المخدرات تجتاح سوريا من جنوبها إلى شمالها

معارضون يتحدثون عن «تورط» أطراف بينها «حزب الله» والميليشيات الإيرانية

فصائل معارضة تعتقل متهمين بتجارة المخدرات شمال سوريا (الجيش الوطني السوري)
فصائل معارضة تعتقل متهمين بتجارة المخدرات شمال سوريا (الجيش الوطني السوري)
TT

المخدرات تجتاح سوريا من جنوبها إلى شمالها

فصائل معارضة تعتقل متهمين بتجارة المخدرات شمال سوريا (الجيش الوطني السوري)
فصائل معارضة تعتقل متهمين بتجارة المخدرات شمال سوريا (الجيش الوطني السوري)

لم تعد مناطق جنوب سوريا منطقة عبور للمخدرات وحسب، بل أصبحت أيضاً مستهلكة لها، وقد تصبح منتجة للمخدرات إذا استمر انتشارها وتعاطيها دون حسيب أو رقيب كما هو الحال الآن، لا سيما مع غياب الجهود لمنع تفاقم هذه الظاهرة.
وقال الصحافي ريان معروف من السويداء لـ«الشرق الأوسط»» إنه حتى اليوم، على الأقل، لا مؤشرات على وجود معامل لإنتاج المخدرات في جنوب سوريا، إنما تنتشر مراكز لتجميع هذه المواد في بعض القرى الحدودية، أبرزها قريتا الشعاب وأم شامة، جنوب شرقي السويداء، وقرى حدودية أخرى في ريف درعا الغربي، يستقطب فيها تجار ومهربو المخدرات شباب المنطقة ويزجونهم في عمليات تجارة المخدرات وفق مهام مختلفة، مثل تهريب المخدرات إلى الأردن، أو نقلها بين مراكز التجميع في القرى الحدودية، أو تسليحهم لحماية شحنات المخدرات، أو توزيعها على المروجين في المنطقة.
وتعتبر قرية الشعاب أبرز مناطق تجميع وتهريب المخدرات إلى الأراضي الأردنية، بحسب تعبيره، ومراكز التهريب فيها عبارة عن بيوت سكنية قريبة من الحدود يجتمع فيها المهربون قبل الانطلاق لنقلها.
وأوضح معروف أن عملية التهريب تتشارك فيها شبكات منظمة ذات ارتباطات أمنية، وتنقسم إلى مجموعات، وتلعب كل مجموعة دورها في هذه العملية، إذ تقوم مجموعة بحماية وتأمين الطرقات، وتقوم مجموعة أخرى مسلحة بمرافقة شحنات المخدرات أثناء عملية نقلها بين الحدود، أو إيصالها للمروجين المحليين في المنطقة.
وأشار إلى أن شحنات المخدرات تصل إلى المنطقة عبر طرق عدة مختلفة، المعروف منها طريق البادية التي تربط بين مناطق ريف دمشق ومناطق دير الزور وبادية حمص، ومعظم الشحنات المخدرة تسلك تلك الطرق البعيدة في البادية لتغطية وتأمين عملها ووصولها إلى المناطق المراد الترويج فيها، ومعظمها قادم من لبنان عبر مناطق القلمون والمناطق الأقرب للحدود السورية اللبنانية، حيث توجد مجموعات تابعة لـ«حزب الله» لتصل أرياف دمشق وحمص، وتنقل بعدها إلى طرق البادية عبر جماعات مسلحة متعددة الولاءات، بحيث يحصل تسليم دوري من مجموعة إلى أخرى، وصولاً إلى الوجهة النهائية في مراكز التجميع جنوب سوريا، وتعد بعدها للترويج أو التهريب. وتعبر تلك الجماعات نقاط التفتيش التابعة للنظام بطرق مختلفة، منها الرشوة أو الارتباط المباشر بقوى أمنية وعسكرية تابعة للنظام تؤمن لهم العبور دون تفتيش.
وتحدث الناشط شادي العلي من مدينة درعا جنوب سوريا عن ارتفاع مؤشر الجريمة الناتجة عن تعاطي المخدرات في مناطق درعا جنوب سوريا، والذي يتمثل بعمليات القتل العمد والسرقة بالإكراه والخطف، إلى جانب ارتفاع مؤشر سرقة السيارات، وكلها ينفذها سارقون يتعاطون المخدرات وعجزوا عن شرائها، ووجدوا أن هذا الطريق هو الأنسب والأسهل والأسرع لإرضاء إدمانهم، وسط غياب تام لجهود تبذل من قبل قوات النظام السوري في مكافحة العرض والترويج للمخدرات، والتي يقتصر عملها على ضبط بعض شحنات المخدرات في الوقت الذي تصل شحنات أخرى وتوزع وتهرب دون رقابة حقيقية، إضافة إلى غياب الوسائل الطبية وتقديم العلاج للمدمنين وإيوائهم في مصحات علاجية متخصصة.
ووفق مصدر حكومي في إدارة الأمن الجنائي في درعا، وصل عدد القضايا المتصلة بالمخدرات إلى أرقام مرعبة، حيث سجل في العام الفائت 2021 أكثر من 940 قضية، اتهم فيها أكثر من 1700 شخص، وهي جرائم متنوعة منها الاتجار بالمخدرات وتعاطيها وترويجها، وأخرى تتعلق بالمخدرات أيضاً، كالسرقة والقتل العمد والقتل الخطأ والخطف، وهي النسبة الأكبر من هذه القضايا. وأفاد المصدر نفسه أن النسبة الأكبر من المتهمين هم من فئة الشباب اليافعين في عمر العشرينات، ومنهم النساء والفتيات اليافعات أيضاً، وتتراوح أعمارهم ما بين 15 إلى 40 عاماً.
ونظراً لحساسية المنطقة، التي دخلت في تسويات عدة ولا تزال تشهد حالة عدم استقرار ونشاطات استهدفت القوات الحكومية السورية، فإن عمل القضاء والشرطة المدنية لا يزال محدوداً في المناطق التي تشهد السيطرة الفعلية في مناطق درعا، فيما ترتكب أغلب تلك الجرائم في أرياف المحافظة التي لا تزال السيطرة الحكومية فيها شكلية أو شبه شكلية، وأغلب المتورطين في هذه الأعمال مسلحون، ومنهم من يتمتع بسلطات واسعة.
أحد الأطباء في درعا قال لـ«الشرق الأوسط» إن انتشار المخدرات في درعا ناتج عن عوامل عدة، أولها وصولها إلى المنطقة بكميات كبيرة وبأسعار عادية في متناول حتى العامل العادي ومحدودي الدخل. وأوضح أنه بحسب الحالات التي عاينها فإن نوعية المواد المخدرة المنتشرة في المنطقة ذات نوعيات رديئة، ولهذا السبب تباع بأسعار عادية في متناول الجميع، ولها آثار سيئة جداً، وتعمل على إتلاف المعدة والكولون والكبد بالدرجة الأولى، كما سجلت حالات وفاة عدة لشبان في درعا نتيجة الإصابة بسرطان القولون أو المعدة بشكل مفاجئ، كانوا يتعاطون هذه المواد، التي تؤدي أيضاً إلى فقدان الشهية للطعام وبالتالي ضعف المناعة ومقاومة الجسم، هذا عدا المخاطر الخاصة بالمخدرات على الجهاز العصبي والدماغ والقلب، وهذا يضعف إلى حد كبير القدرة على العلاج من حالة الإدمان. مشيراً إلى وجود حالات لا يمكن التعامل معها في العيادات الطبية وتحتاج مصحات خاصةً ومتقدمة لمعالجة المدمنين.
واعتبر اختصاصي نفسي في درعا يدعى «جهاد» أن عوامل عدة ساعدت على انتشار المخدرات في المنطقة، منها التفكك الأسري في المجتمع، والإحباطات والاضطرابات العقلية ورفاق السوء والبطالة وتردي الأوضاع المعيشية والاقتصادية والأمنية، مشيراً إلى أن معظم المدمنين يعانون من الاضطرابات العقلية.
وأشارت معلومات إلى انخفاض سن تعاطي المخدرات بين الشباب. فبعد إن كانت هذه الظاهرة منحصرة في الفئة العمرية فوق سن 30، أصبحت تضم من هم في عمر 11 - 14 سنة نتيجة انتشارها الكبير في المجتمع، لا سيما مع تدهور الواقع الاقتصادي وتفاقم الفقر والبطالة، ما دفع نسبة كبيرة إلى استخدام المخدرات أو الاتجار بها، إما للهروب من الواقع الذي يعيشه المتعاطي أو لتوفير موارد مالية، هذا إضافة إلى الأمية والجهل الذي انتشر نتيجة سنوات الحرب.
وفي شمال سوريا، أطلق «الجيش الوطني السوري» المدعوم من أنقرة، والعامل في ريف حلب الشمالي ومناطق النفوذ التركي، حملة أمنية واسعة ضد تجار ومروجي المواد المخدرة، أسفرت عن اعتقال أكثر من 40 شخصاً، ومصادرة كميات كبيرة من الحبوب المخدرة وإتلافها.
وأفاد ناشطون أن «الجيش الوطني السوري» وجهات أمنية أخرى نفذت خلال الأيام الأخيرة الماضية حملة واسعة داهمت فيها منازل ومقار عدد كبير من تجار المخدرات في مناطق أعزاز وعفرين ومناطق أخرى تابعة لها في ريف حلب الشمالي، وتمكنت خلالها من إلقاء القبض على عدد من الأشخاص ومصادرة كميات كبيرة من الحبوب والمواد المخدرة والحشيش، وذلك بعد أن لاقت تجارة المخدرات وتعاطيها رواجاً واسعاً في مناطق ريف حلب الشمالي وباتت ظاهرة خطيرة تهدد المدنيين والأمن في المنطقة.
وأوضح الرائد يوسف الحمود، الناطق العسكري باسم «الجيش الوطني السوري» وغرفة القيادة الموحدة (عزم)، أن «فصائل تابعة للجيش الوطني السوري وجهات أمنية أطلقت في 12 مارس (آذار) حملة أمنية واسعة استهدفت في مرحلتها الأولى نحو 40 تاجراً ومروجاً للمواد المخدرة والحشيش والحبوب المخدرة في مدينة عفرين، وفي المرحلة الثانية استهدفت 9 تجار آخرين في مدينة أعزاز بريف حلب الشمالي، ومصادرة كميات كبيرة من الحبوب المخدرة أثناء عمليات المداهمة لعدد من الأبنية التي يتخذها تجار المخدرات أماكن لتخزين المواد المخدرة».
ولفت الحمود إلى أن «الحملة الأمنية ضد تجار ومروجي المخدرات في ريف حلب الشمالي انطلقت استناداً إلى دراسة أمنية دقيقة أعدها المكتب الأمني في غرقة عمليات القيادة الموحدة (عزم)، ومعلومات حول هوية التجار والمروجين وأماكن إقامتهم، ووضعت خطة أمنية محكمة بناءً على تلك المعلومات، وجرى مداهمة أوكار وأماكن إقامة التجار والمروجين للمخدرات، واعتقال عدد كبير منهم، فيما لا تزال الحملة مستمرة حتى إلقاء القبض على آخر تاجر ومروج للمخدرات في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش الوطني السوري شمال سوريا».
- انتحار تاجر
وقال ناشطون إن أكبر تاجر مخدرات في مدينة عفرين أقدم على الانتحار يوم الأحد 13 مارس (آذار)، أثناء مداهمة عناصر من غرفة عمليات (عزم) لمنزله، حيث أقدم التاجر على الفور بالهرب إلى شرفة منزله ورمى نفسه من الطابق الثالث إلى الشارع ليلقى حتفه على الفور، وهو يعتبر من كبار تجار المخدرات، جاء إلى عفرين مهجراً من مدينة عندان شمالي حلب، فيما لاذ عدد من مروجي ومتعاطي المخدرات بالفرار، ولا تزال القوى الأمنية وفصائل «الجيش الوطني السوري» تبحث عنهم لإلقاء القبض عليهم.
أما فيما يتعلق بمصادر المخدرات في شمال سوريا فيقول الناشط أدهم العلي إن «الكمية الأكبر من المواد المخدرة، كالحبوب المخدرة مثل الكبتاغون والترامادول والهيدروكسي، في مناطق الشمال السوري الخاضعة لسيطرة فصائل الجيش الوطني السوري والنفوذ التركي، مصدرها مناطق النظام السوري، حيث يجري نقلها عن طريق الميليشيات الإيرانية وعملائها من لبنان، وصولاً إلى مناطق ريف حلب المتاخمة لمناطق سيطرة المعارضة السورية في ريف عفرين، ويجري تسلمها من قبل تجار في مناطق المعارضة والاتجار بها في المنطقة».
وأشار العلي إلى أن «الشرطة العسكرية وفصائل تابعة للجيش الوطني السوري في بلدة جنديرس داهمت مؤخراً معملاً لصناعة المخدرات والاتجار بها في برج عبد الو قرب بلدة الباسوطة التابعة لريف عفرين، وخلال عملية المداهمة ألقت الشرطة العسكرية القبض على 4 أشخاص من العاملين كانوا داخل المعمل، بينما لاذ الآخرون بالفرار إلى جهات مجهولة».


مقالات ذات صلة

بلجيكا تكشف عن «حجم مخيف» لتجارة المخدرات بالرسائل المشفرة

أوروبا رسائل الهاتف المشفرة تُستخدم في تجارة الكوكايين بالأخص (رويترز)

بلجيكا تكشف عن «حجم مخيف» لتجارة المخدرات بالرسائل المشفرة

أعلنت سلطات بلجيكا، الجمعة، التعرف على هويات 5 آلاف مشتبه بهم، وتوقيفات في دبي والمغرب ومنطقة البلقان، في تحقيق ضد مستخدمي رسائل الهاتف المشفرة بتجارة المخدرات.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
يوميات الشرق الأمير هاري وزوجته ميغان يزوران مركز الملك حسين للسرطان برفقة وفد من منظمة الصحة العالمية في عمّان (رويترز)

رسالة الأمير هاري للمتعافين: لا عيب في الإدمان... «شاركوا شجاعتكم»

في إطار زياراته الإنسانية للأردن، وجّه الأمير البريطاني هاري رسالة تضامن واضحة إلى المتعافين، مؤكداً أن الإدمان ليس وصمة عار، بل تحدٍ يمكن تجاوزه بالإرادة.

«الشرق الأوسط» (عمان)
الولايات المتحدة​ جندي يظهر بجانب مركبة متفحمة بعد إضرام النار فيها بولاية ميتشواكان المكسيكية في أعقاب وفاة زعيم أحد الكارتلات (أ.ب)

10 ملايين دولار... مكافأة أميركية للقبض على شقيقين يقودان عصابة «سينالوا»

كشفت وزارة الخارجية الأميركية أمس إنها ستدفع ما يصل إلى 10 ملايين دولار مقابل معلومات تؤدي إلى اعتقال أو إدانة شقيقين تم تحديدهما كزعيمين لعصابة «سينالوا».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
خاص توزيع مساعدات إنسانية لنحو 800 عائلة من الوافدين في عدة قرى بريف السويداء الثلاثاء (سانا)

خاص دمشق لتطبيق سيناريو الشمال على السويداء خلال شهرين وحرص على «اندماج سلمي»

مسؤول: ستكون هناك خصوصية إدارية للسويداء، إضافة إلى استكمال تطبيق «خريطة الطريق» التي تم الاتفاق عليها بين الدولة السورية والولايات المتحدة والأردن

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي الورشات الفنية والهندسية تواصل تنفيذ مشروع تأهيل مطار دير الزور المدني (الهيئة العامة للطيران المدني السوري)

الاتحاد الأوروبي يدرس تعديل نظام العقوبات على سوريا دعماً للمرحلة الانتقالية

يتضمن المقترح استهداف جماعات مسلحة، ومنتهكي حقوق الإنسان، وأطرافاً فاعلة متورطة في الفساد المرتبط بإعادة الإعمار

«الشرق الأوسط» (لندن)

العراق ينفي وقوع إطلاق نار على حدوده من الجانب الكويتي

العلم العراقي
العلم العراقي
TT

العراق ينفي وقوع إطلاق نار على حدوده من الجانب الكويتي

العلم العراقي
العلم العراقي

نفت وزارة الداخلية العراقية، الجمعة، الأنباء التي ترددت حول وقوع حادث إطلاق نار من الجانب الكويتي استهدف إحدى النقاط الحدودية في محافظة البصرة (550 كم جنوب بغداد)، وفق ما نشرت «وكالة الأنباء الألمانية».

وأكدت الوزارة، في بيان، أن ما تداولته بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي بهذا الشأن «عارٍ من الصحة تماماً».

وشددت على أنه لم يتم تسجيل أي حادث من هذا النوع، وأن الأوضاع على الشريط الحدودي بين البلدين تسير بصورة طبيعية ومستقرة.

ودعت «الداخلية العراقية» وسائل الإعلام إلى ضرورة توخي الدقة في نقل الأخبار واعتماد المصادر الرسمية فقط، محذرة من الانجرار وراء الشائعات التي قد تثير البلبلة، وتؤثر في طبيعة العلاقات الأخوية التي تربط العراق والكويت.

كما أشارت الوزارة في بيانها إلى أنها تحتفظ بحقها القانوني في اتخاذ الإجراءات اللازمة ضد مروجي الأخبار الكاذبة التي تستهدف المساس بالأمن والاستقرار في البلاد.


ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)
الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)
TT

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)
الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)

يواجه المزارعون بمناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن مخاطر فقدان مصادر دخلهم، وتتزايد معاناتهم بفعل جملة من الممارسات والإجراءات التي تؤثر بشكل مباشر على بنية الإنتاج الزراعي، كاستهداف مصادر الطاقة البديلة، وإغراق الأسواق بمدخلات زراعية فاسدة، وفرض قيود على التصدير، واحتكار عمليات التسويق.

ويخشى المزارعون من أن تؤدي الممارسات الحوثية إلى الإضرار التام بالعملية الزراعية والإخلال بالعلاقة بينهم وبين الأسواق المحلية والخارجية، وأن تدفع الكثير منهم إلى هجر هذه المهنة، في وقت تواصل فيه الجماعة الترويج لمزاعم دعم التنمية الزراعية بهدف الوصول إلى الاكتفاء الذاتي.

مصادر محلية في محافظة ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء) تقول إن حصار الجماعة قرية الأغوال في مديرية الحدا، منذ قرابة أسبوعين، تسبب بتلف المحاصيل الزراعية نتيجة الصقيع والجفاف، بعد منع المزارعين من الوصول إلى مزارعهم لحمايتها من البرد وريها بالماء.

إلى جانب ذلك، أقدم مسلحو الجماعة، وبأوامر مباشرة من القيادي محمد البخيتي، المعين محافظاً للمحافظة في التنظيم الحوثي، على اقتلاع الألواح الشمسية وقطع أسلاك منظومات الطاقة، وكسر أقفال الآبار، في إجراء يرى المزارعون أنه يهدف إلى إلزامهم بالعودة لاستخدام الوقود المرتبط بتجارة واقتصاد الجماعة.

مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

وفي الجوف (شمال شرق صنعاء)، أدى توزيع الجماعة بذوراً فاسدة إلى ظهور نباتات علفية دخيلة عند الحصاد، أتلفت كميات كبيرة من محاصيل الحبوب، وخفّضت الإنتاج إلى أقل من الثلث، وفقاً للمزارعين الذين أبدوا حسرتهم على ضياع موسم زراعي، وانتهى بمحصول ضئيل وخسائر كبيرة، بعد أن لجأ العديد منهم إلى الاقتراض لإنجاح موسمه.

ونقلت مصادر زراعية عن المزارعين أن المحصول الضئيل نفسه لا يصلح للاستهلاك الآدمي.

وشهدت مديرية الحميدات، غرب المحافظة، الخسائر الأكبر، حيث لم يتجاوز محصول غالبية الحقول 30 كيساً من الحبوب، بعد أن كانت تنتج أكثر من 100 كيس خلال المواسم الماضية. ويصف المزارعون المحصول بأنه شبيه بالقمح ولا يصلح إلا كعلف للحيوانات.

إفساد المحاصيل

يتهم مزارعو البطاطس في محافظة ذمار الجماعة الحوثية بإغراق الأسواق ببذور مستوردة فاسدة وملوثة، والتسبب في كارثة زراعية بتدمير محاصيل استراتيجية وتعميق أزمة الأمن الغذائي.

ونفذ هؤلاء وقفة احتجاجية في العاصمة المختطفة صنعاء، أمام مبنى وزارة الزراعة في حكومة الجماعة التي لا يعترف بها أحد، مطالبين بوقف استيراد وتوزيع البذور غير المطابقة للمعايير، وبتعويضهم بعد الخسائر التي تكبدوها بسبب تلك الأصناف واستخدام مبيدات محظورة، وغياب الفحوصات المخبرية والرقابة الفعالة على الشحنات.

جانب من احتجاج مزارعي البطاطس أمام مبنى تابع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)

وشهدت الوقفة اصطفاف عشرات الشاحنات المحملة بالمحصول المتضرر، ورفع المحتجون لافتات تدعو إلى وقف استيراد وتوزيع بذور غير مطابقة للمعايير، متهمين الجهات التابعة للجماعة بالتساهل في إدخال أصناف مصابة تسببت في انتشار أمراض نباتية خطيرة خلال المواسم الماضية، إلى جانب استخدام مبيدات محظورة.

وواصلت الجماعة الحوثية ادعاءاتها بدعم التنمية الزراعية وتحقيق الاكتفاء الذاتي إلى الترويج لنجاح زراعة محاصيل استراتيجية مثل القمح والأرز، وهم ما يعدّ تحدياً معقداً، حيث تصنف اليمن من البلدان محدود الموارد المائية.

ويلفت خبير زراعي يمني، يعمل في قطاع الزراعة الذي يسيطر عليه الحوثيون، إلى أن مزاعم الحوثيين بنجاح زراعة القمح تسقط في الفجوة الكبيرة بين الاستهلاك المحلي والإنتاج الممكن، حيث يستهلك اليمنيون ما يقارب 4 ملايين طن من القمح، والتي تحتاج إلى مساحات شاسعة لإنتاجها.

قادة حوثيون وسط مزرعة في الجوف حيث يشكو المزارعين من خسائر فادحة (إعلام حوثي)

ولا تتجاوز المساحات المزروعة في اليمن عشرات الآلاف من الهكتارات، بإنتاج أقصى يقدَّر بعشرات الآلاف من الأطنان، بحسب حديث الخبير الزراعي الذي طلب من «الشرق الأوسط» حجب بياناته حفاظاً على سلامته.

تضليل بمسمى الاكتفاء

أما زراعة الأرز، والحديث لنفس الخبير الزراعي، فهي خيار غير منطقي في ظل الاستنزاف الحاد للموارد المائية وتراجع منسوب المياه الجوفية، فضلاً عن غياب شبكات ري حديثة قادرة على دعم مثل هذا التوجه.

ويشير خبير آخر، تتحفظ «الشرق الأوسط» على بياناته أيضاً، إلى أن الجماعة الحوثية نفسها منعت مزارعي سهل تهامة، غربي البلاد، خلال السنوات الأخيرة، من التوسع في زراعة الموز بحجة الحفاظ على مخزون المياه الجوفية، في الوقت ذاته الذي تروّج لمزاعم زراعة الأرز الذي لا يمكن إنتاجه إلا في بيئة تتوفر فيها مياه جارية طوال العام.

ويشهد الموسم الحالي تكدساً وكساداً كبيرين للبرتقال واليوسفي، خصوصاً في محافظة الجوف (شمال شرق صنعاء) تحت تأثير الإجراءات التي تفرضها الجماعة الحوثية على المزارعين في المحافظة.

فتى يمني يعمل في حقل على أطراف صنعاء حيث يتراجع الإنتاج الزراعي جراء ممارسات الحوثيين (إ.ب.أ)

ومنذ قرابة شهرين يواجه مزارعو البرتقال واليوسفي صعوبات كبيرة في التصدير، بعد احتكار شركة حوثية تحمل اسم «سوق الارتقاء» تصدير المنتجات الزراعية إلى دول الجوار.

وتنقل مصادر زراعية عن هؤلاء المزارعين اتهامات للجماعة الحوثية بممارسة التضليل لنهب محاصيلهم، وذلك بادعاء أن استيراد دول الخليج هذين المنتجين من سوريا ومصر، تسبب في تراجع الطلب على الإنتاج اليمني منها، ووصفوا نشاط شركة «الارتقاء» الحوثية بـ«النهبوي» الذي لا يقتصر على هذين المنتجين فحسب.

وتلفت المصادر إلى أن جميع مزارعي الفواكه والمحاصيل القابلة للتصدير باتوا تحت رحمة هذه الشركة التي تتحكم بالأسعار والكميات، وتتسبب في تلف المنتجات الزراعية وإلحاق خسائر كبيرة بالمزارعين الذين يضطر غالبيتهم إلى البيع بأسعار زهيدة إلى الأسواق المحلية التي تشهد وفرة كبيرة وقدرة شرائية متدنية.


الحوثيون يوسّعون دائرة المجاعة... ويدفعون آلاف الأسر للتسول

 يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)
يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)
TT

الحوثيون يوسّعون دائرة المجاعة... ويدفعون آلاف الأسر للتسول

 يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)
يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)

مع حلول شهر رمضان، الذي اعتاد اليمنيون استقباله بأجواء من التكافل والتراحم، تبدَّلت ملامح الحياة في العاصمة المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث تحوَّلت الشوارع والأسواق وأبواب المساجد إلى مشاهد يومية للفقر والعوز.

ورصدت «الشرق الأوسط» امتلاء أرصفة الشوارع بأعداد متزايدة من النساء والأطفال وكبار السن الذين اضطروا إلى التسول؛ بحثاً عن لقمة تسد رمق أسرهم، في مؤشر واضح على تعمق الأزمة الاقتصادية والإنسانية التي تعصف بالبلاد منذ سنوات.

وباتت ظاهرة التسول، وفق سكان وناشطين، جزءاً ثابتاً من المشهد اليومي، بعد أن كانت حالات محدودة قبل انقلاب الحوثيين، إذ دفعت ظروف المعيشة القاسية آلاف الأسر إلى خيارات لم تكن واردة في حياتها من قبل.

ويعزو مراقبون هذا التحول إلى استمرار انقطاع الرواتب، وتراجع فرص العمل، وارتفاع أسعار المواد الغذائية، إضافة إلى غياب أي معالجات اقتصادية حقيقية تخفف من معاناة السكان.

الفقر يدفع أشخاصاً في صنعاء للتسول لسد الرمق (الشرق الأوسط)

وخلال جولة ميدانية في عدد من شوارع صنعاء، رصدت «الشرق الأوسط» انتشار النساء والأطفال الذين يفترشون الأرصفة في محاولة لاستدرار المساعدة. ويروي كثير منهم قصصاً متشابهة عن فقدان المعيل أو توقف مصادر الدخل، بينما اضطر آخرون إلى ترك أعمالهم أو دراستهم؛ بسبب الظروف الاقتصادية المتدهورة.

ويؤكد سكان أن الظاهرة لم تعد محصورة في أحياء فقيرة بعينها، بل امتدت إلى معظم مديريات صنعاء ومدن أخرى، ما يعكس اتساع رقعة الفقر وتآكل الطبقة الوسطى.

ويحمّل عاملون إغاثيون الجماعة الحوثية مسؤولية تفاقم الأزمة، متهمين إياها بالانشغال بفرض الجبايات والإتاوات بدلاً من تبني سياسات اقتصادية واجتماعية تحد من الانهيار المعيشي.

وتقول أم أحمد، وهي أم لعد من الأطفال، تجلس قرب أحد المساجد، إن زوجها فقد عمله منذ عامين، ولم تعد الأسرة قادرةً على دفع إيجار المنزل أو تأمين الغذاء والدواء. وتضيف بحزن: «لم أتخيل يوماً أن أطلب المساعدة من الناس، لكن أطفالي بحاجة للطعام، ورمضان هذا العام هو الأصعب علينا».

طابور نساء أمام أحد المطاعم بصنعاء أملاً في الحصول على الطعام (الشرق الأوسط)

وفي شارع الزبيري، يقف الطفل سالم (12 عاماً) حاملاً علبة صغيرة لجمع التبرعات، بعدما اضطر لترك المدرسة إثر مرض والده. ويقول إنه كان يحلم بإكمال تعليمه، لكنه بات يخرج يومياً قبل الإفطار لمحاولة جمع ما يساعد أسرته على البقاء.

أما عبد الله، وهو موظف حكومي، فيؤكد أنه لم يتقاضَ راتبه منذ سنوات، ما دفعه للاعتماد على المساعدات. ويقول: «خدمت الدولة عقوداً طويلة، واليوم أجد نفسي مضطراً لطلب العون. لم نصل إلى هذه الحال إلا بسبب غياب الحلول».

طوابير طويلة

بالتوازي مع اتساع ظاهرة التسول، تشهد صنعاء ومحافظتا إب وذمار مشاهد إنسانية قاسية، تتمثل في طوابير طويلة لنساء وفتيات ينتظرن لساعات للحصول على وجبات مجانية تقدمها مبادرات خيرية محدودة الإمكانات. وتحمل النساء أكياساً فارغة على أمل العودة بما يسد جوع أطفالهن.

ويؤكد عاملون في المجال الإغاثي أن أعداد الأسر الباحثة عن وجبات الإفطار المجانية تزداد يومياً بشكل غير مسبوق، ما يعكس حجم التدهور المعيشي. ففي أحد أحياء مديرية معين بصنعاء، يصطف العشرات يومياً للحصول على وجبة بسيطة مكونة من الخبز وعلبة زبادي.

محتاجات يتجمعن للحصول على وجبة مجانية من مطبخ خيري في ذمار (فيسبوك)

وتقول أم عبد الله، وهي نازحة وأم لـ5 أطفال، إن هذه الوجبة قد تكون الطعام الوحيد المتاح لعائلتها خلال اليوم. وتوضح أنها تخرج بعد صلاة الفجر لتضمن موقعاً في الطابور، مضيفة: «أحياناً ننتظر 3 ساعات، لكنها تبقى فرصة كي لا ينام أطفالي جائعين».

وفي محافظة إب، أثارت مشاهد تجمع مئات النساء أمام مطبخ خيري غضباً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث عدّ ناشطون تلك الصور دليلاً على وصول الأزمة الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة.

وتقول ابتسام، وهي أم لـ3 أطفال، إنها تقطع مسافة طويلة سيراً على الأقدام يومياً، لكنها كثيراً ما تعود خالية اليدين بعد انتهاء التوزيع.

أما في ذمار، فتتكرر المشاهد ذاتها، حيث تنتظر نساء لساعات طويلة تحت الشمس للحصول على وجبة ساخنة. وتقول سمية، التي يعاني زوجها المرض ولا تملك مصدر دخل: «أشعر بالألم وأنا أقف في الطابور، لكن حاجتي من أجل أطفالي أكبر من أي شعور».

أزمة عميقة

تشير بيانات أممية إلى تصاعد مقلق في مؤشرات الفقر في اليمن خلال السنوات الأخيرة، إذ ارتفع عدد المحتاجين للمساعدات الإنسانية من نحو 21.6 مليون شخص عام 2023 إلى أكثر من 22 مليوناً في 2026، مع استمرار الحرب وتدهور الاقتصاد.

كما ارتفعت نسبة الأسر اليمنية التي اضطرت إلى التسول لتأمين احتياجاتها الغذائية من نحو 5 إلى 6 في المائة قبل 3 سنوات إلى نحو 10 في المائة حالياً، مع تقديرات بوصولها إلى 12 في المائة في بعض المناطق.

ويعني ذلك أن أسرة واحدة من كل 10 أسر يمنية أصبحت تعتمد على التسول مصدر دخل مباشر، وهو تحوُّل خطير يعكس انتقال الظاهرة من حالات فردية إلى نمط معيشة اضطراري.

يمني يحمل أسطوانة غاز فارغة في أحد المساجد طالباً مساعدته لتعبئتها (فيسبوك)

ويرى مختصون اجتماعيون أن هذه المؤشرات تعكس فساد الجماعة الحوثية التي فاقمت الفقر والبطالة وانهيار الخدمات، محذرين من أن استمرار الوضع الحالي قد يقود إلى تفكك اجتماعي أوسع وارتفاع معدلات الجريمة والهجرة الداخلية.

وتتزامن هذه التطورات مع تحذيرات أممية من تدهور أوضاع النساء والفتيات بشكل خاص، في ظل نقص التمويل الإنساني واستمرار الصراع لأكثر من 11 عاماً. وأفاد صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن ملايين النساء يعانين من الجوع الحاد، بينما تفتقر ملايين أخريات لخدمات الصحة الإنجابية الأساسية.

وتشير التقديرات إلى وفاة 3 نساء يومياً؛ بسبب مضاعفات الحمل والولادة، في حين تحتاج أكثر من 6 ملايين امرأة وفتاة إلى خدمات الحماية من العنف. ويرى مختصون أن الضغوط الاقتصادية دفعت النساء إلى تحمل العبء الأكبر في تأمين الغذاء لأسرهن، ما جعلهن الأكثر تأثراً بالأزمة.