كييف تتحصن استعداداً لـ«حرب شوارع»

معارك طاحنة على مشارف العاصمة الأوكرانية

تحصينات مستحدثة في ميدان كييف
تحصينات مستحدثة في ميدان كييف
TT

كييف تتحصن استعداداً لـ«حرب شوارع»

تحصينات مستحدثة في ميدان كييف
تحصينات مستحدثة في ميدان كييف

أصوات قصف متواصل وعنيف، في ضواحي كييف الشمالية والشرقية.
إنها الثامنة صباحاً. تستيقظ كييف لتستقبل يوماً مشمساً. لو أغلق زائر العاصمة أذنيه لاعتقد أن الربيع يبشّر هنا بموسم سياحي حافل؛ إلا أن أصوات القصف تهز كل مناطق شرق العاصمة الأوكرانية هذا الصباح. العمليات الحربية تجري في مناطق بعيدة نسبياً عن وسط كييف، إلا أن أصوات الانفجارات التي لا تنقطع، توحي بأن المعركة تقترب أكثر فأكثر.
صوت الانفجارات يمكن أن يقدم كثيراً من المعطيات لمن يملك حتى القليل من الخبرة في الحروب: ما يحصل هو قصف متبادل، كثيف ومتواصل، والجهات التي يستهدفها ممتدة على مساحات واسعة.
الأصوات الخافتة للقصف تشير إلى أماكن بعيدة عن شرق العاصمة وشمالها الشرقي، والأخرى الأقوى هي الأقرب. إلا أنه من الواضح أن ما يجري هو معارك طاحنة في الشمال الشرقي. وفي الجنوب؛ حيث تحاول القوات الروسية الوصول إلى إربين، أصوات الانفجارات تدوي هناك أيضاً.

سواتر وخنادق في إحدى الحدائق العامة غرب كييف

الانتقال من منطقة إلى أخرى داخل كييف بات يستغرق وقتاً طويلاً. اللقاء بالأصدقاء الأوكرانيين الجدد والحصول على مزيد من المعلومات منهم، بات يتطلب إضاعة وقت طويل على الطرقات. أما الشبان المستعدون للمعركة فهم يفضلون -كما يبدو- عدم الخروج من مناطقهم، والبقاء على استعداد لصد أي هجوم محتمل عليها.
فولوف، وهو شاب في مقتبل العمر (23 عاماً)، يقول إن «الوقت ليس للكلام الآن». يعمل فولوف الذي يرافق دائماً سيرغي (52 عاماً) ويترجم ما بين الإنجليزية والأوكرانية، ضمن مجموعة تنظم المقاومة المقبلة في كييف. «هذه مدينتنا، لن نغادر» كما يقول سيرغي باختصار.
يتردد فولوف في الحديث، لا يريد الكلام. يناقش مع سيرغي الذي يجيب بأنه «سيخبر قصته الكاملة بعد الحرب». يضيف فولوف: «لم نقم بشيء يذكر بعد. ما زلنا في مرحلة الاستعداد. لم يحصل شيء في كييف بعد».

عوائق حديدية على طريق سريع يربط شرق العاصمة بغربها

كان الرجلان يتحدثان بينما أصوات القصف المدفعي تُسمع بوضوح. بعض السكان المحليين قرب محطة المترو، يتحركون بهدوء. يعرض أحدهم سيجارة بينما هو يتحدث إلى هاتف يتولى الترجمة الفورية. يسأل عن سبب زيارة كييف.
هنا، بين المشاة، لا يزال الود والهدوء قائمين، بينما مع اشتداد ازدحام السير تتغير الأمور قليلاً بين السائقين. البعض يشتم، والبعض الآخر يتصدى لمن يحاول تجاوز الدور.
اقتضى الأمر الانتظار نصف ساعة في ازدحام السير، لقطع مائتي متر والوصول إلى نقطة التفتيش المؤدية إلى الجسر الغربي لكييف. عشرات الشبان المتطوعين يسهّلون حركة السير، بينما تقوم عناصر الشرطة المسلحة ببنادق «كلاشنيكوف» بالتدقيق في الهويات وتفتيش صناديق السيارات واحدة تلو أخرى، لا استثناءات اليوم.
الإشاعات عن تفجيرات محتملة وضعت الشرطة في حالة تأهب، وعلى الجسور انتشر مزيد من تحصينات الجيش، وقربها جنود يدققون أيضاً في الأوراق الثبوتية للعابرين. الجسور هنا مسألة حيوية للدفاع عن العاصمة، سواء عبر إبقائها سالمة طالما هي بيد الأوكرانيين، أو بتدميرها قبل سقوطها بيد القوات الروسية المتقدمة.
سائق التاكسي يقول إنه أيضاً كان صحافياً قبل تقاعده، وإنه لم يكن يحب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، ولكنه الآن غيّر رأيه: «زيلينسكي ممتاز، إنه يقاتل معنا». كان السائق الستيني يتحدث وعلى سترته بقايا شريط لاصق أصفر فشل في إزالته. وحين يُسأل عن الشريط، يقول: «فولونتير»، أي أنه «متطوع» للدفاع عن العاصمة.

المزيد من العوائق على الطرق الرئيسية (الشرق الأوسط)

كيفما تنقّل زائر كييف سيرى هذه الأشرطة اللاصقة على أذرع الشبان والشابات. شريط أزرق أو أصفر بحسب التطوع، وهما بكل الأحوال لونا العلم الأوكراني. هؤلاء هم الجزء الظاهر من جبل جليد المقاومة الأوكرانية في العاصمة. ولكن حين تُسأل بائعة القهوة عن أقرب مركز تطوع، تستمهل البائعة في الجواب، كونها ما زالت تعمل بينما كل الأكشاك الأخرى أغلقت. تخرج وتعود بعد لحظات برفقة شاب لا يحمل إشارة التطوع على ذراعه. الشاب ضمن المجموعات المقاتلة المستنفرة هنا. يقول إنهم مواطنون فقط، وإنهم ينتظرون الجيش الروسي. تدرّب الشاب الذي رفض الإفصاح عن اسمه أو التقاط صورة له، مؤخراً، على الأسلحة. رفاق له علموه كيف يستخدمها.
وبينما كان هذا الشاب يتعلم استخدام الأسلحة، كان آخرون يقومون بتعبئة أكياس الرمل. شاحنات تنقل الرمل البحري إلى أسفل الجسور، ونحو عديد من الطرق الرئيسية، وشاحنات أخرى تجلب مزيداً من العوائق الحديدية المصنعة حديثاً، والمتطوعون ينشرون هذه العوائق ويشيدون المتاريس والدشم الرملية، بينما غيرهم يموّه هذه الدشم والتحصينات بشبكات التمويه بألوانها الداكنة.

عمال نظافة يعتنون بوسط مدينة كييف (الشرق الأوسط)

الدشم والحفر الخاصة بالأفراد باتت تحتل الحدائق العامة، لا سيما تلك المطلة على النهر، ليست كلها مشغولة بمقاتلين أو جنود. أغلبها ما زال خالياً؛ لكنها ستشكل تحصينات لحرب شوارع محتملة في حال اجتاح الجيش الروسي المدينة. وواضح تماماً من تخطيط أماكن حماية المقاتلين والجنود، أن الأوكرانيين سيعتمدون على القتال بعناصر قليلة وبحركة سريعة. لن يدافعوا كجيش نظامي عن مدينتهم، ولكنهم سيحاولون تكبيد المهاجمين أكبر قدر ممكن من الخسائر.
المكتب الإعلامي في الجيش الأوكراني لم يجب على رسائل بالبريد الإلكتروني. المكتب المعني بالسماح للصحافيين بالتحرك في حالة الحرب الحالية، وتزويدهم بالمعلومات والإرشادات، تخلى طبعاً عن مقراته الرسمية، وكذلك عن بريده الإلكتروني الرسمي. الآن الكل يستخدم بريد «غوغل»، أو أنظمة اتصال عامة مماثلة أكثر حماية، بعدما تعرض عديد من المواقع الحكومية للتدمير الإلكتروني مع بداية الحرب الروسية.
الحكومة في مكان ما من كييف. يمكن رصد حركة سيارات شبه عسكرية بين الفينة والأخرى في بعض نواحي العاصمة. تتحرك هذه السيارات كمواكب مدنية صغيرة، تضم سيارتين أو 3 سيارات على الأكثر. يسير بعضها خلف بعض على مسافات قريبة وبسرعة شديدة، تتجاوز الحواجز دون تمهل، كل ذلك يوحي بأنها تحمل شخصيات ميدانية أو سياسية، وأن تسهيل عبورها مضمون، طالما تحمل على زجاجها الأمامي علامات فارقة.
عديد ممن أمكن التواصل معهم في الأيام السابقة في كييف، باتوا يكتفون الآن بالإجابة على تطبيق «واتساب». يرفضون اللقاء المباشر. يتحججون بأن الوضع لا يسمح. أحدهم يقول إن الاستعداد لقدوم الروس لا يسمح له بالخروج من موقعه. يرفض تقديم مزيد من المعلومات.
الوقت الآن ظهراً، القطارات لا تزال تعمل في بعض المحطات، رابطة كييف بالمناطق الأخرى، لإجلاء السكان من ناحية أولى، ولجلب المواد التموينية ووسائل الصمود من ناحية ثانية. متسولون مشردون يقتربون طالبين السجائر، ثم يطلبون المال بحجة شراء أكياس نيلون لتنظيف الشارع. في هذه اللحظة، يمكن الانتباه إلى أن المدينة شديدة النظافة، وأن عمّال النظافة لا يزالون يمارسون عملهم اليومي. ليسوا الوحيدين. كل الخدمات لا تزال تعمل بجودة عالية. وانضم إلى الخدمات العامة الآن الجنود الذين يساعدون السكان في تسيير أمورهم الحياتية. يرشدون المارة إلى الطرق التي أُغلقت بأكياس الرمل أو العوائق الإسمنتية. الإنترنت، الهاتف، الماء، الكهرباء، سيارات الإسعاف، محطات المحروقات، كل المرافق تعمل. وحدهم المتسكعون يطوفون الشوارع بلا هدف، بينما المواطنون الذين بقي نصفهم تقريباً في العاصمة، يتحركون بسياراتهم، أو سيراً على الأقدام.
إنها الواحدة ظهراً. في ساحة الاستقلال، أو ميدان كييف، الجنود لا يزالون على انتشارهم نفسه، إلا أن المزيد من التحصينات الإسمنتية أضيف أمام المباني العامة. «الرئيس الروسي (فلاديمير) بوتين سيرغب بشدة في الدخول إلى هذه الساحة»، كما يقول أحد المواطنين المتطوعين للقتال، قبل أن يضيف: «هنا قمنا بثورتنا، وهنا تخلصنا من نفوذه، وهو سيسعى للثأر. لا أعتقد أن المنطقة آمنة. ربما الأفضل أن تغادروها قبل المعركة».
الجميع هنا يتحدث عن المعركة القادمة. الظاهر على سطح الأرض يوحي بأن الدفاع عن العاصمة سيكون شكلياً، ولكن تحت الأرض ثمة استعدادات في كل اتجاه للقتال. الأوكرانيون -كما يبدو- يستعدون لشن حرب شوارع تكبّد الجيش الروسي أكبر خسائر ممكنة، إذا ما حاول دخول عاصمتهم.


مقالات ذات صلة

عنصران من شركة أمن روسية خاصة كانا على متن ناقلة نفط احتجزتها فرنسا

أوروبا يُعتقد أن الناقلة «بوراكاي» هي من ضمن أسطول يُستخدَم لنقل النفط الروسي (أ.ف.ب)

عنصران من شركة أمن روسية خاصة كانا على متن ناقلة نفط احتجزتها فرنسا

كان موظفان في شركة أمنية خاصة روسية على متن ناقلة يُشتبه في أنها جزء من «الأسطول الشبح» الروسي، وصادرتها فرنسا في سبتمبر.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا تتهم وارسو بانتظام موسكو وبيلاروس بالقيام بأنشطة تجسس ومحاولات تخريب منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا (أ.ب)

بولندا تعلن توقيف بيلاروسي متهم بالتجسس

أعلنت سلطات وارسو، الاثنين، توقيف مواطن بيلاروسي مطلع الشهر يشتبه بقيامه بأنشطة تجسس في بولندا وألمانيا وليتوانيا، وتوجيه التهمة إليه رسمياً.

«الشرق الأوسط» (وارسو)
الولايات المتحدة​ نازحون فلسطينيون ينتظرون ملء المياه في مخيم الرمال بمدينة غزة أول من أمس (أ.ف.ب)

غوتيريش يندد بتصاعد «شريعة القوة» في العالم

حذّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش اليوم (الاثنين)، من أن حقوق الإنسان تتعرّض لـ«هجوم شامل حول العالم».

«الشرق الأوسط» (جنيف)
أوروبا رجل إطفاء أوكراني يعمل على إخماد حريق بموقع هجوم روسي في أوديسا (أ.ف.ب)

3 قتلى بضربات روسية في أنحاء أوكرانيا

أسفرت ضربات روسية بالمسيّرات والصواريخ استهدفت أوكرانيا ليلاً عن مقتل 3 أشخاص على الأقل وإصابة عدد آخر بجروح، حسبما أفاد به مسؤولون إقليميون، اليوم (الاثنين).

«الشرق الأوسط» (كييف)
تحليل إخباري وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو خلال لقائه نظيره الصيني وانغ يي في ميونيخ (رويترز) p-circle

تحليل إخباري 4 سنوات على حرب أوكرانيا... ولادة قيصرية لأوروبا الجديدة

أصبح الأوروبيون أمام واقع كانوا يناورون لتجاهله لسنوات، وأدركوا أن أمنهم لا يمكن أن يبقى مرهوناً بمزاج حليف أميركي تبدّلت أولوياته وبات في خانة المنافسين.

شوقي الريّس (بروكسل)

«الجنائية الدولية»: دوتيرتي أذن بعمليات قتل واختار الضحايا «شخصياً»

الرئيس الفلبيني السابق رودريغو دوتيرتي (أ.ب)
الرئيس الفلبيني السابق رودريغو دوتيرتي (أ.ب)
TT

«الجنائية الدولية»: دوتيرتي أذن بعمليات قتل واختار الضحايا «شخصياً»

الرئيس الفلبيني السابق رودريغو دوتيرتي (أ.ب)
الرئيس الفلبيني السابق رودريغو دوتيرتي (أ.ب)

أكّد نائب المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية، اليوم (الاثنين)، أن الرئيس الفلبيني السابق رودريغو دوتيرتي، المتهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، «أذِنَ بعمليات قتل واختار شخصياً بعض الضحايا»، في سياق حملته العنيفة على تجّار المخدرات ومن يتعاطونها والتي أودت بالآلاف.

ورأى مام ماندياي نيانغ أن جلسات المحكمة تُظهر أن «النافذين ليسوا فوق القانون».

وسبق للمحكمة أن ردّت، في أكتوبر (تشرين الأول) الفائت، طلبه الإفراج المبكر عنه، وعَدَّت أنّ ثمة خطراً لفراره وقد يؤثر في الشهود إذا أُفرج عنه.

وأُوقِف دوتيرتي في مانيلا، خلال مارس (آذار) 2025، ونُقل جواً إلى هولندا في الليلة نفسها، ويُحتجز منذ ذلك الحين في سجن سخيفينينغن في لاهاي. وقد تابع جلسته الأولى، عبر اتصال فيديو، وظهر شاحباً وناحلاً، ويتكلم بصعوبة.

وانسحبت الفلبين من المحكمة الجنائية الدولية في عام 2019 بناءً على تعليمات دوتيرتي، لكنّ المحكمة أكدت أنها كانت لديها سلطة قضائية على عمليات القتل قبل الانسحاب، وكذلك عمليات القتل في مدينة دافاو الجنوبية عندما كان دوتيرتي رئيساً لبلدية البلدة قبل سنوات من توليه رئاسة الجمهورية.


من هو «إل منتشو» زعيم عصابة المخدرات الذي أشعل مقتله المكسيك؟

جزء من إعلان وزارة الخارجية الأميركية مكافأة بقيمة 15 مليون دولار لمن يدلي بمعلومات عن «إل منتشو» (وزارة الخارجية الأميركية)
جزء من إعلان وزارة الخارجية الأميركية مكافأة بقيمة 15 مليون دولار لمن يدلي بمعلومات عن «إل منتشو» (وزارة الخارجية الأميركية)
TT

من هو «إل منتشو» زعيم عصابة المخدرات الذي أشعل مقتله المكسيك؟

جزء من إعلان وزارة الخارجية الأميركية مكافأة بقيمة 15 مليون دولار لمن يدلي بمعلومات عن «إل منتشو» (وزارة الخارجية الأميركية)
جزء من إعلان وزارة الخارجية الأميركية مكافأة بقيمة 15 مليون دولار لمن يدلي بمعلومات عن «إل منتشو» (وزارة الخارجية الأميركية)

أعلن الجيش المكسيكي، يوم الأحد، مقتل أحد أخطر زعماء العصابات والمطلوب بشدة للسلطات الأميركية، في ضربة قوية لتجارة المخدرات، بينما ردت العناصر المسلحة التابعة للعصابة بموجة عنف شملت أنحاء المكسيك.

يعد مقتل نيميسيو أوزيغويرا سيرفانتيس، زعيم عصابة «خاليسكو» الجديدة، خلال محاولة اعتقاله في ولاية خاليسكو، أكبر ضربة تطول العصابات منذ اعتقال خواكين جوزمان (إل تشابو) زعيم عصابة (كارتل) «سينالوا» قبل عقد من الزمان، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس».

أثار مقتل أوزيغويرا سيرفانتيس موجة عنف شملت البلاد، حيث أضرم مسلحون النار في السيارات وأغلقوا الطرق في 20 ولاية مكسيكية، مما أدى إلى تصاعد أعمدة الدخان في السماء. ولجأ السكان إلى منازلهم في غوادالاخارا، ثانية كبرى مدن المكسيك وعاصمة ولاية خاليسكو. كما عُلقت الدراسة، الاثنين، في عدة ولايات، مع رفع حالة التأهب القصوى في صفوف قوات الأمن في جميع أنحاء البلاد. وصولاً إلى غواتيمالا التي عززت إجراءاتها الأمنية على الحدود مع المكسيك.

كان «إل منتشو» زعيم منظمة إجرامية سريعة النمو. يبلغ أوزيغويرا سيرفانتيس، المعروف بـ«إل منتشو»، من العمر (59 عاماً)، وهو من مواليد ولاية ميتشواكان غربي المكسيك. تعود صلاته بالجريمة المنظمة إلى ثلاثة عقود مضت على الأقل.

صورة نيميسيو أوزيغويرا سيرفانتيس (إل منتشو) زعيم عصابة «خاليسكو» الجديدة (موقع إدارة مكافحة المخدرات الأميركية - رويترز)

في عام 1994، حُكم عليه بتهمة الاتجار بالهيروين في الولايات المتحدة وقضى ثلاث سنوات في السجن. وبعد عودته إلى المكسيك، سرعان ما ارتقى في عالم تهريب المخدرات المكسيكي.

بعد إطلاق سراحه، عاد إلى المكسيك وانخرط مجدداً في أنشطة تهريب المخدرات مع تاجر المخدرات إغناسيو كورونيل فيلاليال، المعروف بـ(ناتشو كورونيل). وبعد مقتل فيلاليال، أسَّس «إل منتشو» وإريك فالنسيا سالازار، الملقب بـ«إل 85»، «عصابة خاليسكو الجديدة» (سي جيه إن جي) عام 2007.

في البداية، كانا يعملان لصالح كارتل «سينالوا»، لكنهما انفصلا في النهاية، ولسنوات تخوض العصابتان معارك للسيطرة على الأراضي في جميع أنحاء المكسيك.

الحرس الوطني المكسيكي يبعد المارة عن مقر المدعي العام لمكسيكوسيتي بعد مقتل «إل منتشو» (أ.ب)

تشير إحدى الروايات المتداولة في عالم العصابات إلى أن الانفصال كان بسبب قيام أحد تجار المخدرات في غوادالاخارا بسكب كوب من شاي الأعشاب على أحد المنافسين خلال تجمع في شرق المدينة. ويُزعم أن هذا الحادث العادي ظاهرياً أدى إلى سلسلة دموية ومربكة من الخيانات واشتباكات مسلحة ومجازر.

وعلى عكس «إل تشابو» الذي سعى للحصول على مساعدة الممثل شون بن لتحويل حياته الإجرامية إلى فيلم هوليوودي ضخم، فضل «إل منتشو» البقاء في الظل. ولا يوجد سوى القليل من الصور الفوتوغرافية له.

منذ عام 2017، وُجهت إلى «إل منتشو» عدة لوائح اتهام في محكمة المقاطعة الأميركية لمقاطعة كولومبيا.

بعد تأسيس عصابة (كارتل) «خاليسكو الجديدة»، أصبحت أسرع المنظمات الإجرامية نمواً في المكسيك، حيث تنشط في تهريب الكوكايين والميثامفيتامين والفنتانيل والمهاجرين إلى الولايات المتحدة، وابتكرت أساليب عنف جديدة باستخدام الطائرات من دون طيار، والعبوات الناسفة، وزرع الألغام الأرضية، واتباع الأساليب العسكرية.

سيارة محترقة في تيخوانا بالمكسيك خلال أعمال العنف التي أعقبت مقتل «إل منتشو» (إ.ب.أ)

اكتسبت العصابة سمعة سيئة بسبب هجماتها الجريئة على قوات الأمن المكسيكية، بما في ذلك إسقاط طائرة هليكوبتر عسكرية في ولاية خاليسكو عام 2015، ومحاولة اغتيال كبيرة فاشلة استهدفت عمر غارسيا حرفوش، قائد شرطة مكسيكو سيتي، والذي يشغل الآن منصب وزير الأمن الاتحادي في المكسيك. وقد وسعت العصابة نطاق تجنيدها بقوة، مجربة طرقاً جديدة للوصول إلى الأعضاء المحتملين عبر الإنترنت.

وقال الخبير الأمني إدواردو غيريرو، في عام 2021، إن السلطات في شمال وجنوب الحدود الأميركية تعد هذه الجماعة تهديداً للأمن القومي. موضحاً: «إنهم يمتلكون كميات هائلة من الأموال، وأحدث الأسلحة، ومجموعات شبه عسكرية على غرار النمط العسكري، ومركبات مدرعة، ويشكلون تحدياً خطيراً جداً للحكومة المكسيكية، خصوصاً في المدن الصغيرة والمتوسطة الحجم، حيث يمكن بسهولة لفصيل مكون من 50 عنصراً من عناصر (الكارتل) أن يهزم أي قوة شرطة محلية»، وفقاً لصحيفة «الغارديان».

قُتل أوزيغويرا سيرفانتيس (إل منتشو) في اشتباك مع القوات المرسلة للقبض عليه حينما حاول أتباعه صد القوات المكسيكية.

عناصر من الشرطة المحلية المكسيكية في كانكون (إ.ب.أ)

وذكرت وزارة الدفاع المكسيكية، في بيان، أن الجيش شن عملية في الجزء الجنوبي من ولاية خاليسكو للقبض على أوزيغويرا سيرفانتيس، بمشاركة القوات الجوية المكسيكية وقوات النخبة.

ووفقاً للبيان، شنت العصابة هجوماً مضاداً، وفي الاشتباك الذي تبع ذلك، قتلت القوات الاتحادية أربعة أعضاء من الجماعة الإجرامية، بمن فيهم زعيمها، وأصابت ثلاثة آخرين لقوا حتفهم لاحقاً في أثناء نقلهم جواً إلى مكسيكو سيتي.

وأُصيب ثلاثة جنود وتم اعتقال شخصين في العملية. كما تم ضبط قاذفات صواريخ مضادة للطائرات محمولة على الكتف، وقاذفات صواريخ مضادة للدروع قادرة على تدمير المركبات.

وزير الأمن المكسيكي عمر غارسيا حرفوش وبجواره رئيسة المكسيك كلاوديا شينباوم خلال مؤتمر صحافي (أ.ف.ب)

كان «إل منتشو» يواجه لوائح اتهام متعددة في الولايات المتحدة، وسبق أن عرضت وزارة الخارجية الأميركية مكافأة قدرها 15 مليون دولار مقابل معلومات تؤدي إلى اعتقاله. وقد صنفت إدارة ترمب عصاباته، وعصابات أخرى، منظمات إرهابية أجنبية قبل عام.

أشاد كريستوفر لاندو، نائب وزير الخارجية الأميركي الذي كان سفيراً للولايات المتحدة في المكسيك خلال إدارة ترمب الأولى، بالعملية عبر منصة «إكس»، قائلاً: «الأخيار أقوى من الأشرار. تهانينا لقوات القانون والنظام في الأمة المكسيكية العظيمة».

مقتل زعيم الكارتل يخلق فراغاً في السلطة

ليس من الواضح من سيخلف أوزيغويرا سيرفانتيس، أو ما إذا كان بإمكان أي شخص واحد أن يفعل ذلك.

وفقاً لإدارة مكافحة المخدرات الأميركية، فإن عصابة «خاليسكو الجديدة» توجد في 21 ولاية مكسيكية على الأقل من أصل 32، وهي نشطة في معظم أنحاء الولايات المتحدة. لكنها أيضاً منظمة عالمية، ومن المرجح أن يكون لخسارة زعيمها تداعيات تتجاوز حدود المكسيك.

وقال مايك فيجيل، الرئيس السابق للعمليات الدولية في إدارة مكافحة المخدرات الأميركية: «كان (إل منتشو) يسيطر على كل شيء، وكان بمنزلة ديكتاتور دولة».

عناصر من الشرطة المكسيكية يؤمّنون طريقاً وخلفهم سيارة مشتعلة خلال أحداث عنف أعقبت الإعلان عن مقتل «إل منتشو» (رويترز)

قد يؤدي غياب «إل منتشو» إلى إبطاء النمو السريع للعصابة، ويجعلها أضعف في مواجهة كارتل «سينالوا» على عدة جبهات، حيث يتقاتلان أو يتقاتل وكلاؤهما على النفوذ. لكن كارتل «سينالوا» منشغل هو الأخرى بصراع داخلي على السلطة بين أبناء «إل تشابو» والفصيل الموالي لإسماعيل زامبادا (إل مايو) المعتقل حالياً في أميركا.

من جانبه، قال المحلل الأمني ديفيد سوسيدوس إنه إذا تولى أقارب أوزيغويرا سيرفانتيس السيطرة على العصابة، فإن موجة العنف التي شوهدت، يوم الأحد، قد تستمر. أما إذا تولى آخرون السلطة، فقد يكونون أكثر استعداداً لطي الصفحة ومواصلة العمليات.

أما الخوف الأكبر فيكمن في أن تلجأ العصابة إلى العنف العشوائي. فقد يقررون «شن هجمات إرهابية مرتبطة بالمخدرات... وخلق سيناريو مشابه لما عاشته كولومبيا في التسعينات»، أي شن هجوم شامل ضد الحكومة باستخدام «السيارات المفخخة والاغتيالات والهجمات على الطائرات».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.