تحديات جديدة في ألمانيا بسبب الحرب الأوكرانية

اهتمام كبير بمعالجة مشكلة اللجوء... الآتية بعد تداعيات «كوفيد ـ 19»

تحديات جديدة في ألمانيا بسبب الحرب الأوكرانية
TT

تحديات جديدة في ألمانيا بسبب الحرب الأوكرانية

تحديات جديدة في ألمانيا بسبب الحرب الأوكرانية

تحوّلت محطة القطارات الرئيسية في العاصمة الألمانية برلين خلال الأيام الماضية إلى أشبه بخلية من النحل. إنها صورة تناقض نفسها قبل أسبوعين فقط، عندما كان المكان لا يزال هادئاً؛ إذ إنه لم يكن قد استعاد بعد كامل نشاطه المعتاد بسبب جائحة «كوفيد - 19» التي أجبرت سكان العاصمة على تقليص سفرهم إلى الحد الأدنى.
اليوم، يبدو هذا المكان صاخباً... يعجّ بالمسافرين الذين يتدفقون يومياً إلى مدينة برلين بالآلاف، معظمهم قادمون على متن قطارات بدأت رحلتها في مدن أوكرانيا... مروراً ببولندا.
إنهم يصلون حاملين حقائب سفر صغيرة توحي بأنهم سياح جاءوا لتمضية بضعة أيام. بيد أنهم ليسوا سياحاً، بل هم لاجئون فارّون من جحيم الحرب المستعرة في أوكرانيا.
صعوبة الرحلة وطولها دفعا بهؤلاء إلى الاكتفاء بحمل أقل ما يمكنهم حمله من ممتلكاتهم، وترك الكثير خلفهم.
أعداد كبيرة من الواصلين هم من النساء والأطفال، أما الرجال منهم فهم بمعظمهم من غير الأوكرانيين. ولكن في برلين، يستقبلهم المتطوّعون الذين ينتظرون في محطة القطارات الرئيسة مرتدين سترات صفراء، بالشكل نفسه. ويقتادونهم إلى مكان داخل المحطة يؤمّن لهم فيه الأكل والشراب وأخذ المتوافر من المساعدات من ملابس وأساسيات يومية. ومن ثم يساعدونهم في ملء الأوراق الثبوتية اللازمة لتقديم طلبات اللجوء.
وخارج المحطة، تنتصب خيمة بيضاء رفع عليها علم أوكرانيا، في داخلها متطوعون آخرون يساعدون اللاجئين بتقديم توجيهات حول الطريق الأفضل للوصول إلى الوجهة المقصودة، أو ينقل منهم مَن يريد إلى مراكز لجوء وإيواء مؤقتة.
الكثير تغير في ألمانيا منذ أسبوعين. فالعاصمة برلين تستقبل يومياً قرابة الـ10 آلاف لاجئ آتٍ من أوكرانيا. وعلى الرغم من تخصيص حكومة الولاية (برلين، بالمناسبة مدينة – ولاية) موارد كثيرة لتأمين حاجات اللاجئين الجدد، فإن أعداد الواصلين فاقت التوقعات، لا سيما أن معظم اللاجئين الوافدين من الأراضي الأوكرانية يصلون أولاً إلى برلين بحكم قربها النسبي من الحدود مع بولندا، لكنهم يتوزّعون منها لاحقاً على ولايات ألمانية أخرى.
كاتيا كيبينغ، وزيرة الشؤون الاجتماعية في ولاية برلين، تتحدث عن وصول محطة القطارات الرئيسة في برلين إلى طاقتها الاستيعابية القصوى. وتحذّر من أن «التحدي» سيصبح أكثر صعوبة يوماً بعد يوم. ومن جهة ثانية، عمدة المدينة إلى إعادة فتح المطارات القديمة في المدينة لاستقبال اللاجئين فيها، وتحويل مرافقها إلى مراكز مؤقتة يمكن للاجئين المبيت فيها، ريثما يصار إلى توزيعهم على مراكز ومساكن أخرى.
من هذه المطارات مطار تيغيل الذي كان لغاية العام الماضي واحداً من مطار دوليين أساسيين في محيط العاصمة، إلا أنه توقف عن العمل بعد فتح المطار الجديد. وكان مطار تيغيل نفسه قد استخدم أزمة جائحة «كوفيد - 19» مركزاً للتلقيح ضد فيروس الجائحة. وها هو اليوم يُغيّر دوره مرة جديدة ليصبح مركزاً مؤقتاً للجوء. وهنا نشير إلى أن مطاراً دولياً سابقاً آخر استخدم عام 2015 لاستقبال اللاجئين السوريين، هو مطار تمبلهوف الذي توقّف عن العمل 2008، وهو الذي كان قد تحوّل إلى رمز للعاصمة الألمانية لاستخدامه من قبل الحلفاء عام 1948 مركزاً لعمليات إسقاط المساعدات للسكان أيام حصار برلين من قِبل السوفيات.
مشاكل إيواء وتعليم
حالياً، رغم استعدادات سلطات برلين لاستقبال أعداد كبيرة من اللاجئين مع بداية الحرب في أوكرانيا، فهي لم تتوقع أن ترتفع أعداد الواصلين بهذه السرعة، ولا تبدو مرافق المدينة – على كثرتها – مهيأة للتعامل مع سيل يضم الآلاف من اللاجئين يومياً. ذلك أن العديد من المؤسسات التابعة للولاية وللحكومة الفيدرالية الألمانية كانت ما زالت تعمل بالحد الأدنى بسبب «كوفيد - 19»، لكنها تجد نفسها الآن مجبرة على الانتقال إلى طاقتها القصوى خلال أيام قليلة.
وفي هذا السياق، نذكر أنه لا يسجل كل اللاجئين الواصلين إلى ألمانيا أنفسهم مع الحكومة من أجل الحصول على سكن؛ إذ تصل أعداد غير قليلة منهم للسكن مع عائلاتهم الموجودة أصلاً في ألمانيا. بيد أن هذا الأمر خلق مشكلة إضافية تتمثل بالعثور على مساكن مساحتها أوسع لاحتواء العائلات الجديدة. وفي مدينة تعاني أصلاً من مشكلة في السكن، فإن هذه الأزمة آخذة في التفاقم.
ولم تخلق أزمة اللاجئين مشاكل في السكن فقط، بل أيضاً في المدارس. وحتى الآن لا تُجبر الحكومة الألمانية اللاجئين على تسجيل أولادهم في المدارس، ولكنها قد تدخل قريباً قوانين تفرض عليهم ذلك. وهذا الأمر قد يفاقم مشاكل قطاع المدارس، خاصة في برلين التي تعاني نقصاً كبيراً في عدد المدرّسين وانعدام القدرة على استيعاب مزيد من الطلبة في صفوف تستقبل أكثر من طاقتها منذ سنوات. ورغم أن المدارس الألمانية واجهت تحدياً مشابهاً لما تعانيه اليوم، في العام 2015، عندما تعين عليها استقبال آلاف الطلاب الجدد الآتين من سوريا من دون أي إلمام باللغة الألمانية، فهي لا يبدو أنها خططت منذ تلك التجربة لحالات مستقبلية شبيهة. وحقاً، تتحدث وزارة التعليم في برلين اليوم عن خلق 50 صفاً (أو فصلاً دراسياً) جديداً تعد «صفوف استقبال» يتأمن عبرها إدخال الأطفال الأوكرانيين إليها لتعليمهم اللغة قبل إدماجهم في الصفوف. لكن هذا الرقم صغير جداً، ولن يكون قادراً على استيعاب إلا جزء صغير من الطلاب الجدد، وفق صحيفة «بيرلينر تزايتونغ».
وتقول الصحيفة بأنه قياساً لأعداد الواصلين يومياً، وإلى أن عدداً كبيراً منهم من الأطفال، فإن ثمة حاجة إلى استحداث أكثر من 500 صف شبيه وليس 50 صفاً فقط.
كذلك، تشير الصحيفة إلى كتاب نشرته صحافية متخصصة في التعليم، بعد أزمة اللاجئين عام 2015، حول الدروس المُستفادة من تلك الأزمة في ضوء الضغوط التي سببتها على قطاع التعليم. واستنتجت مؤلفة الكتاب أن الحكومة «لم تدرس نتائج الأزمة داخل الصفوف ولا طريقة معالجتها. وليس لديها، بالتالي، اليوم وسيلة تطبقها على اللاجئين الجدد الوافدين من أوكرانيا».
أزمة ارتفاع الأسعار
ولكن ليس هذا فقط ما تغير في ألمانيا خلال الأسبوعين الماضيين. فأسعار الوقود والديزل وفواتير الكهرباء والتدفئة ترتفع بشكل جنوني منذ أيام حتى باتت تؤرق المستهلكين والحكومة على حد سواء. وبينما تبحث الحكومة الفيدرالية الألمانية عن حلول وبدائل سريعة لتخفيف الحمل الثقيل المتزايد على كاهل سكانها، تزداد النصائح المقدمة لاستخدام وسائل نقل بديلة عن السيارات وتشغيل التدفئة لساعات أقل، مع أن فصل الشتاء لم ينته... والطقس البارد لم يدفأ بعد.
والواقع، أن ألمانيا ربما تكون، إلى جانب النمسا، من أكثر الدول الأوروبية تأثراً سلبياً من الناحية الاقتصادية بالحرب في أوكرانيا. فألمانيا تستورد من روسيا أكثر من 55 في المائة من غازها، و52 في المائة من فحمها و34 في المائة من نفطها، في حين تستورد النمسا 80 في المائة من غازها من روسيا. وخلال السنوات القليلة الماضية، منذ قرار السلطات الألمانية وقف المعامل الألمانية للطاقة النووية إثر حادث فوكوشيما عام 2011 في اليابان، ازداد اعتماد ألمانيا على الغاز الروسي بشكل كبير.
بدائل «نورد ستريم 2»
وهكذا، وافقت برلين على بناء مشروع «نورد ستريم2» لزيادة كمية الغاز الروسي الذي يصل مباشرة إلى الأراضي الألمانية، رغم أن مشروعاً شبيهاً موضوع في الخدمة منذ أكثر من 10 سنوات. فإن الحرب في أوكرانيا غيرت هذه المعادلة. وبعد مقاومة برلين إبان حكم أنجيلا ميركل وقف مشروع «نورد ستريم2» لسنوات، وتمسّك الحكومات السابقة بالمشروع رغم العقوبات الأميركية عليه، أعلنت حكومة أولاف شولتز الجديدة وقف العمل به، وإعادة «تقييم المخاطر الأمنية» التي يتسبب بها. وكان هذا، تحديداً، انتقاد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب لتبني ألمانيا المشروع. وكان ترمب، في الواقع، هو الذي فرض العقوبات عليه محذّراً من أن ازدياد اعتماد ألمانيا على الطاقة الروسية سيجعلها أسيرة لسياسات الكرملين.
يومذاك، لم تقتنع برلين بوجهة النظر الأميركية تلك إلى أن وقعت الحرب في أوكرانيا... وبدأت روسيا عملياتها العسكرية على أبواب دول حلف شمال الأطلسي (ناتو).
أكثر من هذا، لم تكتفِ ألمانيا بوقف المشروع، بل باشرت التسريع بمشاريع غاز ونفط بديلة بهدف تقليص الاعتماد على الطاقة الروسية. وساعد في ذلك أن حزب «الخضر» البيئي، الشريك البارز في الحكومة الألمانية الجديدة، كان خطّ في اتفاقية الائتلاف الحكومي زيادة الإنفاق على مشاريع الطاقة الخضراء. ويُعرف عن حزب «الخضر» أنه من أكثر الأحزاب الألمانية اندفاعاً إلى تبني سياسة أكثر استقلالية عن روسيا، وهو كان الحزب الوحيد الذي انتقد تقارب الحكومات الألمانية المتعاقبة مع موسكو، واتخذ مواقف منتقدة من السلطات الروسية، خاصة، لجهة تاريخها مع حقوق الإنسان.
وتأمل الآن ألمانيا بأن توقف اعتمادها على النفط الروسي بحلول نهاية العام الحالي، وعلى الفحم في حلول الصيف المقبل، كما قال وزير الاقتصاد روبرت هابيك المنتمي لحزب «الخضر». ولكن وقف اعتمادها على الغاز الروسي سيكون مهمة أصعب بكثير.
العلاقات مع روسيا
هابيك أقر بأن فرض حظر كامل على الغاز والنفط الروسي في الوقت الراهن سيؤدي إلى كارثة اقتصادية على ألمانيا. وأضاف في تصريحات للقناة الألمانية الأولى، إن وقفها تلك الصادرات «سيؤدي إلى نقص في الإمداد وحتى وقف كامل للإمدادات في ألمانيا». وأردف أن ما سيترتب على ذلك سيكون «بطالة جماعية وفقر وأشخاص عاجزون عن تدفئة منازلهم، وآخرون لن يعود لديهم وقود لملء سياراتهم». وأكد، أن البطالة الجماعية تعني وقف العمل بالكثير من المصانع التي لن تظل قادرة على تشغيل آلاتها بسبب عجزها عن دفع فواتير الطاقة المشغلة.
ومن ثم، بين خطط الحكومة الفيدرالية لتخفيف الاعتماد على الغاز الروسي، بناء معملين للغاز المُسال ما سيمكّن ألمانيا من استقدام غاز من دول أخرى مثل الولايات المتحدة وأستراليا وقطر. ولكن بناء المعملين سيستغرق قرابة السنتين، بجانب أن استيراد الغاز المُسال سيكون أكثر تكلفة لألمانيا.
مع هذا، هناك مَن يروّج لوقف استيراد الغاز الروسي على الفور. من هؤلاء، النائب نوربرت روتغن، المنتمي إلى حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، الذي كانت ترأسه المستشارة السابقة أنجيلا ميركل. ورغم أن روتغن ينتمي إلى حزب كان مسؤولاً عن سياسة الطاقة في البلاد والاعتماد المتزايد على روسيا في هذا المجال، فهو يكرّر انتقاداته للحكومة الحالية «لتلكؤها في اتخاذ قرار بوقف واردات الطاقة الروسية». ويعتبر هذا السياسي المحافظ أن أموال ألمانيا تموّل الحرب على أوكرانيا؛ إذ كتب مقالاً في صحيفة ألمانية قبل أيام قال فيه «أكثر من مليار يورو تصب في صندوق (الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين الحربي يومياً، وتحبط العقوبات المفروضة على البنك المركزي الروسي».
بل، عزّزت توصية الأكاديمية الليوبولدينية الوطنية للعلوم من الجدل القائم؛ إذ استنتجت في ورقة أعدتها أنه في حال قطع الغاز والنفط الروسي فوراً «سيظل ممكنا إدارة الوضع في ألمانيا». واقترحت هذه الأكاديمية - المعهد التي من مهامها تقديم دراسات علمية لقضايا أساسية لديها تأثير على المجتمع الألماني، إجراءات عدة لمساعدة البلاد على التخلص من الاعتماد على الطاقة الروسية. إلا أن الحكومة الألمانية رفضت التوصية على الفور وبقيت مصرّة على أنه لا يمكن وقف استيراد الغاز الروسي فوراً.
ولقد أثار هذا الموقف انتقادات لاذعة لألمانيا وجّهها لها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عندما خاطب البرلمان الألماني الفيدرالي (البوندستاغ) يوم الخميس الماضي، واتهم أوروبا ببناء جدار بينها وبين أوكرانيا، في إيحاءات تاريخية تتعلق بـ«جدار برلين». ومما قاله زيلينسكي، أن ألمانيا تحاول أن تحمي اقتصادها، وهذا يمنعها من اتخاذ قرارات بفرض عقوبات على روسيا قادرة على وقف الحرب.

حرب أوكرانيا أعادت فتح ملف السياسة الدفاعية
> يوافق المراقبون المتابعون على أن المخاوف الاقتصادية هي التي تحرك ألمانيا الآن. والمخاوف تلك تتعدى الغاز والنفط، لتصل إلى القمح وبذور الزيوت التي تستوردها ألمانيا من أوكرانيا. وكانت هذه المخاوف قد بدأت تظهر على رفوف المتاجر الفارغة من الزيوت النباتية والطحين؛ ما أجبر المتاجر على إعادة فرض حد للكميات التي يمكن للفرد شراؤها من تلك المنتجات. ويذكر ذلك بأيام «كوفيد -19» الأولى حين أخذت المتاجر تفرغ من بعض الأساسيات التي تدافع السكان على تخزينها.
إلا أن التغييرات الأعمق التي طالت ألمانيا بفعل الحرب الدائرة في أوكرانيا، لا تتوقف فقط على سياسة الطاقة، وإن كانت تلك بعيدة أو متوسطة المدى. فالتغيير الأكبر والأبرز يتعلق بسياسة الدفاع الألمانية. وخلال أيام قليلة منذ بداية العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، أعلن المستشار أولاف شولتز قرارات وصفت بـ«التاريخية»؛ لأنها تلغي عقوداً من سياسات بقيت ألمانيا متمسكة بها لأسباب تاريخية. ومعلوم أن حكومات «ما بعد الحرب العالمية الثانية» حرصت على خفض الإنفاق العسكري وتقليص قوة الجيش الألماني، وظلت دائماً رافضة للتدخل في الخارج إلا في عمليات ضمن إطار دولي وفقط في دور غير قتالي. ولكن شولتز ثار على كل تلك المخاوف، وأعلن أخيرا أن ألمانيا ستبدأ بإرسال أسلحة قتالية لأوكرانيا، عاكساً قرارات سابقة تمنع تصدير السلاح إلى أماكن نزاع. وأعلن أيضاً تخصيص صندوق فوري بقيمة ضخمة تصل إلى 100 مليار يورو، لتحديث الجيش الألماني ومعداته.
كذلك، أعلن شولتز أن ألمانيا سترفع الإنفاق الدفاعي على الفور ليصل إلى 2 في المائة من ناتجها الإجمالي، في زيادة بأكثر من نصف نقطة مئوية، لتصل إلى النسبة التي يوصي بها «ناتو» لأعضائه. وزيادة الإنفاق هذا سيجعل ألمانيا الدول الأوروبية الأكثر إنفاقاً على دفاعها كونها صاحبة أقوى اقتصاد في القارة.
ومن جهة ثانية، سيعمل شولتز على إدخال هذه النسبة في الدستور الألماني خوفاً من أن تراجع أي حكومة قادمة عن ذلك. وفي إطار تحديثها لمعدات الجيش، قررت ألمانيا أيضاً الاستعاضة عن المقاتلات القاذفة القديمة من نوع «تورنادو»، التي تعود إلى الثمانينات، بمقاتلات قاذفة أميركية من نوع «إف - 35». وهذه الطائرات الحديثة قادرة على حمل صواريخ نووية. وهي جزء من اتفاق أميركي - ألماني بأن تؤمّن برلين طائرات تستطيع المشاركة في أي حرب نووية محتملة مقابل تأمين واشنطن الصواريخ النووية. وللعلم، هذه الصواريخ موجودة أصلاً في ألمانيا في مخابئ سرية، ولكن وجودها كان محل جدل طويل في ألمانيا. ولقد شهد «البوندستاغ» جلسات كثيرة لمناقشة وجود الصواريخ على الأراضي الألمانية والاستماع إلى حزب تلو الآخر يطالب بإزالتها. ولكن قرار الاستعاضة عن الـ«تورنادو» بالـ«إف - 35» - وهي الأغلى والأحدث من نوعها - ينهي فعلياً هذا الجدل، ويؤكد أن ألمانيا تستثمر في إبقاء تلك الصواريخ النووية الأميركية مخبأة وجاهزة لديها.
واللافت هنا، أن معظم الأحزاب، باستثناء حزبي اليمين واليسار المتطرفين، اللذين لا يتمتعان بتأثير يذكر لتواضع حجم تمثيلهما في «البوندستاغ»، تؤيد كل هذه التحديثات في السياسة الدفاع للبلاد. ثم إن بات حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي - الذي رسم سياسة البلاد طيلة السنوات الـ15 الماضية، يتحدث اليوم عن «أخطاء كبيرة» ارتكبت بإبقاء الجيش الألماني ضعيفاً. بل، بات هذا الحزب المحافظ اليميني هو مَن يطالب بوقف فوري لاستيراد الغاز الروسي، مع أن المستشارة السابقة ميركل - التي ترأسته لعقدين من الزمن - هي التي سنّت تلك السياسات المقربة من روسيا.
أكثر من هذا، يتكلّم الديمقراطيون المسيحيون اليوم، من مقاعد المعارضة، إلى ضرورة الانتقال إلى «وضع الدفاع» بحسب النائب هنينغ أوته، نائب رئيس لجنة الدفاع في «البوندستاغ». ولقد علق أوته على قرار شراء طائرات الـ«إف - 35» بالقول «إن الجيش ككل في حاجة إلى تعزيز نفسه، وهو في حاجة ماسة إلى الانتقال من وضع السلام إلى وضع الدفاع».



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.