بوتين يدافع عن العملية «الناجحة»... ولافروف يراها «معركة من أجل النظام العالمي»

الرئيس الروسي قال إن بلاده «لن تعيش محنية الظهر»... وتعهد مواجهة التبعات الاقتصادية للعقوبات

كل الطرق تؤدي إلى بوتين في شبه جزيرة القرم التي تطالب روسيا بالاعتراف بسيادتها عليها (رويترز)
كل الطرق تؤدي إلى بوتين في شبه جزيرة القرم التي تطالب روسيا بالاعتراف بسيادتها عليها (رويترز)
TT

بوتين يدافع عن العملية «الناجحة»... ولافروف يراها «معركة من أجل النظام العالمي»

كل الطرق تؤدي إلى بوتين في شبه جزيرة القرم التي تطالب روسيا بالاعتراف بسيادتها عليها (رويترز)
كل الطرق تؤدي إلى بوتين في شبه جزيرة القرم التي تطالب روسيا بالاعتراف بسيادتها عليها (رويترز)

دافع الرئيس الروسي أمس عن العملية العسكرية التي تشنها بلاده على أوكرانيا، في مواجهة التشكيك المتواصل من جانب الغرب بشأن دوافعها ومسارها. وقال إنها كانت اضطرارية، وإن موسكو واجهت «خطراً وجودياً»، متعهداً بمعالجة تبعات العقوبات الغربية على الاقتصاد الروسي. وشدد أن بلاده «لن تركع» أمام الضغوط، منتقداً بلداناً في أوروبا، قال إنها قبلت أن «تعيش محنية الظهر». تزامن ذلك، مع لهجة مماثلة أطلقها وزير الخارجية سيرغي لافروف الذي تحدث عن «منعطف تاريخي» أطلقته العملية العسكرية، التي وصفها بأنها «معركة من أجل بناء النظام العالمي الجديد». في الأثناء، بدا أن جولات المفاوضات المستمرة أحرزت تقدماً على صعيد تحديد منطلقات مشتركة للمسائل المطروحة على الطاولة، وخصوصاً ما يتعلق بمبدأ «حياد أوكرانيا» رغم بروز تباينات حول تفسير هذا المبدأ.
وأكد الرئيس الروسي أن العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا «مستمرة بنجاح»، وتسير وفقاً للخطة الموضوعة والأجندة الزمنية اللازمة لتحقيق أهدافها. وجاء حديثه رداً على تشكيك غربي بقدرات روسيا على حسم المعركة سريعاً، وإشارات إلى أن بطء التقدم العسكري الروسي كان «مفاجأة هذه الحرب».
وقال بوتين، في اجتماع حكومي كرّس لمناقشة التبعات الاقتصادية والمعيشية، مشدداً أن «سعي كييف للحصول على ترسانة نووية شكّل خطراً وجودياً على روسيا».
وحمّل الحكومة الأوكرانية المسؤولية عن تقويض جهود التسوية في دونباس، مضيفاً أن سكان دونيتسك ولوغانسك تعرضوا على مدى 8 سنوات «لإبادة جماعية حقيقية وممارسة الأساليب الوحشية ضدهم، ومنها الحصار والأعمال الانتقامية والإرهابية والقصف المتواصل». وقال: «بودّي الإشارة إلى أن أوكرانيا بتحريض من الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية، كانت تستعد بشكل ممنهج لسيناريو استخدام القوة وارتكاب مذبحة دموية والتطهير العرقي في دونباس. كان شنّ أوكرانيا هجمات واسعة على دونباس ثم على القرم مسألة وقت لا أكثر، وأحبطت قواتنا المسلحة هذه المخططات». وتابع: «كان بوسع النظام النازي في كييف بدعم تقني من الخارج الحصول في المستقبل المنظور على أسلحة دمار شامل، وكانت روسيا هدفاً له بطبيعة الحال». واتهم الرئيس الروسي حكومة أوكرانيا و«داعميها في الولايات المتحدة وحلف الناتو» بأنهم «تجاهلوا بوقاحة تحذيرات موسكو المتكررة من أن هذه التطورات تشكل خطراً مباشراً على أمن روسيا... وهكذا استنفدت الفرص الدبلوماسية بالكامل، ولم يتركوا لنا أي خيار للحل، ما اضطرنا إلى بدء عمليتنا العسكرية الخاصة». وشدّد بوتين على أنه لم يكن بوسع روسيا الاقتصار في عمليتها العسكرية على منطقة دونباس وحدها، وقال: «لو تصرفت قواتنا في أراضي الجمهوريتين الشعبيتين فقط لمساعدتهما في تحرير أراضيهما، لما كان ذلك سيؤدي إلى حل نهائي وإحلال سلام واستئصال التهديدات لبلادنا... بل بالعكس كان سيسفر ذلك عن ظهور خط جبهة جديد حول دونباس وعلى طول حدودها مع تواصل القصف والاستفزازات».
وأشار بوتين إلى أن العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا «تتواصل بنجاح بالتوافق الصارم مع الخطط الموضوعة»، معرباً عن ثقته بأن التكتيكات التي اختارتها وزارة الدفاع وهيئة الأركان الروسيتان «أثبتت فعاليتها».
وقال: «دون أدنى شك سنحقق الأهداف المطروحة كافة، وسنضمن بشكل تام أمن روسيا وشعبنا، ولن نسمح أبداً بأن تكون أوكرانيا منطلقاً للعدوان على بلادنا».
ووجّه بوتين خطاباً حماسياً للروس، قال فيه إن بلادهم «لم تركع» في تاريخها وواجهت كل الظروف الصعبة وانتصرت دائماً. وزاد أن «الغرب والطابور الخامس لا يعرفون روسيا وتاريخها جيداً، لن تكون أبداً بلادنا في مثل هذه الحالة البائسة والمذلة التي تعيشها بعض البلدان هناك». وزاد: «يعتقدون أننا سوف نتفكك ونتراجع. لكنهم لا يعرفون تاريخنا وشعبنا. حسناً، نعم، لقد استسلم كثير من دول العالم منذ فترة طويلة للعيش بظهور منحنية، وقبول جميع قرارات صاحب السيادة بخضوع، هذه هي الطريقة التي يعيشون بها في كثير من البلدان، لسوء الحظ، في أوروبا، لكن روسيا لن تكون أبداً في مثل هذه الحالة البائسة والمذلّة. والنضال الذي نخوضه هو نضال من أجل سيادتنا، من أجل مستقبل بلدنا. سنناضل من أجل الحق في أن نكون». ووجّه بوتين خلال الاجتماع باتخاذ حزمة من التدابير الهادفة إلى تعزيز صمود الشركات الروسية، وتحسين الوضع المعيشي للفئات التي تضررت من العقوبات. وانتقد بقوة الشركات ورؤوس الأموال التي «فرّت» من البلاد، لكنه قال إن موسكو لن تنتهج سياسة مماثلة للغرب الذي «يسرق ثرواتنا في الخارج»، لافتاً إلى أن بلاده «لن تذهب حالياً نحو السيطرة على أصول الشركات الهاربة من روسيا».
في الأثناء، أعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن تطورات الأحداث الأخيرة حول أوكرانيا تحظى بأهمية قصوى بالنسبة للعالم برمته، واصفاً إياها بأنها «معركة من أجل مستقبل النظام العالمي». وقال لافروف إن الأمر «لا يتعلق بأوكرانيا إطلاقاً، فهو يخص النظام العالمي». وزاد: «أحكمت الولايات المتحدة هيمنتها على أوروبا بأكملها. نمر الآن بمنعطف مفصلي في التاريخ المعاصر يعكس المعركة من أجل مستقبل النظام العالمي».
وأوضح الوزير أن الغرب مقتنع بشكل خاطئ بـ«تفوقه المطلق على الآخرين» وسعى «لبناء عالم يسيطر فيه على كل الأمور دون أي عقاب».
وأشار لافروف إلى أن شركاء روسيا الغربيين «تجاهلوا بتعجرف» مبادرة الضمانات الأمنية التي تقدمت بها موسكو، رداً على توسع «الناتو» في أوروبا على مدى عقدين، مشدداً على أن الغرب لم يرغب في حل المسائل الأمنية مع روسيا سلمياً. واتهم الغرب بمحاولة «الاستهتار بعقل الشعب الأوكراني وتحريضه ضد روسيا»، مشيراً إلى أن واشنطن تلعب دوراً رئيسياً في تحديد موقف حكومة كييف في محادثاتها مع موسكو.
وأكد لافروف أن سويسرا تقدمت بمبادرة للوساطة في المحادثات بين روسيا وأوكرانيا، مشدداً على أن موسكو ترفض التوسط من قبل أي دولة انضمت إلى العقوبات المفروضة على موسكو، على خلفية عمليتها العسكرية في أوكرانيا.
في الوقت نفسه، لفت لافروف إلى أن موسكو تنظر إيجاباً إلى مقترحات إسرائيل وتركيا بشأن التوسط في المحادثات مع كييف. في غضون ذلك، ظهرت بوادر إلى تحقيق تقدم ملموس في المفاوضات المتواصلة بين روسيا وأوكرانيا عبر تقنية الفيديو كونفرنس. وعلى الرغم من الخلافات التي ظهرت في المواقف حول «مبدأ الحياد» وآليات التعامل معه في صيغة الاتفاق النهائي، فإن مسؤولين في روسيا أشاروا إلى أن الطرفين يقتربان بشكل سريع من التوصل إلى صيغ مشتركة. وقال رئيس الوفد الروسي فلاديمير ميدينسكي إن المفاوضات تجري بصعوبة وبطء، لكنه لفت إلى تقدم «ملموس». وذكر أن «الهدف الرئيسي لمجموعة المفاوضات يتمثل في إيجاد المسائل التي يمكن التوصل إلى اتفاق بشأنها، من بين العدد الهائل من القضايا المعقدة المطروحة على الطاولة». وأضاف: «لدينا تقدم واضح في بعض المجالات، لكن ليس في كل المجالات». وأكد أن الحديث يدور خاصة عن «الحفاظ وتطوير الوضع الحيادي لأوكرانيا ونزع السلاح، كما يتم بحث مجموعة من المسائل المتعلقة بتعداد العسكريين الأوكرانيين».
وفي الملف الأول، أوضح أن أوكرانيا اقترحت الاستعانة بنموذج النمسا أو السويد لدولة حيادية ومنزوعة السلاح. لكنه لفت إلى أن «المسألة المركزية بالنسبة إلينا هي وضع القرم ودونباس. وكذلك سلسلة من المسائل الإنسانية، بما فيها جعل أوكرانيا بعيدة عن النازية وضمان حقوق السكان الناطقين باللغة الروسية ووضع اللغة الروسية». وكان لافتاً أن الجانب الأوكراني، على الرغم من تأكيده بدوره على تحقيق «تقدم ملموس» فإنه أعلن رفض كييف فكرة الحياد على غرار السويد والنمسا، وفي إشارة إلى واحدة من العناصر الخلافية التي ما زالت تشكل عقدة أساسية، أعلن مستشار الرئاسة الأوكرانية ميخائيل بودولياك أن بلاده ترفض وضع فكرة الحياد من دون ربطها بالضمانات الأمنية الكاملة التي تطلبها أوكرانيا.
وأوضح: «بطبيعة الحال، نفهم محاولة شركائنا أن يظلوا الطرف صاحب المبادرة في العملية التفاوضية، ولهذا السبب تأتي تصريحات عن نموذجي الحياد السويدي أو النمساوي. لكن أوكرانيا حالياً في حالة حرب مباشرة مع روسيا، ولذا لا يمكن أن يكون هناك أي نموذج سوى النموذج الأوكراني، وذلك حصراً مع تقديم ضمانات أمنية مثبتة قانونياً، ولا يمكن أن يكون هناك أي نموذج أو خيار مختلف».


مقالات ذات صلة

إقالة قائد عسكري أوكراني ترك جنوده يتضورون جوعاً على الجبهة

أوروبا جنود في الجيش الأوكراني (أ.ب)

إقالة قائد عسكري أوكراني ترك جنوده يتضورون جوعاً على الجبهة

أعلنت أوكرانيا، الجمعة، إقالة قائد وحدة عسكرية بعد انتشار صور لجنود يعانون من الهزال إثر تركهم يتضورون جوعا لأشهر على الجبهة بدون إمدادات كافية من الطعام.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا أفراد من الشرطة الروسية (أ.ف.ب)

روسيا: إحباط مخطط لتفجير يستهدف مسؤولين في قطاع الاتصالات

أعلنت روسيا أنها أحبطت مخطّطاً لتفجير كان يستهدف مسؤولين في هيئة تنظيم الاتصالات الحكومية، في وقت يتصاعد الاستياء داخل البلاد جراء القيود المفروضة على الإنترنت.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا أسرى أوكرانيون لدى الإفراج عنهم من روسيا (الرئيس الأوكراني عبر منصة إكس)

روسيا وأوكرانيا تعلنان تبادل 193 أسير حرب من كل جانب

أعلنت موسكو وكييف، الجمعة، تبادل 193 أسير حرب من كل جانب، وأوضح الجيش الروسي أن الإمارات والولايات المتحدة توسّطتا في عملية التبادل الجديدة.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)

بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

انتقد ترمب تصريحات الأمير هاري بشأن الصراع الأوكراني، مؤكدًا أنه «لا يتحدث باسم المملكة المتحدة».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا ألكسندر غروشكو نائب وزير الخارجية الروسي 12 يناير 2022 (رويترز)

روسيا تحذر الدول الأوروبية من نشر قاذفات قنابل نووية فرنسية

حذرت روسيا من أن أي دولة أوروبية تقبل بنشر قاذفات استراتيجية فرنسية قادرة على حمل أسلحة نووية ستجعل من نفسها هدفاً لهجمات قوات موسكو.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...