قد نكون سمعنا عن المدونات السياسية أو الأدبية، ولكن في كوريا الجنوبية هناك نوع جديد من المدونات الغذائية! هناك تقليعة تنتشر بسرعة لإعداد وتناول وجبات غذائية تكون أحيانا كبيرة الحجم ومتنوعة الأصناف أمام كاميرات الكومبيوتر وعشرات الآلاف من المشاهدين، وهي تقليعة ظهرت وتطورت بسبب الوحدة في معظم البيوت الكورية التي يسكنها فرد واحد والرغبة في المشاركة فيما يشبه وجبة عائلية مع شريك آخر.
ومع انتشار هذا النوع من المتابعة الغذائية لكاميرات الفيديو، ظهر جيل جديد من المتخصصين في الأكل أمام الكاميرا بوصفها وظيفة. ومن هؤلاء بارك سين يون التي تسمي نفسها «ديفا» وتعتبر من أشهر المحترفات في مجال تحضير الطعام والتهامه أمام الكاميرا.
وهي تتلقى كثيرا من الرسائل والاستفسارات وتجيب عنها، وفي مقابل مشاهدة برامجها الغذائية، يرسل لها المشاهدون عملات إلكترونية اسمها «بالونات» يمكن تحويلها إلى دولارات. وتحقق بارك من هذه البالونات ما يصل إلى تسعة آلاف دولار شهريا، وهو مبلغ يزيد على ما كانت تتلقاه في وظيفتها المكتبية قبل أن تتفرغ للأكل المصور.
وهي تؤكد أن المهمة ليست سهلة وأنها أيضا تشعر بالوحدة لأنها تعيش بمفردها. ولا تسمح لها مدوناتها اليومية أمام الكومبيوتر بأي نشاطات اجتماعية أخرى. وتقوم كيم بشراء المأكولات يوميا وطهيها أمام الكاميرا ثم تناولها في برنامج تصل مدته أحيانا إلى أربع ساعات على الهواء.
وهي بالإضافة إلى محاولة التفوق في الطهي تقضي بعض الوقت في الاستعداد للكاميرا لكي تظهر في أفضل صورة ممكنة أثناء تناولها الطعام في الاستوديو الذي يستخدم كمطبخ. وهو ليس تماما برنامج طبخ كتلك البرامج التي تبث تلفزيونيا، ولكنه يشمل أيضا مجتمعا افتراضيا حول هذه البرامج. ويتابع المشاهدون أنواع الطعام التي تطهى كل ليلة وكيفية تناولها، وأحيانا يبعثون بوصفات طعام يطلبون من بارك أن تعدها لهم، أو يسألون أسئلة، أحيانا تتعلق بتناول كميات كبيرة من الطعام مع المحافظة على الوزن.
وتسمى هذه المدونات الغذائية المذاعة «موك بانغ» باللغة الكورية، وهناك عدة آلاف منها تبث على مدار الساعة. وهي تشتهر في كوريا لعدة أسباب، من بينها الوحدة والاهتمام بالرجيم وخفض الوزن وتعلم كيفية إعداد الطعام وتناوله.
ويتابع المشاهد لهذه المدونات وصف الطعام وتجربة شرائه من السوق، ثم سماع صوت قلي اللحم في المقلاة، ورش التوابل عليه، ثم بعد ذلك تناوله قطعة قطعة أمام الكاميرا مع وصف لطعمه.
وتستغرق هذه الوجبات عدة أصناف من الطعام تطهى تباعا، ولذلك يستغرق البث أحيانا عدة ساعات. وتقول بارك إن معظم المشاهدات من الفتيات اللاتي يتبعن رجيما غذائيا قاسيا للمحافظة على الوزن. ولذلك، فهن يجدن بعض العزاء في مشاهدة الطعام دون أكله.
وبعد سنوات من البث الحي بمفردها دعت بارك والديها لمساعدتها على التسوق وإعداد الطعام وتناوله معها أمام الكاميرا. وكانت النصيحة من الوالدين للمشاهدين هي ضرورة تناول الطعام مع الأسرة بين الحين والآخر.
وتعاني كوريا من تفشي ظاهرة السكن المنفرد في المدن مثلما الحال في المجتمعات الغربية. ومن المتوقع أن تزيد نسبة المنازل التي يسكنها فرد واحد في كوريا من 26 في المائة هذا العام إلى 32.7 في المائة في عام 2030، وهي من أسرع النسب في الدول الصناعية. وتقول بارك إن معظم مشاهديها يتناولون طعامهم بمفردهم، وإن برنامجها يوفر لهم صحبة أثناء تناول الغذاء.
وتعتبر كوريا الجنوبية من أكثر المجتمعات تواصلا إلكترونيا، وهو مؤشر لما يمكن أن تكون عليه المجتمعات الأخرى في المستقبل مع انتشار التكنولوجيا.
ويقول مدون غذائي آخر اسمه شانغ هيون يبث من سيول إنه يتلقى سيلا من الأسئلة والاستفسارات التي يرد عليها شفاهة أثناء تناوله الطعام أمام الكاميرا. وهو يشير إلى رقم عشرة آلاف مشاهد يتابعون مدوناته، وعدة مئات من البالونات، أي الدولارات، في كل ليلة يبث فيها برنامجه الذي يستمر ساعتين.
وتتوافر في كوريا قنوات خاصة للبث المجاني على الكومبيوتر تشبه تماما قنوات التلفزيون، ولكنها مجانية وتفاعلية، حيث يمكن التواصل المباشر مع البرنامج وكتابة أسئلة لمقدمي هذه البرامج.
ولا تقتصر أهمية هذه البرامج على مشاهدة الغذاء أو تناوله، وإنما على الرابط الاجتماعي بين أطراف المعادلة الذين من الممكن أن يشعروا بالانتماء إلى مجتمع افتراضي يلغي حالة الوحدة الواقعية التي يعيشونها. كما أن بعض مقدمي هذه البرامج يوفرون جوانب ترفيهية مثل تبادل الحديث والرقص والغناء أحيانا.. فالجاذبية لا تقتصر على مجرد الجلوس لتناول الطعام في صمت.
والتفاعلية هنا مشتركة، لأن من يقدمون هذه البرامج يشيرون إلى أن كسب المال ليس هو الدافع الأساسي لهم، وإنما الارتباط بالمشاهدين والشعور بالسعادة وعدم الوحدة للقيام بهذا النشاط.
وهو نشاط مرهق أيضا ويختلف عن البث التلفزيوني الحي الذي يقدمه مذيعون محترفون لهم تعاقدات مضمونة الدفع.. فمقدم البرامج الغذائية الفعالة يتلقى الدعم فقط عندما يرضي مشاهديه، وإذا لم يكن في أفضل حالاته يوما ما، فإنه لا يتلقى أي دعم.
وهناك كثير من مقدمي هذه البرامج أو المدونات الذين يتمادون إلى حد التطرف في التهام كميات كبيرة من الطعام كل ليلة أو إصدار أصوات أثناء تناول الطعام باستخدام مايكروفونات متعددة. وبلغ من شعبية هذه القنوات في كوريا أن بعض المطاعم تستخدم مقدميها من أجل الدعاية، كما أن كثيرا من مقدمي هذه البرامج تفرغوا لها بالاستغناء عن الوظائف الأخرى.
السؤال هنا: هل يمكن لمثل هذه البرامج والمدونات الغذائية أن تنجح عربيا؟
الإجابة التي سوف يكشفها المستقبل هي أنه ليس هناك ما يمنع نجاحها.
9:14 دقيقه
تناول طعامك مع آلاف الغرباء.. عبر كاميرات الكومبيوتر
https://aawsat.com/home/article/355706/%D8%AA%D9%86%D8%A7%D9%88%D9%84-%D8%B7%D8%B9%D8%A7%D9%85%D9%83-%D9%85%D8%B9-%D8%A2%D9%84%D8%A7%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%B1%D8%A8%D8%A7%D8%A1-%D8%B9%D8%A8%D8%B1-%D9%83%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%88%D9%85%D8%A8%D9%8A%D9%88%D8%AA%D8%B1
تناول طعامك مع آلاف الغرباء.. عبر كاميرات الكومبيوتر
«المدونة الغذائية» تقليعة كورية جديدة تنتشر بسبب الوحدة التي يعاني منها الجيل الجديد
الكوريون أول من ابتكر طريقة تناول الأكل مع الغرباء عن طريق الإنترنت - الوحدة لدى الكوريين أدت إلى ابتكار هذه الطريقة من التواصل مع الغير
تناول طعامك مع آلاف الغرباء.. عبر كاميرات الكومبيوتر
الكوريون أول من ابتكر طريقة تناول الأكل مع الغرباء عن طريق الإنترنت - الوحدة لدى الكوريين أدت إلى ابتكار هذه الطريقة من التواصل مع الغير
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة









