أكد الدكتور إبراهيم العساف، وزير المالية السعودي، أمس، أن بلاده، كما هي الحال في الدول المعتمدة على الإيرادات النفطية، ستواجه بعض التحديات خلال الفترة المقبلة، مما يتطلب إجراءات احترازية واستباقية، إضافة إلى مواصلة برامج الإصلاح، والتنويع الاقتصادي، وتوسيع قاعدة الإيرادات العامة، وترشيد الإنفاق العام وتعزيز كفاءته وفاعليته.
تأتي هذه التصريحات في الوقت الذي أنفقت فيه السعودية خلال العام الماضي نحو 49 مليار دولار على المشروعات الحكومية.
يأتي ذلك في وقت نجحت فيه السعودية في رفع معدلات مساهمة القطاع غير النفطي في الناتج المحلي للبلاد، في تطور جديد يؤكد على سعيها نحو تنويع مصادر الدخل.
وفي هذا الإطار، انطلقت في العاصمة السعودية الرياض، أمس، أعمال مؤتمر «يوروموني السعودية 2015» في نسخته العاشرة، الذي تنظمه وزارة المالية بعنوان: «الفرص والأسواق المالية»، متناولاً الفرص الاستثمارية والتجارية الحقيقية التي أوجدتها الاستراتيجية الاقتصادية للمملكة.
جاء ذلك بمشاركة قادة قطاع المال العالمي، وعدد من الشخصيات العالمية في قطاع المال.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور إبراهيم العساف وزير المالية السعودي، خلال افتتاحه الجلسة الرئيسية للمؤتمر، أن السعودية تشهد تطورات في غاية الأهمية على المستويين السياسي والاقتصادي، بقيادة خادم الحرمين الشريفين، منوهًا بالقرارات التنظيمية في المجالين الاقتصادي والسياسي والأمني، المتمثلة في تركيز القرارات في مجلسين رئيسيين هما: مجلس الشؤون السياسية والأمنية، ومجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، بوصفهما مجلسين بديلين عن كثير من المجالس واللجان.
وأشار العساف إلى أن هذه الخطوات تُمكّن من الإسراع في اتخاذ القرار، معربًا عن أمله في أن تضيف المزيد من سهولة أداء الأعمال لتعزيز البيئة الجاذبة للاستثمار.
وأوضح الدكتور العساف أن الاقتصاد العالمي استمر في التعافي خلال العام الماضي؛ وإن كان النمو ما زال متوسطًا ومتباينًا بين الدول والأقاليم المختلفة، مشيرًا إلى أن الجانب الآخر استمر فيه التباطؤ في معدلات نمو الاقتصادات الناشئة، وعلى رأسها الصين، فضلاً عن تأثر عدد من الاقتصادات الناشئة الرئيسة الأخرى بتراجع أسعار السلع الأولية، مبينًا أنه على الرغم من ذلك، فإن مجموعة الاقتصادات النامية والناشئة أسهمت بنحو ثلاثة أرباع نمو الاقتصاد العالمي عام 2014.
وعلى المستوى الإقليمي، قال وزير المالية: «على الرغم من التحسن النسبي في معدل النمو الاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عام 2014، بالمقارنة بالعام الذي سبقه، فإن معدلات النمو الاقتصادي في المنطقة ما زالت ضعيفة متأثرة بالتطورات الأمنية والسياسية في عدد من المناطق، في حين أن انخفاض أسعار النفط يمثل تحديًا للدول المصدرة له، ومن بينها المملكة».
وأضاف وزير المالية السعودي: «يواجه آفاق الاقتصاد العالمي عدد من المخاطر التي تتضمن التوترات السياسية، والاضطرابات الأمنية، ومخاطر الركود، وزيادة حدة التقلبات في أسواق المال الدولية نتيجة لحدوث تحول في تقييم المتعاملين في الأسواق لمخاطر الاستثمار في الأصول المالية، خاصة إذا ارتفعت أسعار الفائدة في الولايات المتحدة على نحو أسرع وبدرجة أكبر من المتوقع، مع إعادة السياسة النقدية إلى وضعها الطبيعي في ظل تعافي معدلات نمو الاقتصاد الأميركي».
وأعرب الدكتور العساف عن تفاؤله ببدء الاقتصاد العالمي الخروج من الوضع الحالي المُتّسم بالنمو المنخفض ومخاطر الانكماش الحاد، مشيرًا إلى أن المؤشرات من أوروبا واليابان بالذات متفائلة، إلا أنه لا يتوقع عودة قريبة لمستويات النمو العام التي كانت بالعقد الماضي.
واستعرض وزير المالية خلال كلمته الافتتاحية لمؤتمر «يوروموني السعودية» بعض التطورات الاقتصادية والمالية على المستوى المحلي، قائلاً: «شهد الاقتصاد السعودي معدلات نمو قوية خلال السنوات الخمس الأخيرة بلغت نحو 5 في المائة في المتوسط سنويًا»، لافتًا النظر إلى أن «هذا النمو جاء على خلفية التوسع المستمر في الأنشطة الاقتصادية في القطاعات غير النفطية بمعدلات نمو سنوية فاقت 5 في المائة، مما أسهم في تعويض أثر التقلبات في معدلات نمو القطاع النفطي على أداء الاقتصاد الكلي».
وأشار العساف إلى جهود بلاده المستمرة لتطوير الشراكة مع القطاع الخاص وتوفير البيئة المناسبة للاستثمارات الخاصة التي أثمرت تحقيق معدلات نمو لناتج القطاع الخاص في القطاعات غير النفطية، تراوحت بين 6 و8 في المائة خلال السنوات الخمس الماضية ليصل نصيب ناتج القطاع الخاص إلى نحو 70 في المائة من ناتج القطاعات غير النفطية التي تشكل نحو 56.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي عام 2014، لافتًا إلى أن العوامل التي ساعدت على هذا النمو تتمثل في الفرص المتاحة التي صاحبت الإنفاق الحكومي على مشروعات وبرامج التنمية والبنية الأساسية.
وكشف وزير المالية السعودي عن أن عدد عقود المشروعات الحكومية التي طرحت خلال عام 2014 بما فيها المشروعات الممولة من فوائض إيرادات الميزانيات السابقة، بلغت 2572 عقدًا، بلغت قيمتها الإجمالية نحو 49 مليار دولار، موضحًا أن ميزانية الدولة لعام 2015 جاءت لتؤكد الارتباط الوثيق بين توجهات الإنفاق العام وأهداف وأولويات خطة التنمية مع العمل على تفادي التأثيرات السلبية الكبيرة لتقلبات أسعار النفط، وقال: «ساعد في ذلك الجهود الكبيرة التي بذلت خلال الأعوام الماضية لتقوية وضع المالية العامة وتعزيز الملاءة المالية بخفض الدين العام».
وأوضح الدكتور العساف أن الميزانية العامة للعام المالي الحالي استمرت في تركيزها على برامج التنمية ذات الأولوية، بما يسهم في الاستمرار في تحفيز نشاط القطاع الخاص خارج القطاع النفطي ورفع معدلات النمو والتشغيل.
وأضاف العساف: «لا شك أن السعودية كما هي الحال في الدول المعتمدة على الإيرادات النفطية ستواجه بعض التحديات خلال الفترة المقبلة مما يتطلب إجراءات احترازية واستباقية ومواصلة برامج الإصلاح والتنويع الاقتصادي وتوسيع قاعدة الإيرادات العامة، وترشيد الإنفاق العام وتعزيز كفاءته وفاعليته».
وحول القطاع المالي، أوضح وزير المالية السعودي أن بلاده تواصل بشكل عام تعزيز القطاع، مضيفًا: «القطاع المصرفي استمر في نموه وواصلت مؤسسة النقد العربي السعودي جهودها لتعزيز متانته، كما تواصل هيئة السوق المالية العمل في تطوير وتعميق السوق المالية، حيث تم مؤخرًا الموافقة على فتح المجال للمؤسسات المالية الأجنبية المؤهلة، وكذلك تشجيع طرح السندات والصكوك بجانب الأسهم لتنويع أدوات الاستثمار وفرص التمويل»، معربًا عن تفاؤله بمستقبل سوق الصكوك والسندات بالمملكة، مما سيفتح آفاقًا جيدة لمنشآت القطاع الخاص لتمويل مشروعاتها وتوسعاتها في ظل توفر السيولة بالسوق المحلية وازدياد إقبال المستثمرين.
ونوه الدكتور العساف بإبقاء وكالة «موديز» العالمية للتصنيف الائتماني، تصنيف المملكة السيادي عند درجة ائتمانية عالية (Aa3) مع نظرة مستقبلية مستقرة، الذي يأتي بعد إعلان مماثل من وكالة «فيتش» العالمية للتصنيف الائتماني، عن تثبيت التصنيف السيادي للمملكة عند درجة ائتمانية عالية (AA) مع نظرة مستقبلية مستقرة، مما يمثل انعكاسًا للتطورات الإيجابية، مضيفًا: «يعد نجاح المملكة في الحفاظ على تصنيفها الائتماني المرتفع على الرغم من انخفاض أسعار النفط، انعكاسًا لسلامة السياسات الاقتصادية للمملكة ومتانة الاقتصاد السعودي وقدرته على مواجهة التقلبات الدورية».
من جهة أخرى، قال محمد الجدعان، رئيس هيئة السوق المالية السعودية: «من المهم العمل على إيجاد توازن في سوق المال بشكل عادل، وأن يجري تقديم مستوى إفصاح عال لضمان نمو السوق المالية السعودية واستقرارها».
وأضاف الجدعان خلال جلسة حوار ضمن أعمال مؤتمر «يوروموني السعودية 2015» أمس: «الهدف من تحقيق توازن السوق هو عدم حصول أي اهتزازات تؤثر على السوق واستقراره، وهو ما نطمح إلى تحقيقه»، مشيرًا إلى أن الغرض من إيجاد السوق المالية، عنصران أساسيان، هو أن المستثمر يحتاج إلى أدوات لاستثمار المال والسوق المالية هي المنصة لذلك، وتمويل الأعمال من خلال رأس المال وتنظيم تملك رأس المال من خلال طرح أسهم.
وحول ما تحتاج إليه السعودية من السوق المالية، قال الجدعان: «إن المملكة تحتاج السوق لعدة أسباب، وهي أن الاقتصاد يحتاج سوقا مالية منضبطة من جانب اللوائح والإجراءات لإيجاد وظائف تقدم بشكل أساسي وسائل الاستثمار الجيدة لقطاع الأعمال، وكذلك إلى العامة»، مستعرضًا الخطة الاستراتيجية للسوق المالية التي تتضمن التوسع في الاستثمارات وتنمية الأصول، وتعزيز الضوابط واللوائح من خلال الإفصاح السليم وتحسين البيئة الفنية.
ونبه رئيس هيئة السوق المالية السعودية إلى أهمية مجال التوعية والتثقيف في السوق، خصوصًا لشريحة الشباب حين الدخول للاستثمار، منوهًا بأن القوانين التي صدرت ونشرت لدخول المستثمر الأجنبي الهدف منها ليس السيولة، بل السعي إلى الاستثمارات المؤسسية، وتقوم على استراتيجيات وضعتها هيئة السوق وتقدم استثمارًا معقولاً للسوق المحلية.
إلى ذلك، أكد رئيس مجموعة «يوروموني انستتيشنال إنفستر» ريتشارد أنسور أن المؤتمر في نسخته العاشرة بالرياض يتناول عددًا من الموضوعات والجوانب الاقتصادية المهمة من خلال جلسات المؤتمر، مشددًا على أن الشراكة مع السعودية حقيقية وتتطلب الالتزام.
وقال أنسور: «السعودية أوجدت وظائف جديدة، وشرعت في العمل ببرنامج استثماري توسعي هائل في البنية التحتية، وفتحت أبواب اقتصادها أمام رأس المال العالمي بخطوات ثابتة تمثل أحدثها بفتح سوق الأسهم أمام المستثمرين الدوليين»، مؤكدًا أنها قصة نجاح كبيرة بالنظر إلى التحديات التي تواجه المنطقة.
السعودية تعمل على توسيع قاعدة الإيرادات العامة لمواجهة تقلبات أسعار النفط
مع انطلاق «يوروموني السعودية 2015».. وزير المالية: أنفقنا 49 مليار دولار على المشروعات الحكومية في 2014
العساف متحدثًا خلال مؤتمر «يوروموني السعودية 2015» في الرياض أمس (تصوير: عبد الله الشيخي)
السعودية تعمل على توسيع قاعدة الإيرادات العامة لمواجهة تقلبات أسعار النفط
العساف متحدثًا خلال مؤتمر «يوروموني السعودية 2015» في الرياض أمس (تصوير: عبد الله الشيخي)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة



