كييف تتحصن استعداداً لـ«حرب شوارع»

معارك طاحنة على مشارف العاصمة الأوكرانية

تحصينات مستحدثة في ميدان كييف
تحصينات مستحدثة في ميدان كييف
TT

كييف تتحصن استعداداً لـ«حرب شوارع»

تحصينات مستحدثة في ميدان كييف
تحصينات مستحدثة في ميدان كييف

أصوات قصف متواصل وعنيف، في ضواحي كييف الشمالية والشرقية.
إنها الثامنة صباحاً. تستيقظ كييف لتستقبل يوماً مشمساً. لو أغلق زائر العاصمة أذنيه لاعتقد أن الربيع يبشّر هنا بموسم سياحي حافل؛ إلا أن أصوات القصف تهز كل مناطق شرق العاصمة الأوكرانية هذا الصباح. العمليات الحربية تجري في مناطق بعيدة نسبياً عن وسط كييف، إلا أن أصوات الانفجارات التي لا تنقطع، توحي بأن المعركة تقترب أكثر فأكثر.
صوت الانفجارات يمكن أن يقدم كثيراً من المعطيات لمن يملك حتى القليل من الخبرة في الحروب: ما يحصل هو قصف متبادل، كثيف ومتواصل، والجهات التي يستهدفها ممتدة على مساحات واسعة.
الأصوات الخافتة للقصف تشير إلى أماكن بعيدة عن شرق العاصمة وشمالها الشرقي، والأخرى الأقوى هي الأقرب. إلا أنه من الواضح أن ما يجري هو معارك طاحنة في الشمال الشرقي. وفي الجنوب؛ حيث تحاول القوات الروسية الوصول إلى إربين، أصوات الانفجارات تدوي هناك أيضاً.

سواتر وخنادق في إحدى الحدائق العامة غرب كييف

الانتقال من منطقة إلى أخرى داخل كييف بات يستغرق وقتاً طويلاً. اللقاء بالأصدقاء الأوكرانيين الجدد والحصول على مزيد من المعلومات منهم، بات يتطلب إضاعة وقت طويل على الطرقات. أما الشبان المستعدون للمعركة فهم يفضلون -كما يبدو- عدم الخروج من مناطقهم، والبقاء على استعداد لصد أي هجوم محتمل عليها.
فولوف، وهو شاب في مقتبل العمر (23 عاماً)، يقول إن «الوقت ليس للكلام الآن». يعمل فولوف الذي يرافق دائماً سيرغي (52 عاماً) ويترجم ما بين الإنجليزية والأوكرانية، ضمن مجموعة تنظم المقاومة المقبلة في كييف. «هذه مدينتنا، لن نغادر» كما يقول سيرغي باختصار.
يتردد فولوف في الحديث، لا يريد الكلام. يناقش مع سيرغي الذي يجيب بأنه «سيخبر قصته الكاملة بعد الحرب». يضيف فولوف: «لم نقم بشيء يذكر بعد. ما زلنا في مرحلة الاستعداد. لم يحصل شيء في كييف بعد».

عوائق حديدية على طريق سريع يربط شرق العاصمة بغربها

كان الرجلان يتحدثان بينما أصوات القصف المدفعي تُسمع بوضوح. بعض السكان المحليين قرب محطة المترو، يتحركون بهدوء. يعرض أحدهم سيجارة بينما هو يتحدث إلى هاتف يتولى الترجمة الفورية. يسأل عن سبب زيارة كييف.
هنا، بين المشاة، لا يزال الود والهدوء قائمين، بينما مع اشتداد ازدحام السير تتغير الأمور قليلاً بين السائقين. البعض يشتم، والبعض الآخر يتصدى لمن يحاول تجاوز الدور.
اقتضى الأمر الانتظار نصف ساعة في ازدحام السير، لقطع مائتي متر والوصول إلى نقطة التفتيش المؤدية إلى الجسر الغربي لكييف. عشرات الشبان المتطوعين يسهّلون حركة السير، بينما تقوم عناصر الشرطة المسلحة ببنادق «كلاشنيكوف» بالتدقيق في الهويات وتفتيش صناديق السيارات واحدة تلو أخرى، لا استثناءات اليوم.
الإشاعات عن تفجيرات محتملة وضعت الشرطة في حالة تأهب، وعلى الجسور انتشر مزيد من تحصينات الجيش، وقربها جنود يدققون أيضاً في الأوراق الثبوتية للعابرين. الجسور هنا مسألة حيوية للدفاع عن العاصمة، سواء عبر إبقائها سالمة طالما هي بيد الأوكرانيين، أو بتدميرها قبل سقوطها بيد القوات الروسية المتقدمة.
سائق التاكسي يقول إنه أيضاً كان صحافياً قبل تقاعده، وإنه لم يكن يحب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، ولكنه الآن غيّر رأيه: «زيلينسكي ممتاز، إنه يقاتل معنا». كان السائق الستيني يتحدث وعلى سترته بقايا شريط لاصق أصفر فشل في إزالته. وحين يُسأل عن الشريط، يقول: «فولونتير»، أي أنه «متطوع» للدفاع عن العاصمة.

المزيد من العوائق على الطرق الرئيسية (الشرق الأوسط)

كيفما تنقّل زائر كييف سيرى هذه الأشرطة اللاصقة على أذرع الشبان والشابات. شريط أزرق أو أصفر بحسب التطوع، وهما بكل الأحوال لونا العلم الأوكراني. هؤلاء هم الجزء الظاهر من جبل جليد المقاومة الأوكرانية في العاصمة. ولكن حين تُسأل بائعة القهوة عن أقرب مركز تطوع، تستمهل البائعة في الجواب، كونها ما زالت تعمل بينما كل الأكشاك الأخرى أغلقت. تخرج وتعود بعد لحظات برفقة شاب لا يحمل إشارة التطوع على ذراعه. الشاب ضمن المجموعات المقاتلة المستنفرة هنا. يقول إنهم مواطنون فقط، وإنهم ينتظرون الجيش الروسي. تدرّب الشاب الذي رفض الإفصاح عن اسمه أو التقاط صورة له، مؤخراً، على الأسلحة. رفاق له علموه كيف يستخدمها.
وبينما كان هذا الشاب يتعلم استخدام الأسلحة، كان آخرون يقومون بتعبئة أكياس الرمل. شاحنات تنقل الرمل البحري إلى أسفل الجسور، ونحو عديد من الطرق الرئيسية، وشاحنات أخرى تجلب مزيداً من العوائق الحديدية المصنعة حديثاً، والمتطوعون ينشرون هذه العوائق ويشيدون المتاريس والدشم الرملية، بينما غيرهم يموّه هذه الدشم والتحصينات بشبكات التمويه بألوانها الداكنة.

عمال نظافة يعتنون بوسط مدينة كييف (الشرق الأوسط)

الدشم والحفر الخاصة بالأفراد باتت تحتل الحدائق العامة، لا سيما تلك المطلة على النهر، ليست كلها مشغولة بمقاتلين أو جنود. أغلبها ما زال خالياً؛ لكنها ستشكل تحصينات لحرب شوارع محتملة في حال اجتاح الجيش الروسي المدينة. وواضح تماماً من تخطيط أماكن حماية المقاتلين والجنود، أن الأوكرانيين سيعتمدون على القتال بعناصر قليلة وبحركة سريعة. لن يدافعوا كجيش نظامي عن مدينتهم، ولكنهم سيحاولون تكبيد المهاجمين أكبر قدر ممكن من الخسائر.
المكتب الإعلامي في الجيش الأوكراني لم يجب على رسائل بالبريد الإلكتروني. المكتب المعني بالسماح للصحافيين بالتحرك في حالة الحرب الحالية، وتزويدهم بالمعلومات والإرشادات، تخلى طبعاً عن مقراته الرسمية، وكذلك عن بريده الإلكتروني الرسمي. الآن الكل يستخدم بريد «غوغل»، أو أنظمة اتصال عامة مماثلة أكثر حماية، بعدما تعرض عديد من المواقع الحكومية للتدمير الإلكتروني مع بداية الحرب الروسية.
الحكومة في مكان ما من كييف. يمكن رصد حركة سيارات شبه عسكرية بين الفينة والأخرى في بعض نواحي العاصمة. تتحرك هذه السيارات كمواكب مدنية صغيرة، تضم سيارتين أو 3 سيارات على الأكثر. يسير بعضها خلف بعض على مسافات قريبة وبسرعة شديدة، تتجاوز الحواجز دون تمهل، كل ذلك يوحي بأنها تحمل شخصيات ميدانية أو سياسية، وأن تسهيل عبورها مضمون، طالما تحمل على زجاجها الأمامي علامات فارقة.
عديد ممن أمكن التواصل معهم في الأيام السابقة في كييف، باتوا يكتفون الآن بالإجابة على تطبيق «واتساب». يرفضون اللقاء المباشر. يتحججون بأن الوضع لا يسمح. أحدهم يقول إن الاستعداد لقدوم الروس لا يسمح له بالخروج من موقعه. يرفض تقديم مزيد من المعلومات.
الوقت الآن ظهراً، القطارات لا تزال تعمل في بعض المحطات، رابطة كييف بالمناطق الأخرى، لإجلاء السكان من ناحية أولى، ولجلب المواد التموينية ووسائل الصمود من ناحية ثانية. متسولون مشردون يقتربون طالبين السجائر، ثم يطلبون المال بحجة شراء أكياس نيلون لتنظيف الشارع. في هذه اللحظة، يمكن الانتباه إلى أن المدينة شديدة النظافة، وأن عمّال النظافة لا يزالون يمارسون عملهم اليومي. ليسوا الوحيدين. كل الخدمات لا تزال تعمل بجودة عالية. وانضم إلى الخدمات العامة الآن الجنود الذين يساعدون السكان في تسيير أمورهم الحياتية. يرشدون المارة إلى الطرق التي أُغلقت بأكياس الرمل أو العوائق الإسمنتية. الإنترنت، الهاتف، الماء، الكهرباء، سيارات الإسعاف، محطات المحروقات، كل المرافق تعمل. وحدهم المتسكعون يطوفون الشوارع بلا هدف، بينما المواطنون الذين بقي نصفهم تقريباً في العاصمة، يتحركون بسياراتهم، أو سيراً على الأقدام.
إنها الواحدة ظهراً. في ساحة الاستقلال، أو ميدان كييف، الجنود لا يزالون على انتشارهم نفسه، إلا أن المزيد من التحصينات الإسمنتية أضيف أمام المباني العامة. «الرئيس الروسي (فلاديمير) بوتين سيرغب بشدة في الدخول إلى هذه الساحة»، كما يقول أحد المواطنين المتطوعين للقتال، قبل أن يضيف: «هنا قمنا بثورتنا، وهنا تخلصنا من نفوذه، وهو سيسعى للثأر. لا أعتقد أن المنطقة آمنة. ربما الأفضل أن تغادروها قبل المعركة».
الجميع هنا يتحدث عن المعركة القادمة. الظاهر على سطح الأرض يوحي بأن الدفاع عن العاصمة سيكون شكلياً، ولكن تحت الأرض ثمة استعدادات في كل اتجاه للقتال. الأوكرانيون -كما يبدو- يستعدون لشن حرب شوارع تكبّد الجيش الروسي أكبر خسائر ممكنة، إذا ما حاول دخول عاصمتهم.


مقالات ذات صلة

سلوفاكيا تهدد بوقف إمدادات الكهرباء الطارئة لأوكرانيا

طلبت «سلوفنافت» 7 ناقلات تحمل نفطاً ‌من السعودية ‌والنرويج وكازاخستان وليبيا ⁠في ظل انقطاع إمدادات النفط الروسي عبر خط «دروغبا» (شركة سلوفنافت)

سلوفاكيا تهدد بوقف إمدادات الكهرباء الطارئة لأوكرانيا

هدد رئيس وزراء سلوفاكيا بوقف إمدادات الكهرباء الطارئة إلى أوكرانيا، إذا لم تستأنف كييف في غضون يومين ضخ إمدادات النفط الروسية التي تمر عبر أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا شخص يتخذ وضعية لالتقاط صورة وهو يحمل هاتفاً ذكياً بجوار شاشة تعرض شعار تطبيق المراسلة «تلغرام» على خلفية علم روسيا (رويترز)

روسيا: «تلغرام» يهدد حياة العسكريين بمنطقة «العملية العسكرية الخاصة»

أفاد جهاز الأمن الفيدرالي الروسي بأن استخدام تطبيق «تلغرام» من قبل أفراد الجيش الروسي في منطقة العمليات الخاصة، شكل تهديداً متكرراً لحياتهم.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الولايات المتحدة​ إقلاع طائرة مقاتلة من طراز «إف-16» (أرشيفية - رويترز)

أميركا تعترض 5 طائرات روسية قرب ألاسكا

انطلقت طائرات عسكرية أميركية لاعتراض 5 طائرات روسيّة كانت تحلّق في المجال الجوي الدولي قبالة الساحل الغربي لولاية ألاسكا.

أوروبا  رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان خلال خطاب في بودابست (أ.ف.ب)

المجر تهدد بتعطيل قرض أوروبي لأوكرانيا ما لم تستأنف مدها بالنفط الروسي

هدد رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان بتعطيل قرض أوروبي بقيمة 90 مليار يورو لأوكرانيا إذا لم تستأنف الأخيرة إمدادات النفط الروسي عبر خط أنابيب دروجبا.

«الشرق الأوسط» (بودابست)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب) p-circle

زيلينسكي: لا نخسر الحرب وحررنا 300 كلم مربع في الجنوب

أعلن الرئيس فولوديمير زيلينسكي، الجمعة، أن الجيش الأوكراني استعاد السيطرة على 300 كلم مربع في هجوم مضاد لا يزال مستمراً في جنوب البلاد.

«الشرق الأوسط» (كييف)

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.