من بينها الكوليرا والحصبة... تحذيرات من انتشار أمراض معدية خطرة في أوكرانيا

منظمات دولية رصدت ما لا يقل عن 31 هجوماً على هيئات الرعاية الصحية

رجل أمن أوكراني داخل مستشفى للولادة تعرض للقصف في ماريوبول (أ.ب)
رجل أمن أوكراني داخل مستشفى للولادة تعرض للقصف في ماريوبول (أ.ب)
TT

من بينها الكوليرا والحصبة... تحذيرات من انتشار أمراض معدية خطرة في أوكرانيا

رجل أمن أوكراني داخل مستشفى للولادة تعرض للقصف في ماريوبول (أ.ب)
رجل أمن أوكراني داخل مستشفى للولادة تعرض للقصف في ماريوبول (أ.ب)

حذر مسؤولو الصحة العالمية من أنه سيكون هناك ارتفاع في حالات «كورونا» في أوكرانيا المرتبطة بالغزو الروسي، لكن الأطباء قلقون أيضاً من زيادة الأمراض المعدية الأخرى، مثل شلل الأطفال والكوليرا والحصبة.
وقالت كيت وايت، مديرة برنامج الطوارئ لأطباء بلا حدود، لشبكة «سي إن إن» أمس (الثلاثاء)، إنه قبل الحرب كانت معدلات التطعيم في أوكرانيا منخفضة ضد تلك الأمراض.
وحالياً، يخشى الأطباء على الأرض في أوكرانيا من أن الارتفاع في هذه الأمراض المعدية التي يمكن الوقاية منها باللقاحات سيكون نتيجة أخرى للغزو الروسي - وأن المزيد من الأرواح يمكن أن يُفقد بسبب انتشار المرض.
وقال وايت: «فيما يتعلق بما نسميه الأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات، فإن الوضع في أوكرانيا هو أن السكان لم يتم تطعيمهم بالقدر الذي ستحصل فيه على مناعة القطيع كما هو الحال في العديد من البلدان الأوروبية الأخرى أو في الولايات المتحدة».
وذكرت الشبكة الأميركية أن اللقاحات لم تكن منخفضة فحسب، بل إن إدارة التطعيمات «لم تعد تعمل» لأن النظام الصحي للبلاد قد «تعطل».

وأردفت وايت: «علاوة على ذلك، فهناك العديد من المدن التي يتعرض فيها نقص الوصول إلى الرعاية الصحية للخطر، وبعض الأماكن التي لم يعد لديهم فيها إمدادات المياه التي اعتادوا عليها، وليس لديهم الكهرباء، فهناك مشاكل مع الصرف الصحي - لذا فإن كل عوامل الخطر هذه تتراكم فوق بعضها البعض، مما يعني أن هناك خطراً متزايداً».
وأشارت وايت إلى أن أمراضاً مثل الكوليرا التي تنتشر عادة في الأماكن التي تعاني من عدم كفاية معالجة المياه، أي انتشار الصرف الصحي السيئ وعدم كفاية النظافة. وفي غضون ذلك، يرتفع خطر الإصابة بشلل الأطفال والحصبة مع تجمع المزيد من الناس وفرارهم من المنطقة بينما تتضاءل الإمدادات الطبية.
وأشارت الشبكة الأميركية إلى أن أوكرانيا شهدت تفشي هذه الأمراض من قبل، وقالت وايت: «تفشى مرض شلل الأطفال في أوكرانيا العام الماضي». كانت أوكرانيا الدولة الأخيرة في أوروبا التي تفشى فيها الكوليرا في عام 2011. وكان ذلك في ماريوبول، واليوم، لا تزال مدينة ماريوبول موقعاً لهجمات وأضرار روسية كبيرة.
https://twitter.com/aawsat_News/status/1502614129076424706
وأكد السكان الذين فروا من المدينة المحاصرة في جنوب شرقي أوكرانيا لشبكة «سي إن إن» أن الظروف في ماريوبول «لا تطاق» ووصفوا الوضع بأنه «جحيم»، حيث ظهرت لقطات من الطائرات من دون طيار (درون) وصور الأقمار الصناعية الدمار التام الذي أحدثه القصف الروسي.
ويقدر المسؤولون الأوكرانيون أن ما يصل إلى 2500 مدني قتلوا في ماريوبول. ويوجد نحو 350 ألف شخص محاصرون في المدينة، حيث حذر المسؤولون من أن الباقين يعانون من انقطاع الكهرباء والماء والتدفئة.
يأتي القلق المتزايد بشأن اندلاع موجة من الأمراض المعدية لأن عدداً من المستشفيات والمرافق الصحية في أوكرانيا لم يعد يعمل - أو تعرض للهجوم أو تحت الحصار.
واتهم مسؤول أوكراني، أمس (الثلاثاء)، القوات الروسية باحتجاز أشخاص في مستشفى ماريوبول. وقال بافلو كيريلينكو، رئيس الإدارة الإقليمية في دونيتسك، إن الأطباء والمرضى محتجزون ضد إرادتهم في مستشفى ماريوبول الإقليمي للعناية المركزة، والذي يشار إليه أيضاً باسم المستشفى رقم 2.

وقال كيريلينكو في بيان نُشر على قناته الرسمية عبر «تليغرام»، إن أحد موظفي المستشفى تمكن من نقل معلومات حول ما كان يحدث، إذ قال الموظف: «من المستحيل الخروج من المستشفى. إنهم يطلقون النار بقوة، نجلس في الطابق السفلي. السيارات لم تتمكن من القيادة إلى المستشفى لمدة يومين. المباني الشاهقة من حولنا تحترق..... الروس فعلوا ذلك. نقل 400 شخص من المباني المجاورة إلى مستشفانا. لا يمكننا المغادرة».
وقال كيريلينكو إن المستشفى «دُمر عملياً» منذ عدة أيام، لكن طاقمه والمرضى ظلوا في الطابق السفلي، حيث استمر علاج المرضى.
وأصدرت منظمة الصحة العالمية وصندوق الأمم المتحدة للسكان واليونيسيف بياناً مشتركاً، الأحد، أشاروا فيه إلى أنه منذ بداية الحرب في أوكرانيا، تم تسجيل ما لا يقل عن 31 هجوماً على هيئات الرعاية الصحية.
وفي 24 من تلك الحوادث، تضررت مرافق الرعاية الصحية أو دمرت، وفي خمس حالات، تضررت سيارات الإسعاف أو دمرت. ودعت المنظمات في بيانها إلى «الوقف الفوري لجميع الهجمات على الرعاية الصحية» في أوكرانيا.
وقال البيان: «أدت هذه الهجمات إلى مقتل ما لا يقل عن 12 شخصاً وإصابة 34 آخرين، وأثرت على الوصول إلى الخدمات الصحية الأساسية وتوافرها». وأضاف البيان: «منظمة الصحة العالمية تتحقق من تقارير أخرى، حيث يستمر الإبلاغ عن الهجمات رغم الدعوات لحماية الرعاية الصحية».

وأشارت مديرة برنامج الطوارئ لأطباء بلا حدود إن هناك المزيد من الأشخاص الذين يحتاجون إلى الرعاية ولكن مع عدد أقل من المستشفيات المتاحة داخل البلاد، مضيفة أن هناك عنصرين طبيين يجب الاهتمام بهما، وهما «هناك تلك الحالات المتعلقة بالصدمات، سواء كانت تلك الصدمات المرتبطة بالصراع أو حتى أشياء مثل حوادث الطرق. وهناك أيضاً عدد قليل من الأمراض المزمنة الأخرى التي بدأت تصيب أكثر فأكثر».
وتابعت أن الأشخاص المصابين بأمراض مزمنة معينة في أوكرانيا يفتقدون لإمكانية الحصول على أدويتهم بسبب الحرب، وقد تصبح حالاتهم - مثل مرض السكري أو ارتفاع ضغط الدم - الآن خارجة عن السيطرة وتزداد سوءاً. قد يؤدي هذا إلى احتياج بعضهم إلى رعاية المستشفى أيضاً، وقالت وايت: «للأسف، هذه العواقب الصحية العامة للحرب ليست مقصورة على أوكرانيا». وتابعت: «نحن فقط في بداية العبء الذي سيواجهه النظام الصحي مع استمرار هذا الصراع».



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...