لا نهاية قريبة لظاهرة التشدد الهندوسي الشعبوي في الهند

في ضوء انتصارات «بهاراتيا جاناتا» الانتخابية الأخيرة

لا نهاية قريبة لظاهرة التشدد الهندوسي الشعبوي في الهند
TT

لا نهاية قريبة لظاهرة التشدد الهندوسي الشعبوي في الهند

لا نهاية قريبة لظاهرة التشدد الهندوسي الشعبوي في الهند

تمكّن حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم في الهند من الخروج منتصراً في أربع ولايات هندية من أصل خمس شهدت الانتخابات المحلية في الفترة الأخيرة. وكان ينظر إلى هذه الانتخابات باعتبارها اختباراً لشعبية رئيس الوزراء القومي اليميني ناريندرا مودي قبل الانتخابات العامة المقرّرة في 2024، عندما يسعى للحصول على فترة ولاية ثالثة.
حزب بهاراتيا جاناتا، رأس اليمين القومي الهندوسي الهندي، احتفظ بالسلطة في أربع ولايات - أوتار براديش (أكبر ولايات الهند من حيث عدد السكان) وأوتارانتشال وغوا ومانيبور. ونال الحزب أكبر عدد من الأصوات داخل الولايات الأربع من بين الأحزاب السياسية المشاركة في السباق الانتخابي. وبالنظر إلى العوامل التي بدا أنها تقف ضد الحزب خلال العامين الماضيين، ولقد تنوعت ما بين حركات مناهضة لمودي ومظاهرات جماهيرية تعترض على ظروف اقتصادية صعبة، اكتسب هذا الفوز أهمية كبيرة. بل، جاء ميل الناخبين تجاه التصويت لصالح مَن يشغل السلطة ليثير حيرة علماء السياسة.
وفي حين رأى البعض أن الانتصارات الانتخابية التي حققها بهاراتيا جاناتا «شهادة على إيجابية السياسات التي انتهجها مودي»، واعتبروا أن النتائج تُعد بمثابة استفتاء في منتصف فترة الولاية الثانية لرئيس الوزراء، قلل آخرون - في المقابل - من شأن فوزه، معتبرين أنه جاء نتيجة طبيعية لحالة الاستقطاب التي تسود البلاد.
ومن ثم، كيف تغيّر هذه النتائج الديناميكيات السياسية والاجتماعية على أرض الواقع؟ وما تداعياتها لعام 2024 عندما تعقد الهند انتخابات عامة؟

خلال السنوات الأخيرة، اكتسبت الحركات القومية المستوحاة من الدين مكانة بارزة في العديد من البلدان حول العالم، ولم تكن الهند – كبرى ديمقراطيات العالم – بمنأى عن هذه الظاهرة.
والحقيقة، أنه كثيراً ما شهدنا التركيز على مصطلح «القومية الهندوسية» في كل من وسائل الإعلام الهندية والغربية، وكثيراً ما وصف رئيس الوزراء ناريندرا مودي وحزبه اليميني القومي الحاكم بأنهم يروّجون لأجندة قومية هندوسية.
لقد كانت العقيدة المميزة لحزب بهاراتيا جاناتا منذ عام 1989 «هندوتفا»، وهي آيديولوجية سياسية تروّج لما تعتبره «قيم» الديانة الهندوسية باعتبارها حجر الزاوية للمجتمع الهندي وثقافته. وبالطبع، تنسجم شخصية مودي للغاية مع آيديولوجية «هندوتفا» الأساسية لحزب بهاراتيا جاناتا. ونتيجة لاعتماد حزب بهاراتيا جاناتا المستمر على آيديولوجية «هندوتفا» العدوانية، تمكن من تحقيق نجاحاته الانتخابية في الماضي.
ومع أن استطلاع رأي أجراه معهد «بيو» عام 2021 حول «الدين في الهند»، أظهر أن التسامح تجاه الأديان الأخرى ما زال قوياً داخل المجتمع الهندي، غدا واضحاً الآن أن عدداً أكبر من الغالبية (الهندوس) يرون الآن أن الدين يشكل جوهر هويتهم، ويدعمون الدعوات لـ«دولة هندوسية».

- أديتياناث... وجه التطرف الجديد
الجدير بالذكر هنا، أن ولاية أوتار براديش، أكبر ولاية هندية وقلب ما يسمّى بـ«الحزام الهندي»، تعدّ موطناً لأكثر عن 220 مليوناً من سكان الهند البالغ عددهم 1.32 مليار نسمة. ويخرج من هذه الولاية أكبر عدد من أعضاء البرلمان الوطني (80) على مستوى البلاد. كذلك، تجدر الإشارة إلى أن حاكم الولاية، يوغي أديتياناث، الذي فاز للتو بولايته الثانية في المنصب، راهب هندوسي تحوّل إلى سياسي. ويرى بعض النقاد السياسيين، أن أديتياناث «خليفة» محتمل لمودي على الصعيد الوطني. وللعلم، تشير الأرقام إلى أن 80 في المائة من سكان ولاية أوتار براديش من الهندوس، مقابل نحو 20 في المائة من المسلمين، وهو ما يشبه تقريباً التركيبة السكانية في باقي الهند.
انتصار حزب بهاراتيا جاناتا داخل ولاية أوتار براديش يوصف بأنه «تاريخي»، وخاصة أنه يأتي معززاً بفوز حاكم الولاية أديتياناث بفترة ولاية ثانية على التوالي، وهذه هي المرة الأولى التي يحقق فيها حاكم للولاية هذا الإنجاز منذ 36 سنة.
وتعليقاً على ما حصل، صرح رافيش كومار، كبير المحرّرين لدى شبكة «إن دي تي في» التلفزيونية الهندية، بأنه «ظهر أديتياناث بمثابة الوجه المعبّر عن اليمين الهندوسي. وخلال فترة ولايته، اتبع سياسات تروّج لفكرة التفوّق الهندوسي، وغيّر أسماء المدن والبلدات التي تحمل طابعاً إسلامياً بأسماء هندوسية، ووجّه بمراجعة الكتب المدرسية لتبييض تاريخ المغول ووافق على قانون يحظر «جهاد الحب» - الممارسة المزعومة المتمثلة في تحويل النساء الهندوسيات إلى الإسلام من خلال الزواج برجال مسلمين. وتمثل هذه الأمور عناصر صورته السياسية. ثم إن أوتار براديش تمثّل قلب هندوتفا باعتبارها موطناً للعديد من المواقع الهندوسية المقدسة، والتي عملت من نواحٍ كثيرة كمركز للسياسة الهندوسية لحزب بهاراتيا جاناتا. ولقد عزّز احتفاظ حزب بهاراتيا جاناتا بهذه الولاية، المستقبل السياسي الشخصي لأديتياناث، مع التزام الولاية نوعاً حازماً للغاية من القومية الهندوسية.
وأضاف كومار، أنه منذ إعادة انتخاب مودي المفاجئة عام 2019، ضاعف أديتياناث من جهوده لخدمة مشروع الغالبية الهندوسية لإعادة صياغة جمهورية الهند العلمانية لتصبح دولة هندوسية... وهو أمر يطرح التساؤل الآن: ما الاستنتاجات الأولية التي يمكن استخلاصها من هذه الانتخابات؟
ما زال ناريندرا مودي السياسي الأكثر شعبية في الهند، وهو يُعد وجه حزبه وصوته، بل يعدّ المحرك الأساسي وراء الكثير من الجاذبية التي يتمتع بها الحزب. وبطريقة ما، فإن جزءاً من أي تصويت لصالح أي مرشح من حزب بهاراتيا جاناتا يأتي بمثابة تصويت له. وللعلم، هذه المرة الأولى التي يكون فيها للقوميين الهندوس زعيم معروف بهذا الشكل؛ ولذا فهم حريصون جداً على إبقائه رئيساً للوزراء، والواضح أنه سيظل زعيماً رئيسياً للحزب لسنوات عديدة مقبلة.
من ناحية أخرى، كتب سلمان خورشيد، وزير الخارجية الهندي الأسبق، وهو عضو في حزب المؤتمر الهندي، الذي هو الآن حزب المعارضة الرئيس، في كتابه «(شروق الشمس فوق أيوديا): القومية في عصرنا»، عن تراجع العلمانية في الهند. وعقد مقارنة بين هندوتفا - القومية الهندوسية - التي ازدهرت في عهد مودي و«الجماعات المتطرفة» مثل «داعش». ولكن على الفور جرى رفع دعوى قانونية من قبل رئيس «هندوسينا»، فيشو جوبتا، لوقف نشر الكتاب وبيعه وتوزيعه.
في أي حال، يمكن إرجاع جذور الصراع الديني المعاصر في الهند إلى عام 1947 عندما أعادت بريطانيا - تحت ضغط القادة السياسيين المسلمين الذين أرادوا دولة ذات غالبية مسلمة - ترسيم حدود مستعمرتها. ومن رحم هذا التقسيم لشبه القارة الهندية، ولدت دولة باكستان. إلا أنه نظراً لأن رسم الحدود الجديدة جرى على عجل، تركت هذه العملية العديد من المسلمين والهندوس على الجانب «الخطأ» من الحدود؛ ما أدى إلى موجة من أعمال العنف والإرهاب والتهجير المتبادل أودت بحياة مليون شخص وشردت 14 مليوناً آخرين.
ومع ذلك، بقي ملايين المسلمين يعملون من أجل بناء الهند كدولة مستقلة، وحرص رئيس وزراء الهند الأول جواهر لال نهرو على كبح جماح القومية الهندوسية لصالح رؤية أكثر مساواة للبلاد. وحقاً، لم تبدأ العلمانية في التآكل حتى ثمانينات القرن الماضي، إبان فترات حكم رئيسة الوزراء أنديرا غاندي (ابنة نهرو) وابنها راجيف اللذين اغتيلا على يد مسلحين من الأقليات الدينية والعرقية - السيخ والتاميل على التوالي - الأمر الذي مهّد الطريق أمام حزب بهاراتيا جاناتا لاستغلال التوترات الدينية في البلاد.

- استقطاب الأقليات
باحثون سياسيون يرون، أن الصعود السياسي لحزب بهاراتيا جاناتا يمثل اتجاهاً مثيراً للقلق، ويعبّر عن نهج جديد وقوي من القومية الهندوسية يؤدي إلى اضطهاد الأقليات في أكبر دولة ديمقراطية في العالم. ويقول منتقدو حزب بهاراتيا جاناتا، إن الحزب تعمّد خلق حالة من الاستقطاب داخل المشهد السياسي على أسس طائفية وتهميش الأقليات، مستشهدين بقوانين «المواطَنة الجديدة» المثيرة للجدل، وحظر الحجاب، بل لقد وصل الأمر حد إطلاق سياسيين خطابات يهاجمون خلالها المسلمين.
من ناحيته، يزعم بهاراتيا جاناتا أنه صادق مع شعاره الشامل «دعم الجميع، وتنمية الجميع»، وأنه ليس ثمة مكان لسياسات الاسترضاء. ومن ثم، يتهم بهاراتيا جاناتا، خصمه حزب المؤتمر - وهو الحزب العلماني الجامع الذي أنجز استقلال الهند - بمعاملة المسلمين «كبنك للأصوات الانتخابية، وليس كمواطنين في الهند».
وهنا يلاحَظ أنه جرى استقبال التصريح الأخير لرئيس الوزراء ناريندرا مودي بأن على الحكومة أن تكسب ثقة الأقليات وتخرق «أسطورة الخوف» بطريقتين مختلفتين. إذ إنه لا يزال قسم من المراقبين السياسيين غير مقتنعين بهذا التأكيد، وهم يجادلون بأن سياسة الهندوتفا العدوانية قد همشت الأقليات بالفعل. ويرون أنه إذا كانت حكومة مودي جادة حقاً بشأن انعدام الثقة هذا، فعليها فعل المزيد من الجهود.
في المقابل، استقبل البعض تصريح مودي بروح متفائلة، ورأى أن على الأقليات، وبخاصة المسلمون، «تقدير» لفتة مودي «الإيجابية»، و«العمل على استكشاف إمكانيات الحوار البنّاء». غير أن هذا الكلام يأتي بينما تتحدث المنظمات اليمينية في البلاد، صراحة، عن رؤيتها لتحويل الهند العلمانية إلى دولة هندوسية. ويخشى النشطاء أن يسمح بهاراتيا جاناتا، في هدوء، للأمور بالتحرك في هذا الاتجاه؛ ما قد يعني تقليص حقوق المسلمين وتفاقم أعمال العنف الطائفي.
في هذه الأثناء، وجدت المحكمة العليا في الهند نفسها مضطرة إلى التدخل خلال العام الماضي في ديسمبر (كانون الأول)، عندما وجه رجال دين هندوس متشددون دعوة مفتوحة ضد الأقليات. وفتحت المحكمة العليا تحقيقاً حول خطاب الكراهية ضد الأقليات. وفي هذا الصدد، قال عالم الاجتماع البارز شيف فيزفاناثان معلقاً «إن خطر نظام الغالبية يكمن في أن الغالبية في الأصوات تصبح غالبية في صياغة القانون والنظام. وبالتالي، عندما تقوم بهذا الانتقال، فإنك بهذا تنتقل إلى الاستبداد».

- مخاطر التجييش الديني
في هذا الإطار، ينبغي التذكير بأن الهند موطن لأكثر عن 200 مليون مسلم. ويعتقد باحثون أن الصعود السياسي لحزب بهاراتيا جاناتا «يمثل اتجاهاً يثير القلق حيال وجود نمط قوي من القومية الهندوسية يسفر عن اضطهاد المسلمين في أكبر ديمقراطية في العالم». في المقابل، من المثير للاهتمام، أن رئيس الوزراء الهندي مودي التقى البابا فرنسيس، رأس الكنيسة المسيحية الكاثوليكية ودعاه لزيارة الهند، الدولة التي تضم ثاني أكبر عدد من المسيحيين داخل آسيا. وبينما غرّد عمر عبد الله، رئيس الوزراء السابق لجامو وكشمير التي تديرها الهند، في وقت قريب، قائلاً «لقد أكدت دوماً أنه ليس لدى بهاراتيا جاناتا أي نية لخوض أي انتخابات بأجندة أخرى غير الطائفية الصارخة والكراهية، مع كل السم الموجه إلى المسلمين»، وجه موهان بهاجوات، زعيم منظمة «راشتريا سوايامسيفاك سانغ» اليمينية الهندوسية المتطرفة، الذي يعتبره كثيرون «المرشد الآيديولوجي» لحزب بهاراتيا جاناتا، الهندوس من التحولات الدينية و«التغييرات الديموغرافية» المزعومة في الولايات الشمالية الشرقية للهند، والتي تضم أعداداً كبيرة من المسيحيين. وهذا مع الإشارة إلى أن تسع ولايات هندية على الأقل تخطط لسن قوانين مناهضة للتحول من دين إلى دين آخر. والواقع، أن العديد من المعارضين السياسيين لبهاراتيا جاناتا يؤمنون بأن خطاب الحزب القومي المتطرف القائم على إعلاء شأن القومية الهندوسية، يهدد بإزاحة العلمانية كأساس لدستور الهند. ويعزز هذا الأمر أنه صاحب مساعي بهاراتيا جاناتا لـ«تسييس» الدين الهندوسي في السنوات الأخيرة، انتهاجه - كحزب حاكم - سياسات أشد عدوانية يشكو أبناء الجالية المسلمة في الهند إنها تعاملهم كمواطنين من الدرجة الثانية.

- التشدد الإسلامي المعاكس
ولكن، في الضفة المقابلة، يرى نفر من المحللين السياسيين يعتبرون خطابات بعض القادة المسلمين في السنوات الأخيرة بمثابة تأجيج للانقسام في الهند. وفي هذا المجال، يشير بعضهم إلى أنه في فبراير (شباط) الماضي، لجأ وارث باتان، رئيس مجلس اتحاد المسلمين في الهند والمشرع السابق المثير للجدل، إلى توجيه تهديد علني للهندوس. وحرض المسلمين بالقول «إن الوقت قد حان لمسلمي البلاد لكي يتحدوا ويحققوا الحرية». وأضاف، أنه «على الرغم من أن عدد المسلمين في البلاد يبلغ 200 مليون فقط، فإنه لا يزال بإمكانهم السيطرة على أكثر عن مليار هندوسي». وكان باتان قد حذر الهندوس علناً إزاء ضرورة الخوف من المسلمين، وذكرهم بـ«العواقب» إذا ما أقدموا على مواجهة المسلمين.
أيضاً، قال أوما عبد السلام، رئيس «الجبهة الشعبية الهندية» المتشددة، في بيان له بعد فوز بهاراتيا جاناتا في الانتخابات الأخيرة «جاء نتيجة الاستقطاب الطائفي الواسع النطاق المعتاد» الذي قام به الحزب، مضيفاً «اعتمد حزب بهاراتيا جاناتا بشدة على الطائفية لجذب الأصوات الانتخابية، وبهذا نجحوا في التغلب على مواجهة قضايا المعيشة والسياسة القائمة على القضايا التي نوقشت خلال الانتخابات. وهكذا حوّل بهاراتيا جاناتا انتباه الناس عن سوء الإدارة والقضايا التنموية الأساسية من خلال توحيد عقول الناخبين ونشر دعاية كراهية تستهدف ديانات الأقليات». وتابع سلام «ومن ناحية أخرى، أخفقت الأحزاب العلمانية في تقييم ومعالجة خطورة الوضع، بينما يشكل الاستقطاب الطائفي والكراهية والإبادة الجماعية تهديداً خطيراً لوجودنا كدولة. يجب على هذه الأحزاب العلمانية الآن أن تمعن النظر في الوضع القائم، وأن تتعلم الدروس من فشلها، وأن تعد لتغيير جذري في النهج الذي تتبعه فيما يتعلق بالعلمانية التي يتخيلها ويمارسها». وشدد على أنه ينبغي على هذه الأحزاب الآن على الأقل اتخاذ موقف هادف تجاه إنقاذ بلدنا وقيمه الدستورية من هجمة هندوتفا.
وما يستحق التنويه في هذا الاتجاه، أنه في عام 2019، حمّلت قناة إسلامية على «يوتيوب» تدعى «إم كيه» خطاب داعية متشدد، ظهر فيه يهدد علانية بشن «الجهاد» داخل الهند. وكان داعية متشدد آخر قد طلب من الدول الإسلامية في جميع أنحاء العالم جمع بيانات عن غير المسلمين في الهند الذين ينتقدون الإسلام ويقبضون عليهم عندما يصلون إلى بلادهم ويحاكمونهم بموجب قوانين مكافحة التجديف.


مقالات ذات صلة

سانشيز يجمع الحشد التقدمي العالمي في برشلونة لمواجهة المد اليميني المتطرف

أوروبا اللقاء الثنائي بين البرازيل وإسبانيا على هامش المؤتمر (إ.ب.أ) p-circle

سانشيز يجمع الحشد التقدمي العالمي في برشلونة لمواجهة المد اليميني المتطرف

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز بدأ خطوةً متقدمةً نهاية هذا الأسبوع بدعوته إلى عقد الدورة الرابعة لقمة «الدفاع عن الديمقراطية».

شوقي الريس (برشلونة)
حصاد الأسبوع آراء متشائمة إزاء مستقبل التسامح والتعددية

آراء متشائمة إزاء مستقبل التسامح والتعددية

> يرى العالم السياسي الهندي سوهاس بالشيكار، أن ثمة جوانب رئيسة للتحوّل الجاري على صعيد الثقافة السياسية للهند المعاصرة، أبرزها: أولاً، أن الناخب الهندوسي العادي اليوم يميل، على ما يبدو، أكثر عن أي وقت مضى ليصبح جزءاً من كتلة الناخبين المؤيدة للهندوتفا، والتي جرت تعبئتها سياسياً. وأظهر حزب بهاراتيا جاناتا، على مدى العقد الماضي، مراراً وتكراراً قدرته على استقطاب فعّال للناخبين على أساس الهوية الدينية.

أولى «الشعبوية»... من شعار إلى برنامج حكم

«الشعبوية»... من شعار إلى برنامج حكم

بعدما بدأت شعاراً فقط، باتت «الشعبوية» الآن برنامج حكم يتسع على امتداد عدد من الدول الغربية المؤثرة، ويمتد صداه إلى دول أخرى. وتمثل آخر الحصاد الشعبوي بوصول بوريس جونسون إلى منصب رئيس الحكومة البريطانية مؤخراً، رغم أن حدثاً كهذا كان يبدو مستبعداً قبل عقد من الزمان؛ فأن يصل سياسي بمواصفات جونسون إلى قيادة إحدى أعرق الديمقراطيات الغربية لم يكن في الحسبان، فلا حزبه، حزب المحافظين، كان يتيح ذلك، نظراً لميل تقليدي في صفوفه إلى الاعتدال واتساع مساحة النقاش الداخلي، ولا بريطانيا كانت تُعرف عنها مسايرتها لسياسات هي أقرب إلى العنصرية والتماهي مع اليمين المتطرف، كما هي اليوم. وقبل وصوله إلى لندن، كان هذ

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم منظمة حقوقية متفائلة باتساع «مقاومة» الشعبوية

منظمة حقوقية متفائلة باتساع «مقاومة» الشعبوية

اعتبرت «هيومن رايتس ووتش» في تقريرها السنوي لعام 2018، أن فوز الفرنسي إيمانويل ماكرون يشكل «المثال الأوضح لنجاح مقاومة الشعبوية» التي انتشرت في الكثير من دول العالم.

«الشرق الأوسط» (باريس)

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.