في إطار استراتيجية تهدف إلى تجفيف منابع السوق السوداء.

كما دعت قوات الطوارئ المواطنين إلى التعاون مع الأجهزة الأمنية، والإبلاغ عن أي أنشطة مشبوهة، مؤكدة أن نجاح هذه الجهود يعتمد على تكاتف المجتمع إلى جانب الدولة.

تنظيم النقل الثقيل

بالتوازي مع حملات ضبط التهريب، شرعت السلطات في تطبيق إجراءات صارمة لتنظيم حركة النقل الثقيل، خصوصاً ما يتعلق بالأوزان والحمولات، التي تسببت في أضرار كبيرة للبنية التحتية.

ومنحت قوات الطوارئ مهلة محدودة للناقلات المخالفة لتصحيح أوضاعها، قبل البدء في تطبيق صارم للقوانين، بما يشمل منع مرور أي شاحنة لا تلتزم بالمعايير المحددة.

وأكدت قيادة الفرقة الأولى، المتمركزة في مأرب، أن هذه الإجراءات تهدف إلى حماية الطريق الدولي، الذي تعرض لأضرار جسيمة نتيجة الحمولات الزائدة، التي تسببت بدورها في مئات الحوادث المرورية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل الاعتماد الكبير على الطرق البرية لنقل السلع والمسافرين، بما في ذلك الحجاج والمعتمرون العائدون من المملكة العربية السعودية، ما يجعل سلامة الطرق أولوية قصوى.

كما شدّدت القوات على أنها لن تتهاون مع أي ممارسات غير قانونية، بما في ذلك فرض الجبايات أو الإتاوات خارج الأطر الرسمية، مؤكدة التزامها بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.

تنسيق حكومي

بالتوازي مع هذه التطورات، دعت المؤسسة اليمنية للنفط والغاز إلى تعزيز التنسيق بين الجهات العسكرية والأمنية، لضمان ضبط عمليات نقل وتوزيع المشتقات النفطية وفق الأطر القانونية.

وأبلغت المؤسسة قيادة الجيش بضرورة عدم السماح بمرور أي ناقلة وقود دون تصريح رسمي يثبت تبعيتها لشركة النفط الحكومية، في خطوة تهدف إلى الحد من التلاعب في السوق.

وأكدت أن الناقلات التجارية غير المرخصة تتسبب في إرباك عمل الشركة، عبر بيع الوقود بأسعار مخالفة، ما يؤدي إلى تشوهات في السوق ويقوّض جهود الاستقرار الاقتصادي.

وثيقة رسمية تطالب الجيش بالتدخل لوقف تهريب المشتقات (إكس)

وفي حادثة سابقة، ضبطت السلطات ناقلة تحمل أكثر من 81 ألف لتر من الوقود المهرب في مدخل مدينة عدن، حيث جرى تحرير محضر بالواقعة وإحالة السائق إلى التحقيق، وسط مطالبات بمصادرة الشحنة والناقلة.

ومع هذه الجهود، تواجه الأجهزة الأمنية تحديات إضافية، في ظل استمرار نشاط شبكات التهريب متعددة الأغراض، التي لا تقتصر على الوقود فقط، بل تشمل أيضاً تهريب الأسلحة.

وفي هذا الإطار، تمكنت قوات الطوارئ من ضبط شحنة أسلحة مخبأة داخل حمولة أثاث منزلي، في عملية نوعية تعكس حجم التداخل بين أنشطة التهريب المختلفة.

كما شهدت محافظة حضرموت حادثة أمنية خطيرة، تمثلت في كمين استهدف دورية عسكرية في منطقة العبر، أسفر عن مقتل ضابط وإصابة عدد من الجنود، في هجوم نفذه مسلحون مجهولون.

وتُعد هذه المنطقة من أبرز الممرات الحيوية التي تنشط فيها شبكات التهريب، ما يضاعف من تعقيد المشهد الأمني، ويستدعي تكثيف الجهود لضبط الأمن والاستقرار.