بوتين يوافق على زج «متطوعين» من الشرق الأوسط بحرب أوكرانيا

موسكو ومينسك تعززان التحالف في وجه {تهديدات مشتركة}

بوتين يوافق على زج «متطوعين» من الشرق الأوسط بحرب أوكرانيا
TT

بوتين يوافق على زج «متطوعين» من الشرق الأوسط بحرب أوكرانيا

بوتين يوافق على زج «متطوعين» من الشرق الأوسط بحرب أوكرانيا

دخلت العمليات العسكرية الجارية في أوكرانيا مرحلة جديدة أمس، بعد إعلان الكرملين عزمه زج «متطوعين» من منطقة الشرق الأوسط، خصوصاً من سوريا، في الحرب الدائرة. وجاء الإعلان بعدما عرض وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو خطة جديدة لدعم العملية العسكرية، خلال اجتماع لمجلس الأمن القومي، تشتمل فضلاً عن استقدام مقاتلين أجانب، توسيع مجالات بتسليح الانفصاليين الأوكرانيين بقاذفات مضادة للمدرعات والطائرات، ما يمهد لتحويل المعارك تدريجياً إلى «حرب عصابات» تمتد على طول الأراضي الأوكرانية.
واستمع بوتين لتقرير وزير الدفاع الذي تضمن ثلاثة عناصر. وقال شويغو إن «كل شيء يجري وفقاً للخطة الموضوعة ونبلغكم بذلك يومياً». وزاد أن مسار المعارك يتطلب عرض ثلاث مسائل لمصادقة بوتين عليها؛ وهي «مساعدة المتطوعين من الشرق الأوسط في الوصول إلى منطقة دونباس بغية المشاركة في الأعمال القتالية إلى جانب روسيا، وتسليم المعدات القتالية التي تم انتزاعها من القوات الأوكرانية خلال العملية إلى قوات جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك الشعبيتين، وتعزيز أمن الحدود الغربية للدولة الروسية بما يشمل نشر قوات إضافية ومنظومات دفاعية متطورة هناك».
وبرر شويغو اقتراحه بزج المقاتلين الأجانب، بالقول إن روسيا «تتلقى أعداداً هائلة من الطلبات من المتطوعين من دول مختلفة يرغبون في التوجه إلى جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك الشعبيتين بغية المشاركة في حركة التحرير، ومعظمهم من دول الشرق الأوسط، حيث تجاوز عدد الطلبات عتبة 16 ألفاً». وزاد: «نرى من الصحيح الرد إيجاباً على هذه الطلبات، خصوصاً أنها تأتي ليس لاعتبارات مالية، بل بسبب الرغبة الحقيقية من قبل هؤلاء الناس، ونعرف كثيراً منهم، وهم سبق أن ساعدونا في الحرب ضد (داعش) في أصعب فترة، خلال السنوات العشر الماضية». وسارع بوتين إلى إعلان موافقته على الاقتراح المقدم، وقال إنه يوافق أول عنصرين من الخطة المقدمة، فيما طلب من وزير دفاعه إعداد تقرير مفصل بخصوص الاقتراح الثالث بغية «مناقشته وتبني الإجراء المناسب». وقال بوتين خلال الاجتماع إن «الممولين الغربيين للنظام الأوكراني لا يخفون عملهم على جمع مرتزقة من مختلف أرجاء العالم ونقلهم إلى أوكرانيا»، محملاً إياهم المسؤولية عن «التجاهل التام لكل أعراف القانون الدولي». وأضاف: «لذلك عندما ترون أن هناك أشخاصاً يرغبون في التوجه إلى دونباس لمساعدة سكانها، وذلك ليس من أجل المال، فيجب الرد إيجاباً ومساعدتهم في الوصول إلى منطقة القتال. لكن اللافت كما اتضح لاحقاً، أن الحديث عن زج مرتزقة يتركز فقط على المقاتلين من الشرق الأوسط خصوصاً من سوريا، في حين لم يعطِ الكرملين ضوءاً أخضر لمتطوعين في روسيا للتوجه إلى مناطق القتال. وقال المتحدث باسم الرئاسة الروسية دميتري بيسكوف، إنه «لا يجري النظر في اجتذاب متطوعين روس للمشاركة في العملية العسكرية الخاصة بأوكرانيا». وأضاف أن «وزير الدفاع تحدث بشكل محدد عن الذين تقدموا بطلبات من الشرق الأوسط، من سوريا. وبناء عليه، لم يكن هناك حديث عن المواطنين الروس». ورداً على سؤال حول الغرض من جذب المتطوعين، أشار بيسكوف إلى أن «هناك عدداً كبيراً من المرتزقة المأجورين الذين يأتون إلى أوكرانيا للمشاركة في الأعمال العدائية ضد جيشنا، وفي الوقت نفسه، يتم تلقي الطلبات من المتطوعين الذين يرغبون في المشاركة بالقتال الذي يعدونه نضالاً من أجل التحرر الوطني».

إلى ذلك، سارت موسكو ومينسك خطوات إضافية أمس، لتعزيز التحالف بينهما في مواجهة ما وصف بأنه «تهديدات مشتركة». وأجرى الرئيس الروسي جولة محادثات مطولة مع نظيره البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو تم التطرق في الجزء العلني منها إلى التحركات المشتركة للطرفين خلال المرحلة المقبلة. ولفت الأنظار إلى أن لوكاشينكو الذي تعمد أكثر من مرة خلال الأسبوعين الماضيين التركيز على أن بلاده ليست طرفاً في الحرب الأوكرانية، أطلق خلال لقائه مع بوتين سلسلة تصريحات تؤكد انخراط مينسك في هذه الحرب من منطلق أن «بلادنا كانت هدفاً لعدوان أوكراني تم التحضير له، لكن العملية الاستباقية الروسية جنبتنا هذا العدوان»، وفقاً للوكاشينكو الذي جاء إلى الاجتماع حاملاً خريطة، وقال لبوتين: «سأظهر لكم الآن أين جرت التحضيرات لشن هجوم على بيلاروسيا، ولولا الضربة الاستباقية التي تم توجيهها قبل ست ساعات من العملية على هذه المواقع لهاجموا قواتنا البيلاروسية والروسية المشاركة في التدريبات». وأعرب بوتين عن موافقته على كلام لوكاشينكو حول «تحضير الحكومة الأوكرانية لشن هجوم على منطقة دونباس والقوات الروسية والبيلاروسية المشاركة في مناورات مشتركة بأراضي بيلاروسيا». في الإطار ذاته، لفت لوكاشينكو إلى أن بوتين «طلب مني المشاركة في أعمال إعادة تأهيل محطة تشيرنوبل النووية وإمدادها بالطاقة الكهربائية»، موضحاً أن «هذا الأمر يجب القيام به، إنهم (الأوكرانيون) لا يريدونها، لقد حاولوا القيام باستفزازات خطرة». وتابع أن هناك «مرتزقة أجانب يتحركون على طول الحدود نحو محطة تشيرنوبل»، مضيفاً: «سنضطر إلى كشف ما يعتزمون فعله في تشيرنوبل».
وتركز حديث الرئيسين خلال اللقاء، على آليات التصدي المشترك لتبعات العقوبات الغربية المفروضة على البلدين. وقال بوتين إنه مقتنع بأن «التغلب على المشاكل التي تسببها العقوبات، سيجلب الفائدة لكل من روسيا وبيلاروسيا في نهاية المطاف». وزاد: «على العكس من توقعات الغرب، ستكتسب مزيداً من الكفاءات، ومزيداً من الفرص للشعور بالاستقلالية، وفي النهاية سيكون كل ذلك مفيداً لنا، كما كان في السنوات السابقة». ووفقاً للرئيس الروسي، فقد «كانت هناك دائماً محاولات لكبح جماح التنمية في روسيا وبيلاروسيا، ولدي ثقة في أن فترة العقوبات تعد فرصة لتعزيز سيادة الدولتين الاقتصادية والتكنولوجية».
وذكر بوتين أن الاتحاد السوفياتي عانى على مدار عقود من صعوبات العقوبات والقيود، لكنه تمكن من تطوير قدراته رغم ذلك.
بدوره، قال لوكاشينكو إن جميع العقوبات الغربية ضد مينسك وموسكو «غير شرعية، ومثيرة للاشمئزاز». وأضاف: «كنا دائماً نرزخ تحت العقوبات، وهي باتت اليوم أكثر شدة وضخامة، ولكننا اعتدنا على تصرفات الغرب».
على الصعيد السياسي المتعلق بأوكرانيا، لاحظ بوتين خلال اللقاء، أن «هناك بعض التحولات الإيجابية في المحادثات الروسية - الأوكرانية».
وقال بوتين، مخاطباً ضيفه: «دون أدنى شك سأطلعك على مستجدات الوضع في أوكرانيا، بالدرجة الأولى على كيفية سير المحادثات التي تجري حالياً على أساس يومي تقريباً، وثمة هناك بعض التحولات الإيجابية، حسبما أكد لي المفاوضون من جانبنا».
ولم يوضح طبيعة التطورات الإيجابية التي قصدها، لكنه أضاف: «كلما مر الوقت أدرك الناس أكثر فأكثر أننا لم نهاجمهم، بل إن الجيش الأوكراني هو من بدأ بالقصف بصورة استباقية قبل يومين من ذلك عندما كنا في منزلكم، وتلقينا تقارير باستمرار عن ذلك على متن مروحية».
ميدانياً، فشلت أمس مجدداً، جهود تنشيط عمل الممرات الإنسانية التي كان الجانبان الروسي والأوكراني اتفقا في وقت سابق على إطلاقها. وكانت موسكو أعلنت صباح أمس، عن «هدنة إنسانية جديدة في عدد من المناطق الأوكرانية».
وقال المقر الروسي للاستجابة الإنسانية في أوكرانيا، إنه «رغم إفشال أوكرانيا أكثر من مرة لإجلاء المدنيين والمواطنين الأجانب المحتجزين قسراً من قبل القوميين في عدد من المدن، وكذلك نظراً لتدهور الوضع الإنساني»، تعلن روسيا استعدادها لتأمين ممرات إنسانية، بما يشمل ذلك سلامة مرور الناس، وكذلك مرور قوافل الحافلات والنقل البري المدني. وحسب المقر الروسي، فإن الممرات الإنسانية فتحت في العاصمة الأوكرانية كييف ومدن تشيرنيهيف وسومي وخاركوف وماريوبول.
وفي وقت لاحق، قالت وزارة الدفاع الروسية إن أوكرانيا وافقت على تنشيط مسارين فقط من أصل 6 ممرات اقترحتها موسكو، مشيرة إلى أن الممرين اللذين أبدت كييف استعداداً لتنشيطهما لا يتجهان نحو الأراضي الروسية. وكانت كييف أعلنت أنها لن تقبل بنقل المتضررين في المدن المحاصرة إلى روسيا أو بيلاروسيا وفقاً للاقتراح الذي قدمته موسكو.
ونشرت وزارة الدفاع الروسية تصويراً جوياً قالت إنه يظهر «القوميين الأوكرانيين» في مدينة تشيرنيغوف شمال البلاد وهم يغلقون ممراً إنسانياً مانعين سيارات المدنيين من الخروج من المدينة. أيضاً اتهمت الوزارة كييف بمنع رؤساء بلديات في عدد من المدن من إجراء أي «اتصالات إنسانية» مع روسيا، وقالت في بيان: «كل من يعارضون القرار يتم قتلهم بالرصاص». برغم ذلك، أعلنت الوزارة أن أكثر من 23 ألف شخص أعربوا عن رغبتهم في إخلاء أراضي العملية العسكرية الخاصة والتوجه نحو الأراضي الروسية.
في الأثناء، واصلت موسكو استهداف مواقع قالت إن متشددين أوكرانيين يتحصنون داخلها في محيط المدن الكبرى، وعرضت مقطع فيديو تم تصويره من الجو، أثناء توجيه القوات الروسية ضربة صاروخية مدمرة على ما وصف بأنه «معقل محصن للقوميين الأوكرانيين». أيضاً، اتهمت وزارة الدفاع الروسية «مسلحين أوكرانيين» بتفجير أحد مباني معهد الفيزياء والتكنولوجيات في مدينة خاركوف بهدف «إخفاء أنشطة بحثية نووية مورست هناك».


مقالات ذات صلة

أوروبا مسيرة أوكرانية (رويترز)

مقتل شخص في هجوم بمسيرة أوكرانية في تاجانروج بجنوب روسيا 

قال يوري سليوسار حاكم منطقة روستاف ​الروسية، إن هجوماً بطائرة مسيرة أوكرانية، اليوم (الأحد)، أدى إلى مقتل شخص وإشعال حرائق في ‌مدينة تاجانروج.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين متحدثاً خلال «المؤتمر السنوي لاتحاد الصناعيين ورجال الأعمال الروس» بموسكو يوم 26 مارس الحالي (أ.ب) p-circle

روبيو يتهم زيلينسكي بـ«الكذب»... ولا يستبعد تحويل أسلحة مخصصة لأوكرانيا إلى حرب إيران

روبيو يتهم زيلينسكي بـ«الكذب»، ولا يستبعد تحويل أسلحة مخصصة لأوكرانيا إلى حرب إيران، وبوتين يتوقع تقارباً مع أوروبا، وبرلين تحذر من تراجع الدعم لكييف بسبب الحرب

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين متحدثاً خلال «المؤتمر السنوي لاتحاد الصناعيين ورجال الأعمال الروس» بموسكو 26 مارس الحالي (أ.ب) p-circle

حرب إيران تضغط على أوكرانيا واستنزاف «التوماهوك» يربك البنتاغون

حرب إيران تضغط على أوكرانيا واستنزاف «التوماهوك» يربك البنتاغون... الكرملين ينفي أن بوتين طلب تبرعات للحرب من مليارديرات روسيا

إيلي يوسف (واشنطن)
العالم أعلام دول مجموعة السبع في يوم اجتماع وزراء خارجية المجموعة بالقرب من باريس - 26 مارس 2026 (رويترز)

مجموعة السبع تسعى إلى موقف مشترك مع واشنطن لإنهاء حرب إيران

تسعى مجموعة السبع المجتمعة في باريس إلى بلورة موقف مشترك مع الولايات المتحدة لإنهاء حرب إيران.

«الشرق الأوسط» (باريس)

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».