الاتحاد الأوروبي يعدّ في قمته حزمة عقوبات رابعة على روسيا

درس رصد 500 مليون يورو إضافية لشراء أسلحة لأوكرانيا

ماكرون هدد باتخاذ عقوبات أقسى ضد روسيا (أ.ف.ب)
ماكرون هدد باتخاذ عقوبات أقسى ضد روسيا (أ.ف.ب)
TT

الاتحاد الأوروبي يعدّ في قمته حزمة عقوبات رابعة على روسيا

ماكرون هدد باتخاذ عقوبات أقسى ضد روسيا (أ.ف.ب)
ماكرون هدد باتخاذ عقوبات أقسى ضد روسيا (أ.ف.ب)

احتاج القادة الأوروبيون لكنوز اللغة الدبلوماسية لإفهام الرئيس الأوكراني أن أبواب الاتحاد الأوروبي مفتوحة أمامه ولكن عليه الانتظار لفترة ليست قصيرة. واختبأ القادة الـ27 وراء المفوضية الأوروبية التي مثلتها في قمة فرساي رئيستها أورسولا فون دير لاين التي يتعين عليها، وفق المسار التقليدي، إبداء الرأي في مدى أهلية أوكرانيا لقبول ترشحها لعضوية الاتحاد لإفهام كييف أنه ليس هناك «مسار سريع» لعضوية الاتحاد، وفق ما جاء على لسان رئيس الوزراء الهولندي مارك أوته.
وجاء في البيان الصادر عن الــ27 ليل الخميس - الجمعة أنه «بانتظار أن تبدي المفوضية رأيها ومن غير أي تأخير، سنعمد إلى تعزيز علاقاتنا وتعميق شراكتنا لنساعد أوكرانيا على درب الانضمام لأن أوكرانيا تنتمي إلى العائلة الأوروبية». وفي المؤتمر الصحافي الختامي بعد ظهر أمس، تساءل ماكرون: «هل سيكون هناك قبول سريع لأوكرانيا وهي في حالة حرب؟ الجواب لا». وبانتظار أن يصبح انضمام كييف إلى النادي الأوروبي ممكناً، فإن المعروض على أوكرانيا هو توسيع اتفاقية الشراكة المبرمة بين الطرفين في عام 2014 أي في السنة التي سلخت فيها روسيا شبه جزيرة القرم عن أوكرانيا وضمتها إليها بعد استفتاء سريع. ورغم أن كييف تتمتع بدعم عدة دول من أوروبا الوسطى والشرقية، فإن العمل بمبدأ الإجماع يحول دون التغلب على رفض دول أخرى. وترى باريس أن الأمر الملح اليوم ليس انضمام أوكرانيا بل مساعدتها على الوقوف بوجه الغزو الروسي بحيث تصبح كلفته غالية الثمن ومن شأنها أن تدفع الرئيس الروسي لمعاودة حساباته وقبول الجلوس إلى طاولة المفاوضات. أما السبيل إلى ذلك فيمر، وفق ما قاله ماكرون، عبر تشديد عزلة الرئيس بوتين على المسرح الدولي والاستمرار في فرض عقوبات إضافية و«ترك كافة الخيارات مفتوحة» ومزيد من الدعم والتضامن مع أوكرانيا بما في ذلك الدعم العسكري. وأشارت فون دير إلى أن الاتحاد يعمل على إعداد حزمة عقوبات رابعة على روسيا يرجح أن تتناول وضع روسيا التجاري التفضيلي ما من شأنه عرقلة أنشطتها التجارية. ومن جانبه، قدم مسؤول السياسة الخارجية والأمن في الاتحاد جوزيب بوريل اقتراحاً يقضي برصد 500 مليون يورو إضافية لشراء أسلحة لأوكرانيا وسيتم النظر بالاقتراح وإقراره سريعاً. وبذلك، تكون أوروبا قد كسرت للمرة الثانية حاجزاً أساسياً كان يمنعها سابقاً من اللجوء إلى هذه الآلية التي يريد كثيرون أن يروا فيها بداية لقيام أوروبا الدفاعية. حقيقة الأمر أن بطء المسار القانوني ليس العائق الوحيد الذي يحول دون انضمام أوكرانيا؛ ذلك أن الأوروبيين يعملون بمبدأ رفض انضمام أي عضو جديد وهو في حالة حرب لأنه إذا تم ذلك فسيكون على كافة دول الاتحاد التضامن معه عملاً بالفقرة السابعة من المادة 42 من معاهدة لشبونة لعام 2009، وبما أن الجميع أكدوا أن أوروبا «ليست في حالة حرب مع روسيا»، فإنهم حريصون على ألا تكون خطوة الانضمام ممهدة للدخول في نزاع مع روسيا وهو ما لا يريده أيضاً الحلف الأطلسي. وسيعود القادة الأوروبيون لمناقشة هذه المسائل في قمتهم القادمة في بروكسل يومي 24 و25 الجاري. شكل الملف الأمني الطبق الرئيسي الثاني في قمة فرساي. وكرس البيان الختامي «المطول» عدة فقرات لحاجة أوروبا لبناء قدرات دفاعية بالنظر «لضرب الاستقرار والمنافسة الاستراتيجية «الروسية» المتصاعدة والتهديدات الكبرى التي تمس الأمن». والرد الأوروبي أن القادة الــ27 قرروا «تحمل قسط أكبر من المسؤولية بالنسبة لأمنهم واتخاذ تدابير حاسمة بالنسبة لبناء السيادة الأوروبية وخفض التبعية وبناء نموذج اقتصادي واستثماري لعام 2030». وعرض البيان بالتفصيل لما سيقوم به الأوروبيون وهو ما وصفه ماكرون بأنه «الأجندة السيادية» التي تتناول الدفاع والطاقة والاقتصاد. ويريد الأوروبيون أن يكون الاتحاد «أكثر قوة وقدرة في مجالي الأمن والدفاع وأن يسهم في توفير الأمن الشامل وعبر الأطلسي ومتكاملاً مع الحلف الأطلسي الذي يبقى الأساس للدفاع الجماعي لأعضائه». وبذلك يكون الأوروبيون الذين كانوا يرغبون ببناء «استقلالية استراتيجية» عن الأطلسي قد عادوا إلى الانضواء تحت العباءة الأطلسية بفعل حرب أوكرانيا والتهديدات التي تمثلها روسيا. ويعني ذلك عملياً زيادة الميزانيات الدفاعية الأوروبية «على غرار ما فعلت ألمانيا» لتصل إلى حدود 2 في المائة وتخصيص جزء كبير منها لردم الفجوة في «النواقص الاستراتيجية» وتعزيز القدرات العسكرية الأوروبية والتعاون بين الأعضاء. ويريد الأوروبيون كذلك تعزيز صناعاتهم الدفاعية والتشارك فيها لبناء أنظمة دفاعية مشتركة للجميع وتطوير القدرات الأوروبية في عمليات الدعم الاستراتيجي والأمن السيبراني والفضاء. كذلك يريد الأوروبيون تمكين الاتحاد من القدرة على حماية أعضائه مما يسمى «الحرب الهجينة» وحماسة المؤسسات والشركات من الهجمات الإلكترونية بما يتناول البعدين الأمني والدفاعي للصناعات والأنشطة الفضائية. وقال الرئيس ماكرون إن قمة ستعقد في شهر مايو (أيار) القادم وستخصص للملف الدفاعي علماً بأن الأوروبيين كانوا يسعون لإقرار ما يسمى «البوصلة الاستراتيجية» التي تشمل كافة هذه المسائل.
ثمة ملف استراتيجي آخر فرض نفسه بقوة على القادة الـ27 وأبانته الحرب الروسية على أوكرانيا وعنوانه الاستقلالية في ميدان الطاقة أو بكلام آخر حالة «التبعية» التي تعاني منها أوروبا في موضوع يمس المواطن الأوروبي في حياته اليومية نظراً لغلاء أسعار الغاز والمشتقات النفطية. وبينت قمة فرساي وجود شرخ كبير بين من يريد استخدام ورقة مشتريات النفط والغاز من روسيا لـ«تركيع» النظام والتوقف عن تمكين الرئيس بوتين من تمويل الحرب التي يقوم بها. وقال رئيس لاتفيا أرتور كريسجانيس كارينز أمس: «إذا أوقفنا شراء الطاقة من روسيا فهذا سيوقف تمويل الآلة الحربية، وإذا لم نعمد إلى تغليظ عقوباتنا اليوم، فمتى نقوم بذلك؟». إلا أن الرد على هذا التوجه جاء من ألمانيا وإيطاليا والنمسا وفنلندا والمجر. وقال رئيس الوزراء المجري فيكتور أوروبان: «لن نسمح بأن تدفع العائلات «المجرية» ثمن قرار كهذا، وواضح أن موقف كل بلد أوروبي مربوط بنسبة تبعيته للغاز أو للنفط الروسيين ولانعدام البدائل في الوقت الحاضر. وحتى اليوم، يقاوم الأوروبيون بشكل عام الضغوط المشتركة الأميركية - البريطانية علماً بأن لندن لن توقف مشترياتها فوراً بل ستوقفها مع نهاية العام الجاري. وجاء في البيان الختامي أن الأوروبيين «سيعمدون تدريجياً لخفض تبعيهم لاستيراد النفط والغاز والفحم «الحجري» منذ أن يكون ذلك ممكناً» عبر خفض الاستهلاك وتنويع المصادر وإقامة «سوق لطاقة الهيدروجين» في أوروبا وتعزيز إنتاج الطاقة المتجددة وربط الشبكات الكهربائية الأوروبية... ودعا البيان المفوضية إلى خطة مع نهاية الشهر الجاري لـ«ضمان أمن التزود بالطاقة وضمان أسعار يقبلها المواطنون» في موسم الشتاء القادم.
ويخشى المسؤولون الأوروبيون بمن فيهم فرنسا أن يفضي الارتفاع الاستثنائي لأسعار الغاز والمشتقات النفطية إلى حركات احتجاجية كالتي عرفتها فرنسا في 2019 و2020 علماً بأنها قادمة على انتخابات رئاسية بعد شهر واحد. وقالت رئيسة المفوضية خلال القمة إنه يتم العمل على خطة خمسية للخفض التدريجي لمشتريات الغاز والنفط والفحم الروسي على أن يتم وقفها نهائياً بحلول عام 2027.


مقالات ذات صلة

روسيا تقصف جسراً في زابوريجيا... وأوكرانيا تطلق 650 مسيّرة على منطقة موسكو

أوروبا عمال إنقاذ في موقع غارة روسية على مدينة خاركيف الأوكرانية (رويترز) p-circle

روسيا تقصف جسراً في زابوريجيا... وأوكرانيا تطلق 650 مسيّرة على منطقة موسكو

قال القائم بأعمال حاكم منطقة زابوريجيا الأوكرانية، اليوم الثلاثاء، إن روسيا قصفت جسرا فوق نهر دنيبرو بالمنطقة، مما أدى إلى توقف حركة المرور وإصابة شخصين.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا رجال الإنقاذ في موقع مبنى سكني تعرض لهجوم صاروخي روسي بخاركيف (رويترز)

مقتل 5 أشخاص في غارات روسية بقنابل موجّهة على خاركيف الأوكرانية

أسفرت ضربات روسية بقنابل موجّهة عن مقتل 5 أشخاص في مدينة خاركيف بشرق أوكرانيا الاثنين، بحسب ما أفاد حاكم المنطقة.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا نظام الهجوم بالطائرات المسيرة انتشر على نطاق واسع بين الوحدات العسكرية الأوكرانية (إ.ب.أ)

أوكرانيا تعلن استخدام أسلحة آلية تعمل بالذكاء الاصطناعي

أعلنت أوكرانيا، الاثنين، أنها بدأت استخدام أسلحة رشاشات آلية التشغيل مزوّدة بالذكاء الاصطناعي في كييف.

«الشرق الأوسط» (كييف )
أوروبا مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس خلال مشاركتها في الاجتماع العاشر لمجلس الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وجمهورية مولدوفا في بروكسل يوم 5 أكتوبر 
2026 (إ.ب.أ)

كالاس: روسيا تشكل ⁠خطراً على الأرواح في أوروبا بهجماتها الهجينة

قالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، اليوم (الاثنين)، إن روسيا تشكل خطراً على أرواح الناس في جميع أنحاء أوروبا من خلال شن هجمات هجينة.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد توربينات غازية تابعة لشركة «سيمنس» الألمانية (الموقع الإلكتروني لشركة سيمنس إنرجي)

«نافتوغاز» الأوكرانية تدرس شراء ضواغط توربينية غازية من «سيمنس» الألمانية

ذكرت وزارة الطاقة الأوكرانية، يوم الاثنين، أن شركة النفط والغاز الحكومية الأوكرانية «نافتوغاز» تدرس شراء خمس وحدات ضغط تعمل بالتوربينات الغازية من شركة «سيمنس».

«الشرق الأوسط» (كييف)

رئيس وزراء ساموا يعتذر لقوله «يحيا هتلر» قبل 20 عاما!

رئيس وزراء ساموا لاأولي ليواتيا شميدت (أرشيفية)
رئيس وزراء ساموا لاأولي ليواتيا شميدت (أرشيفية)
TT

رئيس وزراء ساموا يعتذر لقوله «يحيا هتلر» قبل 20 عاما!

رئيس وزراء ساموا لاأولي ليواتيا شميدت (أرشيفية)
رئيس وزراء ساموا لاأولي ليواتيا شميدت (أرشيفية)

قدم رئيس وزراء ساموا اعتذارا الاثنين، بعد انتشار مقطع فيديو له يظهره وهو يهتف «هايل هتلر» (يحيا هتلر) ويؤدي تحية نازية.

وقال لاأولي ليواتيا شميدت في بيان إن اللقطات تعود لتجمع عائلي جرى قبل نحو 20 عاما، ولم يكن مفترضا أبدا أن تظهر للعلن. وأوضح «تُظهر اللقطات ترديدي لعبارة هايل هتلر وقيامي بحركة مرتبطة بألمانيا النازية خلال تجمع عائلي خاص (...) لم يكن موجها للعامة».

وأضاف «مهما كان السياق أو القصد خلال هذا التجمع قبل عشرين عاما، فإنني أدرك أن تلك الكلمات والحركة كانتا غير لائقتين ومن شأنها أن تسببا الإساءة والألم، ولذا فإنني أعتذر عن استخدامها».

وكان شميدت قد أعرب سابقا عن دعمه القوي لإسرائيل، وتعهد بفتح سفارة في القدس قبل نهاية العام. وقال «أنا أرفض النازية ومعاداة السامية والعنصرية وجميع أشكال التطرف السياسي».

وكان شميدت قد ارتدى شال الصلاة اليهودي عند أدائه اليمين الدستورية رئيسا للوزراء عام 2025، حيث دخل القاعة على وقع صوت بوق الشوفار الاحتفالي. وقال حينها وفقا لوسائل إعلام محلية «أنا أقف إلى جانب إسرائيل، أرض الله». وتابع «ستقف ساموا وتدعم أرض الله المقدسة».

وتؤمن دول المحيط الهادئ الشديدة التدين مثل ساموا، بنبوءات العهد القديم التي تقول إن اليهود مقدر لهم أن يعودوا يوما ما إلى أرض إسرائيل.


النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
TT

النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)

على مدى القرون الخمسة الماضية، كانت اليابسة محور التنافس والصراع بين المجتمعات البشرية، حتى أصبح كل شبر منها، باستثناء القارة القطبية الجنوبية، خاضعاً لسيادة دولة ما، في حين ظلت المحيطات والبحار خارج هذه السيطرة.

بنما سيتي مدينة تكتسب أهميتها من قناة بنما (أ.ف.ب)

وعندما حاول بعض الدول فرض السيطرة على البحار وتنظيمها، فشلت المحاولات لأنها كانت شاسعة للغاية، بحيث تعذرت السيطرة عليها لفترات طويلة. وخلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، في النصف الثاني من القرن العشرين، تجنبت القوى العظمى الدخول في سباق محموم للاستيلاء على المحيطات.

واتفقت معظم الحكومات على التعامل معها من خلال مجموعة من المعاهدات والهيئات التي سعت إلى ضمان حرية الملاحة في المياه الدولية، مع تخصيص مساحات من البحار للدول المطلة عليها بتصنيفها مياهاً إقليمية أو منطقة اقتصادية خالصة لكل دولة.

لكن ميشال ألبرتوس، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو الأميركية، يقول في تحليل نشرته مجلة «فورين أفيرز»، إن هذا النظام الدولي للبحار والمحيطات ينهار الآن، حيث يعطّل الحوثيون في اليمن حركة الملاحة في مضيق باب المندب، فيما يدور صراع بمنطقة مضيق هرمز.

وفي يوليو (تموز)، طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فكرة تحصيل الولايات المتحدة رسوماً على المرور في «هرمز»، قبل أن يتراجع عن الخطة لاحقاً.

سفن راسية في مياه عُمان قرب مضيق هرمز (أ.ف.ب)

وفي الوقت نفسه، تتنافس حكومات أخرى للسيطرة على المياه الدولية والموارد البحرية؛ فتسعى روسيا لبسط سيطرتها على مساحات شاسعة من مياه القطب الشمالي وقيعان البحار، وتُنشئ الصين جزراً اصطناعية في بحر الصين الجنوبي، وتوسع الولايات المتحدة نطاق نفوذها في قيعان البحار خارج منطقتها الاقتصادية الخالصة، وتسعى دول عديدة لبدء استخراج المعادن النادرة الحيوية من المحيطات.

* توجه عالمي

يأتي هذا التوجه العالمي نحو السيطرة على الممرات البحرية أو مساحات شاسعة من البحار والمحيطات، بالتزامن مع تدهور قوة المؤسسات والمعاهدات الدولية التي حافظت على حرية الملاحة في المحيطات على مدى عقود. والآن تواجه التجارة العالمية تهديداً وجودياً إذا سارعت الحكومات إلى فرض سيطرتها على بحار الأرض، كما فعلت مع اليابسة، ليدخل العالم حقبة جديدة من الصراعات البحرية.

سفينة شحن راسية عند الساحل اليمني قرب باب المندب (أ.ف.ب)

ويقول ألبرتوس مؤلف كتاب «عودة الغزو» الذي لا يزال قيد الطبع، إن العالم الذي يتم فيه تقسيم المحيطات سيكون حتماً أفقر وأشد خطورة.

وبعد أن أعلنت إيران عزمها على فرض رسوم عبور في مضيق هرمز الذي تسيطر عليه وتغلقه عملياً منذ الهجوم الأميركي - الإسرائيلي عليها في نهاية فبراير (شباط) الماضي، لمّح وزير المالية الإندونيسي إلى احتمال فرض بلاده رسوم عبور في مضيق ملقا، قبل أن يتراجع عن تصريحه فيما بعد. ويعد مضيق ملقاً ممراً بحرياً حيوياً في جنوب شرقي آسيا يمر عبره نحو 29 في المائة من إمدادات النفط العالمية المنقولة بحراً.

كما أن الصين دأبت على تجاهل حكم ملزم صدر عام 2016 بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يرفض مزاعمها الواسعة في بحر الصين الجنوبي. وتخالف بكين هذا القرار ببناء جزر اصطناعية على الشعاب المرجانية المتنازع عليها، والتعدي على المنطقة الاقتصادية الخالصة للفلبين، ومحاصرة تايوان.

أما روسيا، فتدور حولها شبهات بشأن استخدام سفن ذات هويات مخفية لقطع الكابلات البحرية، بوصف ذلك جزءاً من حملة أوسع لزعزعة استقرار الدول الأوروبية رداً على دعمها لأوكرانيا في حربها ضد روسيا.

* تغيّر المناخ

من المنتظر أن يؤدي تغير المناخ إلى نشوب نزاعات جديدة عبر المحيطات؛ فمع استمرار ذوبان الجليد في القطب الشمالي من المنتظر أن تنشط حركة الملاحة البحرية في الطريق البحري الجديد الذي ربط أوروبا وآسيا على طول الساحل الروسي المطل على القطب الشمالي. ومن الصعب تصور سماح موسكو بحرية المرور عبر هذا الطريق، علماً بأنها تجبر حالياً السفن الأجنبية التي تمر عبر هذا الطريق، على الخضوع لنظام معقد وخانق من التصاريح والتراخيص. كما أنها تعامل ممرات مائية، مثل مضيق فيلكيتسكي قبالة الساحل السيبيري، على أنها ممرات مائية داخلية تخضع للولاية القضائية الروسية، وليست مضائق دولية.

ولا تقتصر الصراعات على المحيطات على السيطرة على حركة الملاحة؛ فمع هيمنة الصين على الإمدادات العالمية الحالية من معادن الأرض النادرة واستغلالها لها ورقةَ ضغط قوية، تستكشف دول أخرى إمكانات استخراج المعادن من قيعان المحيطات؛ إذ تحتوي أراضي المحيطات في مناطق مثل منطقة كلاريون-كليبرتون في شمال المحيط الهادئ بين هاواي والمكسيك، وحوض المحيط الهندي الأوسط، وحوض بنرين في جنوب المحيط الهادئ، على كميات ضخمة من الأحجار التي تحتوي على معادن بالغة الأهمية.

غواصة تايوانية يظهر برجها في مياه مضيق تايوان (رويترز)

وقد أصدرت السلطة الدولية لقاع البحار، التابعة لاتفاقية الأمم المتحدة، عشرات عقود التنقيب التي تسمح للحكومات بمسح قاع المحيط ورسم خرائطه، وجمع البيانات البيئية، واختبار تقنيات الاستخراج. إلا أن الهيئة تحظر حالياً التعدين التجاري لعدم اتفاق أعضائها على المعايير البيئية أو قواعد الامتثال لها.

* ثروات في القاع

من المرجح أن تعترض الدول الموقعة على المعاهدات الدولية التي تقيد الأنشطة الاستخراجية في المحيطات والبحار، بما فيها الصين والهند وروسيا، إذا مضت الولايات المتحدة قدماً في إقامة مشروعات للتعدين في المحيطات المفتوحة. ورغم أن بكين وموسكو تتجاهلان قوانين البحار الأخرى، فإنهما ستستشهدان بتعدين الولايات المتحدة لتبرير قوانينهما الخاصة.

وكما الحال مع الأنظمة الأخرى القائمة على القواعد، لن ينهار النظام الدولي لإدارة المحيطات دفعة واحدة، لأن القوى العظمى ما زالت تستفيد من بعض القواعد؛ مثل تنظيم مصائد الأسماك، حتى لو كانت ستجني مكاسب من الفوضى بمجالات أخرى؛ بل من المرجح أن ينهار النظام تدريجياً.

وأخيراً يحذر ألبرتوس من تباطؤ حركة التجارة، في عالمٍ تتنازع فيه الدول السيطرة على المحيطات؛ إذ ستضطر السفن إلى اتخاذ مسارات متعرجة عبر البحار، ودفع رسوم متزايدة في المضائق، وسترتفع أسعار السلع، وتصبح سلاسل الإمداد أشد اضطراباً وأكثر عرضة للانقطاع. وقد يتطور غزو المحيطات في نهاية المطاف كما لو كان غزواً للأراضي، حيث تستحوذ الدول الأقوى - أو تلك التي تصل أولاً - على ملكية الموارد. وسيتضاعف عدد بؤر التوتر الجيوسياسي مع تسابق الحكومات للاستيلاء على أكبر حصة من المحيطات وحماية سيادتها المزعومة باستخدام القوة.


سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
TT

سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)

أعلنت السلطات الأسترالية إصابة 10 أشخاص جراء اندفاع رجل ​بسيارته نحو حشد من الناس في مدينة نيوكاسل اليوم (السبت)، بعدما بدا أنه فقد السيطرة على المركبة، وفقاً لوكالة «رويترز».

وألقي القبض على السائق البالغ من العمر 18 عاماً في ‌مكان الحادث بضاحية وولسيند ​بالمدينة، ‌التي ⁠تبعد ​بنحو 110 ⁠كيلومترات إلى الشمال من سيدني عاصمة ولاية نيو ساوث ويلز.

وجاءت الواقعة بينما كان مشجعون قد اصطفوا في الشوارع لتوديع فريق نيوكاسل نايتس لدوري ⁠الرجبي، الذي من المقرر ‌أن ‌ينافس في نهائي الدوري الوطني ​للرجبي في ‌سيدني غداً (الأحد).

وقالت السلطات ‌إن اثنين من المصابين الذين نقلوا إلى المستشفى، وهما طفلة تبلغ من العمر 5 سنوات ورجل ‌يبلغ من العمر 67 عاماً، في حالة حرجة.

وأفاد جافين ⁠موريس ⁠رئيس بلدية نيوكاسل بأن السائق بدا أنه فقد السيطرة على السيارة التي صدمت الحشد. وقال موريس في تصريحات نقلها التلفزيون: «يبدو أنه كان يضغط على دواسة الوقود لتسريع المحرك بطريقة ما».

وأكدت الشرطة أن المؤشرات الأولية تفيد بأنه ​حادث لا ​علاقة له بالإرهاب.