لا نهاية قريبة لظاهرة التشدد الهندوسي الشعبوي في الهند

في ضوء انتصارات «بهاراتيا جاناتا» الانتخابية الأخيرة

لا نهاية قريبة لظاهرة التشدد الهندوسي الشعبوي في الهند
TT

لا نهاية قريبة لظاهرة التشدد الهندوسي الشعبوي في الهند

لا نهاية قريبة لظاهرة التشدد الهندوسي الشعبوي في الهند

تمكّن حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم في الهند من الخروج منتصراً في أربع ولايات هندية من أصل خمس شهدت الانتخابات المحلية في الفترة الأخيرة. وكان ينظر إلى هذه الانتخابات باعتبارها اختباراً لشعبية رئيس الوزراء القومي اليميني ناريندرا مودي قبل الانتخابات العامة المقرّرة في 2024، عندما يسعى للحصول على فترة ولاية ثالثة.
حزب بهاراتيا جاناتا، رأس اليمين القومي الهندوسي الهندي، احتفظ بالسلطة في أربع ولايات - أوتار براديش (أكبر ولايات الهند من حيث عدد السكان) وأوتارانتشال وغوا ومانيبور. ونال الحزب أكبر عدد من الأصوات داخل الولايات الأربع من بين الأحزاب السياسية المشاركة في السباق الانتخابي. وبالنظر إلى العوامل التي بدا أنها تقف ضد الحزب خلال العامين الماضيين، ولقد تنوعت ما بين حركات مناهضة لمودي ومظاهرات جماهيرية تعترض على ظروف اقتصادية صعبة، اكتسب هذا الفوز أهمية كبيرة. بل، جاء ميل الناخبين تجاه التصويت لصالح مَن يشغل السلطة ليثير حيرة علماء السياسة.
وفي حين رأى البعض أن الانتصارات الانتخابية التي حققها بهاراتيا جاناتا «شهادة على إيجابية السياسات التي انتهجها مودي»، واعتبروا أن النتائج تُعد بمثابة استفتاء في منتصف فترة الولاية الثانية لرئيس الوزراء، قلل آخرون - في المقابل - من شأن فوزه، معتبرين أنه جاء نتيجة طبيعية لحالة الاستقطاب التي تسود البلاد.
ومن ثم، كيف تغيّر هذه النتائج الديناميكيات السياسية والاجتماعية على أرض الواقع؟ وما تداعياتها لعام 2024 عندما تعقد الهند انتخابات عامة؟

خلال السنوات الأخيرة، اكتسبت الحركات القومية المستوحاة من الدين مكانة بارزة في العديد من البلدان حول العالم، ولم تكن الهند – كبرى ديمقراطيات العالم – بمنأى عن هذه الظاهرة.
والحقيقة، أنه كثيراً ما شهدنا التركيز على مصطلح «القومية الهندوسية» في كل من وسائل الإعلام الهندية والغربية، وكثيراً ما وصف رئيس الوزراء ناريندرا مودي وحزبه اليميني القومي الحاكم بأنهم يروّجون لأجندة قومية هندوسية.
لقد كانت العقيدة المميزة لحزب بهاراتيا جاناتا منذ عام 1989 «هندوتفا»، وهي آيديولوجية سياسية تروّج لما تعتبره «قيم» الديانة الهندوسية باعتبارها حجر الزاوية للمجتمع الهندي وثقافته. وبالطبع، تنسجم شخصية مودي للغاية مع آيديولوجية «هندوتفا» الأساسية لحزب بهاراتيا جاناتا. ونتيجة لاعتماد حزب بهاراتيا جاناتا المستمر على آيديولوجية «هندوتفا» العدوانية، تمكن من تحقيق نجاحاته الانتخابية في الماضي.
ومع أن استطلاع رأي أجراه معهد «بيو» عام 2021 حول «الدين في الهند»، أظهر أن التسامح تجاه الأديان الأخرى ما زال قوياً داخل المجتمع الهندي، غدا واضحاً الآن أن عدداً أكبر من الغالبية (الهندوس) يرون الآن أن الدين يشكل جوهر هويتهم، ويدعمون الدعوات لـ«دولة هندوسية».

- أديتياناث... وجه التطرف الجديد
الجدير بالذكر هنا، أن ولاية أوتار براديش، أكبر ولاية هندية وقلب ما يسمّى بـ«الحزام الهندي»، تعدّ موطناً لأكثر عن 220 مليوناً من سكان الهند البالغ عددهم 1.32 مليار نسمة. ويخرج من هذه الولاية أكبر عدد من أعضاء البرلمان الوطني (80) على مستوى البلاد. كذلك، تجدر الإشارة إلى أن حاكم الولاية، يوغي أديتياناث، الذي فاز للتو بولايته الثانية في المنصب، راهب هندوسي تحوّل إلى سياسي. ويرى بعض النقاد السياسيين، أن أديتياناث «خليفة» محتمل لمودي على الصعيد الوطني. وللعلم، تشير الأرقام إلى أن 80 في المائة من سكان ولاية أوتار براديش من الهندوس، مقابل نحو 20 في المائة من المسلمين، وهو ما يشبه تقريباً التركيبة السكانية في باقي الهند.
انتصار حزب بهاراتيا جاناتا داخل ولاية أوتار براديش يوصف بأنه «تاريخي»، وخاصة أنه يأتي معززاً بفوز حاكم الولاية أديتياناث بفترة ولاية ثانية على التوالي، وهذه هي المرة الأولى التي يحقق فيها حاكم للولاية هذا الإنجاز منذ 36 سنة.
وتعليقاً على ما حصل، صرح رافيش كومار، كبير المحرّرين لدى شبكة «إن دي تي في» التلفزيونية الهندية، بأنه «ظهر أديتياناث بمثابة الوجه المعبّر عن اليمين الهندوسي. وخلال فترة ولايته، اتبع سياسات تروّج لفكرة التفوّق الهندوسي، وغيّر أسماء المدن والبلدات التي تحمل طابعاً إسلامياً بأسماء هندوسية، ووجّه بمراجعة الكتب المدرسية لتبييض تاريخ المغول ووافق على قانون يحظر «جهاد الحب» - الممارسة المزعومة المتمثلة في تحويل النساء الهندوسيات إلى الإسلام من خلال الزواج برجال مسلمين. وتمثل هذه الأمور عناصر صورته السياسية. ثم إن أوتار براديش تمثّل قلب هندوتفا باعتبارها موطناً للعديد من المواقع الهندوسية المقدسة، والتي عملت من نواحٍ كثيرة كمركز للسياسة الهندوسية لحزب بهاراتيا جاناتا. ولقد عزّز احتفاظ حزب بهاراتيا جاناتا بهذه الولاية، المستقبل السياسي الشخصي لأديتياناث، مع التزام الولاية نوعاً حازماً للغاية من القومية الهندوسية.
وأضاف كومار، أنه منذ إعادة انتخاب مودي المفاجئة عام 2019، ضاعف أديتياناث من جهوده لخدمة مشروع الغالبية الهندوسية لإعادة صياغة جمهورية الهند العلمانية لتصبح دولة هندوسية... وهو أمر يطرح التساؤل الآن: ما الاستنتاجات الأولية التي يمكن استخلاصها من هذه الانتخابات؟
ما زال ناريندرا مودي السياسي الأكثر شعبية في الهند، وهو يُعد وجه حزبه وصوته، بل يعدّ المحرك الأساسي وراء الكثير من الجاذبية التي يتمتع بها الحزب. وبطريقة ما، فإن جزءاً من أي تصويت لصالح أي مرشح من حزب بهاراتيا جاناتا يأتي بمثابة تصويت له. وللعلم، هذه المرة الأولى التي يكون فيها للقوميين الهندوس زعيم معروف بهذا الشكل؛ ولذا فهم حريصون جداً على إبقائه رئيساً للوزراء، والواضح أنه سيظل زعيماً رئيسياً للحزب لسنوات عديدة مقبلة.
من ناحية أخرى، كتب سلمان خورشيد، وزير الخارجية الهندي الأسبق، وهو عضو في حزب المؤتمر الهندي، الذي هو الآن حزب المعارضة الرئيس، في كتابه «(شروق الشمس فوق أيوديا): القومية في عصرنا»، عن تراجع العلمانية في الهند. وعقد مقارنة بين هندوتفا - القومية الهندوسية - التي ازدهرت في عهد مودي و«الجماعات المتطرفة» مثل «داعش». ولكن على الفور جرى رفع دعوى قانونية من قبل رئيس «هندوسينا»، فيشو جوبتا، لوقف نشر الكتاب وبيعه وتوزيعه.
في أي حال، يمكن إرجاع جذور الصراع الديني المعاصر في الهند إلى عام 1947 عندما أعادت بريطانيا - تحت ضغط القادة السياسيين المسلمين الذين أرادوا دولة ذات غالبية مسلمة - ترسيم حدود مستعمرتها. ومن رحم هذا التقسيم لشبه القارة الهندية، ولدت دولة باكستان. إلا أنه نظراً لأن رسم الحدود الجديدة جرى على عجل، تركت هذه العملية العديد من المسلمين والهندوس على الجانب «الخطأ» من الحدود؛ ما أدى إلى موجة من أعمال العنف والإرهاب والتهجير المتبادل أودت بحياة مليون شخص وشردت 14 مليوناً آخرين.
ومع ذلك، بقي ملايين المسلمين يعملون من أجل بناء الهند كدولة مستقلة، وحرص رئيس وزراء الهند الأول جواهر لال نهرو على كبح جماح القومية الهندوسية لصالح رؤية أكثر مساواة للبلاد. وحقاً، لم تبدأ العلمانية في التآكل حتى ثمانينات القرن الماضي، إبان فترات حكم رئيسة الوزراء أنديرا غاندي (ابنة نهرو) وابنها راجيف اللذين اغتيلا على يد مسلحين من الأقليات الدينية والعرقية - السيخ والتاميل على التوالي - الأمر الذي مهّد الطريق أمام حزب بهاراتيا جاناتا لاستغلال التوترات الدينية في البلاد.

- استقطاب الأقليات
باحثون سياسيون يرون، أن الصعود السياسي لحزب بهاراتيا جاناتا يمثل اتجاهاً مثيراً للقلق، ويعبّر عن نهج جديد وقوي من القومية الهندوسية يؤدي إلى اضطهاد الأقليات في أكبر دولة ديمقراطية في العالم. ويقول منتقدو حزب بهاراتيا جاناتا، إن الحزب تعمّد خلق حالة من الاستقطاب داخل المشهد السياسي على أسس طائفية وتهميش الأقليات، مستشهدين بقوانين «المواطَنة الجديدة» المثيرة للجدل، وحظر الحجاب، بل لقد وصل الأمر حد إطلاق سياسيين خطابات يهاجمون خلالها المسلمين.
من ناحيته، يزعم بهاراتيا جاناتا أنه صادق مع شعاره الشامل «دعم الجميع، وتنمية الجميع»، وأنه ليس ثمة مكان لسياسات الاسترضاء. ومن ثم، يتهم بهاراتيا جاناتا، خصمه حزب المؤتمر - وهو الحزب العلماني الجامع الذي أنجز استقلال الهند - بمعاملة المسلمين «كبنك للأصوات الانتخابية، وليس كمواطنين في الهند».
وهنا يلاحَظ أنه جرى استقبال التصريح الأخير لرئيس الوزراء ناريندرا مودي بأن على الحكومة أن تكسب ثقة الأقليات وتخرق «أسطورة الخوف» بطريقتين مختلفتين. إذ إنه لا يزال قسم من المراقبين السياسيين غير مقتنعين بهذا التأكيد، وهم يجادلون بأن سياسة الهندوتفا العدوانية قد همشت الأقليات بالفعل. ويرون أنه إذا كانت حكومة مودي جادة حقاً بشأن انعدام الثقة هذا، فعليها فعل المزيد من الجهود.
في المقابل، استقبل البعض تصريح مودي بروح متفائلة، ورأى أن على الأقليات، وبخاصة المسلمون، «تقدير» لفتة مودي «الإيجابية»، و«العمل على استكشاف إمكانيات الحوار البنّاء». غير أن هذا الكلام يأتي بينما تتحدث المنظمات اليمينية في البلاد، صراحة، عن رؤيتها لتحويل الهند العلمانية إلى دولة هندوسية. ويخشى النشطاء أن يسمح بهاراتيا جاناتا، في هدوء، للأمور بالتحرك في هذا الاتجاه؛ ما قد يعني تقليص حقوق المسلمين وتفاقم أعمال العنف الطائفي.
في هذه الأثناء، وجدت المحكمة العليا في الهند نفسها مضطرة إلى التدخل خلال العام الماضي في ديسمبر (كانون الأول)، عندما وجه رجال دين هندوس متشددون دعوة مفتوحة ضد الأقليات. وفتحت المحكمة العليا تحقيقاً حول خطاب الكراهية ضد الأقليات. وفي هذا الصدد، قال عالم الاجتماع البارز شيف فيزفاناثان معلقاً «إن خطر نظام الغالبية يكمن في أن الغالبية في الأصوات تصبح غالبية في صياغة القانون والنظام. وبالتالي، عندما تقوم بهذا الانتقال، فإنك بهذا تنتقل إلى الاستبداد».

- مخاطر التجييش الديني
في هذا الإطار، ينبغي التذكير بأن الهند موطن لأكثر عن 200 مليون مسلم. ويعتقد باحثون أن الصعود السياسي لحزب بهاراتيا جاناتا «يمثل اتجاهاً يثير القلق حيال وجود نمط قوي من القومية الهندوسية يسفر عن اضطهاد المسلمين في أكبر ديمقراطية في العالم». في المقابل، من المثير للاهتمام، أن رئيس الوزراء الهندي مودي التقى البابا فرنسيس، رأس الكنيسة المسيحية الكاثوليكية ودعاه لزيارة الهند، الدولة التي تضم ثاني أكبر عدد من المسيحيين داخل آسيا. وبينما غرّد عمر عبد الله، رئيس الوزراء السابق لجامو وكشمير التي تديرها الهند، في وقت قريب، قائلاً «لقد أكدت دوماً أنه ليس لدى بهاراتيا جاناتا أي نية لخوض أي انتخابات بأجندة أخرى غير الطائفية الصارخة والكراهية، مع كل السم الموجه إلى المسلمين»، وجه موهان بهاجوات، زعيم منظمة «راشتريا سوايامسيفاك سانغ» اليمينية الهندوسية المتطرفة، الذي يعتبره كثيرون «المرشد الآيديولوجي» لحزب بهاراتيا جاناتا، الهندوس من التحولات الدينية و«التغييرات الديموغرافية» المزعومة في الولايات الشمالية الشرقية للهند، والتي تضم أعداداً كبيرة من المسيحيين. وهذا مع الإشارة إلى أن تسع ولايات هندية على الأقل تخطط لسن قوانين مناهضة للتحول من دين إلى دين آخر. والواقع، أن العديد من المعارضين السياسيين لبهاراتيا جاناتا يؤمنون بأن خطاب الحزب القومي المتطرف القائم على إعلاء شأن القومية الهندوسية، يهدد بإزاحة العلمانية كأساس لدستور الهند. ويعزز هذا الأمر أنه صاحب مساعي بهاراتيا جاناتا لـ«تسييس» الدين الهندوسي في السنوات الأخيرة، انتهاجه - كحزب حاكم - سياسات أشد عدوانية يشكو أبناء الجالية المسلمة في الهند إنها تعاملهم كمواطنين من الدرجة الثانية.

- التشدد الإسلامي المعاكس
ولكن، في الضفة المقابلة، يرى نفر من المحللين السياسيين يعتبرون خطابات بعض القادة المسلمين في السنوات الأخيرة بمثابة تأجيج للانقسام في الهند. وفي هذا المجال، يشير بعضهم إلى أنه في فبراير (شباط) الماضي، لجأ وارث باتان، رئيس مجلس اتحاد المسلمين في الهند والمشرع السابق المثير للجدل، إلى توجيه تهديد علني للهندوس. وحرض المسلمين بالقول «إن الوقت قد حان لمسلمي البلاد لكي يتحدوا ويحققوا الحرية». وأضاف، أنه «على الرغم من أن عدد المسلمين في البلاد يبلغ 200 مليون فقط، فإنه لا يزال بإمكانهم السيطرة على أكثر عن مليار هندوسي». وكان باتان قد حذر الهندوس علناً إزاء ضرورة الخوف من المسلمين، وذكرهم بـ«العواقب» إذا ما أقدموا على مواجهة المسلمين.
أيضاً، قال أوما عبد السلام، رئيس «الجبهة الشعبية الهندية» المتشددة، في بيان له بعد فوز بهاراتيا جاناتا في الانتخابات الأخيرة «جاء نتيجة الاستقطاب الطائفي الواسع النطاق المعتاد» الذي قام به الحزب، مضيفاً «اعتمد حزب بهاراتيا جاناتا بشدة على الطائفية لجذب الأصوات الانتخابية، وبهذا نجحوا في التغلب على مواجهة قضايا المعيشة والسياسة القائمة على القضايا التي نوقشت خلال الانتخابات. وهكذا حوّل بهاراتيا جاناتا انتباه الناس عن سوء الإدارة والقضايا التنموية الأساسية من خلال توحيد عقول الناخبين ونشر دعاية كراهية تستهدف ديانات الأقليات». وتابع سلام «ومن ناحية أخرى، أخفقت الأحزاب العلمانية في تقييم ومعالجة خطورة الوضع، بينما يشكل الاستقطاب الطائفي والكراهية والإبادة الجماعية تهديداً خطيراً لوجودنا كدولة. يجب على هذه الأحزاب العلمانية الآن أن تمعن النظر في الوضع القائم، وأن تتعلم الدروس من فشلها، وأن تعد لتغيير جذري في النهج الذي تتبعه فيما يتعلق بالعلمانية التي يتخيلها ويمارسها». وشدد على أنه ينبغي على هذه الأحزاب الآن على الأقل اتخاذ موقف هادف تجاه إنقاذ بلدنا وقيمه الدستورية من هجمة هندوتفا.
وما يستحق التنويه في هذا الاتجاه، أنه في عام 2019، حمّلت قناة إسلامية على «يوتيوب» تدعى «إم كيه» خطاب داعية متشدد، ظهر فيه يهدد علانية بشن «الجهاد» داخل الهند. وكان داعية متشدد آخر قد طلب من الدول الإسلامية في جميع أنحاء العالم جمع بيانات عن غير المسلمين في الهند الذين ينتقدون الإسلام ويقبضون عليهم عندما يصلون إلى بلادهم ويحاكمونهم بموجب قوانين مكافحة التجديف.


مقالات ذات صلة

«الأحزاب الاشتراكية» الأوروبية في تقهقر مستمر

أوروبا مارين لوبن زعيمة حزب «التجمع الوطني» تلقي كلمتها الخميس الماضي في «الجمعية الوطنية» (أ.ف.ب)

«الأحزاب الاشتراكية» الأوروبية في تقهقر مستمر

«الأحزاب الاشتراكية» الأوروبية في تقهقر مستمر بعد أن حكمت منفردة عشرات السنين، لكنها بدأت تخسر مواقعها أمام المد الشعبوي...

شوقي الريّس (بروكسل)
أوروبا اللقاء الثنائي بين البرازيل وإسبانيا على هامش المؤتمر (إ.ب.أ) p-circle

سانشيز يجمع الحشد التقدمي العالمي في برشلونة لمواجهة المد اليميني المتطرف

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز بدأ خطوةً متقدمةً نهاية هذا الأسبوع بدعوته إلى عقد الدورة الرابعة لقمة «الدفاع عن الديمقراطية».

شوقي الريس (برشلونة)
حصاد الأسبوع آراء متشائمة إزاء مستقبل التسامح والتعددية

آراء متشائمة إزاء مستقبل التسامح والتعددية

> يرى العالم السياسي الهندي سوهاس بالشيكار، أن ثمة جوانب رئيسة للتحوّل الجاري على صعيد الثقافة السياسية للهند المعاصرة، أبرزها: أولاً، أن الناخب الهندوسي العادي اليوم يميل، على ما يبدو، أكثر عن أي وقت مضى ليصبح جزءاً من كتلة الناخبين المؤيدة للهندوتفا، والتي جرت تعبئتها سياسياً. وأظهر حزب بهاراتيا جاناتا، على مدى العقد الماضي، مراراً وتكراراً قدرته على استقطاب فعّال للناخبين على أساس الهوية الدينية.

أولى «الشعبوية»... من شعار إلى برنامج حكم

«الشعبوية»... من شعار إلى برنامج حكم

بعدما بدأت شعاراً فقط، باتت «الشعبوية» الآن برنامج حكم يتسع على امتداد عدد من الدول الغربية المؤثرة، ويمتد صداه إلى دول أخرى. وتمثل آخر الحصاد الشعبوي بوصول بوريس جونسون إلى منصب رئيس الحكومة البريطانية مؤخراً، رغم أن حدثاً كهذا كان يبدو مستبعداً قبل عقد من الزمان؛ فأن يصل سياسي بمواصفات جونسون إلى قيادة إحدى أعرق الديمقراطيات الغربية لم يكن في الحسبان، فلا حزبه، حزب المحافظين، كان يتيح ذلك، نظراً لميل تقليدي في صفوفه إلى الاعتدال واتساع مساحة النقاش الداخلي، ولا بريطانيا كانت تُعرف عنها مسايرتها لسياسات هي أقرب إلى العنصرية والتماهي مع اليمين المتطرف، كما هي اليوم. وقبل وصوله إلى لندن، كان هذ

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم منظمة حقوقية متفائلة باتساع «مقاومة» الشعبوية

منظمة حقوقية متفائلة باتساع «مقاومة» الشعبوية

اعتبرت «هيومن رايتس ووتش» في تقريرها السنوي لعام 2018، أن فوز الفرنسي إيمانويل ماكرون يشكل «المثال الأوضح لنجاح مقاومة الشعبوية» التي انتشرت في الكثير من دول العالم.

«الشرق الأوسط» (باريس)

هل تنجح إثيوبيا في فك عقدة «المنفذ البحري»؟

جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)
جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)
TT

هل تنجح إثيوبيا في فك عقدة «المنفذ البحري»؟

جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)
جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)

تصاعدت تحركات إثيوبيا، على مدار العقد الماضي، للحصول على منفذ بحري يجنّبها أزمة استقلال إريتريا عنها عام 1993، وجعلها «دولة حبيسة» تعتمد على موانئ جارتها الشرقية جيبوتي. إلا أن تمسّكها بفك عزلتها الجغرافية يصطدم برفض «الجارتين» الصومال شرقاً وإريتريا شمالاً، في ظل توتر مع السودان في شمالها الغربي، ناهيك من أزمات داخلية مسلحة تصاعدت منذ نحو أسبوع. القاهرة تتعاطف مع «جارات» إثيوبيا وسط الخلافات العميقة بشأن مياه النيل، مقابل دعم إسرائيلي لافت. ووسط ذلك المشهد لا يعتقد خبراء بالشأن الأفريقي، حاورتهم «الشرق الأوسط»، أن نجاح أديس أبابا في فك «عقدة» المنفذ البحري ستكون سهلة، في ظل تعقيداتها القانونية الدولية والرفض المصري المتكرّر، والتوترات المستمرة مع دول الجوار والأزمات الداخلية. ومقابل ذلك يُثني برلماني إثيوبي، التقته «الشرق الأوسط»، على تصريحات رئيس وزراء بلاده آبي أحمد بأن الوصول إلى المنفذ البحري «حق وجودي». ويشدّد على أنه «حق» قائم على المنفعة المتبادلة وصون أمن القرن الأفريقي، ويتوقع وصول أديس أبابا له على الرغم من كل تلك التوترات، وذلك عقب تفاهمات ومشاورات رسمية.

تستعرض «الشرق الأوسط»، فيما يلي، «خريطة» المواقف الإثيوبية بشأن الوصول إلى منفذ بحري، والتي يعوّل بعضها على تفاهمات، وكذلك المواقف المؤيدة لها، مقابل الرافضة لها التي تستند إلى أن أي قبول لهذا الأمر غير القانوني سيحدث إرباكاً لمصر، لا سيما، أن ثمة دولاً أخرى «حبيسة» ستطالب بدورها بمنافذ بحرية مشابهة.

الموقف الإثيوبي

مع وصول آبي أحمد إلى السلطة في إثيوبيا في أبريل (نيسان) 2018، طرح ما أسماه «دبلوماسية الموانئ» لاستعادة المنفذ البحري مجدداً بعد فقد بلاده ميناءي عصب ومصوَّع في عام 1993 إثر استقلال إريتريا آنذاك.

وحقاً، عقدت حكومة آبي أحمد عدة اتفاقات أبرزها مع السودان في مايو (أيار) 2018 للنفاذ إلى ميناء بورتسودان. وفي الشهر التالي، وقعت اتفاقاً مع الصومال للاستثمار في عدة موانئ بحرية، ولكن تلك المسارات لم تر النور بسبب اختلافات أو تعقيدات حالت دون الاستمرار فيها.

بعدها، في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، صعّد آبي أحمد لهجته، مشدداً في خطاب له على أن وصول بلاده لمنفذ في البحر الأحمر «ضرورة وجودية».

ومن ثم، لم يتوقف الكلام من جانب آبي أحمد، ولا من جانب وسائل الإعلام الإثيوبية، عند هذه الضرورة. بل أخذ الوضع أبعاداً مختلفة في يوليو (تموز) 2026، عندما قال رئيس أركان الجيش الإثيوبي، برهانو جولا، في حفل تخريج دفعة من كلية الدفاع الوطني، إن «سعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري يتطلّب الحفاظ على جاهزية عالية... خاصة أن الوضع الأمني في البحر الأحمر والقرن الأفريقي يتدهور!». وحذر برهانو جولا من أن «جهات خارجية وجماعات مسلحة محلية تعمل بتنسيق تام لتقويض أمن إثيوبيا ومنعها من القيام بدورها في تحقيق الاستقرار في المنطقة».

البرلماني الإثيوبي، محمد نور أحمد، قال في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إن حصول بلاده على منفذ بحري يُعد ضرورة استراتيجية واقتصادية ملحّة بالنظر إلى حجمها وجغرافيتها وكثافتها السكانية العالية. وشدّد على أن أديس أبابا «تلتزم بالمسار السلمي والحوار البنّاء مع دول الجوار، وتستبعد تماماً خيار المواجهة». ثم أردف: «بلادي تؤكد أن الوصول إلى منفذ بحري لن يكون على حساب طرف آخر، بل يستند إلى مبدأ الأخذ والعطاء والتعاون وفق أحكام القانون الدولي، بما يحقق منافع اقتصادية وتنموية مشتركة للدول المضيفة وإثيوبيا على حد سواء».

ولفت محمد نور أحمد إلى «إمكانية أن توفر إثيوبيا لتلك الشراكة عدة مزايا يمكن لدول الجوار الاستفادة منها، في مقدمتها الطاقة الكهربائية المولّدة من سد النهضة، إلى جانب الثروات الطبيعية والفرص الاقتصادية المتعددة منها». واعتبر أن «وجود منفذ بحري لإثيوبيا سيعزّز جهود الأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، ويُسهم في التصدّي للتحديات المشتركة وفي مقدمتها أعمال القرصنة والتهديدات الأمنية البحرية». وأعرب عن اعتقاده أن التوترات الداخلية في شمالي إثيوبيا ستكون مؤقتة، وستنتهي لأنها بلا حاضنة شعبية، ولن تؤثر على خطط البلاد للوصول لمنفذ بحري.

الرئيس الإثيوبي آبي أحمد (أ.ف.ب)

تصدّت مقديشو بقوة لمذكرة تفاهم وقعتها أديس أبابا مع إقليم «أرض الصومال» الانفصالي عام 2024

الموقف المصري

في وجه هذه المساعي الإثيوبية، كان الموقف المصري رافضاً بشكل صريح وصول إثيوبيا لمنفذ بحري، من دون أن يربط ذلك بخلافه مع أديس أبابا بملف المياه.

وحول المنفذ البحري الذي تريده إثيوبيا، قال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في تصريحات يوم 10 سبتمبر (أيلول) المنصرم، إن «هناك دولاً ذات سيادة، لديها موانئ على البحر الأحمر، ولا أحد يملك أن يمنح أي دولة نفاذاً بحرياً عسكرياً، وإلا فستكون فوضى، خاصة أن دولاً أفريقية كثيرة حبيسة».

وأواخر أغسطس (آب)، شدّد عبد العاطي، خلال اتصال هاتفي مع مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس، على «ضرورة احترام سيادة ووحدة وسلامة أراضي دول المنطقة، والامتناع عن أي تحركات أحادية من شأنها تهديد السلم والأمن الإقليميين، أو السعي لفرض النفاذ البحري بالقوة بالمخالفة لقواعد القانون الدولي».

كما أكد عبد العاطي، في تصريحات أخرى، أن الدول المطلّة على البحر الأحمر هي صاحبة السيادة على موانئه، وأنه لا يمكن منح أي دولة منفذاً بحرياً عسكرياً، محذّراً من أن خلاف ذلك من شأنه أن يفتح الباب أمام الفوضى، مع تأكيده على عدم وجود مشكلة في النفاذ التجاري للدول الحبيسة.

ومع أن عبد العاطي لم يُسمِّ الدول المقصودة، فإنه قال في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، إن «مصر ترفض دخول إثيوبيا في حوكمة سواحل البحر الأحمر». وهذا الرفض المصري لنفاذ إثيوبيا إلى البحر الأحمر متكرّر، وخلال لقاء عبد العاطي في مايو الماضي مع رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني في القاهرة، بُحثت مسألة أمن البحر الأحمر، وخليج عدن. وشدد عبد العاطي حينذاك على «الرفض المصري القاطع لأي مساعٍ لتدويل أو عسكرة البحر الأحمر، وخليج عدن، وكذا رفض انخراط أي أطراف غير مطلة عليه في ترتيبات تخصه».

أيضاً، في أثناء زيارة عبد العاطي إلى أسمرة في مايو الماضي، فإنه التقى مع وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح، وشدّدا على أن أمن وإدارة البحر الأحمر «يظلان مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، وأن مصر ترفض أي محاولات من أطراف غير مشاطئة لفرض ترتيبات أو أدوار أمنية في هذا السياق»، بحسب بيان للخارجية المصرية آنذاك.

بالمقابل، قال نبيات غيتاتشو، الناطق باسم وزارة الخارجية الإثيوبية، في مايو الماضي، إن الحكومة المصرية «تحاول تطويق وعرقلة وصول بلاده إلى البحر الأحمر». ومع أنه لم يحدد تفاصيل، فإنه أكد أن إثيوبيا ستواصل العمل جاهدة للحصول على منفذ بحري عبر طرق سلمية، ومستدامة.

هنا، ينبه خبير الشؤون الأفريقية، الدكتور رمضان قرني، إلى أن مصر لا تمانع في حصول أديس أبابا على منفذ تجاري وفق أطر قانونية ترعاها دول الجوار، كما طرحت جيبوتي سابقاً ورفضته إثيوبيا، «لكن القاهرة تُجابه المساعي العسكرية بصرامة، تحسباً لتداعيات فتح منافذ على البحر الأحمر تضر بالأمن القومي العربي والأفريقي، لا سيما مع دخول أطراف كإسرائيل على خط الأزمة ودعم الجماعات الحوثية لتهديدات باب المندب».

ويرى الخبير المصري أنه رغم الحشد الإعلامي والدبلوماسي لحكومة آبي أحمد، تظل فرص انتزاع موطئ قدم عسكري دائم على البحر الأحمر محاطة بتحديات معقّدة؛ أبرزها الرفض الدولي والإقليمي من الاتحاد الأفريقي والجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، الداعم لسيادة الصومال. وهذا، فضلاً عن خشية أديس أبابا من العزلة الأفريقية والمساس بمكانتها كمقر لمؤسسات الاتحاد الأفريقي، واستمرار الضغوط الداخلية وسط تفاقم الأزمات الاقتصادية والأمنية الإثيوبية في أقاليم مثل أورومو، وأمهرة، وتيغراي، إضافة إلى التوتر في علاقاتها مع دول الجوار (السودان وإريتريا والصومال).

ويؤكد قرني أن القاهرة «نجحت في بناء جدار صلب من التوافقات الاستخباراتية والسياسية الإقليمية والدولية، محاصِرةً أي خطوات أحادية، بما يضمن صون الأمن القومي وحماية الممرات المائية الحيوية بالمنطقة».

الموقف الإريتري - الصومالي

من جهة ثانية، يُسجَّل للموقف الإريتري الصومالي، حضور لافت في خندق الرافضين لهذا المسار الإثيوبي بشأن المنفذ البحري.

إذ تصدّت مقديشو بقوة لمذكرة تفاهم وقعتها أديس أبابا مع إقليم «أرض الصومال» الانفصالي عام 2024، تتمكن بموجبه من النفاذ لميناء بربرة. وأصدرت قراراً رئاسياً بإلغاء الاتفاق، وسط دعم عربي، لا سيما مصر، لهذا الرفض، قبل أن تتدخل تركيا بوساطة نهاية ذلك العام ويتوارى ذلك المسعى عن الأنظار.

أيضاً، إريتريا، مالكة ميناء عصب، التي تتهم إثيوبيا بالتطلع للسيطرة عليه مجدداً، رفضت أكثر من مرة ذلك المسار. ومن أبرز المواقف اتهام الرئيس الإريتري آسياس أفورقي خلال يوليو 2025، إثيوبيا بالسعي إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي تحت شعارات تتعلق بالمياه والمُطالبة بمنفذ على البحر الأحمر، معتبراً هذا المطلب «ذريعة لتأجيج الصراعات». وآنذاك، وصف وزير الإعلام الإريتري يماني جبر مسكل، الخطاب الإثيوبي بشأن المنفذ البحري بأنه «تهوّر وعودة إلى قرع طبول الحرب»، مؤكداً أن سيادة إريتريا وسواحلها غير قابلة للمراجعة.

وفي مايو الماضي، شبّه نبيات غيتاتشو، الناطق باسم الخارجية الإثيوبية تحركات القاهرة داخل دول في المنطقة، من بينها إريتريا وجيبوتي وكينيا، بـ«محاولة حصار إثيوبيا ومنعها من الوصول إلى منفذ بحري».

بحسب قرني، شكلت أزمة الاتفاق بين إثيوبيا وإقليم «أرض الصومال» تحولاً استراتيجياً في منطقة القرن الأفريقي، ومحركاً رئيساً للسياسة الخارجية المصرية في المنطقة؛ إذ جاء هذا التطور كـ«جرس إنذار حقيقي» دفع القاهرة إلى تحرك مكثف ومتعدد المسارات لحماية أمنها القومي وأمن المنطقة.

ولفت إلى أن هذا ترجم بشراكات مع إريتريا والصومال، وبتحالف ثلاثي وشبه توافق تام بين مصر والشركاء الثلاثة الرئيسيين (إريتريا، جيبوتي، الصومال) على فكرة الحق الحصري للدول المتشاطئة فيما يتعلق بالمنفذ الساحلي أو وجود سواحل على شاطئ البحر الأحمر.

الدعم الإسرائيلي

في المقابل، خلال سبتمبر المنصرم، أفادت «وكالة الأنباء الإثيوبية بأن إسرائيل أعلنت دعمها الدبلوماسي لمساعي إثيوبيا الرامية إلى تأمين منفذ إلى البحر، ونقلت عن السفير الإسرائيلي لدى إثيوبيا، أفراهام نغوسي، قوله إن بلاده تقف بقوة إلى جانب جهود إثيوبيا لتأمين منفذ بحري إلى البحر الأحمر. وتابع السفير لـ«وكالة الأنباء الإثيوبية»، إن «تمكين إثيوبيا وتعزيزها وتحقيق الاستقرار في البحر الأحمر هو مصلحة للجميع، وليس لإثيوبيا وحدها، وإسرائيل تقف إلى جانب إثيوبيا في هذا الجهد».

وهذا ليس الموقف الأول الذي يطرحه نغوسي في مواقف مرتبطة بتوترات بين مصر وإثيوبيا، ففي أغسطس (آب) الماضي، قال في تصريح صحافي إن إسرائيل «ستواصل تعزيز دعمها لإثيوبيا، بهدف مساعدتها كي تصبح قوة اقتصادية رائدة في القارة الأفريقية». وحينذاك، حذر السفير محمد العرابي، وزير الخارجية الأسبق وعضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ ورئيس «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، من تداعيات التصريحات الإسرائيلية، مشيراً في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنها «لن تنال ولن تغير» من مواقف مصر.

قرني، من جهته، لا يعتقد أن هذا الدعم الإسرائيلي سيغيّر موقف مصر الثابت في رفض المنفذ البحري لإثيوبيا، مشدداً على أن إسرائيل تريد الضغط فقط على مصر في ملفات أخرى، لكن الدولة المصرية قادرة على حماية حقوقها.

من جهة ثانية، قال عبد المنعم أبو إدريس، الخبير في الشؤون الأفريقية، لـ«الشرق الأوسط»، إن حصول أديس أبابا على منفذ بحري في ظل توتّراتها الحالية مع جيرانها أمر صعب، خاصة أنها متهمة من السودان بمساندة ميليشيا «الدعم السريع».

وشدّد على أن مصر لا يمكن أن تسمح بوجود عسكري إثيوبي في الساحل السوداني أو البحر الأحمر؛ حرصاً على أمنها القومي وأمن المنطقة.

لكن البرلماني الإثيوبي، محمد نور أحمد، يرى إمكانية تحقيق ذلك، مشيراً إلى أن حكومة بلاده تعمل على إقناع الأطراف والدول المجاورة على مراجعة مواقفها والانخراط في تفاهمات تعزز مصالح الجميع.


فاطمة الزهراء المنصوري... من عمودية مراكش إلى رئاسة الحكومة المغربية

ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة
ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة
TT

فاطمة الزهراء المنصوري... من عمودية مراكش إلى رئاسة الحكومة المغربية

ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة
ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة

في الممرات الرخامية الهادئة للقصر الملكي بالعاصمة المغربية الرباط، لم يكن المشهد مجرد بروتوكول سياسي معتاد، بل كان إعلاناً عن انعطافة تاريخية كبرى في مسار الدولة المغربية الحديثة؛ إذ تقدمت فاطمة الزهراء المنصوري لتؤدي القسم القانوني أمام العاهل المغربي الملك محمد السادس، وكانت خطواتها الواثقة تختزل عقوداً طويلة من نضال الحركة النسائية المغربية، وتفتح فصلاً غير مسبوق في كتاب السياسة المغربية.

لم يكن الحدث عابراً أو مجرد مناوبة حكومية عادية، فالمنصوري، الملقبة في الأوساط السياسية والإعلامية بـ«المرأة الحديدية»، باتت أول امرأة تتقلد منصب رئيسة الحكومة في تاريخ المملكة المغربية، بعدما قادت حزبها «الأصالة والمعاصرة» إلى صدارة المشهد الانتخابي وحققت فوزاً تشريعياً أعاد رسم الخريطة الحزبية في البلاد.

هذا الصعود المطّرد لامرأة قادمة من خلفية حقوقية وقانونية صارمة، لم يكن وليد الصدفة أو نتاج ترتيبات سياسية عابرة، بل هو ثمرة مسار حافل بالمعارك الانتخابية الطاحنة، وإدارة الأزمات المحلية الكبرى، والقدرة الفائقة على التوازن والمناورة في معترك يوصف غالباً في الأدبيات السياسية بأنه حكر على الرجال.

من رداء المحاماة الأسود في قاعات المحاكم، إلى عمودية مدينة مراكش التاريخية، وصولاً إلى قيادة الحزب السياسي ثم رئاسة الجهاز التنفيذي، تشكل المنصوري حالة استثنائية وبديعة في هندسة النخبة السياسية المغربية الجديدة التي تؤسس لمغرب القرن الحادي والعشرين، وتمنح العمل السياسي بعداً حداثياً حقيقياً يتماشى مع التطلعات المجتمعية الكبرى في البناء والتشييد والتنمية المستدامة المعاصرة.

لم تكن فاطمة الزهراء المنصوري غريبة عن عالم السلطة والتدبير العام وأروقة صناعة القرار، فقد ولدت في الثالث من يناير (كانون الثاني) عام 1976 في قلب مدينة مراكش، لأسرة عريقة، تتحدر من منطقة الرحامنة، والتي ضربت جذورها عميقاً في تاريخ «المدينة الحمراء» وثقافتها وسياساتها المحلية.

والدها الراحل عبد الرحمن المنصوري، كان رجلاً وازناً في بنية الدولة المغربية؛ إذ شغل منصب باشا مدينة مراكش لسنوات طويلة، وكان سفيراً للمملكة لدى دولة الإمارات العربية المتحدة. وفي هذا المناخ المفعم بالسياسة والدبلوماسية وحب الوطن، تشرّبت الطفلة فاطمة الزهراء أبجديات الدولة والخدمة العامة، وتعلّمت في مجالس والدها كيف تقرأ موازين القوى وفنون الحوار البنَّاء في بيئة لا تعترف إلا بالقوة والوضوح والالتزام بالعهود الكبرى التي تقطعها النخب أمام الشعب المغربي.

مراحل التعليم

تلقّت المنصوري تعليمها الأولي والثانوي في المدارس الفرنسية بمراكش، تحديداً في ثانوية «فيكتور هوغو» العريقة، حيث بدأت تتشكل ملامح شخصيتها المتمرّدة والمنضبطة في آن واحد، وهي الشخصية التي ترفض القوالب الجاهزة وتسعى دائماً للتميز في كل مجال تطأه قدمها. ولأنها كانت تطمح لفهم آليات العدالة وصناعة القرار وتطبيق القانون بشكل ينصف المجتمع؛ اختارت سلوك درب العلوم القانونية. بعدها انتقلت إلى فرنسا، وهناك نالت شهادة الدراسات العليا في قانون عقود الأعمال من جامعة مونبلييه العريقة، نالت الإجازة في القانون الخاص من جامعة محمد الخامس بالرباط.

إلا أنها لم تكتفِ بالتحصيل المعرفي الأوروبي، بل قادها شغفها الأكاديمي إلى الولايات المتحدة الأميركية، حيث تعمَّقت في دراسة القانون الأنجلو - ساكسوني من جامعة بيس الأميركية في نيويورك. وحقاً، منحها هذا التكوين الأكاديمي الثلاثي الأبعاد أفقاً فكرياً واسعاً، وقدرة على محاورة النخب الدولية بلغات متعدّدة وبثقة كاملة.

وفور عودتها إلى المغرب، أسّست مكتباً للمحاماة استحال سريعاً واحداً من أبرز المكاتب المتخصصة في قانون الأعمال والعقارات منذ 22 مارس (آذار) 2005، لتصنع لنفسها اسماً مستقلاً بعيداً عن جلباب والدها الراحل ونفوذه القديم في أروقة الإدارة المحلية بمراكش.

عائلياً، فاطمة الزهراء المنصوري أم لطفلين، استطاعت التوفيق بين مسارها المهني المتطلب في قطاع الأعمال والتزاماتها الأسرية، معلنةً في مناسبات إعلامية نادرة أن الفصل بين الحياة الخاصة والواجب العام هو معيار أساسي لتقييم كفاءة أي مسؤول سياسي بعيداً عن القوالب النمطية. ومن ناحية أخرى، اختارت مجلة «فوربس» عام 2014، المنصوري على رأس قائمة من 20 امرأة شابة، الأكثر تأثيراً في القارة الأفريقية. واختيرت في السنة ذاتها ضمن القادة الشباب العالميين. وراهناً تُعدّ رئيسة الوزراء الجديدة عضواً في «الجمعية الدولية للعمداء الفرنكفونيين»، كما أنها نائبة رئيس «الجمعية المغربية لرؤساء المجالس الجماعية».

المنعطف السياسي الأول

شكّلت الانتخابات البلدية لعام 2009 المنعطف الأول في المسار السياسي للمنصوري، حين ترشّحت باسم حزب «الأصالة والمعاصرة»، الناشئ آنذاك، في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على تدبير مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة. ونجحت المحامية الشابة في إحداث مفاجأة انتخابية عندما أطاحت بالعمدة المخضرم عمر الجزولي، لتُنتخب في سن الثالثة والثلاثين عمدةً لـ«المدينة الحمراء». وتغدو، بالتالي، أول امرأة تتقلد هذا المنصب في مدينة كبرى بالمغرب.

مع هذا، لم يكن تدبيرها للمجلس الجماعي خالياً من الأزمات والنزاعات السياسية والقانونية الشرسة، فقد واجهت معارضة قوية من الخصوم الذين شككوا في قدرتها على إدارة مدينة سياحية ذات ثقل دولي ومشاكل هيكلية معقدة. غير أن فترتها الانتدابية الأولى تميّزت بفتح ملفات تنظيمية شائكة تتعلق بمالية البلدية، ومراجعة عقود التدبير المفوض لقطاعات النظافة والنقل والإنارة وتطهير الأوعية العقارية؛ الأمر الذي منحها تجربة ميدانية في مواجهة التدافعات السياسية المحلية واكتساب آليات التفاوض والتدبير المباشر مع المصالح المركزية لوزارة الداخلية.

من القيادة الحزبية إلى الحقيبة الوزارية

وبالتوازي مع عملها على رأس مجلس مدينة مراكش، حرصت المنصوري على تعزيز موقعها داخل البنية التنظيمية لحزب «الأصالة والمعاصرة»، حيث تولت رئاسة المجلس الوطني للحزب، وهو الهيئة التقريرية الثانية بعد المؤتمر الوطني. وفي هذا الموقع، لعبت دوراً محوَرياً في ضبط التوازنات الداخلية وتدبير الخلافات المستمرة بين التيارات المتنافسة على القيادة.

وعقب الانتخابات التشريعية والجماعية لعام 2021، عادت المنصوري لتتولى عمودية مراكش للمرة الثانية، بالتزامن مع تعيينها وزيرة لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة في حكومة عزيز أخنوش.

وفي هذا الموقع، تميّزت فترتها الوزارية بمحاولة إصلاح قطاع التعمير عبر تبسيط مساطر البناء في العالم القروي، وإطلاق الحوار الوطني للتعمير والإسكان، وتنزيل الدعم المباشر للسكن. وهي ملفات واجهت فيها صعوبات ترتبط بالبيروقراطية الإدارية وتداخل الاختصاصات مع القطاعات الحكومية الأخرى والمجالس المنتخبة؛ ما تطلب منها اعتماد مقاربة صارمة في تدبير الصفقات وإعادة هيكلة الوكالات الحضرية.

المؤتمر الخامس وصياغة نموذج القيادة الجماعية

من جهة ثانية، عاش حزب «الأصالة والمعاصرة» خلال فبراير (شباط) من عام 2024 أزمة تنظيمية حادة هدَّدت تماسك بيته الداخلي في أعقاب تطورات سياسية وقضائية مسّت قادة بارزين فيه. وخلال المؤتمر الوطني الخامس المنعقد في مدينة بوزنيقة، برزت المنصوري كشخصية توافقية قادرة على إنقاذ الحزب من الانقسام؛ إذ قادت هندسة تنظيمية جديدة اعتمدت لأول مرة في تاريخ المشهد الحزبي المغربي، وتمثّلت في إلغاء منصب الأمين العام الفردي وتعويضه بـ«قيادة جماعية أمانة عامة» ثلاثية الأعضاء.

وتولت المنصوري منصب «المنسّقة الوطنية» لهذه القيادة الجماعية، لتصبح الناطق الرسمي والمدبّر الفعلي لشؤون الحزب واستراتيجيته السياسية والانتخابية. وبالفعل، نجحت هذه المقاربة التنظيمية في إعادة الاستقرار للحزب وضبط قواعده وتأهيله لخوض المحطّات الانتخابية اللاحقة التي أسفرت عن تصدّره النتائج والتموقع في صدارة المشهد السياسي.

الرهانات الكبرى

جلوس فاطمة الزهراء المنصوري على مقعد رئاسة الحكومة الجديدة، لتقود مرحلة ممتدة حتى عام 2031، سيواجه حزمة من الملفات الاقتصادية والاجتماعية الثقيلة التي لا تقبل التأجيل في ظل وضعية دولية وإقليمية متقلبة.

ويأتي على رأس هذه الملفات: استكمال وتدبير الورش الملكية المرتبطة بالدولة الاجتماعية، وهو ما يشمل تعميم التغطية الصحية الشاملة، وتطوير منظومة الدعم الاجتماعي المباشر للأسر المعوزة، وهما من المشاريع التي تتطلب حَكامة مالية صارمة وإصلاحاً حقيقياً للإدارة لمنع الهدر وضمان استدامة التمويل.

وأيضاً، تواجه الحكومة تحدي إصلاح منظومتي الصحة والتعليم اللتين تعانيان من مشاكل بنيوية مزمنة واحتجاجات فئوية متكررة، فضلاً عن معالجة أزمة الجفاف الحادة التي تضرب البلاد لسنوات متتالية، وما يترتب عنها من إجهاد مائي غير مسبوق يتطلّب تسريع إنجاز محطات تحلية مياه البحر وسدود الربط المائي، وتحفيز الاستثمار لخلق فرص شغل مستدامة للشباب القروي والحضري على حدِّ سواء.

وإلى جانب ذلك كله، يبرز التحدّي التنظيمي واللوجستي البنيوي الأكبر المتمثّل في إشراف الحكومة على التحضيرات الكبرى الخاصة باستضافة المغرب لنهائيات كأس العالم لكرة القدم عام 2030 بالاشتراك مع إسبانيا والبرتغال. وهذا مشروع يتطلب استثمارات ضخمة في البنى التحتية والنقل والفندقة والاتصالات، ووضع خطط تمويلية دقيقة تجنب ميزانية الدولة أي هزّات أو عجز هيكلي قد يؤثر على التوازنات الماكرو - اقتصادية للمملكة خلال السنوات المقبلة.

تفتيت «العرش الذكوري»

جدير بالذكر أنه منذ حصول المغرب على استقلاله في عام 1956، احتكر الرجال منصب رئاسة الحكومة بصفة مطلقة، حيث تعاقبت على هذا المركز الرفيع وجوه سياسية وتكنوقراطية صبغت القرار التنفيذي بخصائص ومقاربات متباينة توافقت مع طبيعة المراحل التاريخية التي مرت بها المملكة.

وبدأت هذه السلسلة التدبيرية مع مبارك البكاي لهبيل كأول رئيس حكومة، وتوالت الأسماء التاريخية مثل أحمد بلافريج، وعبد الله إبراهيم، وأحمد باحنيني، ومحمد بنهيمة، وأحمد العراقي، ومحمد كريم العمراني (تولى رئاسة الحكومة 3 مرات)، وأحمد عصمان، والمعطي بوعبيد، وعز الدين العراقي وعبد اللطيف الفيلالي. وكانت «الصالونات السياسية» في الرباط تنظر إلى منصب رئيس الحكومة بوصفه فضاءً محاطاً باعتبارات أمنية وقبلية وحزبية معقدة تفصَّل دائماً على مقاسات رجالية، في حين ظل حضور المرأة مقتصراً لسنوات طويلة على الهوامش الحقوقية والجمعوية دون النفاذ إلى مراكز القرار التنفيذي الأول بالبلاد.

ومع دخول المغرب مرحلة الانفتاح السياسي والتناوب التوافقي في نهاية التسعينات، قاد الراحل عبد الرحمن اليوسفي تجربة حكومية فريدة اعتمدت على التوافق السياسي وبناء المؤسسات، وتلاه إدريس جطو بمقاربته التكنوقراطية الصارمة وإدارته المشاريع الاقتصادية الكبرى، ثم عباس الفاسي الفهري.

وشهد العقد الماضي صعود تيار الإسلام السياسي لقيادة الحكومة عبر محطتي عبد الإله بنكيران، وسعد الدين العثماني، اللذين ركَّزا على ملفات الدعم وصندوق المقاصة ونقاشات الهوية، وصولاً إلى التجربة الليبرالية التدبيرية الأخيرة لعزيز أخنوش التي ركزت على الفاعلية الاستثمارية والأوراش الكبرى. وتشارَك هؤلاء القادة جميعاً في صياغة السياسات بعيون رجالية، ليمثل تعيين المنصوري كأول امرأة خطوةً تفكك هذا الاحتكار الطويل وتضع الكفاءة والقدرة التدبيرية معياراً وحيداً للمسؤولية.


حزب «الأصالة والمعاصرة»... وسياق البحث عن التوازن الحزبي

مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)
مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)
TT

حزب «الأصالة والمعاصرة»... وسياق البحث عن التوازن الحزبي

مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)
مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)

يرتبط المسار التنفيذي لفاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة وزراء المغرب الجديدة، بشكل عضوي بنشأة وتطور حزب «الأصالة والمعاصرة» (المعروف اختصاراً بالـ«بام»)، الذي أسس في أغسطس (آب) 2008 في سياق سياسي مثير للجدل. تأسيس الحزب جاء بمبادرة قادها فؤاد عالي الهمّة، المستشار بالديوان الملكي المغربي، برفقة شخصيات حقوقية ويسارية سابقة ووجوه تكنوقراطية، من خلال دمج خمسة أحزاب سياسية صغيرة في إطار ما سمي آنذاك «حركة لكل الديمقراطيين».

وتمثلت الفكرة المحورية للحزب في تقديم عرض سياسي حداثي يهدف إلى إعادة التوازن للمشهد الحزبي المغربي، وكسر القطبية الحادة والتصدّي لصعود تيارات الإسلام السياسي التي كانت تهيمن على المشهد الانتخابي والشارع المغربي. وفعلاً، طرح الحزب أطروحة فكرية تحاول التوفيق بين الأصالة المغربية القائمة على الملكية والدين والتقاليد، والمعاصرة القائمة على قيم الديمقراطية وحقوق المرأة والمنظومة الحداثية والتحديث الاقتصادي الشامل والمنفتح.

ومنذ التأسيس وحتى الانتقال إلى القيادة الجماعية الحالية، تعاقب على الأمانة العامة لحزب «الأصالة والمعاصرة» خمسة قادة عكس كل منهم مرحلة سياسية محددة من تاريخ التدافع الحزبي في البلاد. وبدأت المرحلة مع محمد الشيخ بيد الله في الفترة ما بين عامي 2009 و2012، وهو طبيب ووزير سابق متحدر من الأقاليم الجنوبية، وتركزت مهمته في تثبيت الحزب ومواجهة هزات حراك 20 فبراير (شباط) عام 2011. ثم تولى مصطفى الباكوري القيادة بين 2012 و2016، وهو رجل اقتصاد وتكنوقراط صبغ الحزب بطابع تدبيري عقلاني ركّز على البرامج الاقتصادية والمشاريع الاستثمارية، مبتعداً عن الصدامات الآيديولوجية المباشرة مع الخصوم السياسيين بالبلاد.

شعار حزب «الأصالة والمعاصرة» (الحزب)

بعده، شهدت الفترة بين عامي 2016 و2018 تولي إلياس العماري للأمانة العامة، وهو شخصية كاريزمية آتية من اليسار الراديكالي، واتسمت فترته بالاستقطاب الحاد والشرس مع حزب «العدالة والتنمية» وقيادة معارضة قوية انتهت باستقالته عقب تحولات سياسية معقدة. ثم جاء دور حكيم بنشماش بين عامي 2018 و2020، وشهدت فترته انقسامات وصراعات داخلية حادة بين التيارات المتنافسة كادت تعصف بوحدة الحزب التنظيمية.

وأخيراً، قاد الحزب عبد اللطيف وهبي بين عامي 2020 و2024، وهو محامٍ تميز بالجرأة والمصادمة، ونجح في نقل الحزب من مقاعد المعارضة إلى التدبير الحكومي لأول مرة عقب انتخابات عام 2021 متولّياً وزارة العدل، ومثيراً لنقاشات مجتمعية واسعة حول إصلاح القوانين ومدونة الأسرة، لتستقر قيادة «الجرّار» - والجرّار الزراعي هو شعار الحزب - الحزبي اليوم في يد جماعية تقودها المنصوري بحسابات سياسية دقيقة تسعى للحفاظ على موقع الحزب وصدارته للمشهد التنفيذي الحداثي في المملكة المغربية.