لا نهاية قريبة لظاهرة التشدد الهندوسي الشعبوي في الهند

في ضوء انتصارات «بهاراتيا جاناتا» الانتخابية الأخيرة

لا نهاية قريبة لظاهرة التشدد الهندوسي الشعبوي في الهند
TT

لا نهاية قريبة لظاهرة التشدد الهندوسي الشعبوي في الهند

لا نهاية قريبة لظاهرة التشدد الهندوسي الشعبوي في الهند

تمكّن حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم في الهند من الخروج منتصراً في أربع ولايات هندية من أصل خمس شهدت الانتخابات المحلية في الفترة الأخيرة. وكان ينظر إلى هذه الانتخابات باعتبارها اختباراً لشعبية رئيس الوزراء القومي اليميني ناريندرا مودي قبل الانتخابات العامة المقرّرة في 2024، عندما يسعى للحصول على فترة ولاية ثالثة.
حزب بهاراتيا جاناتا، رأس اليمين القومي الهندوسي الهندي، احتفظ بالسلطة في أربع ولايات - أوتار براديش (أكبر ولايات الهند من حيث عدد السكان) وأوتارانتشال وغوا ومانيبور. ونال الحزب أكبر عدد من الأصوات داخل الولايات الأربع من بين الأحزاب السياسية المشاركة في السباق الانتخابي. وبالنظر إلى العوامل التي بدا أنها تقف ضد الحزب خلال العامين الماضيين، ولقد تنوعت ما بين حركات مناهضة لمودي ومظاهرات جماهيرية تعترض على ظروف اقتصادية صعبة، اكتسب هذا الفوز أهمية كبيرة. بل، جاء ميل الناخبين تجاه التصويت لصالح مَن يشغل السلطة ليثير حيرة علماء السياسة.
وفي حين رأى البعض أن الانتصارات الانتخابية التي حققها بهاراتيا جاناتا «شهادة على إيجابية السياسات التي انتهجها مودي»، واعتبروا أن النتائج تُعد بمثابة استفتاء في منتصف فترة الولاية الثانية لرئيس الوزراء، قلل آخرون - في المقابل - من شأن فوزه، معتبرين أنه جاء نتيجة طبيعية لحالة الاستقطاب التي تسود البلاد.
ومن ثم، كيف تغيّر هذه النتائج الديناميكيات السياسية والاجتماعية على أرض الواقع؟ وما تداعياتها لعام 2024 عندما تعقد الهند انتخابات عامة؟

خلال السنوات الأخيرة، اكتسبت الحركات القومية المستوحاة من الدين مكانة بارزة في العديد من البلدان حول العالم، ولم تكن الهند – كبرى ديمقراطيات العالم – بمنأى عن هذه الظاهرة.
والحقيقة، أنه كثيراً ما شهدنا التركيز على مصطلح «القومية الهندوسية» في كل من وسائل الإعلام الهندية والغربية، وكثيراً ما وصف رئيس الوزراء ناريندرا مودي وحزبه اليميني القومي الحاكم بأنهم يروّجون لأجندة قومية هندوسية.
لقد كانت العقيدة المميزة لحزب بهاراتيا جاناتا منذ عام 1989 «هندوتفا»، وهي آيديولوجية سياسية تروّج لما تعتبره «قيم» الديانة الهندوسية باعتبارها حجر الزاوية للمجتمع الهندي وثقافته. وبالطبع، تنسجم شخصية مودي للغاية مع آيديولوجية «هندوتفا» الأساسية لحزب بهاراتيا جاناتا. ونتيجة لاعتماد حزب بهاراتيا جاناتا المستمر على آيديولوجية «هندوتفا» العدوانية، تمكن من تحقيق نجاحاته الانتخابية في الماضي.
ومع أن استطلاع رأي أجراه معهد «بيو» عام 2021 حول «الدين في الهند»، أظهر أن التسامح تجاه الأديان الأخرى ما زال قوياً داخل المجتمع الهندي، غدا واضحاً الآن أن عدداً أكبر من الغالبية (الهندوس) يرون الآن أن الدين يشكل جوهر هويتهم، ويدعمون الدعوات لـ«دولة هندوسية».

- أديتياناث... وجه التطرف الجديد
الجدير بالذكر هنا، أن ولاية أوتار براديش، أكبر ولاية هندية وقلب ما يسمّى بـ«الحزام الهندي»، تعدّ موطناً لأكثر عن 220 مليوناً من سكان الهند البالغ عددهم 1.32 مليار نسمة. ويخرج من هذه الولاية أكبر عدد من أعضاء البرلمان الوطني (80) على مستوى البلاد. كذلك، تجدر الإشارة إلى أن حاكم الولاية، يوغي أديتياناث، الذي فاز للتو بولايته الثانية في المنصب، راهب هندوسي تحوّل إلى سياسي. ويرى بعض النقاد السياسيين، أن أديتياناث «خليفة» محتمل لمودي على الصعيد الوطني. وللعلم، تشير الأرقام إلى أن 80 في المائة من سكان ولاية أوتار براديش من الهندوس، مقابل نحو 20 في المائة من المسلمين، وهو ما يشبه تقريباً التركيبة السكانية في باقي الهند.
انتصار حزب بهاراتيا جاناتا داخل ولاية أوتار براديش يوصف بأنه «تاريخي»، وخاصة أنه يأتي معززاً بفوز حاكم الولاية أديتياناث بفترة ولاية ثانية على التوالي، وهذه هي المرة الأولى التي يحقق فيها حاكم للولاية هذا الإنجاز منذ 36 سنة.
وتعليقاً على ما حصل، صرح رافيش كومار، كبير المحرّرين لدى شبكة «إن دي تي في» التلفزيونية الهندية، بأنه «ظهر أديتياناث بمثابة الوجه المعبّر عن اليمين الهندوسي. وخلال فترة ولايته، اتبع سياسات تروّج لفكرة التفوّق الهندوسي، وغيّر أسماء المدن والبلدات التي تحمل طابعاً إسلامياً بأسماء هندوسية، ووجّه بمراجعة الكتب المدرسية لتبييض تاريخ المغول ووافق على قانون يحظر «جهاد الحب» - الممارسة المزعومة المتمثلة في تحويل النساء الهندوسيات إلى الإسلام من خلال الزواج برجال مسلمين. وتمثل هذه الأمور عناصر صورته السياسية. ثم إن أوتار براديش تمثّل قلب هندوتفا باعتبارها موطناً للعديد من المواقع الهندوسية المقدسة، والتي عملت من نواحٍ كثيرة كمركز للسياسة الهندوسية لحزب بهاراتيا جاناتا. ولقد عزّز احتفاظ حزب بهاراتيا جاناتا بهذه الولاية، المستقبل السياسي الشخصي لأديتياناث، مع التزام الولاية نوعاً حازماً للغاية من القومية الهندوسية.
وأضاف كومار، أنه منذ إعادة انتخاب مودي المفاجئة عام 2019، ضاعف أديتياناث من جهوده لخدمة مشروع الغالبية الهندوسية لإعادة صياغة جمهورية الهند العلمانية لتصبح دولة هندوسية... وهو أمر يطرح التساؤل الآن: ما الاستنتاجات الأولية التي يمكن استخلاصها من هذه الانتخابات؟
ما زال ناريندرا مودي السياسي الأكثر شعبية في الهند، وهو يُعد وجه حزبه وصوته، بل يعدّ المحرك الأساسي وراء الكثير من الجاذبية التي يتمتع بها الحزب. وبطريقة ما، فإن جزءاً من أي تصويت لصالح أي مرشح من حزب بهاراتيا جاناتا يأتي بمثابة تصويت له. وللعلم، هذه المرة الأولى التي يكون فيها للقوميين الهندوس زعيم معروف بهذا الشكل؛ ولذا فهم حريصون جداً على إبقائه رئيساً للوزراء، والواضح أنه سيظل زعيماً رئيسياً للحزب لسنوات عديدة مقبلة.
من ناحية أخرى، كتب سلمان خورشيد، وزير الخارجية الهندي الأسبق، وهو عضو في حزب المؤتمر الهندي، الذي هو الآن حزب المعارضة الرئيس، في كتابه «(شروق الشمس فوق أيوديا): القومية في عصرنا»، عن تراجع العلمانية في الهند. وعقد مقارنة بين هندوتفا - القومية الهندوسية - التي ازدهرت في عهد مودي و«الجماعات المتطرفة» مثل «داعش». ولكن على الفور جرى رفع دعوى قانونية من قبل رئيس «هندوسينا»، فيشو جوبتا، لوقف نشر الكتاب وبيعه وتوزيعه.
في أي حال، يمكن إرجاع جذور الصراع الديني المعاصر في الهند إلى عام 1947 عندما أعادت بريطانيا - تحت ضغط القادة السياسيين المسلمين الذين أرادوا دولة ذات غالبية مسلمة - ترسيم حدود مستعمرتها. ومن رحم هذا التقسيم لشبه القارة الهندية، ولدت دولة باكستان. إلا أنه نظراً لأن رسم الحدود الجديدة جرى على عجل، تركت هذه العملية العديد من المسلمين والهندوس على الجانب «الخطأ» من الحدود؛ ما أدى إلى موجة من أعمال العنف والإرهاب والتهجير المتبادل أودت بحياة مليون شخص وشردت 14 مليوناً آخرين.
ومع ذلك، بقي ملايين المسلمين يعملون من أجل بناء الهند كدولة مستقلة، وحرص رئيس وزراء الهند الأول جواهر لال نهرو على كبح جماح القومية الهندوسية لصالح رؤية أكثر مساواة للبلاد. وحقاً، لم تبدأ العلمانية في التآكل حتى ثمانينات القرن الماضي، إبان فترات حكم رئيسة الوزراء أنديرا غاندي (ابنة نهرو) وابنها راجيف اللذين اغتيلا على يد مسلحين من الأقليات الدينية والعرقية - السيخ والتاميل على التوالي - الأمر الذي مهّد الطريق أمام حزب بهاراتيا جاناتا لاستغلال التوترات الدينية في البلاد.

- استقطاب الأقليات
باحثون سياسيون يرون، أن الصعود السياسي لحزب بهاراتيا جاناتا يمثل اتجاهاً مثيراً للقلق، ويعبّر عن نهج جديد وقوي من القومية الهندوسية يؤدي إلى اضطهاد الأقليات في أكبر دولة ديمقراطية في العالم. ويقول منتقدو حزب بهاراتيا جاناتا، إن الحزب تعمّد خلق حالة من الاستقطاب داخل المشهد السياسي على أسس طائفية وتهميش الأقليات، مستشهدين بقوانين «المواطَنة الجديدة» المثيرة للجدل، وحظر الحجاب، بل لقد وصل الأمر حد إطلاق سياسيين خطابات يهاجمون خلالها المسلمين.
من ناحيته، يزعم بهاراتيا جاناتا أنه صادق مع شعاره الشامل «دعم الجميع، وتنمية الجميع»، وأنه ليس ثمة مكان لسياسات الاسترضاء. ومن ثم، يتهم بهاراتيا جاناتا، خصمه حزب المؤتمر - وهو الحزب العلماني الجامع الذي أنجز استقلال الهند - بمعاملة المسلمين «كبنك للأصوات الانتخابية، وليس كمواطنين في الهند».
وهنا يلاحَظ أنه جرى استقبال التصريح الأخير لرئيس الوزراء ناريندرا مودي بأن على الحكومة أن تكسب ثقة الأقليات وتخرق «أسطورة الخوف» بطريقتين مختلفتين. إذ إنه لا يزال قسم من المراقبين السياسيين غير مقتنعين بهذا التأكيد، وهم يجادلون بأن سياسة الهندوتفا العدوانية قد همشت الأقليات بالفعل. ويرون أنه إذا كانت حكومة مودي جادة حقاً بشأن انعدام الثقة هذا، فعليها فعل المزيد من الجهود.
في المقابل، استقبل البعض تصريح مودي بروح متفائلة، ورأى أن على الأقليات، وبخاصة المسلمون، «تقدير» لفتة مودي «الإيجابية»، و«العمل على استكشاف إمكانيات الحوار البنّاء». غير أن هذا الكلام يأتي بينما تتحدث المنظمات اليمينية في البلاد، صراحة، عن رؤيتها لتحويل الهند العلمانية إلى دولة هندوسية. ويخشى النشطاء أن يسمح بهاراتيا جاناتا، في هدوء، للأمور بالتحرك في هذا الاتجاه؛ ما قد يعني تقليص حقوق المسلمين وتفاقم أعمال العنف الطائفي.
في هذه الأثناء، وجدت المحكمة العليا في الهند نفسها مضطرة إلى التدخل خلال العام الماضي في ديسمبر (كانون الأول)، عندما وجه رجال دين هندوس متشددون دعوة مفتوحة ضد الأقليات. وفتحت المحكمة العليا تحقيقاً حول خطاب الكراهية ضد الأقليات. وفي هذا الصدد، قال عالم الاجتماع البارز شيف فيزفاناثان معلقاً «إن خطر نظام الغالبية يكمن في أن الغالبية في الأصوات تصبح غالبية في صياغة القانون والنظام. وبالتالي، عندما تقوم بهذا الانتقال، فإنك بهذا تنتقل إلى الاستبداد».

- مخاطر التجييش الديني
في هذا الإطار، ينبغي التذكير بأن الهند موطن لأكثر عن 200 مليون مسلم. ويعتقد باحثون أن الصعود السياسي لحزب بهاراتيا جاناتا «يمثل اتجاهاً يثير القلق حيال وجود نمط قوي من القومية الهندوسية يسفر عن اضطهاد المسلمين في أكبر ديمقراطية في العالم». في المقابل، من المثير للاهتمام، أن رئيس الوزراء الهندي مودي التقى البابا فرنسيس، رأس الكنيسة المسيحية الكاثوليكية ودعاه لزيارة الهند، الدولة التي تضم ثاني أكبر عدد من المسيحيين داخل آسيا. وبينما غرّد عمر عبد الله، رئيس الوزراء السابق لجامو وكشمير التي تديرها الهند، في وقت قريب، قائلاً «لقد أكدت دوماً أنه ليس لدى بهاراتيا جاناتا أي نية لخوض أي انتخابات بأجندة أخرى غير الطائفية الصارخة والكراهية، مع كل السم الموجه إلى المسلمين»، وجه موهان بهاجوات، زعيم منظمة «راشتريا سوايامسيفاك سانغ» اليمينية الهندوسية المتطرفة، الذي يعتبره كثيرون «المرشد الآيديولوجي» لحزب بهاراتيا جاناتا، الهندوس من التحولات الدينية و«التغييرات الديموغرافية» المزعومة في الولايات الشمالية الشرقية للهند، والتي تضم أعداداً كبيرة من المسيحيين. وهذا مع الإشارة إلى أن تسع ولايات هندية على الأقل تخطط لسن قوانين مناهضة للتحول من دين إلى دين آخر. والواقع، أن العديد من المعارضين السياسيين لبهاراتيا جاناتا يؤمنون بأن خطاب الحزب القومي المتطرف القائم على إعلاء شأن القومية الهندوسية، يهدد بإزاحة العلمانية كأساس لدستور الهند. ويعزز هذا الأمر أنه صاحب مساعي بهاراتيا جاناتا لـ«تسييس» الدين الهندوسي في السنوات الأخيرة، انتهاجه - كحزب حاكم - سياسات أشد عدوانية يشكو أبناء الجالية المسلمة في الهند إنها تعاملهم كمواطنين من الدرجة الثانية.

- التشدد الإسلامي المعاكس
ولكن، في الضفة المقابلة، يرى نفر من المحللين السياسيين يعتبرون خطابات بعض القادة المسلمين في السنوات الأخيرة بمثابة تأجيج للانقسام في الهند. وفي هذا المجال، يشير بعضهم إلى أنه في فبراير (شباط) الماضي، لجأ وارث باتان، رئيس مجلس اتحاد المسلمين في الهند والمشرع السابق المثير للجدل، إلى توجيه تهديد علني للهندوس. وحرض المسلمين بالقول «إن الوقت قد حان لمسلمي البلاد لكي يتحدوا ويحققوا الحرية». وأضاف، أنه «على الرغم من أن عدد المسلمين في البلاد يبلغ 200 مليون فقط، فإنه لا يزال بإمكانهم السيطرة على أكثر عن مليار هندوسي». وكان باتان قد حذر الهندوس علناً إزاء ضرورة الخوف من المسلمين، وذكرهم بـ«العواقب» إذا ما أقدموا على مواجهة المسلمين.
أيضاً، قال أوما عبد السلام، رئيس «الجبهة الشعبية الهندية» المتشددة، في بيان له بعد فوز بهاراتيا جاناتا في الانتخابات الأخيرة «جاء نتيجة الاستقطاب الطائفي الواسع النطاق المعتاد» الذي قام به الحزب، مضيفاً «اعتمد حزب بهاراتيا جاناتا بشدة على الطائفية لجذب الأصوات الانتخابية، وبهذا نجحوا في التغلب على مواجهة قضايا المعيشة والسياسة القائمة على القضايا التي نوقشت خلال الانتخابات. وهكذا حوّل بهاراتيا جاناتا انتباه الناس عن سوء الإدارة والقضايا التنموية الأساسية من خلال توحيد عقول الناخبين ونشر دعاية كراهية تستهدف ديانات الأقليات». وتابع سلام «ومن ناحية أخرى، أخفقت الأحزاب العلمانية في تقييم ومعالجة خطورة الوضع، بينما يشكل الاستقطاب الطائفي والكراهية والإبادة الجماعية تهديداً خطيراً لوجودنا كدولة. يجب على هذه الأحزاب العلمانية الآن أن تمعن النظر في الوضع القائم، وأن تتعلم الدروس من فشلها، وأن تعد لتغيير جذري في النهج الذي تتبعه فيما يتعلق بالعلمانية التي يتخيلها ويمارسها». وشدد على أنه ينبغي على هذه الأحزاب الآن على الأقل اتخاذ موقف هادف تجاه إنقاذ بلدنا وقيمه الدستورية من هجمة هندوتفا.
وما يستحق التنويه في هذا الاتجاه، أنه في عام 2019، حمّلت قناة إسلامية على «يوتيوب» تدعى «إم كيه» خطاب داعية متشدد، ظهر فيه يهدد علانية بشن «الجهاد» داخل الهند. وكان داعية متشدد آخر قد طلب من الدول الإسلامية في جميع أنحاء العالم جمع بيانات عن غير المسلمين في الهند الذين ينتقدون الإسلام ويقبضون عليهم عندما يصلون إلى بلادهم ويحاكمونهم بموجب قوانين مكافحة التجديف.


مقالات ذات صلة

«الأحزاب الاشتراكية» الأوروبية في تقهقر مستمر

أوروبا مارين لوبن زعيمة حزب «التجمع الوطني» تلقي كلمتها الخميس الماضي في «الجمعية الوطنية» (أ.ف.ب)

«الأحزاب الاشتراكية» الأوروبية في تقهقر مستمر

«الأحزاب الاشتراكية» الأوروبية في تقهقر مستمر بعد أن حكمت منفردة عشرات السنين، لكنها بدأت تخسر مواقعها أمام المد الشعبوي...

شوقي الريّس (بروكسل)
أوروبا اللقاء الثنائي بين البرازيل وإسبانيا على هامش المؤتمر (إ.ب.أ) p-circle

سانشيز يجمع الحشد التقدمي العالمي في برشلونة لمواجهة المد اليميني المتطرف

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز بدأ خطوةً متقدمةً نهاية هذا الأسبوع بدعوته إلى عقد الدورة الرابعة لقمة «الدفاع عن الديمقراطية».

شوقي الريس (برشلونة)
حصاد الأسبوع آراء متشائمة إزاء مستقبل التسامح والتعددية

آراء متشائمة إزاء مستقبل التسامح والتعددية

> يرى العالم السياسي الهندي سوهاس بالشيكار، أن ثمة جوانب رئيسة للتحوّل الجاري على صعيد الثقافة السياسية للهند المعاصرة، أبرزها: أولاً، أن الناخب الهندوسي العادي اليوم يميل، على ما يبدو، أكثر عن أي وقت مضى ليصبح جزءاً من كتلة الناخبين المؤيدة للهندوتفا، والتي جرت تعبئتها سياسياً. وأظهر حزب بهاراتيا جاناتا، على مدى العقد الماضي، مراراً وتكراراً قدرته على استقطاب فعّال للناخبين على أساس الهوية الدينية.

أولى «الشعبوية»... من شعار إلى برنامج حكم

«الشعبوية»... من شعار إلى برنامج حكم

بعدما بدأت شعاراً فقط، باتت «الشعبوية» الآن برنامج حكم يتسع على امتداد عدد من الدول الغربية المؤثرة، ويمتد صداه إلى دول أخرى. وتمثل آخر الحصاد الشعبوي بوصول بوريس جونسون إلى منصب رئيس الحكومة البريطانية مؤخراً، رغم أن حدثاً كهذا كان يبدو مستبعداً قبل عقد من الزمان؛ فأن يصل سياسي بمواصفات جونسون إلى قيادة إحدى أعرق الديمقراطيات الغربية لم يكن في الحسبان، فلا حزبه، حزب المحافظين، كان يتيح ذلك، نظراً لميل تقليدي في صفوفه إلى الاعتدال واتساع مساحة النقاش الداخلي، ولا بريطانيا كانت تُعرف عنها مسايرتها لسياسات هي أقرب إلى العنصرية والتماهي مع اليمين المتطرف، كما هي اليوم. وقبل وصوله إلى لندن، كان هذ

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم منظمة حقوقية متفائلة باتساع «مقاومة» الشعبوية

منظمة حقوقية متفائلة باتساع «مقاومة» الشعبوية

اعتبرت «هيومن رايتس ووتش» في تقريرها السنوي لعام 2018، أن فوز الفرنسي إيمانويل ماكرون يشكل «المثال الأوضح لنجاح مقاومة الشعبوية» التي انتشرت في الكثير من دول العالم.

«الشرق الأوسط» (باريس)

سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
TT

سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)

دشّن الإعلان عن التوصل إلى «مذكرة تفاهم» بين دمشق وموسكو تعيد تنظيم وهيكلة الوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، مرحلةً جديدة في علاقات البلدين، تفتح على توسيع التعاون في مجالات مختلفة، وإزالة واحدة من العقبات الرئيسية الموروثة من حقبة الرئيس المخلوع بشار الأسد. وفي وقت تعوّل فيه موسكو على استكمال وتسريع مسار تطبيع واسع للعلاقات، يمنح الطرفين الروسي والسوري القدرة على إعادة بنائها، ويضع آليات تتجاوز صعوبات الماضي القريب وتلبي مصالح الطرفين، فإن التحدي الأبرز الذي يواجهه الطرفان، يتمثل في الضغوط الغربية المتواصلة على دمشق لتقليص العلاقات مع روسيا إلى أدنى حد ممكن.

حملت تعليقات الطرفين الروسي والسوري، بعد الإعلان عن توقيع «مذكرة التفاهم» بينهما، تطابقاً في تقييم الوضع على صعيد العلاقات الثنائية، وقناعة بأن من شأن هذه الخطوة الحاسمة إطلاق مرحلة جديدة في علاقات البلدين.

ولكن بينما وصفت وزارة الخارجية السورية التوصل إلى «مذكرة التفاهم» بأنه خطوة «تحسم مصير القاعدتين الروسيتين في حميميم وطرطوس، وترسم ‏ملامح المرحلة المقبلة للعلاقات بين البلدين». قالت موسكو في تعليقها إن التطوّر يمنح العلاقات آفاقاً واسعة تلبي مصالح البلدين.

عملية إعادة تنظيم

بموجب التفاهم، ستبدأ فوراً عملية إعادة تنظيم الوجود الروسي في الساحل السوري، ‏على أن تتولى الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، وفي مقدمها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ‏ميناء طرطوس، بما يتيح إدخالهما تدريجياً ضمن منظومة الإدارة المدنية.

أما بالنسبة للقواعد والمنشآت ذات الطابع العسكري، فأفادت المذكرة بأن «الطرفين اتفقا على إعادة ‏صياغة وظيفتها، بحيث تتحوّل من قواعد عسكرية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة، ضمن ترتيبات جديدة تحفظ ‏المصالح المتبادلة»‏.

وحدّدت «مذكرة التفاهم» سقفاً زمنياً لا يتجاوز ثلاثة أشهر لاستكمال عملية ‌‏التحويل، لتدخل بعدها الترتيبات الجديدة حيز التنفيذ. ويعد التطور، الخطوة الأبرز منذ بدء المفاوضات قبل نحو عام ونصف عام، ويفتح، كما قال خبراء من الجانبين، «الباب ‏أمام مرحلة مختلفة نوعياً في العلاقات السورية - الروسية».‏

أسئلة حول المستقبل

ووفقاً لخبراء، فإن الإعلان عن توقيع «مذكرة التفاهم» يعكس رغبة متبادلة في «تجاوز الملفات الصعبة في العلاقات، وإيجاد آليات براغماتية لتنظيم العلاقة بشكل يلبي مصالح الطرفين».

لكن كان لافتاً أن المذكرة في بنودها المعلنة لم تحدّد تفاصيل عن طبيعة الوجود الروسي على الأراضي السورية مستقبلاً، سواءً لجهة عديد القوات الروسية المتفق عليه وطبيعة مهامهم وعتادهم والأسلحة التي يمكن أن تبقى في «حميميم» و«طرطوس» مستقبلاً، كما لم تحدد سقفاً زمنياً للتفاهم الجديد. وهذا أمر أثار الكثير من النقاش والتباين في التحليلات بين طرفين رأى أحدهما أن المذكرة تقلّص إلى أدنى درجة النفوذ الروسي في سوريا، وتنهي عملياً حقبة كاملة من «المكاسب» التي حصلت عليها موسكو بسبب تدخلها العسكري في هذا البلد في 2015. في حين يصرّ الموقف الرسمي في البلدين - ومعه فريق واسع من المحللين - على أن التطور «يعيد تنظيم هذا الوجود على أسس جديدة» تأخذ في الاعتبار توافقات موسكو ودمشق على إعادة هيكلة العلاقات بشكل يحفظ مبدأ الاحترام المتبادل للسيادة ويلبي أهداف ومصالح البلدين.

إلغاء الاتفاقيات السابقة

ولكن الثابت، وفقاً لأكثر من خبير، أن توقيع المذكرة «يلغي عملياً الاتفاقات السابقة» التي كانت تنظم وجوداً طويل الأمد، وصفه مسؤولون روس بأنه «إلى الأبد». وهو أيضاً يشطب كل الصلاحيات الواسعة المجحفة التي كان الأسد منحها لموسكو، كالإفادة من المناطق والمنشآت المدنية في محيط القاعدتين، والحصانة الواسعة التي كان يتمتع بها الجنود والضباط الروس على الأرض السورية. بما يعني أن المذكرة لا تعيد فقط تنظيم الوجود الروسي، بل تضع أيضاً هيكلية جديدة له تقوم على إنهاء فكرة «القواعد الروسية»، وتحوّلها إلى مراكز عمل مشتركة تخدم أهداف وتطلعات الطرفين.

توقيع «مذكرة التفاهم» يعكس رغبة متبادلة في «تجاوز الملفات الصعبة في العلاقات

وإيجاد آليات براغماتية لتنظيم العلاقة بشكل يلبي مصالح الطرفين»

ماذا تبقى لموسكو؟

في الواقع، لقاعدة حميميم وميناء طرطوس أهمية استراتيجية خاصة في الساحل السوري؛ إذ يمثل مطار حميميم منشأة جوية رئيسة، بينما يرتبط ميناء طرطوس بالموقع البحري الذي شكّل أحد أبرز أوجه الحضور الروسي في سوريا طوال السنوات الماضية.

وفي حين أن الوجود الروسي الجوي في قاعدة «حميميم» لم تكن له أهمية استراتيجية بالنسبة إلى موسكو إلا في إطار الأهداف العملياتية إبان الحرب السورية، فإن الإطلالة الروسية على البحر المتوسط في قاعدة طرطوس البحرية اكتسبت أهمية استراتيجية كبرى كون الوجود الروسي فيها شكل «حلقة لوجستية» مهمة للغاية لخدمة السفن والأساطيل الروسية التي تتحرّك في المياه الدافئة، ولضمان سلاسل الإمداد والصيانة للسفن التي تنقل المعدات والموارد إلى القارة الأفريقية.

وحقاً، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد قال غير مرة في السابق إن بلاده مستعدة لسحب فوري لقواتها في سوريا «عندما تدعو الضرورة لذلك». وبالفعل، بدأت موسكو سحباً تدريجياً لقواتها منذ خريف عام 2016 عندما أعلنت «انتهاء الجزء النشط من العمليات العسكرية في سوريا». لكن الانسحاب الأوسع جاء مع اندلاع الحرب الأوكرانية؛ إذ نقلت موسكو معدات ثقيلة ووحدات قتالية إلى مناطق أخرى، وعاد جزء كبير منها إلى ساحة المواجهة مع أوكرانيا.

وفي وقت لاحق، عندما أدت التطورات إلى إطاحة نظام الأسد، عمدت موسكو إلى نقل الجزء الأكبر المتبقي في حميميم إلى مطار القامشلي، الذي حوّلته موسكو بالتفاهم مع تركيا والولايات المتحدة إلى قاعدة جوية ضخمة، قبل أن تنسحب منه في مطلع العام استجابة لطلب من القيادة السورية الجديدة.

والحال أن القوات الروسية، التي كانت تنتشر في 114 قاعدة ونقطة ارتكاز على الأرض السورية عشية إطاحة نظام الأسد، قلّصت هذا الوجود إلى أدنى درجة ممكنة، ولم تعد تحتفظ بقوات إلا في القاعدتين الأكبر في حميميم وطرطوس.

وبعد المذكرة الحالية، يرى خبراء أن موسكو ستواصل تقليص حضورها في القاعدة الجوية، التي ستتحول فعلاً إلى مركز تدريب مشترك لم يتضح بعد ما إذا كان الطرفان سيتقاسمان الإدارة والسيطرة فيه.

قاعدة طرطوس

في المقابل، فإن الحاجة للمحافظة على الوجود الروسي في طرطوس، كونها نقطة ارتكاز لوجستية حيوية لحركة السفن الروسية، لم تتراجع. بل ستزداد أهمية بسبب اتساع نطاق الضغوط الغربية على موسكو وعلى تحرّكات الأساطيل الروسية. وتنطلق موسكو، في حال فتح الطرفان جولات مفاوضات جديدة لتحديد الوضع النهائي للوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، من إمكانية العودة إلى اتفاقية مبرمة في عام 1972 تنظم وجوداً محدوداً لروسيا في إطار مركز فني لخدمة وصيانة السفن وإمدادها بالوقود والمستلزمات الأخرى.

انفتاح على تعاون أوسع

في كل الأحوال، رأى خبراء أن من شأن إبرام المذكرة حالياً إزالة عائق رئيس أمام تطوير التعاون في مجالات عدة. وبحسب المستشار المقرّب من الخارجية الروسي، رامي الشاعر، فإن توقيع المذكرة شكّل استجابة عملية لإعلانات الرئيسين فلاديمير بوتين وأحمد الشرع حول وضع «آلية براغماتية» لإعادة رسم ملامح العلاقات على أرضية جديدة، وبما يتفق مع احترام متبادل للسيادة وتعزيز آليات المنفعة المتبادلة.

ورأى الشاعر أن أهمية المذكرة تكمن في كونها تطلق مرحلة جديدة للتفاهم في مجالات عدة. وأشار إلى أن روسيا ساهمت في الماضي في بناء أهم مرافق البنية التحتية، وبخاصة في مجالي الطاقة والزراعة، بالإضافة إلى تجهيز الكوادر في جميع المجالات، فضلاً عن المساهمة في بناء الجيش السوري وتزويده بكل ما يلزم. وزاد أن المذكرة الجديدة تضع أساساً لتطوير التعاون في كل هذه المجالات على أرضية جديدة.

بدوره، رأى رئيس مجلس الأعمال الروسي - السوري لؤي يوسف في توقيع هذه المذكرة «طيّاً لصفحة الماضي، وتحويلاً للعلاقة الثنائية إلى إطار قائم على المصالح المشتركة، وإعادة هيكلة براغماتية للعلاقات الروسية - السورية».

وأردف: «لا كما يروّج البعض من أنَّها انسحاب روسي من سوريا. فكل طرف يسعى للحفاظ على مكاسبه الأساسية ضمن مظلة جديدة».

وتابع أن العلاقة بين موسكو ودمشق تشهد تطوراً مستمراً بعد سقوط نظام الأسد، و«تتعدد المؤشرات على ذلك، ومنها تركيز الرئيسين الشرع وبوتين على تفعيل وتوسيع الدور الاستراتيجي للشركات الروسية وقطاع الأعمال في إعادة الإعمار. وهذا ما نعمل عليه في مجلس الأعمال الروسي - السوري، حيث نخطط لتنظيم منتدى الأعمال الروسي - السوري في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، بمشاركة الطرف السوري، وبحضور نحو 50 شركة روسية من مختلف المجالات لبحث آفاق التعاون».

تعيين سفير مخضرم

وأشاد الشاعر بتعيين سفير جديد لروسيا في دمشق له خبرة واسعة في الشأن السوري وشؤون المنطقة، وعدَّها خطوة لتنظيم آفاق أوسع للعلاقة والتعاون. وكان بوتين أصدر قبل أيام، مرسوماً يقضي بتعيين الدبلوماسي دميتري دوغادكين سفيراً فوق العادة ومفوضاً للاتحاد الروسي لدى الجمهورية العربية السورية خلفاً للسفير السابق ألكسندر يفيموف.

ويُعدّ دوغادكين دبلوماسياً مخضرماً عمل لسنوات طويلة في المنطقة، وتنقل خلال العقدين الماضيين في مناصب عدة بين مصر وسوريا وسلطنة عمان وقطر، كما تسلم بين عامي 2013 و2017 منصب مدير دائرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الخارجية الروسية، ما منحه خبرة واسعة في شؤون المنطقة واطلاعاً وثيقاً على ملفات العلاقة الروسية العربية عموماً، والعلاقات الروسية السورية على وجه الخصوص.

ويعود دوغاكين، الذي يتقن العربية، إلى سوريا سفيراً، بعدما كان قد عمل في هذا البلد مستشاراً أول ونائباً للسفير الروسي بين عامي 2009 و2013، ما يعني أنه عاصر التطورات العاصفة التي شهدتها البلاد، وتحوّل الحراك الشعبي الذي اندلع في 2011 ضد نظام بشار الأسد إلى مواجهة عسكرية طاحنة، دفعت لاحقاً إلى تدخل روسيا عسكرياً بشكل مباشر في 2015.

ضغوط غربية

في المقابل، يواجه السفير الروسي الجديد لدى سوريا ملفات معقدة وتحديات كبرى. وكان أحدث تطور على هذا الصعيد، الإشارة الأميركية التي تلقتها دمشق بضرورة وقف مشتريات النفط الروسي أو تقليصها إلى أدنى درجة ممكنة. وعمدت موسكو خلال السنة الأخيرة إلى تنشيط صادراتها من النفط والوقود إلى سوريا في إطار تفاهمات مع الحكومة السورية لمساعدتها على تجاوز الصعوبات الاقتصادية والمعيشية. وخلال الأشهر الست الأولى من هذه السنة نشطت موسكو صادراتها بشكل قوي.

وقفزت شحنات النفط الروسي إلى سوريا 75 في المائة لتصل إلى نحو 60 ألف برميل يومياً هذه السنة، وهي نسبة ضئيلة من إجمالي صادرات روسيا النفطية اليومية للعالم، لكنها جعلت موسكو المورّد الرئيس للنفط الخام إلى سوريا. ووفقاً لمصادر محلية فإن هذه الشحنات غطت ما يزيد على ثلث حاجة سوريا من النفط.

كذلك، كان مصدر سوري قد أعلن أن «سوريا تعتمد حالياً على النفط الروسي بدافع الضرورة لا التفضيل». ورد مسؤولون سوريون على الضغوط المتواصلة من جانب واشنطن بالإشارة إلى أنه على الولايات المتحدة رفع تصنيف الدول الراعية للإرهاب، لتتمكن سوريا من تنويع مصادرها في مشتريات النفط. وأبلغ مسؤول سوري في قطاع الطاقة «رويترز» أن دمشق تسعى بالفعل إلى إيجاد مورّدين جدد، وأنه من المتوقع حدوث «تغيير جذري» خلال الفترة القريبة المقبلة.

ولكن، قبل بروز هذا الملف، كانت دمشق تعرضت لضغوط مباشرة لدفعها إلى إبطاء مسار تطبيع العلاقات مع موسكو. ومع أن اللهجة الغربية تراجعت جزئياً في السنة الأخيرة، ظل هذا المطلب مطروحاً على طاولة المباحثات السورية - الأوروبية، والسورية - الغربية عموماً.

رؤية روسية

في مواجهة الضغوط الغربية، تنطلق موسكو من حاجة الطرفين إلى وضع ترتيبات جديدة للعلاقة تلبي مصالحهما. وكانت روسيا أعلنت استعدادها للمساعدة في إعادة تأهيل جزء مهم من البنى التحتية، وخصوصاً تلك التي أسهمت موسكو في السابق بشكل نشط في تشييدها، ويدور الكلام عن شبكة إمدادات الكهرباء وقطاعات عديدة أخرى ما زالت الشركات الروسية تنشط فيها. أيضاً عمدت موسكو إلى دعم دمشق بالمحروقات ومواد أخرى حيوية، وأبدت استعدادها للعمل بشكل غير مباشر على تعويض دمشق من خلال تلميح إلى احتمال إعفائها من الديون الروسية وتنشيط تعاون اقتصادي واستثماري في قطاعات عدة.

وناقش الطرفان الروسي والسوري تطوير التعاون العسكري في سياق حاجة دمشق إلى إعادة تأهيل جيشها.

بدورها، أكدت دمشق رغبتها بإعادة بناء العلاقة مع موسكو على أسس جديدة. ووضعت دمشق العلاقة مع موسكو في إطار الحاجة إلى تنويع العلاقات والإفادة من الانفتاح على كل الأطراف الدولية والإقليمية، لكنها طالبت مراراً بتحرك روسي يدعم مبدأ «العدالة الانتقالية». وبالتالي رغم الانفتاح على العلاقة المتجددة مع موسكو يبقى ملف وجود الرئيس المخلوع ورموز قيادته تحت الحماية الروسية عنصر توتر يعرقل بناء الثقة الكاملة بين الطرفين.

وفي هذا الإطار، فإن الضغوط الغربية المتواصلة على دمشق، تسعى - بين أهداف عدة - إلى عرقلة بناء علاقات متجددة بين موسكو ودمشق. وسارت واشنطن أخيراً خطوات عملية في هذا المجال، ويوم 8 يوليو (تموز)، أبلغ الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكونغرس بنيّته شطب سوريا من «قائمة الدول الراعية للإرهاب»، وهو بحاجة لتبرير هذا القرار خلال 45 يوماً. ومع أن هذا القرار لا يرتبط مباشرةً بروسيا، أوضحت واشنطن أخيراً رغبتها في إضعاف علاقات روسيا مع سوريا. وكلف الكونغرس وزارة الحرب (البنتاغون) بدراسة الخيارات المتاحة لتقليص النفوذ الروسي، وضمان انسحاب قواتها من القاعدة البحرية في طرطوس والقاعدة الجوية في حميميم.


عبد القادر جامع... «رجل الملفات الشائكة» على رأس مجلس الشعب الصومالي

ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي

تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
TT

عبد القادر جامع... «رجل الملفات الشائكة» على رأس مجلس الشعب الصومالي

ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي

تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره

صعود استثنائي كتبه الصومالي «الأربعيني» عبد القادر محمد نور جامع، في وقت مبكر من شبابه، بين أروقة الدبلوماسية والأمن والسلطة في الصومال، وصولاً للتربع على كرسي المنصب الثاني من حيث القوة والنفوذ في هيكل الدولة رئيساً لمجلس الشعب (البرلمان). وهو اليوم يتولّى المنصب في مرحلة مفصلية وسط خلافات سياسية حادة، وترقُّب انتخابات رئاسية وتشريعية في منتصف عام 2027.

يوم 10 أغسطس (آب) 2026، كتب عبد القادر محمد نور جامع، المولود يوم 21 أكتوبر (تشرين الأول) 1985 في مدينة بيدوا الصومالية، مرحلة جديدة في حياته السياسية مع فوزه برئاسة مجلس الشعب، لتنضم هذه المرحلة لسجل حافل بالمناصب والعلاقات المتينة مع القصر الرئاسي ورئيس البلاد حسن شيخ محمود.

في ذلك اليوم، كان جامع وزيراً للموانئ والنقل البحري، واستطاع حصد 142 صوتاً خلال جلسة انتخابية عقدت في مقر البرلمان بالعاصمة مقديشو، عقب شهرين من شغور مقعد رئاسة البرلمان إثر انتخاب رئيسه السابق، الشيخ عدن محمد نور مدوبي، رئيساً لولاية جنوب غربي الصومال في شهر يونيو (حزيران) من عام 2026.

وفي حينه حصد منافسه النائب عبد القادر عمر معلم، أحد أبرز وجوه الموالاة بالبلاد 30 صوتاً فقط، وسط غياب نواب مؤيدين للمعارضة التي ما عادت تعترف بشرعية البرلمان بعد إقرار الدستور في مارس (آذار) الماضي، ومن ثم تمديد فترتي البرلمان والرئاسة سنة حتى منتصف 2027.

اللغة التي قدم بها جامع نفسه بعد الانتخاب توحي بأنه «رجل دولة» يقدّم نفسه لمرحلة تبدو -بحسب مراقبين- مفصلية، مع ارتفاع «لاءات» المعارضة في وجه رئيس البلاد والحكومة الفيدرالية، وتمسّكها برفض الاعتراف به وبالمؤسسة التشريعية. ووفق المراقبين حاول الرجل الابتعاد عن الضغوط السياسية التي قد تستغل «قربه» من الرئيس حسن شيخ محمود.

إنها تقديرات يلخّصها خطاب فوزه، إذ وعد جامع بالتخلي عن مناصبه الحكومية والسياسية، حفاظاً على الحياد الذي يقتضيه منصب رئيس المجلس، وكذلك تعهّد بالتواصل مع النواب المعارضين الذين تغيبوا عن جلسة الانتخابات بسبب الخلافات السياسية.

أيضاً أكد رئيس البرلمان الجديد استعداده للعمل مع نائبي رئيس المجلس واللجان البرلمانية «لأداء عمل البرلمان بشكل كامل». ودعا، بعد أن غدا «الرجل الثاني» في هرم السلطة، إلى الوحدة، والمساواة، مؤكداً أن قيادته «ستسعى إلى تمثيل جميع الصوماليين، ودعم حقوقهم الاجتماعية والسياسية»، وأنه سيعمل على تعزيز التعاون مع مجلس الشيوخ، والمجالس التشريعية للولايات الفيدرالية الصومالية.

سجلّ حافل مع أروقة السلطة

خلف حضور جامع وفوزه الكبير سجل حافل، يشمل دراسته العلوم السياسية في جامعة أنقرة بتركيا بفضل منحة دراسية، وتخرجه عام 2016. وخلال هذه الفترة شغل جامع منصب السكرتير الأول في السفارة الصومالية بأنقرة بين عامي 2012 و2016، وقبل ذلك تولى منصب السكرتير الثاني في السفارة بين 2009 و2012، قبل انضمامه إلى وزارة الخارجية.

أكثر من هذا، شغل جامع منصب نائب مدير وكالة المخابرات والأمن الوطني، والقائم بأعمال المدير بعد استقالة المدير السابق حسن عثمان حسين يوم 13 أكتوبر 2018 وحتى 22 أغسطس 2018. وشغل منصب وزير العدل في الحكومة الفيدرالية الصومالية ما بين 24 أكتوبر 2020 و26 ديسمبر (كانون الأول) 2021. ثم تولّى حقيبة وزارة الدفاع في الفترة ما بين ديسمبر 2021، وحتى مارس من عام 2025، قبل أن يصبح وزيراً للموانئ والنقل البحري، حتى انتخابه الرجل الثاني بالدولة الصومالية.

رئيس مجلس الشعب

من جهة ثانية، تشير تقارير إعلامية محلية تنسب لسيرة جامع الذاتية أنه كان رئيساً للأمن في القصر الرئاسي الصومالي، وإدارة الملفات الشائكة بالدولة. وإبان توليه حقيبة وزارة الدفاع، شارك جامع في توقيع إطار للتعاون الدفاعي والاقتصادي بين الصومال وتركيا عام 2024، بهدف تعزيز التعاون الأمني والدفاعي بين البلدين.

مرحلة مفصلية

ردود الفعل التي لاحقت انتخاب عبد القادر محمد نور جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره، في ظل خلافات سياسية في الصومال جاوزت العامين بشأن الدستور، والعملية الانتخابية، والعلاقات بين الحكومة الفيدرالية وقوى المعارضة.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، بطبيعة الحال، هنأ جامع على انتخابه رئيساً جديداً لمجلس الشعب الفيدرالي الصومالي. وأعرب محمود عن تمنياته لرئيس المجلس الجديد بالتوفيق في أداء مسؤولياته الدستورية، مؤكداً أهمية اضطلاع مجلس الشعب بدوره في سنّ القوانين، وتمثيل الشعب، وتعزيز المساءلة داخل مؤسسات الدولة. ومن ثم دعاه إلى قيادة المجلس وفقاً للدستور، وإعطاء الأولوية للوحدة، والتشاور، والمصلحة العامة، مشدداً على أهمية الدور الذي يضطلع به البرلمان في عملية بناء الدولة الصومالية.

ومن جانبه، أعرب رئيس الوزراء حمزة عبدي بري، أيضاً، عن تمنياته لرئيس البرلمان الجديد بالتوفيق في أداء مهامه، «بما يعزز دور البرلمان، ويطور عمله التشريعي والرقابي»، مثمناً أهمية التعاون والتنسيق بين مؤسسات الدولة، ولا سيما الحكومة والبرلمان، بما يساهم في تسريع تنفيذ الخطط والبرامج الوطنية، وخدمة الشعب الصومالي. والخميس، تلقى جامع برقية تهنئة من رئيس البرلمان الأفريقي، فاتح بوطبيق، بمناسبة انتخابه رئيساً للمجلس، متمنياً له التوفيق في مهامه القيادية، وتعزيز دور المؤسسة التشريعية، بحسب «وكالة الأنباء الصومالية الرسمية».

في المقابل، أعلن «مجلس المستقبل الصومالي» المعارض، في بيان، بعد إعلان نتائج انتخابات رئيس البرلمان الفيدرالي، رفضه وإدانته ما وصفه بـ«الانتخاب المزعوم» لرئيس مجلس الشعب الصومالي المنتهية ولايته. واعتبر المجلس، في بيان، أن الولاية الدستورية للبرلمان الفيدرالي الصومالي انتهت يوم 14 أبريل (نيسان) 2026، وبالتالي، ما عاد البرلمان يتمتع بالشرعية الدستورية والسياسية التي تخوله انتخاب رئيس جديد للمجلس، كما أنه لا يملك صلاحية تمديد ولايته.

تحذير من المستقبل

أيضاً اعتبر «المجلس» أن «الطريقة التي استغل بها الرئيس المنتهية ولايته الانتخاب المزعوم، تجسّد مثالاً واضحاً على الخطة التي يسعى -بحسب البيان- إلى اتباعها لإدارة الانتخابات المقبلة للبرلمان الفيدرالي، ورئاسة الجمهورية، من خلال السيطرة على العملية الانتخابية، وإقصاء المنافسين الأقوياء، وتحديد نتائج الانتخابات مسبقاً». هذا، ويتمسك النواب الرافضون المشاركة في جلسات البرلمان بموقفهم حول «انتهاء الولاية الدستورية لمجلس الشعب في أبريل الماضي». ويؤكدون أن مدة ولاية البرلمان محددة بأربع سنوات بموجب الدستور المؤقت المعتمد عام 2012، ولذا فهم غير معترفين بالدستور الجديد الذي سمح بتمديد فترة الرئاسة والبرلمان لمدة عام وذلك لمنتصف 2027.وسط هذا الجدل، تتّجه الأنظار إلى جامع ليس باعتباره ممثلاً لصعود استثنائي في عالم السلطة فقط... بل لمتابعة إدارته للأزمة السياسية باعتباره الرجل الثاني بالدولة، والذي تضعه المعارضة بجوار الرجل الأول رئيس البلاد في خانة «رفض الاعتراف».


مجلس الشعب الصومالي... ركيزة حاسمة في فترة عصيبة

عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
TT

مجلس الشعب الصومالي... ركيزة حاسمة في فترة عصيبة

عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)

مع تصاعد الخلافات بين الحكومة والمعارضة في الصومال، بات «مجلس الشعب» ركيزة أساسية في المشهد السياسي وصنع القرار بالبلاد، بالتزامن مع انتخاب عبد القادر محمد نور جامع رئيساً جديداً له يوم 10 أغسطس (آب).

محمود علي كلني، الباحث في الشؤون الأفريقية، قال لـ«الشرق الأوسط» إن تاريخ البرلمان الصومالي مرّ بعدة فترات عصيبة؛ إذ تعود جذوره إلى مرحلة الاستقلال عام 1960، عندما قامت الجمهورية الصومالية على نظام برلماني ومجلس تشريعي عُرف باسم «الجمعية الوطنية». واستمر هذا الوضع خلال عقد الستينات إلى أن أطاح انقلاب عسكري عام 1969 بالنظام المدني، وعندها دخلت البلاد مرحلة مختلفة أصبحت فيها المؤسسة التشريعية خاضعة بصورة أكبر للنظام السياسي القائم.

ثم بعد انهيار الدولة المركزية عام 1991، دخل الصومال مرحلة طويلة من الفراغ المؤسسي والحرب الأهلية، قبل أن تبدأ عملية إعادة بناء الدولة عبر مؤتمرات المصالحة الوطنية. وفي عام 2004، أُنشئ النظام الفيدرالي الانتقالي، ثم جاءت نقطة التحوّل الأساسية، وفق كلني، عام 2012 مع اعتماد الدستور الفيدرالي المؤقت، الذي أعاد تأسيس البرلمان ضمن نظام اتحادي «ثنائي الغرف» يضم «مجلس الشعب» و«مجلس الشيوخ».

اليوم، يتكوّن «مجلس الشعب» الصومالي من 275 نائباً منتخبين بشكل غير مباشر، ويتولّى إلى جانب سنّ التشريعات، مهام الرقابة على الحكومة والمشاركة في عمليات صنع القرار السياسي في البلاد، في حين يتألف «مجلس الشيوخ» الصومالي من 54 عضواً ينتخبون بشكل غير مباشر من قبل مجالس الولايات لمدة 4 سنوات.

بين أبرز مهام البرلمان إقرار الدستور الكامل للبلاد في مارس (آذار) الماضي دون توافق شامل؛ إذ ترفضه المعارضة لعدة أسباب بينها «الحد من صلاحيات الولايات وتعظيم سلطة رئيس البلاد وتمديد فترة البرلمان والرئاسة عاما لتنتهي في منتصف 2027».

وبسبب هذا الموقف فقد البرلمان عملياً اعتراف المعارضة التي يطالب ممثلوها بإجراء انتخابات فورية، في حين تتمسك السلطة بإجراء انتخابات مباشرة من دون الالتزام بالنظام القبلي، الذي تميل إليه المعارضة باعتباره غير ممثل لإرادة جميع المواطنين.

أربعة قتلى من أفراد تنظيم "حركة الشباب" إثر هجوم شنته الحركة في العاصمة الصومالية مقديشو (آ ف ب)

أيضاً واجه البرلمان تحديات أمنية جسيمة في عام 2014، حين شهد هجومين بسيارتين مفخختين في مايو (أيار) ويوليو (تموز)، من جانب انتحاريين في «حركة الشباب» الإرهابية التابعة لتنظيم «القاعدة». وتسبّب الهجوم الأول بمقتل وإصابة 10 على الأقل بينهم نواب وعناصر أمن، وأسفر الحادث لاحقاً عن استقالة وزير الأمن القومي عبد الكريم حسين جوليد.

وعلى الرغم من تراجع الهجمات الإرهابية من «حركة الشباب» ضد مؤسسات الدولة في الآونة الأخيرة، تبقى الخلافات السياسية الهمّ الأكبر عند البرلمان في ظل رفض المعارضة الاعتراف به.

وباعتقاد الباحث محمود علي كلني، فإن البرلمان «نجح في السنوات الأخيرة في أن يصبح لاعباً يستحيل تجاوزه، وركيزة حاسمة في صناعة القرار السياسي، وامتلك أدوات دستورية وتشريعية ورقابية مهمة». غير أنه يستدرك فيقول: «مع هذا، فإنه لم ينجح بعد في ترسيخ نفسه بصورة كاملة كمؤسسة مستقلة عن منطق التوازنات السياسية الضيقة».

ويضيف كلني: «بناءً عليه، مع دخول الصومال مرحلة جديدة من إعادة تعريف النظام الدستوري والانتخابي، ستتحدد أهمية البرلمان؛ ليس بعدد القوانين التي يصدرها، بل بمدى قدرته على بناء توافق سياسي قابل للحياة حيال قواعد تداول السلطة في مرحلة عصيبة بتاريخ البلاد». وبالتالي، إذا ما نجح البرلمان في ذلك، فإنه قد يتحول من ساحة للصراع على الدولة إلى مؤسسة لصناعة الدولة. أما إذا أخفق، فقد يجد الصوماليون أنفسهم أمام دورة جديدة من الأزمات السياسية، يكون البرلمان فيها ليس جزءاً من الحل، بل أحد أهم ميادين الصراع على مستقبل البلاد، كما يرى كلني.

وأخيراً يخلص الباحث والخبير إلى أن القول إن «مستقبل البرلمان الصومالي لن يُحسم داخل قاعة البرلمان وحدها، بل في قدرته على تحقيق المعادلة الأصعب عبر الانتقال من منطق تقاسم السلطة إلى منطق التمثيل السياسي، ومن شرعية التوافق بين النخب إلى شرعية الإرادة الشعبية، من دون أن يؤدي هذا الانتقال إلى تفكيك التوازن الهشّ الذي أبقى الدولة الصومالية موحّدة طوال مرحلة ما بعد الحرب».