سعود الفيصل.. بعيون نظرائه

قالوا إنه كيسنجر العرب.. وفقيه الدبلوماسية والحكيم والمنقذ

سعود الفيصل.. بعيون نظرائه
TT

سعود الفيصل.. بعيون نظرائه

سعود الفيصل.. بعيون نظرائه

لحظة.. لم تكن في الحسبان.. أن يترجل الفارس عن حصانه. لم يتوقعها أحد.. حتى زملاؤه الذين عاصروه على مدى 40 عاما على رأس الدبلوماسية السعودية.. فالرجل الذي كتب اسمه بأحرف من ذهب على جدران الدبلوماسية العالمية، يصعب تخيل تخليه عن منصبه. رحلته مع الدبلوماسية امتدت منذ أيام الحرب الباردة بين القطبين العالميين، وحتى قيام أول تحالف عربي في العصر الحديث لإعادة الشرعية واستعادة هيبة الدولة في اليمن. ظل الأمير سعود الفيصل.. الرهان الأول. راهن عليه الملوك الراحلون خالد.. وفهد.. وعبد الله، وحتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، حيث بقي الفيصل خيارا أساسيا في تشكيلات الحكومات السعودية على مدى 4 عقود. وعلى الرغم من أوجاعه التي دهمته في سنينه الأخيرة، ظل خيارا أوحد، حتى استجاب الملك سلمان لرغبته الملحّة بإعفائه من منصبه وزيرا للخارجية، لكنه عينه في الوقت نفسه وزيرا للدولة وعضوا في مجلس الوزراء ومستشارا خاصا ومبعوثا له.. والمشرف على الشؤون الخارجية للبلاد.
مدحه نظراؤه في كل أنحاء العالم، ووصفوه بكيسنجر العرب والمنقذ والحكيم. كما وصفه وزراء خارجية دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، بفقيه السياسة والدبلوماسية، وأنه سيبقى في ذاكرتهم معلما تاريخيا بارزا. وقالوا في بيان أصدروه بعد إعلان ترجله عن منصبه، إنه سيظل محل تقديرهم واعتزازهم البالغين.. وثمنوا الجهود المخلصة والمتفانية التي بذلها طوال العقود الأربعة الماضية، لنصرة القضايا الخليجية والعربية، والدفاع عن حقوق الأمة العربية والإسلامية في المحافل الإقليمية والدولية، حيث كان صوته حاسمًا ومؤثرًا في إظهار الحقائق وإبرازها أمام المسؤولين والرأي العام العالمي في مختلف المواقف والقضايا.
وقال وزير الخارجية الأميركي عنه {إنه عاصر 12 وزير خارجية في الولايات المتحدة وكان محل إعجابهم جميعا}.. وقال إنه سيظل يتعلم منه ويستمع إلى نصائحه. وفي السابق قال عنه ميخائيل غورباتشوف آخر رؤساء الاتحاد السوفياتي: «لو كان لدي رجل كسعود الفيصل، ما تفكك الاتحاد السوفياتي».

ظل الفيصل ربانا ماهرا لخارجية بلاده بعد أن تسلم السفينة من والده الراحل الملك فيصل بن عبد العزيز في 25 مارس (آذار) عام 1975. تمسك الأمير سعود بمقود السفينة جيدا وقادها في أمواج أزمات المنطقة والعالم دون أن يتخذ يوما خطوة رعناء لا تعبر عن حلم وإدراك.
شكل الفيصل طيلة أربعة عقود بنية صلبة للسياسة السعودية، لم تخترقها أزمات المنطقة، ولم تثقبها المشاغبات الإقليمية، ظلت البلاد مرتهنة لمبادئها، وساندت قضايا العرب والمسلمين وفي طليعتها قضية فلسطين ورفضت الاعتراف بإسرائيل، وفتحت علاقاتها مع دول العالم تحت بند الاحترام المتبادل والاستقلال السياسي، ولم تلعب الرياض يوما على وتر العواطف واستمر خطابها عقلانيا تجاه الأحداث.
ولعل من أهم الاختبارات التي خاضها الفيصل ونجح فيها، هي حرب الخليج أو ما سمي بعاصفة الصحراء في عهد الملك فهد بن عبد العزيز، وما تطلبه الموقف من حشد 34 دولة تحت مظلة الأمم المتحدة لتحرير الأراضي الكويتية بعد الغزو العراقي، إضافة لمواجهة السفارات السعودية حول العالم وخصوصا في الولايات المتحدة وبعض البلدان الأوروبية لأزمة الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) عام 2001 التي شهدت تفجير مبنيي التجارة العالمي في نيويورك من قبل متطرفين بينهم سعوديون، وما صاحب تلك الهجمات من تداعيات.

* الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة
وزير الخارجية البحريني الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة أكد أن الأمير سعود الفيصل أدى دورا دبلوماسيا عظيما وحكيما وناجحا خلال الفترة التي مرت بها مملكة البحرين في عام 2011، وقال «كان يعتبر في هذه الفترة بمثابة وزير خارجية مملكة البحرين بالإضافة إلى عمله». وأشار الشيخ خالد إلى مواقف قال إنه لن ينساها له شعب البحرين «ويقدرها بعظيم الإجلال. وأضاف: «دبلوماسيته، تعد مدرسة نتعلم منها جميعا، ورسخت مكانة المملكة العربية السعودية، والتي يمكن وصفها بالثابت وما حولها هو المتغير».
«يقول الحقيقة عن البحرين بأفضل وأبدع صورة يمكن شرحها، ويبين للقاصي والداني في الحلفاء والأصدقاء وكذلك لمن كان لديهم رأي آخر». «كان مستعدا على الدوام لإظهار الحقائق وما يجري على الأرض في البحرين بحكم تواصله معنا هاتفيا حتى في الليل وفي ساعات الفجر للاطلاع على كل الأمور.. كما زار المملكة في تلك الفترة عدة مرات، ووضع كل جهده لإيضاح الصورة الحقيقية.. في موقف لن ينساه شعب البحرين لهذا الرجل الكبير».
ويقول الوزير البحريني «عملت مع الأمير سعود الفيصل منذ نحو 10 سنوات، وقبل ذلك بحكم عملي في السلك الدبلوماسي، وكنا نلتقي بين الحين والآخر في مختلف المجالات، وتعلمت منه الكثير، حيث رأيته في أصعب المواقف وتعلمنا منه كيفية التعامل معها».
وأضاف: «بعض هذه المواقف تحدث في بعض الاجتماعات العربية والتي تشهد أحيانا صعوبة في النقاش حول بعض الأمور والتي كانت تهدد بإنهاء الاجتماع، غير أن الفيصل يطرح في لحظة حرجة طرحا لا يحمل أي ذرة تنازل أو تراجع، لكنه يحظى في نفس الوقت بالقبول من الجانب الآخر، وهو حقيقة مدرسة تعلمنا منها ولا زلنا نستذكرها سواء في اجتماعات الجامعة العربية أو بعض اللقاءات مع الدول الكبرى وفي مواقف دقيقة تتعلق بأمن المنطقة».

* الشيخ عبد الله بن زايد
يقول وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، إن الفيصل طراز نادر من الوزراء، وهو من تلك الشخصيات التي صفّحت كتب التاريخ الإسلامي والعربي، والتي لا يملك المرء إلا أن يتوقف عند دهائها، وشاعريتها، ولطافة قولها وحزْم فِعْلها.
ويضيف: «عندما قرأتُ خبر تنحيه عن منصبه كوزير للخارجية، قلتُ لزملائي الذين كنتُ جالسًا معهم إن مَن وصف الأمير سعود الفيصل بأنه كيسنجر السياسة العربية قد ظلمه، فهو سعود السياسة العربية، وسعود السياسة الدولية».
يقول ميخائيل غورباتشوف عنه: «لو كان لدي رجل كسعود الفيصل، ما تفكك الاتحاد السوفياتي»، فمن يعرف الأمير سعود يُدرك ذكاءه الفائق، ودهاءه الذي يجعل الجالسين حول الطاولة يريدونه أن يقول المزيد، إلا أنه كان يكتفي بالكلام المفيد والمباشر، وكان دائمًا ينظر للأمور بمنظار مختلف، حيث يستطيع أن يربط الأحداث بتحليل مدهش، ويتخذ قرارات قد تبدو لمن معه أن نتائجها مستحيلة، لكن الأيام سرعان ما تثبت عكس ذلك.
يقول الشيخ عبد الله: «سألني أحد الأصدقاء أن أصف الأمير سعود الفيصل في كلمة واحدة، فقلتُ له (الهِمّة). فلم أرَ وزير خارجية قط بهمّته العالية، وكان النشاط والعمل الدؤوب من أهم صفاته وأجملها». ويضيف: «لا أدري كيف ستبدو طاولة اجتماعات وزراء الخارجية العرب بعد اليوم، ورغم أن الأمير سعود قد وضع ركائز العمل الدبلوماسي العربي، فإنني متأكد من أن طاولتنا ستظل ناقصة دائمًا، أما قلوبنا فستظل عامرة بحب هذا الرجل النبيل، الذي أدعو الله له بعمر مديد، وصحة وافرة، وحياة سعيدة».

* كيري
في الولايات المتحدة، ثمن وزير الخارجية الأميركي جون كيري مجهودات الفيصل، مؤكدا على أن علاقات الصداقة التي تربطهما، ستستمر من أجل الحصول على نصائحه.
وقال كيري إن «الدوائر السياسية ستفتقد الأمير سعود الفيصل كثيرًا». وسلط كيري الضوء على مجهودات الأمير سعود على مدى أربعة عقود من الدبلوماسية الدولية، قائلا: «ساعد وزير الخارجية سعود الفيصل في توجيه المملكة السعودية في عالم أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، وأقدر صداقته والساعات الكثيرة التي كنا نقضيها في مناقشة التحديات التي تواجه دولنا، وسأواصل الحصول على نصائحه». وأضاف كيري: «لم يكن الأمير الفيصل أقدم وزير خارجية في العالم فقط، بل أكثر وزراء الخارجية حكمة، وقد عمل مع 12 من وزراء الخارجية الأميركيين السابقين، وكان محل إعجاب الجميع».

* هيرفيه دو شاريت.. من المعجبين
وزير الخارجية الفرنسي الأسبق هيرفيه دو شاريت من المعجبين بالأمير سعود الفيصل وبالعمل الذي قام به طيلة أربعين عاما على رأس الدبلوماسية السعودية. يقول وفي حديث بالهاتف لـ«الشرق الأوسط» بسبب وجوده خارج فرنسا، إن لديه «كثيرا من الذكريات» عن الأمير سعود الفيصل الذي «طبع الدبلوماسية السعودية بطابعه خلال سنوات طويلة يحسده عليها كثير من وزراء الخارجية» الذين لا يمضون عادة عُشر ما أمضاه الفيصل وزيرا للخارجية. ويضيف هيرفيه دو شاريت أن السعودية التي خدمها الفيصل وزيرا للخارجية «لعبت دورها كاملا كقطب للاستقرار والأمن في الشرق الأوسط».
ويستذكر دو شاريت المرحلة التي قامت خلالها إسرائيل بعملية «عناقيد الغضب» عام 1996 ضد لبنان والتي لعب فيها الوزير الفرنسي دورا هاما للتوصل إلى اتفاق لوقف النار. وبهذه المناسبة التقى دو شاريت الأمير سعود الفيصل عدة مرات ما بين الرياض والقاهرة. وعن هذه الفترة يقول إن وزير الخارجية السعودي السابق كان «شريكا صلبا وثابتا ومن غير أن يتخلى أبدا عن الكياسة واللطف في التعاطي مع الآخرين». لا يكتفي الوزير دو شاريت بالنظر إلى الماضي، بل يريد التركيز على الحاضر والمستقبل، إنْ لجهة العلاقات التي يريدها لبلاده مع المملكة السعودية استمرارا لما كان قد بناه نظيره، أو للمشاريع المستقبلية التي يسعى البلدان إلى إرسائها وتطويرها. فضلا عن ذلك يرى دو شاريت أن مروحة المسائل التي تستطيع باريس والرياض التعاون بشأنها واسعة، فمن توفير الأمن للخليج إلى إعادة الاستقرار إلى العراق والتعاون بشأن الملف السوري، يعتبر دو شاريت أن العاصمتين المذكورتين «تستطيعان القيام بالكثير»، خصوصا أن بينهما «علاقات استراتيجية قابلة للتطوير وإعطائها مضمونا أكبر وأوسع». ولا ينسى دو شاريت التعاون السعودي الفرنسي بشأن لبنان الذي قال عنه إن البلدين «شديدا التمسك به» ويريدان له أن تعود مؤسساته إلى العمل بشكل طبيعي. كما شدد على «أهمية عودة مصر لتقوم بدورها كاملا في الشرق الأوسط» وملء الفراغ السياسي والدبلوماسي الذي نتج عن خروجها من الصورة في السنوات الأخيرة. كذلك نوه الوزير الفرنسي الأسبق بـ«إمكانيات التعاون» بين بلاده والسعودية في موضوع اليمن إعادته إلى أحضان الأمن والاستقرار.

* عمرو موسى
يقول الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية عمرو موسى لـ«الشرق الأوسط»، إن الأمير سعود الفيصل شخصية دبلوماسية رفيعة المستوى، شهدت له الساحة العربية والدولية بكثير من المواقف التي خدمت المنطقة العربية، مؤكدا أن بصماته وفكره أصبحا ملكا للشباب السعودي داخل وخارج الديوان السياسي للمملكة.
وأضاف موسى أن الفيصل من أفضل الرجال المشهود لهم في الحياة الدبلوماسية، مشيرا إلى أن وجوده على الساحة السياسية العربية كان مطمئنا وبمثابة صوت العقل والرصانة، بالإضافة إلى صفاته الشخصية الأخرى، وسوف نفتقده جميعا سواء الذين في السلطة أو الحياة العامة.
وتابع السياسي المصري البارز أن «هذا الرجل الفاضل لو كان مثله من العرب ألف، قطعا سنكون في وضع أفضل.. أتمنى له الصحة وأن يكون على الدوام متاحا بخبرته وآرائه وباتصالاته لتحقيق المصالح العربية».
ووصف موسى مدرسة الفيصل الدبلوماسية بأنها «مدرسة التعقل البالغ والآراء الرصينة القوية»، وتابع: «كان قويا حين يحتاج الأمر إلى موقف قوي وكان إنسانا حين يحتاج الأمر لمواقف إنسانية، وكان دبلوماسيا إذا احتاج الأمر لمواقف دبلوماسية وكان خبيرا إذا احتاج الأمر لخبرته».
وحول مواقفه الدبلوماسية قال: «للأمير الكثير من المواقف الشجاعة ما لا يعد ولا يحصى، فقد كانت له مواقف قوية جدا في قضية فلسطين والقدس والوحدة العربية والمصلحة العربية المشتركة».

* فايز الطراونة
رئيس الديوان الملكي الأردني فايز الطراونة، يقول لـ«الشرق الأوسط»، إن الأمير الفيصل «أحد عمالقة الدبلوماسية في العالم، ليس لأنه صاحب خبرة طويلة كوزير للخارجية بل لفاعليته في العمل السياسي والدبلوماسي لما يتمتع به من جاذبية في شخصيته وحسن مجلسه».
وأضاف: «عندما تتطلب بعض القضايا الحزم نجده حازما في موقفه، وهذا مهم في وزير الخارجية لإثبات الحضور، حيث كان له حضور مميز نال إعجاب وزراء الخارجية في العالم وكل من قابله على مدى أربعين عاما».
وأشار الطراونة إلى تعامله مع الأمير الفيصل بصفته وزيرا للخارجية الأردنية وكرئيس للوزراء وكرئيس للديوان الملكي. وقال: «عندما نلتقي ونجتمع لبحث أية قضية تجده شفافا واضحا يلتزم بما يقول، إضافة لصفة خفة الدم التي تلازمه وانعكست على حضوره».
واستطرد: «أتذكر أنني كنت في لجنة صياغة البيان الختامي لاجتماعات وزراء الدول المشاركة في مؤتمر الدول الإسلامية في طهران عام 1997، وكنت أحاول وضع فقرة في توصيات البيان الختامي تنص على تثمين وتقديم الشكر للملك الراحل الحسين بن طلال على قيامه بصيانة وتجهيز وطلاء قبة مسجد الصخرة في مدينة القدس حيث كان هناك رفض من وفد منظمة التحرير الفلسطينية، فتدخل الأمير الفيصل بقوة وأقر التوصية وطرحها على القمة رغم أن هذا من صلاحيات رئيس القمة في ذلك الوقت وهو وزير الخارجية الإيراني بصفته رئيسا للمؤتمر».
وتابع هناك مواقف كثيرة للأمير خاصة في القضية الفلسطينية فهو من أكبر المدافعين عن الحقوق الفلسطينية وهو يؤمن بعملية السلام المستندة للشرعية الدولية على أساس إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس.
وذكر أن «الأمير حضر اجتماعات اللجنة التوجيهية لمفاوضات السلام وتصدى للوفد الإسرائيلي لدى مناقشة إقامة الدولة الفلسطينية وهذا الموقف عبرت عنه السعودية بعد عقد من الزمان عندما طرحت مبادرة السلام العربية في قمة بيروت».

* ناصر جودة
نائب رئيس الوزراء الأردني وزير الخارجية ناصر جودة يقول لـ«الشرق الأوسط»، ان الأمير الفيصل «مخزون استراتيجي للأمة العربية والعالم بحنكته وحكمته وثقافته الواسعة وحضوره المميز ومهاراته الدبلوماسية والسياسية». وقال جودة: «نحن بأمس الحاجة للأمير الفيصل الآن وفي المستقبل في موقعه الجديد. لهذه الحكمة التي يتمتع بها في التواصل معنا والاستفادة من خبراته الهائلة خاصة ونحن نواجه التحديات الجسيمة التي تشهدها منطقتنا والعالم».
وأضاف: «على مدى أربعين عاما كان الفيصل يمثل كل الصفات العربية الحميدة وكان أسلوبه حضاريا جدا في التعامل مع قادة الدول ووزراء خارجيتها، يعالج كثيرا من القضايا السياسية المعقدة بأسلوب سلس ودبلوماسية هادئة تنم عن خبرة طويلة وحكمة وعن معرفة ودراية».
ولفت جودة إلى أن حضور الفيصل كان مميزا في المحافل الدولية وكلماته كانت دائما منتقاة ودقيقة وهو معروف لدى كل الذين عملوا معه كزميل وأخ كبير وعميد لوزراء الخارجية العرب، مشيرا إلى أنه «يتبع المثل العربي القائل (خير الكلام ما قل ودل)، إذ إن كلماته منتقاة بحكمة، وكان لا يتجاهل صلب الموضوع بل يعالجه مباشرة بطريقته المعروفة».
وقال: «بالنسبة لي كوزير خارجية الأردن اجتمعت مع الفيصل مرات كثيرة لا تحصى مما يجعلني أنظر بكل فخر واعتزاز لهذه العلاقة التي تربطني به شخصيا بعيدا عن أنها تربط مملكتين شقيقتين».
وأضاف: «عندما تشرفت بهذا المنصب قد أكون رقم عشرين من وزراء الخارجية الأردنيين الذين التقوا الأمير خلال فترة الأربعين عاما لكنه دائما يشعرك أنك زميل قديم له ويحرص على التواصل والتشاور».
ونوه جودة إلى أن «لدى الأمير قائمة بأسماء وزراء عرب يجري اتصالات معهم لمتابعة قضايا سياسية محددة ويحرص على التشاور معنا في كل صغيرة وكبيرة في كل القضايا التي تهم مصلحة بلدينا».

* طاهر المصري
من جانبه، يقول طاهر المصري، وزير الخارجية الأردني في عقد الثمانينات رئيس وزراء أسبق ورئيس مجلس أعيان في الأردن، لـ«الشرق الأوسط»: «لي مع الأمير الفيصل ذكريات عميقة وحميمة». وأضاف: «الفيصل رجل السهل الممتنع حيث كان صارما وواضحا في مواقفه أو قراراته لكنه في الوقت نفسه رجل في منتهى اللطف والعفة والذكاء الدبلوماسي».
وقال المصري: «أذكر أنني تزاملت مع الفيصل 6 سنوات في العمل الدبلوماسي في وقت الحرب العراقية الإيرانية، حيث كنت والفيصل والشيخ صباح السالم وزير الخارجية الكويتي نعمل سوية ضمن إطار اللجنة السباعية التابعة لجامعة الدول العربية وشكلنا نحن الثلاثة محور التحركات الدبلوماسية في الأمم المتحدة من أجل الوصول لقرارات تصدر عن مجلس الأمن الدولي قبل أن تعلن إيران قبول وقف القتال».
ووصف المصري الفيصل بأنه «رجل متمكن من عمله وكان محبا للأردن وله بصمات واضحة على الدبلوماسية العربية وأثر كبير جدا كونه كان والده الملك فيصل بن عبد العزيز وزيرا للخارجية السعودية فهو عاش في بيت سياسي مثقف بشكل واضح انعكس على عطائه للدبلوماسية العربية والسعودية».

* عبد الإله الخطيب
وزير الخارجية الأردني الأسبق عبد الإله الخطيب، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «الفيصل مدرسة دبلوماسية بحد ذاتها وصاحب خبرة طويلة في السياسة يستفيد منها الآخرون»، مضيفا أنه «بطبيعته وشخصيته القريبة إلى كل من زامله وعمل معه يكتشف أنه عميق التفكير ورزين جدا ومحاور جيد».
وأشار إلى أن «الفيصل كان يعبر دائما عن إعجابه وتقديره لدور الأردن في التعامل مع القضايا العربية المشتركة ويبدي حرصه الدائم على تمتين العلاقات السعودية بين البلدين».
ووصف الخطيب الفيصل بأنه «واسع الثقافة ملم بالتطورات الدولية وهو ينتمي إلى المدرسة الدبلوماسية الواقعية، وبعيد النظر والانفتاح وشخص نبيل».
وتابع: «لقد عملت مع الأمير الفيصل في أكثر من ملف سواء القضية الفلسطينية والقضية العراقية وحرب 2006 على لبنان، وكانت للأمير مساهمات واضحة في تطوير الموقف الدولي إزاء هذه القضايا».

* صائب عريقات
يقول صائب عريقات كبير المفاوضين الفلسطينيين لـ«الشرق الأوسط»، إن وزير الخارجية السعودي السابق سعود الفيصل كان يبعث الاطمئنان لديه ولدى بقية القيادة الفلسطينية عندما كان يكون حاضرا في أي اجتماع يخص القضية الفلسطينية إذ كانوا يعتبرونه بحق صوت فلسطين العالي.
وأضاف عريقات وهو الوجه الدبلوماسي الأبرز لدى الفلسطينيين: «أنا تشرفت بالتعامل مع الأمير سعود الفيصل على مدار عقود طويلة. لقد التقيته في أكثر من مرة في مكتبه في جدة والرياض وفي كل المؤتمرات، في القمم العربية واجتماعات وزراء الخارجية العرب ومبادرة السلام وعدم الانحياز والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وفي كل قضية للعرب وفي كل مرة كانت فيها فلسطين قضية العرب الأولى حاضرة كان سعود الفيصل في المقدمة حاضرا.
إنه قيمة دبلوماسية للعرب والقامة الدبلوماسية لنا جميعا. عندما كنت أشاهد سعود الفيصل كنت اعرف أن صوت فلسطين سيكون عاليا. أقول بصدق لقد كان صوت فلسطين العالي. وهذا ليس نهجا شخصيا لسعود الفيصل هذا نهج المملكة العربية السعودية منذ نشأتها وهذه هي الحقيقة لا أستطيع أن أقول شكرا لسعود الفيصل، لقد كان ينطلق من أن لديه واجبا تجاه فلسطين والقدس لقد كانت فلسطين قضيته الأولى. أدرك أنه سوف يستمر ببذل كل جهد ممكن من أجل إعادة فلسطين بعاصمتها القدس إلى خريطة الجغرافيا.
أتذكر مواقفه من المفاوضات وعملية السلام ومن الانقسام. لقد رأيت الألم في قلب وعيون الفيصل عندما حصل الانقسام.
كان المحرك الأول وراء اجتماع مكة وكم تحدث لنا وفي القمم العربية واجتماعات وزراء الخارجية العرب عن ضرورة إنهاء هذا الملف وتوحيد الصف الفلسطيني. لقد كانت تسكنه القضية في كل جوانب حياته.
«ببساطة شديدة أقول إنه على مدى 40 عاما ودائما كان وسيكون صوت فلسطين وصوت القدس وصوت الحرية والاستقلال للشعب الفلسطيني، حيث كانت فلسطين قضيته الأولى». وأضاف: «هذه القيمة الدبلوماسية هي قيمة للعرب وقامة دبلوماسيه لهم. أذكر دائما كيف كان مهتما بعملية السلام وبالمحادثات، كان يقول لي نحن نقف معكم في كل ما تريدونه».
ويقول عريقات: «كانت القدس الخط الأحمر بالنسبة له، كان يطلب مني أن آتي إليه حتى أطلعه على الخرائط والتفاصيل وكان على اتصالات دائمة ومهتم ومتابع لكل صغيرة وكبيرة وقد جند نفسه للتواصل مع الإدارة الأميركية ومع جميع دول العالم من أجلنا.. كانت الدبلوماسية السعودية حاضرة في كل قضية لفلسطين. كان يتابع ليل نهار كل تفاصيل المفاوضات.. وصيته لي كانت دائما القدس، وطالما قال لي لا معنى لفلسطين دون القدس».

* نشاط الفيصل وانضباطه أذهلا الإعلاميين
«الحديث عن الأمير سعود الفيصل معجز»، هكذا وصف الدكتور هاشم عبده هاشم، رئيس تحرير جريدة «عكاظ» السابق، الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السابق، معتبرا إياه موسوعة سياسية تدرس في أرقى الجامعات، في خصائصه التي تجمع بين رؤيته بعيدة المدى ونظرته للأحداث والتطورات وقراءته للمستقبل وتحليله للمواقف، وبين امتلاكه أدوات التعبير والتزامه بأدب الحوار مع الخصوم.
وأكد هاشم أنه لاحظ تلك الصفات في شخصية الأمير الفيصل على مدى أكثر من 35 عاما قضاها في رئاسة التحرير، من خلال مرافقته للوفود في زيارات الملكين الراحلين، الملك فهد بن عبد العزيز والملك عبد الله بن عبد العزيز.. وفي آخر لقاء مع الفيصل كان في زيارة لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز إلى تركيا عندما كان وليًا للعهد حين أحاط الوفد بكل جديد حول أهمية تلك الزيارة والأحداث التي تعيشها المنطقة في تلك الفترة.
وكشف أن «الفيصل كان يشكل باستمرار هاجسا عند رؤساء التحرير أثناء الرحلات الملكية، لأنه يطالب بحضورهم في تمام الساعة السابعة صباحا حين يطلبون منه اللقاء للوقوف على آخر الأخبار والمعلومات والتحليلات، رغم أنهم يعلمون أن لقاءاته في مساء الليلة السابقة مع نظرائه من وزراء خارجية الدول الأخرى قد امتدت إلى الثالثة أو الرابعة صباحا». وأضاف «ذلك هو الفيصل.. الفكر والانضباط والقدرة على قراءة المجهول والقوة في التعبير عن آرائه».
من جهته، قال الدكتور جاسم الياقوت، مدير الإعلام الخارجي في وزارة الثقافة والإعلام سابقا، إن «الفيصل شديد الاحترام في مواعيده سواء في الداخل أو الخارج، يجيب بإتقان وبتمكن نادر عن أسئلة الصحافة، بشفافية ووضوح بأي لغة يسألون بها، ويجيد سبع لغات، وهو ما أثار إعجاب وذهول الصحافيين الأجانب». وأوضح أن فريق مكتبه الخاص أكد له أكثر من مرة أنهم يقضون ساعات السفر الطويلة مع الأمير في الطائرة دون انقطاع عن العمل، ويفتحون الملفات السياسية معه، ويدرسون القضايا المختلفة، ويراقبون مستجدات الأحداث، وهو ما يعكس حرصه على الإحاطة بكل شيء يخص عمله.



قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
TT

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)

في عام 2020، أطلق السياسي الروسي الراحل والمثير للجدل فلاديمير جيرينوفسكي نبوءة لافتة؛ إذ قال إن الولايات المتحدة سوف تسيطر على فنزويلا، وإن الطريق سيكون ممهداً لصفقة مُرضية للطرفين: فنزويلا للأميركيين، وأوكرانيا لروسيا! جيرينوفسكي عُرف على مدى سنوات طويلة بإطلاق توقعات صاخبة، أصابت في أكثر من مناسبة، بينها بالنسبة للشرق الأوسط مثلاً انفجار مواجهة كبرى في الشرق الأوسط بين عامي 2023 و2024، وتعرض إيران لهجوم قوي من جانب واشنطن وتل أبيب. وسقوط مدوٍ لنظام بشار الأسد في سوريا، فضلاً عن بعض التوقعات الدقيقة لتطورات جرت في روسيا وحولها، مثل اندلاع الحرب الكبرى في أوكرانيا في 2023. كان السياسي الراحل (توفي عام 2022) يتكلم حينذاك في برنامج «توك شو» تلفزيوني، وقال إن الرئيس دونالد ترمب سيعود بقوة إلى البيت الأبيض بعد انتخابات 2024... و«علينا أن نساعده»(!)، قبل أن يضيف أن التوافق مع الرئيس الجمهوري في عدد من الملفات الحيوية «ممكن وضروري». وبعد ذلك أطلق عباراته المشهورة: «سوف يستولي (ترمب) على فنزويلا... هذا أمر واضح وأكيد، ونحن سنحكم سيطرتنا على أوكرانيا»، ورأى أن تلك ستكون «صفقة عادلة».

ليس من قبيل المصادفة أن يتذكّر الجميع في روسيا كلمات فلاديمير جيرينوفسكي بعد «العملية الخارقة» الأميركية التي أسفرت عن إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي اليساري نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك بالطريقة التي تابعها العالم. ولا شك أن السياسي الشعبوي الروسي، الذي كان مقرّباً جداً من دوائر اتخاذ القرار في روسيا لسنوات طويلة، لم يكن ليطلق نبوءاته السياسية جزافاً، وهذا على الرغم من أن الكثير منها بدا للوهلة الأولى «ساذجاً» - حسب وصْف معلقين - أو «سخيفة وغير محتملة إطلاقاً»، مثل حديثه عن «انهيار سريع لنظام الأسد»، في وقت كانت فيه موسكو تؤكد انتهاء الحرب السورية، واستقرار الوضع نهائياً في هذا البلد.

لكن، عندما يستعيد الروس حالياً شريط توقعاته بشأن فنزويلا والصفقة المحتملة مع واشنطن، فإن النظرة إليها تختلف بالتأكيد عن نظرتهم لعباراته الصاخبة في أوقات سابقة.

جيرينوفسكي (آ ب)

ارتباك في أوساط النخب السياسية

واقع الأمر أن العملية الأميركية الخاطفة في فنزويلا، أصابت بعض النخب السياسية الروسية بنوع من الارتباك. ولقد برز هذا في تعليقات أظهرت انقساماً واضحاً حيال الحدث الفنزويلي بين طرفين:

إذ يرى الطرف الأول أن العملية الأميركية تشكل «فرصة مهمة» أمام موسكو لإطلاق عمليات مماثلة تجاه أوكرانيا، وللتشدد أكثر تجاه ملف التسوية.

أما الطرف الثاني فمال إلى تغليب الموقف التقليدي المتحفّظ، منطلقاً في حساباته من أن واشنطن، على الرغم من اختطاف الرئيس مادورو، «ليست قريبة أبداً من فرض سيطرة مطلقة في فنزويلا التي يحافظ التشافيزيون (نسبة إلى الرئيس السابق الراحل هوغو تشافيز) على تماسك مواقعهم وسيطرتهم في البلاد، بل يرى أصحاب هذا الرأي، الذي عبّرت عنه وكالة «نوفوستي» الحكومية في مقالة لمعلّقها السياسي، أن الطريق ما زالت طويلة أمام ترمب لإحكام السيطرة على نفط فنزويلا، وأن تهديداته للقادة الحاليين في هذا البلد لن تنعكس خطوات عملية؛ لأن هذا سوف يعني إدخال فنزويلا في حرب أهلية دامية.

لا تأثير يذكر لموقف روسيا والصين

في أي حال، هذا الرأي (الثاني)، وفقاً لمعلّقين، لن تكون له تأثيرات كبرى على آليات تعامل الكرملين مع الحدث الكبير، وخصوصاً أنه مهما كانت طبيعة التطورات اللاحقة، فإن مستوى التأثير الروسي أو الصيني على الأحداث اللاحقة سيكون محدوداً للغاية. وهذا ما يعني الحاجة إلى الإقرار بأن واشنطن انتقلت بالفعل إلى استخدام «القوة الخشنة» لتأمين مصالحها، وبدأت بفرض واقع جديد ينطلق من فكرة إحياء «شرعة مونرو»، وإحباط أي جهد خارجي للتأثير في منطقة نفوذ الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي.

بعبارة أخرى، فإن الرؤية الروسية التي تجري بلورتها حالياً، قد تقوم على تحاشي تصعيد المواجهة مع واشنطن، والانطلاق - بدلاً عن ذلك - من تفحّص الفرص التي يمكن أن يوفرها الحدث الفنزويلي لتحقيق مكاسب لروسيا.

في هذا الإطار، يستبعد خبراء روس أن تذهب موسكو باتجاه تكرار «سيناريو» فنزويلا حرفياً. ذلك أنها ليست بحاجة إلى اختطاف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، لكن الأولوية ستكون باتجاه تصعيد الضغط العسكري على كييف لحملها على تقديم تنازلات مؤلمة. ومن جهة أخرى، تصعيد الضغط السياسي على العواصم الأوروبية، بهدف تقليص الأخيرة مطالبها حول الضمانات الأمنية التي تجري مناقشتها راهناً. ومن ثم، بالتوازي مع هذا المسار، يتوقع خبراء أن تعمل موسكو على تثبيت مبدأ «عدم شرعية زيلينسكي»، وأنه لن يكون مقبولاً في أي مرحلة مقبلة كـ«شريك في السلام».

بين حسابات الصفقات والتعامل مع الدخل

بطبيعة الحال، تعود هنا إلى الأذهان فكرة «الصفقة» المحتملة لاحقاً مع واشنطن، وهذا على الرغم من الضجة التي أثارها ترمب أخيراً حول تشديد العقوبات على موسكو.

في المقابل، ثمة مخاوف أخرى لدى الروس برزت بعد العملية الأميركية في فنزويلا. وهي تقوم على انتهاج القيادة الأميركية سياسة جديدة متشددة في التعامل مع ملفات إقليمية عدة، في جوهرها استخدام القوة العسكرية والتدخل المباشر بدلاً من استخدام أدوات «القوة الناعمة» التي لطالما استُخدمت في أوقات سابقة.

ولا شك أن هذا العنصر سيضيف هاجساً جديداً للسياسة الروسية، التي استشعرت - على الرغم من كل المؤشرات - اقتراب الرئيس ترمب من فهم أوسع لمطالب موسكو في أوكرانيا؛ إذ إن خطوته العملية الأخيرة في فنزويلا، من شأنها التسبب بأضرار فادحة للكرملين على المدى البعيد.

من الأمثلة على ذلك في الفترة القصيرة الفائتة، استبعاد موسكو عملياً من مناقشة الملفات الإقليمءية، كما ظهر في ملف التسوية في غزة، وأيضاً استبعادها من الملف النووي الإيراني. وهذا وذاك فضلاً عن سياسات «عزل» موسكو في آسيا الوسطى التي هي تقليدياً منطقة نفوذ حيوي روسي، وتفاقم المنافسة الأميركية (والصينية) في هذا الإقليم.

جنوب القوقاز... أو الخاصرة الرخوة

غير أن الأخطر من كل هذا، أن موسكو واجهت تطوراً غير مسبوق في منطقة جنوب القوقاز، التي لا تقل في أهميتها وخطورتها بالنسبة إلى الكرملين عن آسيا الوسطى... فهي «الخاصرة الرخوة» لروسيا على مدى قرون.

في هذه المنطقة لم تكتف واشنطن بإبعاد موسكو عن مباحثات التسوية بين أرمينيا وأذربيجان، بل فرضت واقعاً جديداً عبر إبرام اتفاق «ممر زانغزور». وهذا اتفاق يسمح للولايات المتحدة، وللمرة الأولى في التاريخ، أن يكون لها وجود أمني واقتصادي - وربما عسكري لاحقاً - في هذه المنطقة، الأمر الذي يهدد بشكل مباشر المصالح الاستراتيجية لروسيا، ولإيران أيضاً.

كل هذا حدث خلال العام الأول من ولاية دونالد ترمب الثانية فقط. وهذا المنحى مرشح للتصاعد أكثر في سياق العملية الأميركية في فنزويلا، وليس فقط بسبب التوقعات المتشائمة في موسكو بانخفاض حاد على أسعار النفط. فهذه توقعات لم ترتبط فقط بالحدث الفنزويلي بل سبقتها مؤشرات عدة.

مع هذا البعد الاقتصادي، الحيوي جداً للكرملين في هذه الظروف، تبدو الأبعاد السياسية المحتملة لانتقال واشنطن إلى استخدام القوة الخشنة لفرض سياساتها مسألة أكثر إلحاحاً للكرملين.

خلال الفترة القصيرة الفائتة جرى استبعاد موسكو عملياً

من مناقشة الملفات الإقليمية كملفي التسوية في غزة

و«النووي» الإيراني

الفهم الروسي لإزاحة مادورو

ينطلق الفهم الروسي من أن الولايات المتحدة لم تكتف في فنزويلا بالإطاحة برئيسٍ عجزت عن السيطرة عليه؛ إذ عبر خطف نيكولاس مادورو، كشفت واشنطن عن «تقنية» جديدة تستثمرها للتأثير الدولي. وبعد هذا الاستعراض الباهر الذي تعمّد ترمب وفريقه إبراز كل تفاصيله، يتوقع على نطاق واسع «استنساخ» هذه «التقنية»، بل تصديرها.

ما يستحق الإشارة إليه في هذا السياق، ما كتبه محلل سياسي روسي عن أنه في السنوات الأخيرة، برزت شكوك قوية حول قدرة الولايات المتحدة على التأثير في حياة وسياسات الدول الأخرى.

فلقد كانت التقنية الرئيسة للتأثير الأميركي في الخارج بأواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين هي ما يُسمى بـ«الثورات الملوّنة»، أي تغيير الأنظمة الناتج عن اضطرابات جماهيرية تُدبّرها شبكات من وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية وقادة الرأي الموالين للغرب.

أما اليوم، فبات من الواضح أن هذه التقنية قد توقّفت عن العمل. وكان هذا جلياً من خلال فشل الثورات الملوّنة في جورجيا وبيلاروسيا (روسيا البيضاء) وصربيا والمكسيك، وفنزويلا أيضاً.

هنا يرى فريق من الخبراء الروس أن هذا فقط واحد من الأسباب - وليس لأن الحزب الديمقراطي الأميركي كان يتولى السلطة في واشنطن - التي دفعت دونالد ترمب إلى حلّ الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) العام الماضي. ومعلومٌ أن تلك الوكالة كانت أكبر جهة مانحة وراعية لجميع هؤلاء «القادة الشعبيين للاحتجاج» حول العالم، لكنها فقدت كل فاعليتها.

انطلاقاً من هذه الحقيقة، بات واضحاً أن البيت الأبيض لن يتقبّل بعد اليوم بسهولة فقدان النفوذ الأميركي في الخارج، بل سيسعى إلى أدوات جديدة أكثر فاعلية.

الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران... نموذجاً

وبهذا الفهم، تحديداً، يفسّر الخبراء الروس الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران، العام الماضي، بوصفه «تجربة أولية» للمبدأ الجديد للسياسة الأميركية القائم على استخدام القوة المباشرة.

هذا المبدأ يقوم على تغيير الأنظمة التي تناكف واشنطن من خلال تدخل عسكري خارجي مباشر، مدعوم بخيانة داخلية. وهنا يجوز القول إنه ما كان من الممكن، مثلاً، القضاء على القيادة العسكرية الإيرانية لولا عملاء «الموساد» الإسرائيلي، الذين قدموا «التوجيهات» داخل العاصمة الإيرانية طهران. وحالياً، لا تنكر واشنطن البتة عامل التواطؤ مع بعض عناصر الدائرة المقرّبة من مادورو.

باختصار، عند هذه النقطة، تعود الولايات المتحدة إلى ممارسة قديمة، وإن كانت مُحسّنة قليلاً، ألا وهي «الانقلابات العسكرية». ولإعادة إحياء «القوة الناعمة» الأميركية، طُوّرت معادلة «الغزو بالإضافة إلى التآمر داخل النخبة».

ومن ثم، يرى بعض الخبراء أن التجربة الأميركية قد لا تقتصر على بلدان في فناء أميركا الخلفي بل قد تمتد إلى مناطق عدة، بينها حتى أوروبا، التي لا تبدي بعض دولها ارتياحاً كبيراً للتحركات الأميركية.

أما من الناحية الاستراتيجية، فقد يصبح «الفضاء ما بعد السوفياتي» بأكمله هدفاً لهذه الممارسة الأميركية القديمة – الجديدة؛ كونه منطقة حساسة لاثنين من منافسي أميركا العالميين: روسيا والصين. وبالتالي، فإن كازاخستان وتركمانستان وبيلاروسيا (روسيا البيضاء)، جميعها دول مُعرّضة للهجوم.

لوكاشينكو (آ ب)

حالة بيلاروسيا

في بيلاروسيا، على سبيل المثال، وعلى مدار السنوات الثلاثين التي تولت السلطة فيها حكومة متحالفة مع روسيا، جرت ست أو سبع محاولات لـ«ثورات ملوّنة» هزّت العاصمة مينسك، غير أنها باءت جميعها بالفشل. مع هذا لا يزال الغرب يرفض الاعتراف بأن دولة رئيسة (بيلوروسيا) في أوروبا الشرقية لا تزال متحالفة عسكرياً وسياسياً مع موسكو.

من هذا المنطلق، يحذر خبراء في موسكو من أن الغرب قد يحاول التخلّص من الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو باستخدام «سيناريو مادورو». ولعل «صياغة» اتهامات ضد لوكاشينكو تُصنّفه كـ«مجرم» لن تشكّل مشكلةً للأميركيين. علاوة على ذلك، هناك بولندا، «جارة» بيلاروسيا، التي تتهم لوكاشينكو «بتصدير الفوضى والسلاح والمهاجرين غير الشرعيين» إليها. وبالمناسبة، يرى البعض في روسيا أن «وظيفة» بولندا بالنسبة إلى سياسات ترمب في أوروبا تكاد تكون مُطابقة لوظيفة إسرائيل في الشرق الأوسط.بالتأكيد، لا يعني وجود هذا التهديد حتمية تطبيقه، لكن حقيقة أن تعليقات ومقالات كثيرة في روسيا باتت ترسل إشارات وتنبيهات من هذا النوع، تعكس درجة من القلق المتزايد بسبب سياسات ترمب.  


ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
TT

ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن

العملية العسكرية الخاطفة التي نفّذتها قوات النخبة الأميركية في مقرّ الرئاسة الفنزويلية، انتهت فجر الثالث من هذا الشهر بإلقاء القبض على نيكولاس مادورو واقتياده مع زوجته إلى نيويورك للمحاكمة أمام القضاء الأميركي بتهم «الإرهاب المرتبطة بالمخدرات». وبعد القرار المفاجئ الذي أعلنته إدارة الرئيس دونالد ترمب بتهميش المعارضة الفنزويلية - على الأقل في المرحلة الراهنة – وإبعادها عن مسار انتقال السلطة، يبدو أنها راهنت على بعض أركان النظام لتحقيق أهداف هذه العملية غير المسبوقة التي لا يُعرَف منها إلى الآن سوى إحياء قطاع النفط الفنزويلي وتسليمه للشركات الأميركية. ثم، تتجه كل الأنظار الآن إلى ديلسي رودريغيز، نائبة مادورو التي تولّت الرئاسة بالإنابة، كما تولّت منصب القائد العام للقوات المسلحة، وبدأت تشرف على توجيه وإدارة «المرحلة» الانتقالية على وقع تهديدات ترمب، الذي ما انفكّ يكرّر: «الأمر لي في فنزويلا»، ويتوعّد من يخالف تعليماته بعواقب أين منها تلك التي نزلت بالرئيس المخلوع.

ديلسي رودريغيز ليست شخصية طارئة، أو حديثة العهد على المشهد السياسي الفنزويلي المضطرب والمعقّد. فهي في الصورة منذ صعود شخصية هوغو تشافيز الذي وضع أركان النظام الحالي، مروراً بفشل محاولته الانقلابية ودخوله السجن، إلى إطلاق سراحه وتوليه رئاسة البلاد، حتى مرضه ورحيله... ومجيء نيكولاس مادورو إلى سدّة الرئاسة.

خلفية يسارية ملتزمة

بل يمكن القول إن رودريغيز، التي «تدير» اليوم أخطر أزمة مرّت بها فنزويلا في تاريخها الحديث، تحمل السياسة في «حمضها النووي». وحكايتها مع السياسة تتمة لحكاية والدها خورخي أنطونيو الذي كان من قادة حركة «اليسار الثوري» الماركسية في ستينات القرن الماضي، وهو الذي أسّس «الرابطة الاشتراكية»... أي الحركة التي تدرّج فيها نيكولاس مادورو ناشطاً نقابياً، وكانت المدماك الأساسي في علاقة ديلسي وشقيقها خورخي مع «وريث» هوغو تشافيز.

الأب، خورخي أنطونيو، لقي حتفه عندما كان في عهدة الشرطة عام 1976 بعد اعتقاله بتهمة الضلوع في خطف أحد رجال الأعمال الأميركيين، وكانت ديلسي لا تزال في السابعة من عمرها. ولقد أثارت وفاته الناجمة عن تعرضه للتعذيب وسوء المعاملة على يد الاستخبارات السياسية، غضباً واسعاً في الأوساط الشعبية، سيما وأن فنزويلا كانت تنعم يومذاك بأجواء من الحرية السياسية النسبية على عهد الرئيس الاشتراكي الديمقراطي كارلوس أندريس بيريز. وهنا تقول رودريغيز إن تلك الواقعة هي التي حفزتها لدراسة الحقوق، حيث تخرجت محامية من جامعة فنزويلا المركزية في كاراكاس، ثم تابعت تخصصها في القانون النقابي في باريس ولندن.

ديلسي ترعرعت مع شقيقها الأكبر خورخي في أجواء اليسار الفنزويلي المتشدد والحزب الذي أسسه والدهما... وكان أنصاره يعاملون الشقيقين دائماً بوصفهما ولدَي «شهيد الحركة اليسارية»، وكانا يشاركان خطيبَين في الاحتفالات بذكرى استشهاد أبيهما.

التأثر بهوغو تشافيز

وتعترف رودريغيز بأن «الثورة البوليفارية» التي حملت «القائد» هوغو تشافيز إلى رئاسة البلاد كانت بمثابة «انتقام شخصي» لذكرى أبيها، وحافزاً قوياً لها لدخول المعترك السياسي، وأيضاً لشقيقها خورخي الذي يتولّى حالياً رئاسة البرلمان... وسبق له أن أشرف على المفاوضات التي أجراها النظام على مراحل مع الإدارة الأميركية.

وحقاً، بدأت ديلسي رودريغيز صعودها السياسي في تراتبية النظام مع تشكيل حكومة تشافيز الأولى، حين تولت حقيبة مكتب الرئاسة التي غادرتها بعد أشهر قليلة بسبب اعتراضها العلني على بعض القرارات التي اتخذها تشافيز، وانتقلت للعمل مع شقيقها خورخي الذي كان يومذاك رئيساً لبلدية كاراكاس.

ولكن مع وصول مادورو إلى السلطة بدأ حضورها يترسّخ في المشهد السياسي الفنزويلي، فتولّت حقائب وزارية مهمة مثل الإعلام والاقتصاد والخارجية. كذلك اختارها مادورو نائبة له وكلّفها حقيبة النفط المهمة بعد إقالة الوزير السابق طارق العيسمي، المتحدر من أصول سورية - لبنانية، وسط فضائح مالية، وصارت تُعرف بلقب «سيّدة النفط».

شخصية بارزة ومؤثرة

رودريغيز تولّت أيضاً رئاسة «المجلس الوطني الدستوري التأسيسي»، وهو منصب بالغ الأهمية؛ إذ يمنحه الدستور سلطة أعلى من سلطة رئيس الجمهورية. وعلى غرار شقيقها الأكبر خورخي، الذي أقسمت اليمين الدستورية أمامه، كانت ركناً أساسياً في نظام مادورو، داخل فنزويلا وخارجها؛ إذ كانت المُحاور الرئيس مع الدول الحليفة مثل روسيا والصين وتركيا وإيران. واليوم تشكّل ديلسي، مع شقيقها خورخي، ووزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، وسيليا فلوريس زوجة مادورو، الدائرة الضيّقة التي يقوم كان يرتكز إليها نظام مادورو بشكل أساس.

ووفق مقربين منها، فإنها تعمل دائماً بتنسيق تام مع شقيقها، ويتمتع كلاهما باحترام كبير في أوساط النظام لما يحملان من مؤهلات وخبرة وتمرّس، خاصة بعد انكفاء عدد كبير من الساسة المخضرمين عن المشهد السياسي مع مجيء مادورو. وفي عام 2018، فرضت الإدارة الأميركية عقوبات على ديلسي وشقيقها خورخي ووزير الدفاع فلاديمير بادرينو و«السيدة الأولى» سيليا فلوريس (زوجة مادورو). وهي تخضع أيضاً لعقوبات من الاتحاد الأوروبي بتهم انتهاكات حقوق الإنسان وتدهور النظام الديمقراطي في فنزويلا. وللعلم، رودريغيز متزوجة من رجل الأعمال المتحدر من أصول لبنانية يوسف أبو ناصيف الصميلي.

مثقفة ومنفتحة طبقياً

من جهة أخرى، يتفق الدبلوماسيون ورجال الأعمال الأجانب الذين تعاطوا مع رودريغيز خلال السنوات المنصرمة، على أنها تتمتع بثقافة عالية ولها علاقات جيّدة مع الأوساط البورجوازية الفنزويلية، وتعرف عنها مهارة فائقة في التفاوض حول الملفات الشائكة.

أيضاً، يذكر مطلعون أنها تدرك جيداً وجود «عالم» خارج معركتها الثورية، يقوم على المفاوضات والتفاهمات. وهذا ما ظهر إبان توليها حقيبة النفط بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في هذا القطاع الحيوي بالنسبة لفنزويلا على عهد سلفها في المنصب؛ إذ حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن، وهي التي كانت وراء بقاء عملاق النفط الأميركي «شيفرون» في فنزويلا.

ولا شك، أنه بعد انكشاف هدف واشنطن الرئيس من وراء عملية اعتقال مادورو وإبعاد المعارضة في هذه المرحلة، أسهمت هذه الصفات في دفع إدارة دونالد ترمب، ووزير خارجيته ماركو روبيو «المهندس الحالي» للسياسة اللاتينية في الولايات المتحدة، إلى المراهنة على ديلسي رودريغيز في إدارة المرحلة الانتقالية.

بيد أنها، في المقابل، تعرَف ديلسي باحتقارها الشديد للمعارضة الفنزويلية، وقسوة تصريحاتها حول الكثير من قياداتها وفي رأسهم كورينا ماتشادو؛ إذ تسكنها قناعة بأن مهمتها الرئيسة هي ترسيخ الثورة التي بدأها هوغو تشافيز. ثم أن رودريغيز شديدة الإعجاب بالزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو، وغالباً ما تستشهد بإنجازات الثورة الكوبية وبـ«الحركة الساندينية» في نيكاراغوا، ومفكّرها المفضّل هو الكاتب المعروف إدواردو غاليانو، أحد كبار منظّري اليسار الأميركي اللاتيني وصاحب المؤلف الشهير «أوردة أميركا اللاتينية المفتوحة».

امتحانها الأول...بعد إطاحة مادورو

الامتحان الأول الذي يفترض برودريغيز أن تتجاوزه، وبسرعة، هو الموقف الذي سيتخذه وزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، الذي يعدّ «الرجل الثاني في النظام»، وهو القادر على إثارة الفوضى عن طريق سيطرته الكاملة على قوى الأمن والشرطة، وبخاصة على الميليشيا الشعبية المسلّحة التي تجوب شوارع المدن على دراجاتها النارية وتزرع الرعب في صفوف المواطنين منذ سنوات. وهذا الواقع دفع واشنطن إلى تحذيره من أنه قد يلقى مصير مادورو إذا امتنع عن تسهيل مهمة ديلسي رودريغيز كرئيسة مؤقتة للبلاد.

للعلم، كان لافتاً أن كابيّو، بخلاف بقية أركان النظام، خرج إلى الشارع بعد ساعات قليلة على اختطاف مادورو، معتمراً خوذة فولاذية وسترة واقية من الرصاص ومحاطاً بأفراد من الشرطة والجيش المسلحين. لكن معلومات تداولتها بعض أجهزة الإعلام الأميركية أفادت بأن إدارة الرئيس ترمب، بإيعاز من وزير الخارجية روبيو، قرّرت أيضاً المراهنة مرحلياً على كابيّو للحفاظ على الأمن خلال المرحلة الانتقالية، وعلى وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز الذي يقود التيّار الأكثر تشدداً داخل النظام. ويذكر أنه سبق لواشنطن أن أعلنت في الماضي عن جائزة مقدارها 25 مليون دولار لمن يساعد في القبض على كابيّو، وأخرى بقيمة 15 مليون دولار على رأس وزير الدفاع.

... رهان أميركي

المتفائلون بنجاح الرهان الأميركي على كابّيو، يستندون إلى مساره السياسي بعد وفاة تشافيز الذي تردّد حتى اللحظات الأخيرة قبل رحيله، إثر مرض عضال، بين كابيّو ومادورو. وبعد اختيار الأخير لخلافة تشافيز، توقّع كثيرون أن الخصومة بين الاثنين قد تؤدي إلى ترنّح النظام وإسقاطه. لكن تبيّن لاحقاً أن المساكنة بينهما كانت ناجحة من حيث إنها حافظت على السلطة طيلة هذه السنوات الصعبة التي واجه فيها النظام مشاكل على صعيد الاعتراف بشرعيته إقليمياً ودولياً، وكان محط اتهامات عدّة بانتهاك حقوق الإنسان، وفرضت عليه عقوبات قاسية.

حقائق

رودريغيز... في سطور

> ولدت 18 مايو (أيار) 1969 في العاصمة الفنزويلية كاراكاس

> والدها القيادي اليساري البارز خورخي أنطونيو رودريغيز (زعيم حركة اليسار الثوري، ثم مؤسس حزب «الرابطة الاشتراكية») ووالدتها ديلسي غوميز

> أخوها القيادي اليساري خورخي رودريغيز، رئيس مجلس النواب الحالي والوزير السابق.

> شريك حياتها: يوسف أبو ناصيف الصميلي

> حياتها الحزبية: عضو الحزب الاشتراكي المتحد (2012 - 2018) ثم حركة «نحن فنزويلا»

> تعليمها: محامية تخرجت في كلية حقوق جامعة فنزويلا المركزية، بجانب دراسة قانون العمل (من دون أن تتخرج في جامعة باريس الأولى (باريس بانثيون - سوربون)

> مناصبها السياسية: وزيرة شؤون الرئاسة (2006) - وزيرة القوة الشعبية للاتصال والإعلام (2013 - 2014) - وزيرة الخارجية (2014 - 2017) - رئيسة المجلس الوطني الدستوري (2017 - 2018) - وزيرة الاقتصاد والمالية (2020 - 2024) - وزيرة النفط والثروة الهيدروكربونية (2024) - نائبة رئيس الجمهورية (2024 - 2026) - رئيسة الجمهورية بالوكالة (2026)



رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
TT

رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)

ليس الانتقال السياسي تحت الوصاية الأميركية هو التحدي الوحيد الذي تقف أمامه الرئيسة الفنزويلية بالوكالة، ديلسي رودريغيز، التي قررت إدارة دونالد ترمب الرهان عليها لإدارة هذه المرحلة مع أن العقوبات المفروضة عليها تمنعها من دخول الولايات المتحدة.

الواقع أنه عندما أقسمت رودريغيز اليمين الدستورية أخيراً، كان شبح التضخّم الجامح قد عاد يخيّم مجدداً على الاقتصاد الفنزويلي المنهك، ويهدد بتحطيم كل الأرقام القياسية السابقة، بعدما كان وصل إنتاج النفط إلى أدنى مستوياته التاريخية، وتراجع إجمالي الناتج القومي بنسبة 70 في المائة عن المستوى الذي كان عليه منذ عشر سنوات.

لكن قبل أن تتولى الرئيسة الحالية مهامها بالوكالة، سبق لها أن تولّت حقيبة المال والاقتصاد، وأيضاً حقيبة النفط، واعترفت علناً بفشل السياسات السابقة. ومن ثمّ قررت اللجوء إلى فريق جديد من الاستشاريين والخبراء، بعدما كان المصرف المركزي قد توقّف طوال حكم نيكولاس مادورو عن نشر تفاصيل الوضع الاقتصادي المتدهور، فيما واصلت رودريغيز «تغييراتها» بعيداً عن الأضواء. من التدابير التي اتخذتها رودريغيز إعادة الأصول المؤمّمة على عهد تشافيز إلى أصحابها، الذين كان معظمهم قد أعلن إفلاسه أو انهيار مؤسساته، ودخل الاقتصاد الفنزويلي في دائرة الدولار بعد رفع القيود والمراقبة على صرف العملات الأجنبية. وكذلك أمرت بوقف تجاوزات القوات المسلحة على القطاع الاقتصادي، وبدأت مرحلة من التفاهم والتنسيق مع أصحاب العمل الذين كان مادورو يصفهم بـ«البرجوازية الطفيلية» في خطبه الأولى.

ولذا يجمع المراقبون على أن التعافي النسبي الذي شهده الاقتصاد الفنزويلي في السنوات الثلاث المنصرمة، مدين للتدابير التي اتخذتها رودريغيز والفريق الاستشاري الذي كانت تستعين بخبراته، وبعلاقاتها الوطيدة مع مادورو الذي أقنعته بصواب تلك التدابير. بل كانت هي التي دفعت - داخل الحزب الحاكم - في اتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق بعد سنوات مديدة من تدخل الدولة العميق في إدارة الحركة الاقتصادية وانهيار قطاع النفط الذي يشكّل الشريان الأبهر لثروة البلاد.

أيضاً، كانت ديلسي رودريغيز «المُحاور» الأساسي للنظام مع المؤسسات التي ما زالت تنشط داخل فنزويلا، وهي التي حدّدت معها مجالات عمل مشترك وتحالفات في السنوات المنصرمة. وتحت إدارتها ارتفع إنتاج النفط الفنزويلي إلى مليون برميل يومياً بعدما كان انهار إلى 300 ألف عام 2016، بينما تبلغ قدرته الإنتاجية 3 ملايين برميل يومياً.

وللعلم، سجّل الاقتصاد الفنزويلي نمواً قياسياً خلال العام الماضي في حجم إجمالي الناتج القومي، بلغ 5 في المائة. لكن الضباب السياسي الذي يلفّ المرحلة الراهنة التي ترزح تحت الحضور الأميركي الطاغي، من شأنه أن يُلزم رودريغيز بخطاب معتدل تجاه واشنطن التي يتكلّم رئيسها عن مستقبل يختلف كل الاختلاف عن الواقع الذي تراه رودريغيز.