لجوء روسيا إلى استخدام «الكيماوي» يتصدر ملفات «قمة الأطلسي»

باريس: زيلينسكي فتح الطريق لمفاوضات جدية لكن لا توافق بعد مع روسيا على المحددات

زيلينسكي يتحدث إلى النواب والشيوخ الفرنسيين في جلسة مشتركة أمس (أ.ف.ب)
زيلينسكي يتحدث إلى النواب والشيوخ الفرنسيين في جلسة مشتركة أمس (أ.ف.ب)
TT

لجوء روسيا إلى استخدام «الكيماوي» يتصدر ملفات «قمة الأطلسي»

زيلينسكي يتحدث إلى النواب والشيوخ الفرنسيين في جلسة مشتركة أمس (أ.ف.ب)
زيلينسكي يتحدث إلى النواب والشيوخ الفرنسيين في جلسة مشتركة أمس (أ.ف.ب)

سيناريو «التصعيد العامودي» في الحرب الروسية على أوكرانيا هو المفهوم الجديد الذي استخدمته مصادر رئاسية فرنسية أمس للحديث عن احتمال لجوء موسكو إلى استخدام السلاح الكيماوي على الأراضي الأوكرانية. وسيكون هذا الموضوع مادة في النقاشات المرتقبة اليوم وغداً في بروكسل في إطار القمتين الأطلسية والأوروبية اللتين سيشارك فيهما الرئيس فولوديمير زيلينسكي. وفيما حذر الرئيس الأميركي جو بايدن أمس قبل سفره إلى أوروبا للمشاركة في القمم الثلاث «الأطلسية والأوروبية ومجموعة السبع» من أن لجوء موسكو إلى السلاح الكيماوي يمثل «تهديداً حقيقياً» بالتوازي مع تعبير المستشار الألماني عن مخاوفه «من تهديدات بوتين المقنعة باللجوء إلى السلاح الكيماوي»، فإن الغربيين ما زالوا حتى اليوم بعيدين عن تعيين ما يسمى بـ«الخطوط الحمراء» التي يتعين على روسيا الامتناع عن تخطيها، سواء أكان ذلك كيماوياً أو نووياً، وطبيعة الرد الغربي على ذلك. وجلّ ما صدر علناً تنبيه ينس ستولتنبرغ، أمين عام الحلف الأطلسي أمس، في مؤتمره الصحافي، في مقر الحلف، في بروكسل، من أن خطوة روسية من هذا النوع «ستعني تغيير طبيعة الصراع». إلا أنه حرص على البقاء في منطقة رمادية، بحيث امتنع عن تفصيل ما سيكون عليه ردّ فعل الحلف الأطلسي على تصعيد من هذا النوع، مكتفياً بالقول إن قادة الحلف الأطلسي يفترض أن يتفقوا على مزيد من الدعم لأوكرانيا للتصدي للتهديد النووي والكيميائي في مواجهة الغزو الروسي، وتعزيز القوات الحليفة في الجناح الشرقي للأطلسي. وترى مصادر دفاعية فرنسية أنه لا مصلحة للغربيين بتعيين «الخطوط الحمراء»، ولا بتحديد طبيعة الرد الغربي. إلا أن مصادر قصر الإليزيه قالت أمس، في معرض تقديمها للمنتظر من القمم الثلاث، إن المطلوب هو «المحافظة على قناة حوار مع الرئيس الروسي»، من أجل تجنب سيناريوهات من هذا النوع، مؤكدة أن الأوروبيين والأطلسيين سيدرسون «احتمالات التصعيد واللجوء إلى الأسلحة غير التقليدية».
بيد أن باريس التي ترأس الاتحاد الأوروبي حتى نهاية شهر يونيو (حزيران) المقبل، تريد بالتوازي التركيز على الجهود التي من شأنها توفير مخرج من الحرب الدائرة حالياً. ولذا، فإن القادة الغربيين سيعمدون إلى تقييم الجهود الدافعة في هذا الاتجاه، في إطار المفاوضات المباشرة التي حصلت بين الطرفين الروسي والأوكراني، أو من خلال التشاور مع الأطراف التي تحاول القيام بوساطة بين موسكو وكييف. ويرى الغربيون أن الطريق إلى ذلك تمر من خلال وقف لإطلاق النار أو للأعمال العدائية وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق والمدن المحاصرة قبل الدخول في جولة جديدة من المفاوضات. ويتطابق هذا الطرح مع ما يريده الأوكرانيون الذين يضيفون عليه شرط انسحاب القوات الروسية من الأراضي التي احتلتها في أوكرانيا. وتعتبر باريس أن الرئيس زيلينسكي «فتح الطريق» لمفاوضات جدية، من خلال قبوله مبدأ حياد أوكرانيا، مقابل الحصول على ضمانات أمنية جدية وقبوله مناقشة وضعي شبه جزيرة القرم والجمهوريتين الانفصاليتين. ويفهم من كلام المصادر الفرنسية أن باريس يمكن أن تقبل ما يقبله الأوكرانيون ومؤسساتهم، مشيرة إلى أن ربط زيلينسكي موضوع دونيتسك ولوهانسك باستفتاء لا يعني أبداً أنه مستعد للتخلي عن وحدة أراضي أوكرانيا. وفي أي حال، ما زالت باريس لا ترى حتى اليوم وجود توافق على «المحددات» التي من شأنها تيسير حصول تقدم في المفاوضات. وما زالت فرنسا تتهم روسيا بـ«التظاهر» بالتفاوض، وليس التفاوض الفعلي. وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى الانتقادات التي وجّهها أمس سيرغي لافروف، وزير الخارجية الروسي، للجانب الأميركي الذي اتهمه بعرقلة المحادثات التي وصفها بـ«الصعبة» مع الوفد الأوكراني. وقال لافروف، في خطاب ألقاه أمس أمام مجموعة طلابية، إنه «من الصعب أن نتخلص من الانطباع بأن زملاءنا الأميركيين يمسكون بأيدي (الأوكرانيين)» الذين يعمدون إلى تغيير مواقفهم «تكراراً». وأضاف الوزير الروسي أن الأميركيين «يفترضون ببساطة أن إنهاء هذه العملية (التفاوضية) بسرعة ليس مفيداً لهم». وردّ رئيس الوفد الأوكراني المفاوض على ذلك بتأكيده أن الجانب الأوكراني «لديه مواقف واضحة ومبدئية»، مشيراً إلى أن المفاوضات ما زالت متواصلة عن بعد عبر الإنترنت. وإذا كانت القمة الأطلسية ستركز على الجوانب الأمنية والدفاعية وإظهار وحدة الحلفاء ودعمهم متعدد الأشكال لكييف والاستعداد للنظر بحاجاتها ومراجعة الإجراءات الضرورية لتعزيز الجناح الشرقي للحلف وصورة الأمن في أوروبا، فإن ملف العقوبات والاستجابة للحاجات الإنسانية ومواجهة تدفقات اللاجئين ومساعدة دول «الخط الأول»، ستكون بعهدة القادة الأوروبيين ورؤساء دول وحكومات مجموعة السبع. وأمس، استبعدت باريس فرض سلة جديدة من العقوبات في الوقت الحاضر على روسيا، وقالت المصادر الرئاسية إنه «من الضروري التحضر لجميع السيناريوهات الجديدة وقياس آثار العقوبات التي فرضناها على روسيا وقرارات بوتين السياسية والعسكرية»، مضيفة أن الأوروبيين «مستعدون لاتخاذ تدابير إضافية (عقوبات) إذا لم تتوقف الحرب». وسبق لمصدر دبلوماسي فرنسي أن أشار الأسبوع الماضي إلى أن انعدام أي تقدم على صعيد المفاوضات سيكون أحد الأسباب لفرض عقوبات إضافية، علماً بأن ثمة انقساماً في المواقف بين الأوروبيين بشأن العقوبة الرئيسية التي من شأنه إزعاج بوتين، وهي وقف مشتريات النفط والغاز من موسكو. وترى باريس أن العقوبات المفروضة على روسيا كانت لها، حتى اليوم، تبعات «ثقيلة»، إذ تراجع الاقتصاد الروسي بنسبة 8 في المائة، وخسر الروبل 30 في المائة من قيمته أمام العملات العالمية، وزاد التضخم بنسبة 20 في المائة، وجمدت نصف أصول البنك المركزي، وتصاعد الغلاء، وتراجعت القدرة الشرائية للروس... وكشف غبريال أنتا، الناطق باسم الحكومة، أن باريس جمدت أصولاً تزيد قيمتها على 800 مليون يورو تعود لرجال أعمال روس.
وأمس، تحدث الرئيس زيلينسكي إلى مجلس النواب والشيوخ الفرنسيين في جلسة مشتركة، في إطار توجهه إلى برلمانات غربية، «إضافة إلى إسرائيل واليابان» منذ بدء الحرب في 24 فبراير (شباط) الماضي. وفي كلمته، التي دامت نحو 15 دقيقة، وبدأت بدقيقة صمت بطلب من زيلينسكي، دعا الأخير فرنسا إلى أن تساعد بلاده في وضع حد للحرب الروسية، التي وصفها بأنها «حرب ضد الحرية والمساواة والإخاء»، وهي شعار الجمهورية الفرنسية. كذلك دعاها لمساعدة كييف في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وهو الطلب الذي سبق أن ردّده كثيراً من المرات، فيما الأوروبيون لا يبدون مستعجلين للتجاوب معه. وأضاف الرئيس الأوكراني أن مواطنيه «ينتظرون من فرنسا أن تتولى القيادة، وأن تساعدنا على استعادة وحدة الأراضي الأوكرانية». وتجدر الإشارة إلى أن الرئيس ماكرون دأب منذ قبل انطلاق الحرب الأخيرة على التواصل شبه اليومي مع زيلينسكي الذي زاره في كييف في الثامن من الشهر الماضي. وإضافة إلى ما سبق، حثّ زيلينسكي الشركات الفرنسية التي ما زالت عاملة في روسيا على التوقف عن «دعم ماكينة الحرب» الروسية، والخروج من هذه السوق، مسمياً بالاسم شركة «رينو» لصناعة السيارات، ومخازن «أوشان» الكبرى، وكذلك مخازن «لوروا ميرلين» الناشطة في توزيع الحوائج المنزلية كافة. ولجأ زيلينسكي للغة التأثير العاطفي بقوله إنه ينبغي على الشركات المسماة وغيرها أن «تتوقف عن تمويل من يقتل الأطفال والنساء، ومن يلجأ إلى الاغتصاب». وكما في مداخلاته السابقة كافة، لاقى الرئيس الأوكراني استحساناً وتشجيعاً، برز في تصفيق البرلمانيين له وقوفاً.


مقالات ذات صلة

عرض أوكراني لروسيا بتحييد بنى الطاقة

أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث في مؤتمر صحافي في كييف أمس (أ. ب)

عرض أوكراني لروسيا بتحييد بنى الطاقة

أعلن الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، أمس، أن بعض حلفاء بلاده أرسلوا «إشارات» بشأن إمكانية تقليص الضربات بعيدة ​المدى على قطاع النفط الروسي في ظل الارتفاع

رائد جبر (موسكو)
العالم عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة متخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لشراء المسيّرات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الأوكراني يؤكد الاستعداد للرد بالمثل إذا توقفت روسيا عن مهاجمة نظام الطاقة لبلاده (رويترز)

كييف تدعو موسكو لوقف استهداف البنى التحتية للطاقة

عمقت التطورات المحيطة بحرب إيران التشابك مع الصراع المتواصل منذ أربع سنوات حول أوكرانيا خصوصاً في ملف التهديدات المحيطة بأمن الطاقة.

رائد جبر (موسكو)
أوروبا زعيمة المعارضة البيلاروسية سفيتلانا تسيخانوسكايا تتحدث إلى الصحافيين عقب لقائها رئيس الوزراء البريطاني في لندن 3 أغسطس 2021 (رويترز)

زعيمة المعارضة البيلاروسية تدعو إلى عدم تخفيف العقوبات على بلادها

قالت زعيمة المعارضة البيلاروسية في المنفى سفيتلانا تسيخانوسكايا، إن تخفيف عقوبات الاتحاد الأوروبي ضد بلادها يمثّل نهجاً خاطئاً.

«الشرق الأوسط» (ريغا)
أوروبا العلم البريطاني يرفرف فوق سفارتها في موسكو بروسيا 13 سبتمبر 2024 (رويترز)

روسيا تطرد دبلوماسياً بريطانياً لـ«محاولته الحصول على معلومات حساسة»

أعلنت روسيا أنه جرى سحب اعتماد أحد الدبلوماسيين البريطانيين؛ وذلك لمحاولته الحصول على معلومات حساسة.

«الشرق الأوسط» (موسكو )

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».